Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن عمرو بن شعيب ... إلخ، وبهذا يظهر وجه تقريب ذكر ابن لهيعة وتضعيفه.
وإنما وقع الإجمال والإغلاق في نقل صاحب ((المشكاة))، وابن لهيعة هو عبد الله
ابن لهيعة - بفتح اللام وكسر الهاء - بن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري
القاضي. قال في التقريب: هو صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك
وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلمٍ بعض شيء مقرون مات سنة أربع
وسبعين ومائة، وقد ناف على الثمانين، انتهى. وارجع للبسط إلى ((تهذيب
التھذیب)» .
(وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ بَّ شَيْءٌ) قال ابن الملقن: بل رواه أبو داود
بإسناد صحيح، ذكره مَيْرَك كذا في ((المرقاة))، وقال الزيلعي في ((نصب الراية))
(ج٢ ص ٣٧٠): قال المنذري: لعلّ الترمذي قصد الطريقين الذين ذكرهما، وإلا
فطريق أبي داود لا مقال فيها، وقال ابن القطان بعد تصحيحه لحديث أبي داود:
وإنما ضعف الترمذي هذا الحديث؛ لأن عنده فيه ضعيفين: ابن لهيعة والمثنى بن
الصباح، انتهى. وقال الحافظ في ((الدراية)) (ص١٦١) بعد نقل كلام الترمذي هذا
ما لفظه: كذا قال، وغفل عن طريق خالد بن الحارث، انتهى.
وأراد الحافظ بطريق خالد هذا ما روى أبو داود، عن أبي كامل الجحدري،
وحميد بن مسعدة والنسائي، عن إسماعيل بن مسعود، كلهم عن خالد بن الحارث
عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن امرأة أتت
رسول اللَّه ◌َيَ الحديث. وقد ذكرنا سياقه. وقال في ((التلخيص)) (ص١٨٣) بعد
ذكر سياق أبي داود: أخرجه من حديث حسين المعلم، وهو ثقة عن عمرو، وفيه رد
على الترمذي حيث جزم بأنه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح
عن عمرو، وقد تابعهم حجاج بن أرطأة أيضًا.
وقال الشيخ أحمد شاكر في ((شرحه لمسند الإمام أحمد)) (ج١٠ ص١٩٧) بعد
نقل كلام الترمذي المتقدم ما لفظه: والعجب من الترمذيِّ كيف خفي عليه رواية
الحجاج بن أرطأة هذا الحديث عن عمرو بن شعيب، مع كثرة من رووه عن
الحجاج والثقة بهم؟ ثم إن أكثر ما يؤخذ على هؤلاء الثلاثة - الحجاج بن أرطاة
وابن لهيعة والمثنى بن الصباح - خشية الغلط أو الاضطراب مع ما رمي به الحجاج

كِتّابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجبْ فِيهِ الزَّكَاةُ
٤٠١
من التدليس، ولم يجرح واحد منهم في صدقه وأمانته، فإذا اتفق هؤلاء الثلاثة أو
اثنان منهم على رواية حديث كان احتمال الخطأ مرفوعًا أو بعيدًا على الأقل. فَأَنَّى
یکون هذا الحدیث ضعيفًا، وقد جاء نحو معناه بإسناد صحيح لا خلاف في صحته.
فذكر رواية أبي داود والنسائي من طريق خالد بن الحارث، ولم ينفرد بذلك خالد
بل تابعه محمد بن أبي عدي عند أبي عبيد، وأبوأسامة عند الدار قطني، فظهر بهذا
أن قول الترمذي: ولا يصح في هذا عن النبي ◌َّ شيء. غير صحيح، والله تعالى
أعلم .
١٨٢٥ - [١٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَب،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَنْزُ هُوَ؟ فَقَالَ: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ، فَلَيْسَ
بِكَنْزِ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ]
الْشَّرْحُ
١٨٢٥ - قوله: (كُنْتُ أَلْبَسُ) بفتح الموحدة من باب سمع. (أَوْضَاحًا) في
((النهاية)) هو جمع وضح بفتحتين: نوع من الحلي يعمل من الفضة سمي به لبياضه.
وفي ((جامع الأصول)) (ج٥ ص ٤٨٠): الأوضاح حلي من الدراهم الصحاح، هكذا
قال الجوهري، وقال الأزهري: الأوضاح حلي من الفضة، انتهى. وفي ((منتهى
الأرب» بالفارسية: وضح بمعنی خلخال أي: حلقة طلا، ونقره که در بائي کنند،
وآنرا بفارسي بائي برنجن نامند.
(مِنْ ذَهَبٍ) هذا يدل على أنها تسمى إذا كانت من ذهب: أوضاحًا. (أَكَنْزٌ هُوَ)
يعني استعمال الحلي كنز من الكنوز الذي بشر صاحبه بالنار في قوله تعالى:
﴿وَأَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ
أَلِيمِ﴾ [التوبة: ٣٤].
