Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٨١ - [٨] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَى :
(تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِيَ الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا،
يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالْأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَلَ حَاجَةَ لِي بِهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
W C
الْشَّرْجُ
١٨٨١ - قوله: (وَعَنْ حَارِثَةَ) بالحاء المهملة والمثلثة. (بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو
وسكون الهاء الخزاعي أخي عبد الله بن الخطاب لأمه. (تَصَدَّقُوا) أي: اغتنموا
التصدق عند وجود المال وعند حصول من يقبله، واقبلوا منة الفقير في أخذه
منكم، فالمعنى تصدقوا قبل أن لا تتصدقوا على سنن ((حجوا قبل أن لا تحجوا)).
قاله القاري. فإن قيل: إن من أخرج صدقته مثاب على نيته، وإن لم يجد من
يقبلها، فالجواب: أن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل، والناوي يثاب ثواب
الفضل فقط. والأول أرجح.
(فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ) وفي رواية: (فَسَيَأْتِي)) والخطاب لجنس الأمة، والمراد:
بعضهم. (زَمَانٌ) أي: قرب الساعة وهو زمان المهدي ونزول عيسى ظلَّلا، وقيل:
هو زمان ظهور أشراط الساعة كما ورد ((لا تقوم الساعة، حتى يكثر فيكم المال،
فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقة وحتى يعرضه، فيقول: الذي يعرضه عليه
لا إرب لي فيه)). (يَمْشِي الرَّجُلُ) أي: الإنسان فيه. (بِصَدَقَتِهِ) أي: يذهب بها
وجملة (يَمْشِي) في محل رفع على أنها صفة لزمان، والعائد محذوف أي: فيه.
(فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا) قال النووي: سبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان؛
لكثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها كما ثبت في الصحيح
بعد هلاك يأجوج ومأجوج - وهو زمان المهدي ونزول عيسى الَّ - وقتله آمالهم
وقرب الساعة وعدم ادخارهم المال، وكثرة الصدقات.
(١٨٨١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤١١)، ومُسْلِم (١٠١١) عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ فِي الزَّكَاةِ (٧٧/٥).
كِتَاب الزَّكَاةِ
بَاب الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الإمساك
٥٨١
وقال القسطلاني: وهذا إنما يكون في الوقت الذي يستغنى الناس عن المال
فيه؛ لاشتغالهم بأنفسهم عند الفتنة، فلا يلوون على الأهل فضلاً عن المال، وهذا
في زمن الدجال، أو يكون ذلك لفرط الأمن والعدل البالغ، بحيث يستغنى كل أحد
بما عنده عما عند غيره. وهذا يكون في زمن المهدي وعيسى، ويحتمل أن يكون
إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز وبه جزم البيهقي، فلا يكون من
أشراط الساعة، وفي تاريخ يعقوب بن سفيان من طريق يحيى بن أسيد بن
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بسند جيد قال: لا، والله ما مات عمر بن
عبد العزيز حتى قعد الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون
في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، فنتذكر من نضعه فيه فلا نجده، فيرجع فقد
أغنى عمر بن عبد العزيز الناس. وسبب ذلك بسط عمر بن عبد العزيز العدل،
وإيصال الحقوق إلى أهلها حتى استغنوا، كذا ذكره في ((السراج المنير))، ورجح
الحافظ هذا الأخير؛ إذ قال: وهذا أرجح؛ لأن الذي رواه عدي بن حاتم ثلاثة
أشياء: أمن الطريق، والاستيلاء على كنوز كسرى، وفقد من يقبل الصدقة من
الفقراء. فذكر عدي أن الأوليين وقعا وشاهدهما، وإن الثالث سيقع فكان كذلك
لكن بعد موت عدي في زمن عمر بن عبد العزيز وسببه بسط العدل، وإيصال
الحقوق لأهلها، حتى استغنوا، وأما فيض المال الذي يقع في زمن عيسى الَّلاَ،
فسببه كثرة المال وقلة الناس، واستشعارهم بقيام الساعة. انتهى.
(يَقُولُ الرَّجُلُ) أي: الذي يريد المتصدق أن يعطيه إياها. (لَوْ جِئْتَ بِهَا) أي:
بالصدقة. (بِالأَمْسِ) أي: قبل ذلك من الزمن الماضي حال فقري. (لَقَبِلْتُهَا فَأَمَّا
الْيَوْمَ) أي: الآن.
(فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا) وفي رواية: ((فِيْهَا))، وفي الحديث: الحث على الصدقة،
والمبادرة والإسراع بها، واغتنام إمكانها قبل تعذرها.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الفتن، ومسلم في الزكاة، واللفظ
للبخاري وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص ٣٠٦) والنسائي.
٥٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٨٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَّ
الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ
وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ
كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ)).
[مُتَفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الْشِّرْحُ
١٨٨٢- قوله: (قَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على تسميته. (أَنْ تَصَدَّقَ)
بتخفيف الصاد أي: تتصدق بالتاءيين فحذفت إحداهما تخفيفًا، ويحتمل أن يكون
بتشديد الصاد والدال جميعًا، وأصله تتصدق فأبدلت إحدى التاءين صادًا،
وأدغمت الصاد في الصاد، وهي في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف أي: هي
تصدقك أو أعظم الصدقة أجرًا أن تصدق.
(وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملة اسمية وقعت حالًا. والمراد بالصحيح في هذا الحديث:
من لم يدخل في مرض مخوف؛ كذا قيل. (شَحِيحٌ) خبر بعد خبر أي: من شأنه
الشح للحاجة إلى المال. وقال ابن الملك: قوله: (شَحِيحٌ) تأكيد وبيان للصحيح؛
لأن الرجل في حال صحته يكون شحيحًا، وفي رواية: ((وَأَنْتَ صَحِيْحُ حَرِيصٌ))،
(تَخْشَى الْفَقْرَ) أي: بصرف المال، خبر بعد خبر، أو حال بعد حال، أو استئناف
بيان؛ قاله القاري: والمراد: أن تقول في نفسك: لا تتلف مالك؛ كيلا تصير
فقيرًا، فتحتاج إلى الناس. (وَتَأْمُلُ) بضم الميم من نصر. (الْغِنَى) أي: ترجوه
وتطمع فيه يعني: وتقول: اترك مالك في بيتك؛ لتكون غنيًّا، ويكون لك عز عند
الناس بسبب غناك. (وَلَا تُمْهِلَ) من الإمهال وهو بالنصب عطفًا على ((تصدق))، أو
بالجزم على النهى، أو بالرفع على أنه خبر أي: ولا تؤخر الصدقة أي: ولا تمهل
نفسك .
(حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ) أي: الروح. (الْحُلْقُومَ) بضم الحاء المهملة مجرى النفس،
(١٨٨٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٤١٩)، ومُسْلِم (٩٢/ ١٠٣٢) عَنْهُ فِيهَا، وَأَبُو دَاوُد (٢٨٦٥)، والنَّسَائِي
(٦٨/٥).
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابِ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاك
٥٨٣
والمراد: قاربت بلوغه؛ إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته ولا صدقته ولا شيء من
تصرفاته باتفاق الفقهاء، ولم يجر للروح ذكر اغتناء بدلالة السياق. (لِفُلَانِ) كناية
عن الموصى له. (كَذَا) كناية عن الموصى به، والجملة مبتدأ وخبر. (وَقَدْ كَانَ
لِفُلَانٍ) أي: الوارث قيل: جملة حالية أي: وقد صار المال الذي تتصرف فيه في
هذه الحالة ثلثاه حقًّا للوارث وأنت تتصدق بجميعه، فكيف يقبل منك؟ وقال
القسطلاني: أي: وقد صار ما أوصى به للوارث، فيبطله إن شاء إذا زاد على الثلث،
أو أوصى به لوارث آخر.
وقيل: المعنى أنه قد خرج عن تصرفه وكمال ملكه، واستقلاله بما شاء من
التصرف، فليس له في وصيته كبير ثواب وكثير فضل بالنسبة إلى صدقة الصحيح
الشحيح، وحاصل معنى الحديث: أفضل الصدقة أن تتصدق في حال صحتك،
واختصاص المال بك وشح نفسك، بأن تقول: لا تتلف مالك؛ كيلا تصير فقيرًا لا
في حال سقمك وسياق موتك، لأن المال حينئذ خرج عنك وتعلق بغيرك، يعني :
أعظم الصدقة أجرًا أن تصدق حال حياتك مع احتياجك إليه، فإن الصدقة في هذه
الحالة أشد مراغمة للنفس؛ لأن فيه مجاهدة النفس على إخراج المال الذي هو
شقيق الروح مع قيام مانع الشح، وليس هذا إلا من قوة الرغبة في القربة وصحة
العقد، فكان أفضل وأعظم أجرًا من غيره.
وقال الخطابي: معنى الحديث: أن الشح غالب في حال الصحة، فإذا سمح
فيها وتصدق؛ كان أصدق في نيته وأعظم لأجره بخلاف من أشرف على الموت
وأيس من الحياة، ورأى مصير المال لغيره فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى
حالة الصحة والشح، ورجاء البقاء وخوف الفقر.
قال: وفيه: دليل على أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وإن سخاوته
بالمال في مرضه لا تمحو عنه سمة البخل؛ ولذلك شرط أن يكون صحيح البدن،
شحيحًا بالمال يجد له وقعًا في قلبه؛ لما يأمله من طول العمر، ويخالف من
حدوث الفقر.
قال الحافظ: وفي الحديث: أن تنجيز وفاء الدين والتصدق في الحياة وفي
الصحة أفضل منه بعد الموت وفي المرض، وأشار وَ لَه إلى ذلك بقوله: ((وَأَنْتَ
SSONE
٥٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ الْغِنَا)) إلى آخره؛ لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج
المال، غالبًا لما يخوفه به الشيطان، ويزين له من إمكان طول العمر. والحاجة إلى
المال كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] الآية وأيضًا، فإن الشيطان
ربما زين له الحيف في الوصية، أو الرجوع عن الوصية، فيتمحض تفضيل الصدقة
الناجزة .
قال بعض السلف عن بعض أهل الترف: يعصون الله تعالى في أموالهم مرتين
يبخلون بها وهي في أيديهم، يعني: في الحياة ويسرفون فيها إذا خرجت عن
أيديهم يعني بعد الموت، وأخرج الترمذي بإسناد حسن وصححه ابن حبان عن أبي
الدرادء مرفوعًا: قال: ((مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ وَيَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ مَثَلُ الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبعَ
وَهُوَ يَرْجِعُ)) إلى معنی حدیث الباب. وروى أبو داود وصححه ابن حبان من حديث
أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الرَّجُلُ فِي حَيَاتِهِ وَصِحْتِهِ بِدِرْهَم؛ خَيْرٌ لَهُ
مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِمَائَةٍ ... )) انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الوصايا، ومسلم في الزكاة،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٣١، ٢٥٠) وابن ماجه في الوصايا، والنسائي فيه
وفي الزكاة والبيهقي وغيرهم.
١٨٨٣ - [١٠] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ بَ وَهُوَ جَالِسٌ
فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: ((هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ)) فَقُلْتُ: فَدَاَ
أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ((هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًّا إِلَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا، وَهَكَذَا،
وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٨٨٣ - قوله: (هُمُ الأَخْسَرُونَ) ((هم)) ضمير عن غير مذكور لكن يأتي تفسيره
(١٨٨٣) مُيَ
مُتَّفَقْ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٦٣٨)، ومُسْلِم (٣٠/ ٩٩٠) عَنْهُ فيها، والتِّرْمِذي (٦١٧)، والنَّسَائِي
(١٠/٥).
كِتَاب الرَّكاةِ
بَابَ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٥٨٥
وهو قوله: (هُمُ الأَكْثَرُونَ) وفيه: أنه يصح رجع الضمير إلى الحاضر في الذهن، ثم
تفسيره للمخاطب إذا سأل عنه. (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) الواو للقسم. (فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي)
بفتح الفاء؛ لأنه ماض خبر بمعنى الدعاء، ويحتمل كسر الفاء والقصر لكثرة
الاستعمال أي: يفديك أبي وأمي وهما أعز الأشياء عندي؛ قاله القاري.
قال العراقي: الرواية المشهورة بفتح الفاء والقصر على أنها جملة فعلیه، ورُوي
بكسر الفاء والمد على الجملة الاسمية، انتهى. (مَنْ هُمْ) أي: من الأخسرون
الذين أجملتهم. (هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا) قال القاري: لعل جمع التمييز لإرادة
الأنواع أو لمقابلة الجمع بالجمع أي: الأخسرون مالًا هم الأكثرون مالًا. قال
ابن الملك: يعني: من كان ماله أكثر؛ خسرانه أكثر. (إِلَّا مَنْ قَالَ) أي: فعل
بماله. والقول يطلق في لسان العرب على الأفعال كلها. قال الطيبي: يقال: قال
بيده أي: أشار، وقال بيده أي: أخذ، وقال برجله أي: ضرب، وقال بالماء على
يده أي: صبه، وقال بثوبه أي: رفعه فيطلقون القول على جميع الأفعال اتساعًا.
(هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) أي: إلا من تصدق بماله وبذله ونثره في كل جانب
فقوله: (قَالَ هَكَذَا ... ) إلخ. كناية عن التصدق العام في جميع جهات الخير. (مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ) هو بيان لقوله: (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)
واكتفي في الإشارة بثلاثة مع أن الجوانب المذكورة أربعة اكتفاء. وقيل المراد
بالثلاث: الجمع؛ لأنه أقل مراتب الجمع.
ولذا قال ابن الملك: أي: إلا مَن تصدق به من جوانبه الأربع على المحتاجين،
أي: فليس من الخاسرين بل من الفائزين، ويمكن أن يراد بالثلاث القدام والخلف
وأحد الجانبين. وهذه رواية مسلم، وفي رواية البخاري وقع ((هكذا وهكذا))
مرتين. فالمراد بها: التكرار والتكثير. قال القاري: وقال في الحديث: بمعنى:
أشار بيده إشارة مثل هذه الإشارة ومن بيان الإشارة، والأظهر أن يتعلق ((من))
بالفعل لمجيء عن، والتقدير: مبتدأ من بين يديه، ومن خلفه ومجاوزًا عن يمينه
وشماله .
(وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) جملة اسمية. فـ(هُمْ) مبتدأ مؤخر، (وَقَلِيلٌ) خبره. و((ما)) زائدة
مؤكدة للقلة، أو صفة يعني ومن يفعل ذلك قليل. قال النووي: في الحديث:
ECCNE
٥٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحث على الصدقة في وجوه الخير، وأنه لا يقصر على نوع من وجوه البر، بل
ينفق في كل وجه من وجوه الخير يحضر، وهو المراد بإشاراته و ◌ّل إلى قدام ووراء
والجانبين، وفيه: جواز الحلف بغير تحليف، بل هو مستحب إذا كان فيه مصلحة
كتو كيد أمر مهم وتحقيقه ونفي المجاز عنه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم أخرجه من طريق المعرور بن سويد عن أبي ذر
وأخرجه البخاري من طريق زيد بن وهبٍ عن أبي ذر في الاستقراض والاستئذان
والرقاق. بلفظ: ((الْأَكْثَرُونَ هُمُ الْأَقَلَّون إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا)). وأشار
أبو شهاب - أحد رواته عند البخاري - بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ ((وَقَلِيلٌ مَا
هُمْ))، رواه بهذا اللفظ في الاستقراض في أثناء حديث، وروى مسلم أيضًا من
طريق ابن وهب بنحوه، وأخرجه أحمد من الطريقين، والترمذي والنسائي من
طريق المعرور بن سويد.
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٥٨٧
الفصل الثاني
١٨٨٤ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((السَّخِيُّ
قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ
بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضَعِيف جِدًّا}
سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابٍِ بَخِيلٍ)).
C تـ
الْشَّرْحُ
١٨٨٤ - قوله: (السَّخِيُّ) هو الذي اختار رضا المولى في بذله على الغنى.
(قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ) أي: من رحمته. (قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ) بصرف المال وإنفاقه فيما
ينبغي، فالسخاء سبب موصل إلى الجنة. (قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ)؛ لأن السخي يحبه
جميع الناس، ولو لم يحصل لبعضهم نفع من سخاوته كمحبة العادل. (بَعِيدٌ مِنَ
النَّارِ) هو لازم لما قبله من قوله: (قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ).
(وَالْبَخِيلُ) هو الذي لا يؤدي الواجب عليه. وقيل: المراد بالسخاوة والبخل
هنا: أداء الزكاة ومنعها. وقيل: المراد: الاتصاف بهذين الخلقين مطلقًا. (بَعِيدٌ
مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ) معنى هذه الجملة ظاهر
مما قبلها، والأشياء تتبين بأضدادها. قال العلقمي: من أدى زكاة ماله، فقد امتثل
أمر الله وعظمه، وأظهر الشفقة على خلق اللَّه تعالى، وواساهم بماله، فهو قريب
من الله وقريب من الناس، فلا تكون منزلته إلا الجنة، ومن لم يؤدها فأمره إلى
عكس ذلك؛ ولذا كان جاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل. انتهى.
(وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللهِمِنْ عَابِدٍ بَخِیلٍ) یرید بالجاهل ههنا: ضد العابد؛
لأنه ذكره بإزائه يعني رجلًا يؤدي الفرائض، ولا يؤدي النوافل، وهو سخي أحب
إلى الله تعالى من رجل يكثر النوافل وهو بخيل، لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة،
(١٨٨٤) التِّرْمِذِي (١٩٦١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الأَدَبِ.
٥٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والمراد بحب الدنيا: حب المال. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في البر والصلة من طريق سعيد
ابن محمد الوراق، عن يحيى بن سعيد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال: هذا
حديث غريب لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من
حديث سعيد بن محمد، وقد خولف سعيد بن محمد في رواية هذا الحديث إنما
يروي عن يحيى بن سعيد عن عائشة شيء مرسل. انتهى.