(مَا بَلَغَ) أي: الذي بلغ. (أَنْ تُؤَدَّى) بصيغة المجهول. (زَكَاتُهُ) أي: بلغ نصابًا .
(١٨٢٥) أَبُو دَاوُد (١٥٦٤) عَنْهُ فِيهَا .

٤٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَزُكَّيَ) بصيغة المجهول أي: أدي زكاته. (فَلَيْسَ بِكَنْزٍ) فيه دليل كما في الحديث
الذي قبله على وجوب زكاة الحلية، وإن كل مال أخرجت زكاته فليس بكنز، فلا
يشمله الوعيد في الآية.
(رَوَاهُ مَالِك وَأَبُو دَاوُدَ) ونسبه الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥ ص٣٣١) إلى
مالك فقط، حيث قال: عطاء بن أبي رباح، قال: بلغني أن أم سلمة قالت: كنت
ألبس أوضاحًا من الذهب ... فذكر مثل سياق الكتاب سواء. ثم قال: أخرجه في
((الموطأ)) ولم أجد حديث أم سلمة هذا في النسخ الموجودة عندنا من الموطأ، ولم
يعزه إليه أحد غير صاحب ((المشكاة)) وصاحب ((جامع الأصول))، فقد أورده
الزيلعي في ((نصبٍ الراية)) (ج٢ ص٣٧١، ٣٧٢) والحافظ في ((الفتح))،
و((التلخيص)) و((الدراية))، و((بلوغ المرام))، و((العيني في شرح البخاري)) (ج٩
ص٣٤) والشوكاني في ((السيل الجرار))، والنابلسي في ((ذخائر المواريث))، ولكنه
لم ينسبه أحد منهم إلى ((الموطأ))، ولا أدري كيف كانت نسبة المصنف، والجزري
هذه الرواية إلى ((الموطأ)) ولعل هذا سهو منهما، ويمكن أن يؤول أن يوجه بأنها
كانت موجودة في رواية غير يحيى المصمودي لـ((الموطأ)) والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجَهُ أبو داود من طريق عتاب بن بشير عن ثابت بن عجلان عن
عطاء عن أم سلمة، وأخرجه الحاكم (ج١ ص ٣٩٠) عن محمد بن مهاجر، عن
ثابت به. ولفظه: ((إِذَا أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزِ))، وكذلك رواه الدار قطني
(ص٢٠٤) والبيهقي (ج ٤ ص٨٣) وصححه الحاكم والذهبي على شرط البخاري.
وقال الحافظ في ((الدراية)): قواه ابن دقيق العيد. وقال في ((الفتح)) بعد عزوه إلى
الحاكم: وصححه ابن القطان أيضًا، وأخرجه أبو داود. وقال ابن عبد البر: في
سنده مقال. وذكر شيخنا في ((شرح الترمذي)): أن سنده جيد، انتهى.
قلتُ: تكلم في هذا الحديث البيهقي وابن الجوزي، وقد رد عليهما الزيلعي في
(نصب الراية)) (ج ٢ ص ٣٧٢). والحق عندي: أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة
الحسن بل هو صحيح، كما قال الحاكم والذهبي وابن القطان واللّه تعالى أعلم.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٤٠٣
فائدة:
يعتبر في النصاب في الحلي الذي تجب فيه الزكاة بالوزن، فلو ملك حليًّا قيمته
مائتا درهم ووزنه دون المائتين، لم يكن عليه زكاة، وإن بلغ مائتين وزنًا ففيه
الزكاة، وإن نقص في القيمة لقوله تعالَّ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ
صَدَقَةٌ)) اللهم إلا أن يكون الحلي للتجارة فيقوم، فإذا بلغت قيمته بالذهب والفضة
نصابًا ففيه الزكاة؛ لأن الزكاة متعلقة بالقيمة، وما لم يكن للتجارة فالزكاة في عينه
فيعتبر أن يبلغ بقيمته ووزنه نصابًا، وهو مخير بين إخراج ربع العشر حليه مشاعًا أو
دفع ما يساوي ربع عشرها من جنسها. وإن زاد في الوزن على ربع العشر؛ لأن الربا
لا يجري هاهنا؛ لأن المخرج حق لله ولا ربًا بين العبد وسيده، ولو أراد كسرها
ودفع ربع عشرها لم يكن منه؛ لأنه ينقص قيمتها، وهذا مذهب الشافعي. وإن أراد
إخراج الفضة عن حلي الذهب أو الذهب عن الفضة أخرج على الوجهين، كما
قدمنا في إخراج أحد النقدين عن الآخر، كذا في ((المغني)) (ج ٣ ص١٢).