قلت: حديث أبي هريرة أخرجه العقيلي، وقال: ليس لهذا الحديث أصل
وسعيد الوراق. قال ابن معين: ليس بشيء. قال السيوطي في ((اللآلي)) (ج٢
ص٤٨): أخرجه الترمذي وابن حبان في ((الروضة)) والبيهقي في ((الشعب))
والخطيب في ((ذم البخلاء)) من طرق عن سعيد الوراق به. قال ابن حبان: غريب.
وقال البيهقي: تفرد به الوراق وهو ضعيف.
وقال السيوطي: في التعقبات لم ينفرد به الوراق، بل تابعه عبد العزيز بن أبي
حازم أخرجه الديلمي. وحديث عائشة أخرجه البيهقي في ((الشعب))، وفيه: تليد
ابن سليمان وسعيد بن مسلمة وكلاهما ضعيفان، والطبراني في ((الأوسط)) وفيه
سعيد الوراق، والخطيب في ((ذم البخلاء))، وفيه: خالد بن يحيى القاضي عن
غريب بن عبد الواحد وهما مجهولان. ورُوي أيضًا من حديث أنس وفيه محمد بن
تميم يضع ومن حديث جابر أخرجه البيهقي في ((الشعب))، وفيه: سعيد بن
مسلمة، ومن حديث ابن عباس أخرجه تمام في ((فوائده)) ذكر هذه الأحاديث
السيوطي في ((اللآلى)) (ج٢ ص٤٨، ٤٩) مع الكلام فيها .
وقال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)): وقد روى هذا الحديث من طرق لا
تقوم بها الحجة عن أنس وابن عباس وعائشة، وجابر بألفاظ مختلفة. وقال
الدار قطني: لهذا الحديث طرق، لا يثبت منها شيء.
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابَ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٥٨٩
١٨٨٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلّهِ:
(لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَم، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ)).
[ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الْشَّرْحُ
١٨٨٥ - قوله: (لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ) وصحته أي: في الحالة التي
يكون فيها صحيحًا شحيحًا. (بِدِرْهَم) أي: مثلًا. وقال الطيبي: المراد: التقليل.
(خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ) أي: مثلًا: وقال الطيبي: جاء في بعض الروايات:
(بِمَالِهِ)) بدل: (بِمَائَةٍ)، والمراد: التكثير، والمعنى بماله كله وهو أبلغ.
(عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: احتضار موته فكأنه ميت قاله الطيبي وإنما كان ذلك خيرًا من
هذا؛ لأنه يشق عليه إخراج ماله لما يخوفه به الشيطان من الفقر وطول العمر،
فالصدقة فيها مزيد قهر للنفس والشيطان، وقصر الأمل، والوثوق بما عند الله
تعالى .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الوصايا وسكت عنه، وقال المنذري: في إسناده شرحبيل بن
سعد الأنصاري الخطمي مولاهم المدني كنيته أبو سعيد ولا يحتج به. انتهى.
قلت: شرحبيل هذا ضعفه النسائي والدار قطني، ولينه أبو زرعة واختلف فيه
قول ابن معين وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وخرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه في
صحیحیهما .
وقال ابن سعد: كان شيخًا قديمًا روى عن زيد بن ثابت وعامة الصحابة، وبقي
حتى اختلط واحتاج، وله أحاديث وليس يحتج به. وقال في ((التقريب)): صدوق
اختلط بأخرة مات سنة (١٢٣) وقد قارب المائة. انتهى. والحديث عزاه السيوطي
في ((الجامع الصغير)) لابن حبان أيضًا.
(١٨٨٥) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢٨٦٦) فِي الوَصَايَا عن أبي سَعِيدٍ.
٥٩٠
eNEx
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٨٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِ الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: «مَثَلُ
الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ يُعْتِقُ، كَالَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبعَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ والنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ]
الْشَرْحُ
١٨٨٦ -قوله: (عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: احتضاره. (أَوْ يُعْتِقُ) أي: عند موته. (كَالَّذِي
يُهْدِي) من أهدى. (إِذَا شَبعَ) کسَمِن أي: کالذي يعطي بعد ما قضي حاجته، وهو
قليل الجدوى ولا يعتاده إلا دنيء الهمة، وإنما مثل بذلك؛ لأن الثاني أشهر وإلا
فالعكس أولى، فإن الذي شبع ربما يتوقع حاجته إلى ذلك الشيء بخلاف الذي
يعتق، أو يتصدق عند موته إلا أن يقال: قد لا يصبر عند موته، فيحتاج إلى ذلك
الشيء، فلذلك يعد إعتاقه وتصدقه فضلية ما، لكن هذا إذا لم يكن بطريق الوصية؛
قاله السندي .
وقال الطيبي: شبه تأخير الصدقة عن أوانه ثم تداركه في غير أوانه بمن تفرد
بالأكل، واستأثر بنفسه، ثم إذا شبع يعطيه غيره. وإنما يحمد إذا كان عن إيثار كما
قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر - ٩] وما أحسن
موقع يهدي في هذا المقام، ودلالتها على الاستهزاء، والسخرية بالمهدى إليه.
انتھی .
قال القاري: والأظهر إن المراد: أنه مرتبة ناقصة؛ لأن التصدق والإعتاق حال
الصحة أفضل، كما أن السخاوة عند المجاعة أكمل. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥
ص١٩٧). (والنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ) في الوصايا، واللفظ للدارمي إلا
قوله: (إِذَا شَبعَ) فإنه للترمذي ولأحمد في رواية ولفظ الدارمي: ((بَعْدَ مَا شَبِعَ))
وللنسائي وأحمد في رواية: ((بَعْدَ مَا يَشْبَعُ)). (وَصَحَّحَهُ) أي: الترمذي وأخرجه
أيضًا البيهقي (ج٤ ص ٩١٠) والحاكم (ج٢ ص٢١٣) وصححه وأقره الذهبي.
(١٨٨٦) التِّرْ مِذِي (٢١٢٣) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِيهَا.
كِتّابُ الرَّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكراهِيةِ الْإِمْساك
٥٩١
١٨٨٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ : ((خَصْلَتَانِ
لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنِ: الْبُخْلُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الْشَّرْحُ
١٨٨٧ - قوله: (خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ) أي: كامل الإيمان.
(الْبُخْلُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ) قيل: أي: لا ينبغي أن يجتمعا فيه. وقال التوربشتي: تأويل
هذا الحديث أن نقول: أراد به اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية منهما، بحيث
لا ينفك عنهما، ولا ينفكان عنه، ويوجد منه الرضاء بهما، فأما الذي يؤنس عنه
شيء من ذلك بحيث يبخل حينًا، ويقلع عنه حينًا، أو يسوء خلقه وقتًا دون وقت، أو
في أمر دون أمر أو يندر منه، فيندم عليه، أو يلوم نفسه، أو تدعوه النفس إلى ذلك
فينازعها، فإنه بمعزل عن ذلك، ومنه الحديث الآخر: ((لَا يَجْتَمِعُ الشُّخُ وَالْإِيمَانُ
فِي قَلْبٍ عَبْدٍ أَبَدًّا))، على نحو ما ذكرنا في معنى هذا الحديث. وأرى له وجهًا آخر
وهو أن نقول: الشح خلة غريزية جبل عليها الإنسان، فهو كالوصف اللازم له،
ومركزها النفس؛ قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ٣٢٨]، فإذا انتهى
سلطانه إلى القلب، واستولى عليه عُرِّي القلب عن الإيمان؛ لأنه يشح بالطاعة فلا
يسمح به، ولا يبذل الانقياد لأمر الله تعالى، والشح بخل مع حرص، فهو أبلغ في
المنع من البخل، فالبخل يستعمل في الفتنة بالمال والشح في سائر ما يمتنع النفس
عن الاسترسال فيه من بذل مال، أو طاعة أو معروف، ووجود الشح في نفس
الإنسان ليس بمذموم؛ لأنه طبعية خلقها الله تعالى في النفوس كالشهوة والحرص
للابتلاء، ولمصلحة عمارة العالم، وإنما المذموم أن يستولي سلطانه على القلب
واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام التوربشتي.
وقال الطيبي: يمكن أن يحمل سوء الخلق على ما يخالف الإيمان، فإن الخلق
الحسن، هو ما به امتثال الأوامر واجتناب النواهي لا ما يتعارف بين الناس لما ورد
(١٨٨٧) التِّرْ مِذِي (١٩٦٢) فِي البَرِّ وَالصِّلَةِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى، وَهُوَ
ضَعِيفٌ.
٥٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن عائشة رضيّا وكان خلقه القرآن وإفراد البخل من سوء الخلق وهو بعضه وجعله
معطوفًا عليه، يدل على أنه أسوؤها وأشنعها، ويؤيد هذا التأويل حديث أبي
هريرة رَوَّهُ: (لَا يَجْتَمِعُ الشُّخُ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبٍ عَبْدٍ أَبَدًا))، والله أعلم. انتهى.
وقوله: (خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ) خبر موصوف، والمبتدأ البخل وسوء
الخلق، قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: (خَصْلَتَانِ) مبتدأ سوَّغه إبدال المعرفة منه
في قوله: (الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ) والخبر (لَا تَجْتَمِعَانٍ)، وقال القاري: الظاهر أن
(لَا تَجْتَمِعَانٍ) صفة مخصصة مسوغة؛ لكون المبتدأ نكرة، والخبر قوله: (الْبُخْلُ
وَسُوءُ الْخُلُقِ).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في البر والصلة، وأخرجه البخاري في (الأدب المفرد)). وقال
الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة بن موسى. انتهى.
وصدقة بن موسى ضعفه ابن معين، وأبو داود والنسائي والدولابي والساجي،
وقال الترمذي: ليس عندهم بذلك القوى. وقال في التقريب: صدوق له أوهام.
١٨٨٨ - [١٥] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَا
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلَا بَخِيلٌ وَلَا مَنَّانٌ)).
[ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الْشَّرْحُ
١٨٨٨- قوله: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي: دخولًا أوليًّا. (خِبُّ) بفتح الخاء
المعجمة وتكسر أي: لئيم، يسعى بين الناس بالفساد. قال المنذري: هو الخداع
الساعي بين الناس بالشر والفساد. (وَلَا بَخِيلٌ) يمنع الواجب من المال. وقيل:
أي: مانع الزكاة، أو مانع للقيام بمؤنة ممونة. (وَلَا مَنَّنٌ) من المنة أي: يمن على
الفقراء بعد العطاء، أو من المن بمعنى القطع لما يجب أن يوصل. وقيل: لا يدخل
الجنة مع هذه الصفة، حتى يجعل طاهرًا منها: إما بالتوبة عنها في الدنيا، أو
بالعقوبة بقدرها تمحيصها في العقبى، أو بالعفو عنه تفضلًا وإحسانًا، ويؤيده
(١٨٨٨) التِّرْ مِذِي (١٩٦٣) فِي البِرِّ وَالصِّلَةِ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَ فْتَهُ.
كِتَابُ الزّكاةِ
بَاب الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٥٩٣
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣] كذا في ((المرقاة)).
وقال التوربشتي معنى قوله: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي: لا يدخلها مع الداخلين في
الرَّعيل من غير ما بأس، بل يصاب منه بالعذاب ويمحص حتى يذهب عنه آثار تلك
الخصال، هذا هو السبيل في تأويل أمثال هذا الحديث ليوافق أصول الدين. قال:
ومما ينبغي للفطنِ أن يقدمه في هذا الباب، ليكون من التأويل على بصيرة، أن يعلم
أَنَّ لِلشَّارِع ◌َِّ، أَنْ يقتصر في مثل هذه المواطن على القول المجل إبقاء للخوف في
نفوس المكلفين، وتحذيرًا لهم عما فيه المنقصة في الدين بأبلغ ما يكون من
الرجز. ثم يرده العلماء الراسخون إلى أصول الدين. انتهى.
(رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ) في البر والصلة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٤، ٧) وقال
الترمذي: هذا حديث حسن غريب. انتهى. والظاهر: أنَّ إسناده ضعيف؛ لأن فيه
صدقة بن موسى المتقدم ورواه عن فرقد السبخي عن مرة عن أبي بكر وفرقد
صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطاء. قال أحمد: رجل صالح يقوى في
الحديث لم يكن صاحب حديث، وقال أيضًا: يروي عن مرة منكرات.
١٨٨٩ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((شَرُّ مَا فِي
الرَّجُلِ: شُحِّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
وَسَنَذْكُرَ حَديثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((لَا يَجْتَمِعِ الشَّحُّ وَالإِيمانُ)) فِي كِتَابِ الچِهَادِ
إِنْ شاء اللَّهُ تَعَالَى)).
الشَّرْحُ
١٨٨٩ - قوله: (شَرُّ مَا فِي الرَّجُل) أي: من الخصال الذميمة وقوله: (مَا فِي
الرَّجُلِ) هكذا وقع في جميع النسخ الحاضرة، وكذا في ((المصابيح)) وكذا نقله
المنذري في ((الترغيب))، ووقع في ((سنن أبي داود)): ((ما في رجل))، وهكذا نقله
الخطابي في ((المعالم))، والسيوطي في ((الجامع الصغير)).
(١٨٨٩) أَبُو دَاوُد (٢٥١١) فِي الجِهَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَز
.
كَ الله».
٥٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(شُحِّ هَالِعٌ) أي: مخزن جازع والهلع أشد الجزع والضجر أي: شح يحمل على
الحرص على تحصيل المال والجزع على ذهابه. كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ
هَلُوعًا ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا (٥) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] وقال الخطابي
في المعالم (ج٢ ص٢٤١): أصل الهلع: الجزع، والهالع هنا الهلع. ويقال: إن
الشح أشد من البخل، ومعناه: البخل الذي يمنعه من إخراج الحق الواجب عليه،
فإذا استخرج منه هلع وجزع منه.
(وَجُبْنٌ) بضم الجيم وسكون الباء. (خَالِعٌ) أي: شديد كأنه يخلع قلبه من شدة
تمكنه منه، والمعنى: خوف شديد متمكن يترتب عليه خلع قلبه، فلا يستطيع
القتال، والمحاربة مع الكفار والإقدام عليه. وهاتان الخصلتان، وإن وجدتا في
النساء إلا أن الغالب وجودهما في الرجال؛ ولذا قال في صدر الحديث: (شَرُّمَا فِي
رَجُلٌ)، ولم يقل: والمرأة مع أنها مثله في ذلك؛ قاله الحفني.
وقال التوربشتي: خص الرجل؛ إما لأنهما ممدوحان للنساء في نوع منهما؛ أو
لأن مذمة الرجال بهما فوق مذمة النساء بهما. والله أعلم. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في
الجهاد من طريق موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عبد العزيز بن مروان، عن
أبي هريرة. وأخرجه أيضًا البخاري في ((تاريخه))، وابن حبان في (صحيحه))،
وسكت عنه أبو داود. وقال المنذري: قال محمد بن طاهر: وهو إسناد متصل، وقد
احتج مسلم بموسى بن علي، عن أبيه. (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ) الذي رواه
النسائي في الجهاد وابن حبان والحاكم. (لَا يَجْتَمِعُ الشَّحُّ وَالِإِيمَانُ) أي: في قلب
عبد وقد تقدم معناه في كلام التوربشتي. وقال السندي: أي: لا ينبغي للمؤمن أن
يجمع بينهما؛ إذ الشح أبعد شيء من الإيمان، أو المراد بالإيمان: كماله، أو
المراد: قلما يجتمع الشح والإيمان، واعتبر ذلك بمنزلة العدم، وأخبر بأنهما لا
يجتمعان. ويؤيد الوجهين الأخيرين ما وقع في رواية: ((لا يجمع اللّه تعالى الإيمان
والشح في قلب مسلم))، انتهى. (فِي كِتَابِ الْجِهَادِ)؛ لأن أول الحديث وصدره يليق
بكتاب الجهاد؛ ولذا أورده النسائي والحاكم فيه ولفظه عند النسائي: ((لَا يَجْتَمِعُ
غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفٍ عَبْدٍ أَبَدًا))، وفي رواية: ((وَجْهِ رَجُل))،
وفي أخرى: ((فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبٍ عَبْدٍ أَبَدَاً).
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٥٩٥
الفصل الثالث
١٨٩٠ - [١٧] عَنْ عَائِشَةَ: إِنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَ لَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ◌َّ:
أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: ((أَطْوَلُكُنَّ يَدًا))، فَأَخَذُوا قَصْبَةً يَذْرَعُونَهَا، وَكَانَتْ
سَوْدَةُ أَطْوَلَّهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا - بَعْدُ - أَنَّمَا كَانَ طُولُ يَدِهَا: الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ
أَسْرَعَنَا لُحُوقًّا بِهِ زَيْتَبُ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ
مُسْلِمٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا)).
قَالَتَّ: وَكَانَتْ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدَّا؟ قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدَّا زَيْنَبُ؟
لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ.
{صحيح}
G O
الْشَّرْحُ
١٨٩٠- قوله: (إِنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَ قُلْنَ) الضمير للبعض الغير
المعين، لكن عند ابن حبان من طريق يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن فراس عن
الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ((فقلت))، وهو يفيد أن عائشة هي السائلة.
(أَيُّنَا) بضم التحتية المشددة بغير علامة التأنيث؛ لأن سيبويه يشبه تأنيث أي:
بتأنيث كل في قولهم كلتهن، يعني: ليست بفصيحة؛ ذكره الزمخشري في سورة
لقمان. وفي رواية النسائي: ((أَّنَا)). بالتاء، و(أَيُّنَا) مبتدأ خبره.
(أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟) نصب على التمييز أي: من حيث اللحوق بك يعنى:
يدركك بالموت، والمقصود: استكشاف أنه من يموت بعده وّل من أزواجه بلا
واسطة. (قَالَ) بَّه : (أَطْوَلُكُنَّ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ دل عليه السؤال أي:
أسرعكن لحوفًّا بي أطولكن. (يَدًا) نصب على التمييز، وإنما لم يقل: طولاكن
بلفظ فعلى مع أن القياس هذا؛ لأن في مثله يجوز الإفراد. والمطابقة لمن أفعل
التفضيل له يعني: أكثركن صدقة، فإن اليد تطلق، ويراد بها: المنة والنعمة
مجازًا .
(١٨٩٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٢٠)، ومُسْلِم (٢٤٥٢) في الزكاة عن عائشة
٠
٥٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَأَخَذُوا قَصَبَةً) بفتح القاف والصاد. (يَذْرَعُونَهَا) بالذال المعجمة أي: يقدرونها
بذراع كل واحدة؛ كي يعلمن أيهن أطول جارحة، يعني: يقيسون أيديهن بها بناء
على فهمهن، إن المراد باليد: الجارحة. وإنما ذكر بلفظ: جمع المذكر والقياس
ذكر لفظ جمع المؤنث اعتبار لمعنى الجمع، لا للفظ جماعة النساء، أو عدل إليه؛
تعظيمًا لشأنهن كقول الشاعر :
وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سُوَاكُم
(وَكَانَتْ) كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة، وفي البخاري: فَكَانَتْ، أي:
بالفاء بدل الْوَاوِ، وكذا عند النسائي. (سَوْدَةُ) بفتح السين بنت زمعة. (أَطْوَلَهُنَّ
يَدًا) أي: من طريق المساحة. (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) مبني على الضم أي: بعد هذا حين
ماتت، أول نسائه لحوفًا به. وقال القسطلاني: أي: بعد أن تقرر كون سودة
أطولهن يدًا بالمساحة. (إِنَّمَا) بفتح الهمزة؛ لكونه في موضع المفعول لعلمنا.
(كَانَ طُولَ يَدِهَا) كلام إضافي مرفوع؛ لأنه اسم كان. (الصَّدَقَةُ) بالنصب
وقوله: (كَانَ) كذا في جميع النسخ، وفي البخاري: ((كَانَتْ)) بالتأنيث. قال
الحافظ: الصدقة بالرفع، و(طُولَ يَدِهَا) بالنصب؛ لأنه الخبر: انتهى. أي: علمنا
أنه وَ لّ لم يرد باليد العضو وبالطول طولها، بل أراد العطاء وكثرته، فاليد هاهنا:
استعارة للصدقة، والطول ترشيح لها؛ لأنه ملائم للمستعاره منه.
(وَكَانَتْ أَسْرَعُنَا لُحُوقًا بِهِ زَيْنَبُ) كذا في النسخ الحاضرة عندنا بذكر زينب هنا،
وفي البخاري وقع بدون ذكرها كما صرح به الحافظ والعيني وغيرهما. قال مَيْرَك:
وقع في بعض نسخ ((المشكاة)) هنا بعد قوله: (لحوقًا به)). زيادة لفظ: ((زينب))
ملحقًا وليس بصحيح، لأن في عامة نسخ البخاري وقع بحذفها كما صرح به
الحافظ ابن حجر في شرحه. انتهى. ورواية البخاري توهم أن سودة كانت أسرع
لحوقًا بالنبي وَّ، قال النووي: وقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري
بلفظ منعقد يوهم أن أسرعهن لحاقًا سودة، وهذا الوهم باطل بالإجماع، يعني؛
لأن أول نسائه لحوقًّا به زينب، لا سودة، وإن كانت سودة أطولهن جارحة.
والصواب: ما ذكره مسلم في ((صحيحه)) وهو المعروف عند أهل الحديث، إنها
زينب، فالصحيح: تقدير زينب أو وجوده.
كِتّابُ الرَّڪاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٥٩٧
وقال الحافظ أبوعلي الصيرفي: ظاهر هذا اللفظ: أن سودة كانت أسرع لحوقًا
وهو خلاف المعروف عند أهل العلم، أن زينب أول من مات من الأزواج، ثم نقله
عن مالك والواقدي. وقال ابن بطال: هذا الحديث سقط منه ذكر زينب؛ لاتفاق
أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي ◌ُّل يعني: أن الصواب:
وكانت زينب أسرعنا لحوفقًّا به .
وقال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة والعجب من البخاري،
كيف لم ينبه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد ذلك الخطابي فإنه فسره،
وقال: لحوق سودة من أعلام النبوة وكل ذلك وهم، وإنما هي زينب، فإنها كانت
أطولهن يدًا بالعطاء. كما رواه مسلم. وأجاب ابن رشيد: بأن عائشة لا تعني:
سودة بقولها: (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أي: بعد أن أخبرت عن سودة بالطول الحقيقي، ولم
تذكر سببًا للرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فتعين الحمل على المجاز،
انتهى. وحينئذ فالضمير في ((وكانت)) في الموضعين عائد على الزوجة التي
عناها بَّ بقوله: (أَطْوَلُكُنَّ يَدًّا)، وإن كانت لم تذكر؛ إذ هو متعين لقيام الدليل
على أنها زينب كما في مسلم، مع اتفاقهم على أنها أولهن موتًّا فتعين أن تكون هي
المرادة، وهذا من إضمار ما لا يصلح غيره كقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِاَلِحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]،
وعلى هذا فلم يكن سودة مرادة قطعًا، وليس الضمير عائدًا عليها .
وقال الزين بن المنير: وجه الجمع أن قولها: (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) يشعر إشعارًا قويًّا
أنهن حملن طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه، وإنه كناية عن كثرة
الصدقة، والذي علمنه آخرًا خلاف ما اعتقدنه أولًا. وقد انحصر الثاني في زينب
للاتفاق على أنها أولهن موتًا، فتعين أن تكون هي المرادة، وكذلك بقية الضمائر
بعد قوله: (فَكَانَتْ) واستغنى عن تسميتها؛ لشهرتها بذلك. انتهى.