١٨٢٦ - [١٨] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ كَانَ يَأْمُرُنَا
أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٤ ٤٠ جـ
١٨٢٦ - قوله: (كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ) أي: الزكاة الواجبة. (مِنَ
الَّذِي) أي: المال الذي. (نُعِدُّ) بضم النون وكسر العين المهملة من الإعداد، أي:
نهيئه. (لِلْبَيْع) أي: للتجارة وخص لأنه الأغلب. قال الطيبي: وفيه دليل على أن ما
ینوی به القنية لا زکاة فیه، انتهى.
قلت: الحديث دليل ظاهر على وجوب الزكاة في مال التجارة؛ لأن قول
الراوي: ((يأمرنا)) يفهم أنه وَلهل كان يأتي بصيغة تفيد الأمر، والأصل فيه الوجوب
وهي قرينة على حمل الصدقة على الزكاة الواجبة.
(١٨٢٦) أَبُو دَاوُد (١٥٦٢) عَنْهُ فِيهَا.

BBCKE
٤٠٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واختلف العلماء في ذلك؛ قال ابن رشد في ((البداية)): (ص٢٣٠): اتفقوا على
أن لا زكاة في العروض التي لم يقصد بها التجارة، واختلفوا في إيجاب الزكاة فيما
اتخذ منها للتجارة. فذهب فقهاء الأمصار إلى وجوب ذلك ومنع ذلك أهل
الظاهر، انتهى.
وقال ابن قدامة (ج٣ ص٢٩): تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة في قول
أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد
بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن ابن عمر وابنه وابن
عباس، وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران، وطاوس
والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي،
وحكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها، انتهى.
قلت: ما حكي عن مالك هو سهو من ابنٍ قُدامة؛ لأن ((الموطأ)) صريح في
إيجاب الزكاة في مال التجارة، واتفقت فروع المالكية على إثباتها، ولم يحك أحد
من نقله المذاهب خلاف مالك في ذلك، ويمكن أن تكون المسألة اشتبهت على
ابن قدامة بالتاجر المحتكر، فإن الإمام مالكًا لم يقل بوجوب الزكاة عليه في كل
سنة، خلافًا للجمهور، بل قال: إنما يجب الزكاة عليه في ثمنه إذا نض بالبيع لسنة
واحدة فقط، وإن أقام عنده أحوالًا .
قلت: واستدل للجمهور على وجوب الزكاة في مال التجارة بحديث الباب وفي
سنده مقال، واختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه كما ستعرف، وبقوله تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَفَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] قال ابن العربي: وهذا عام في كل مال على
اختلاف أصنافه وتباين أسمائه واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه في شيء
فعليه الدليل. وبقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾
[البقرة: ٢٦٧] قال مجاهد: نزلَت في التجارةِ. وبما روي عن أبي ذرٍّ أن رسول اللَّه وَلِّل
قال: ((فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ)) أخرجه أحمد والدار قطني والحاكم
والبيهقي. قال الحافظ في ((الدراية)): وإسناده حسن، انتهى. وفسروا البز بالثياب
المعدة للبيع عند البزازين.
قلت: للحديث أربعة طرق؛ إحداها: عن أبي عاصم عن موسى بن عبيدة

كِتَابُ الزّكاةِ
<<< SEEx<>> ***<<<=*********
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٤٠٥
الربذي عن عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر.
والثانية: عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن موسى بن عبيدة عن عمران بن
أبي أنس، وهاتان الطريقتان عند الدار قطني (ص٢٠٣) والبيهقي (ج ٤ ص ١٤٧) قال
الدار قطني: في آخر الطريق الأولى: ((وَفِي البَزِّ صَدَقَتُهُ)) قالها بالزاي، وفي آخر
الثانية: كَتَبْتُهُ من الأصل العتيق، وفي البز مقيدًا، انتهى. وموسى بن عبيدة
ضعيف .