وقال الكرماني: يحتمل أن يقال: إن في الحديث اختصارًا، أو اكتفاء بشهرة
القصة لزينب، أو يؤول الكلام بأن الضمير راجح إلى المرأة التي علم رسول الله
وَله، أنها أول من يلحق به، وكانت كثيرة الصدقة. قلت: ولكن وقع في رواية
النسائي تعيين سودة ولفظه: ((فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ لُحُوقًّا بِهِ)). وكذا وقع التصريح
بذلك في رواية أحمد وابن سعد والبخاري في ((التاريخ الصغير))، والبيهقي في
((الدلائل)) وابن حبان في (صحيحه)).
٥٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر - يعني: الواقدي: هذا الحديث، وهُل في
سودة وإنما هو زينب هو في زينب بنت جحش فهي أول نسائه لحوقًّا به، وتوفيت
في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفيت في خلافة معاوية في شوال سنة أربع
وخمسين. وأجاب الحافظ عن هذه الروايات المصرحة بسودة: بأنه يمكن أن
يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة لكون غيرها لم يتقدم له ذكر، فلما لم يطلع
على قصة زينب، وكونها أول الأزواج لحوقًا به جعل الضمائر كلها لسودة، وهذا
عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عيينة عن فراس. وروى يونس بن
بكير في ((زيادة المغازي)) والبيهقي في ((الدلائل)) بإسناده عنه عن زكريا بن أبي زائدة
عن الشعبي التصريح، بأن ذلك لزينب لكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر
مسروقًا، ولا عائشة، ولفظه: ((فلما توفيت زينب علمن أنَّها كانت أطولهن يدًا في
الخير والصدقة)). ويؤيده ما رواه الحاكم في المناقب من ((مستدركه)) من طريق
يحيى بن سعيد عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه وَلَه لأزواجه: ((أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًّا بِي
أَطْوَلُكُنَّ يَدًا)) قالت: عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله
وَلّر نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت
جحش، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أنَّ النبي ◌َّه إنما أراد
بطول اليد الصدقة. وكانت زينب امرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز
وتتصدق في سبيل الله. قال الحاكم: على شرط مسلم. وهي رواية مفسرة مبينة
مرحجة لرواية عائشة بنت طلحة عن عائشة في أمر زينب عند مسلم. وروى ابن
أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال: كانت زينب أول نساء النبي وَ ل# لحوقًا به،
وكذا روى البخاري في ((التاريخ)) من طريق الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى وابن
سعد، من طريق برزة بنت رافع ما يدل على أن زينب توفيت في خلافة عمر، وأنها
كانت أول أزواج النبي وَ ل﴾ لحوفًا به. فهذه روايات يعضد بعضها بعضًا، ويحصل
من مجموعها أن في رواية أبي عوانة وهمًّا، انتهى كلام الحافظ ملخصًا. وقد جمع
بعضهم بین الروايتين.
فقال الطيبي: يمكن أن يقال فيما رواه البخاري، ومن صرح بتسمية سودة المراد
الحاضرات من أزواجه دون زينب، فكانت سودة أولهن موتًّا، يعني: أن يكون
خطابه وَلّفي رواية البخاري لمن كان حاضرًا عنده؛ إذ ذاك من الزوجات، وإن
كِتَابُ الرَّكاةِ
****** *<<<< x <- 13ax:
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٥٩٩
سودة وعائشة كانتا ثمة، وزينب غائبة لم تكن حاضرة، فالأولية لسودة باعتبار من
حضر ويرد هذا: ما رواه ابن حبان أنَّ نساء النبي ◌َلّ اجتمعن عنده لم تغادر منهن
واحدة.
(وَكَانَتْ) أي: زينب. (تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) أي: إعطاءها وكانت لها صناعة كما
تقدم. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الزكاة من حديث موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عن
فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة، وأخرجه أيضًا في ((التاريخ الصغير)) بهذا
الإسناد، وكذا ابن حبان في ((صحيحه)) والبيهقي في ((الدلائل)). وأخرجه أحمد
وابن سعد عن عفان عن أبي عوانة والنسائي وابن حبان أيضًا من طريق يحيى بن
حماد عن أبي عوانة. (وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِم) أخرجها في الفضائل من طريق عائشة بنت
طلحة عن عائشة. (قَالَتْ) أي: عائشةً: (وَكَانَتْ) أي: جماعة النساء وفي بعض
النسخ: ((فكانت))، وفي مسلم: ((فكن)).
(يَتَطَاوَلْنَ) يتقايسن طول أيديهن. (أَيَّتُهُنَّ) بالضم. (أَطْوَلُ يَدًا) قال الطيبي:
محله النصب على أنه حال أو مفعول به أي: يتطاولن ناظرات أيتهن. (قَالَتْ)
عائشة: (فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا) أي: بالصدقة. (زَيْنَبُ) وكانت امرأة قصيرة. قال
النووي: معنى الحديث إنهن ظنن أنَّ المراد بطول اليد: الحقيقة وهي الجارحة
فكن يذرعن أيديهن بقصبة، فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن
يدًا في الصدقة، وفعل الخير فماتت زينب أولهن، فعلموا أن المراد: طول اليد في
الصدقة والجود. وقال أهل اللغة: يقال: فلان طويل الباع؛ إذا كان سمحًا جَّوادًا،
وضده قصیر اليد والباع.
(لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ) أي: تدبغ الجلود بيدها ثم تبيعها وتتصدق
بثمنها. قال الطيبي: تعليل بمنزلة البيان لقولها: (يَتَطَاوَلْنَ)، وإن المراد المعنوي
لا الصوري. انتهى. وفي الحديث علم من أعلام النبوة ظاهر. وفيه: إطلاق اللفظ
المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ (أَطْوَلُكُنَّ) إذا لم يكن محذور.
قال الزين بن المنير: لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بالوحي أجابهن
بلفظ غير صريح، وأحالهن على ما لا يتبين إلا بآخره، وساغ ذلك؛ لكونه ليس من
الأحكام التكليفية .