والثالثة: من رواية ابن جريج عن عمران بن أبي أنس وهي عند أحمد (ج)
ص١٧٩) والدار قطني (ص٢٠٣) والحاكم (ج١ ص٣٨٨) والبيهقي (ج ٤ ص ١٤٧)
رواها الدار قطني والبيهقي بلفظ: ((وَفِي البَزِّ صَدَقَتُهُ)) أي: بالزاي المعجمة، ولفظ
أحمد والحاكم في النسختين المطبوعتين من ((المسند)) و((المستدرك)): ((وَفِي البُرِّ
صَدَقَتُهُ)) أي: بالراء المهملة. وقال ابن دقيق العيد: الأصل الذي نقلت منه هذا
الحديث من ((المستدرك))، ليس فيه ((البز)) بالزاي المعجمة، وفيه ضم الباء في
الموضعين أي: في هذا الطريق وفي الطريق الآتي، فيحتاج إلى كشفه من أصل
آخر معتبر، فإن اتفقت الأصول على ضم الباء، فلا يكون فيه دليل على مسألة زكاة
التجارة، انتهى. قال الزيلعي: وهذا فيه نظر؛ فقد صرح به في ((مسند الدار قطني))،
قالها بالزاي كما تقدم، ولكن طريقه ضعيفة كما عرفت. وقال النووي في ((تهذيب
اللغات)): هو بالباء والزاي، ومن الناس من صحفه بضم الباء وبالراء المهملة وهو
غلط، انتهى. وهذا الطريق الثالث معلول، وإن صححه الحاكم والذهبي على
شرط الشيخين؛ لأن ابن جريج رواه عن عمران أنه بلغه عنه كما في ((مسند الإمام
أحمد)) ورواه الترمذي في ((العلل)) من هذا الوجه، وقال: سألت البخاري عنه،
فقال: لم يسمعه ابن جريج من عمران، هو يقول: حُدِّثْتُ عن عمران. وقال ابن
القطان: ابن جريج مدلس، لم يقل: حدثنا عمران، فالحديث منقطع، ثم نقل
كلام الترمذي.
والطريقة الرابعة: عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، ثنا عمران بن أبي أنس
أخرجها الحاكم أيضًا وصححها على شرط الشيخين. وقال الحافظ في
((التلخيص)): وهذا إسناد لا بأس به. قلتُ: فالحديث بمجوع طرقه حسن صالح
للاحتجاج هذا مما لا شك فيه عندنا.

٤٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واستدلَّ للجمهور أيضًا بما روى الشافعي في ((الأم)) (ج٢ ص٣٩) وعبد الرزاق
والدار قطني (ص٢١٣) وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي (ج٤ ص ١٤٧)
وأبو عبيد (ص٤٢٥) عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه، أن عمر قال له: قومها -
يعني الأدم والجعاب - ثم أَدِّ زكاتها. قال ابن قدامة: هذه قصة يشتهر مثلها ولم
تنكر فيكون إجماعًا. وبما روى محمد بن الحسن في كتاب ((الآثار)) (ص٤٨) وأبو
عبيد (ص٥٣٣) عن زيادة بن حدير. قال: بعثني عمر مصدقًا فأمرني أن آخذ من
المسلمين من أموالهم إذا اختلفوا بها للتجارة ربع العشر ... الحديث. وبما روى
البيهقي (ص ١٤٧) بإسناد صحيح والشافعي (ج٢ ص٣٩) عن ابن عمر قال: ليس
في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة. وبما روى عبد الرزاق من وجه آخر صحيح
عن ابن عمر، أنه كان يقول: في كل مال يدار في عبيد أو دواب أو بز للتجارة تدار
الزكاة فيه كل عام. قال الزرقاني: قال الطحاوي: ثبت عن عمر وابنه زكاة عروض
التجارة ولا مخالف لهما من الصحابة، وهذا يشهد أن قول ابن عباس وعائشة: لا
زكاة في العروض، إنما هو في عروض الفنية.
وقال البيهقي بعد رواية أثر ابن عمر المتقدم: وهذا قول عامة أهل العلم،
فالذي روي عن ابن عباس أنه قال: لا زكاة في العروض. فقد قال الشافعي في
كتابة القدیم: إسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف، فكان اتباع حديث ابن عمر
لصحته والاحتياط في الزكاة أحبَّ إليَّ، والله أعلم. قال البيهقي: وقد حكى ابن
المنذر عن عائشة وابن عباس مثل ما روينا عن ابن عمر، ولم يحك خلافهم عن
أحد، فيحتمل أن يكون معنى قوله - إن صح - ((لا زكاة في العرض))، أي: إذا لم
يرد به التجارة، انتهى.
وبما روى مالك في ((الموطأ)) أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامل: انظر من
مَرَّ بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم مما يريدون من التجارة، من كل
أربعين دينارًا دينارًا. قال ابن العربي: إن عمر بن عبد العزيز كتب بأخذ الزكاة من
العروض، والملأ الملأ، والوقت الوقت، بعد أن استشار واستخار، وحكم بذلك
وقضى به على الأمة. فارتفع الخلاف بحكمه، وقد أخذها عمر الأعلى قبله وهو
الصحيح من رواية أنس. انتهى. وبأن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به
التنمية فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق، أعني الحرث والماشية

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبْ فِيهِ الزَّكاةُ
٤٠٧
والذهب والفضة.
واستدل للظاهرية بما تقدم من قوله ظلَّ: (لَيْسَ عَلَى المُسْلِمَ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا
فِي فَرَسِهِ)) فإنه لم يقل: إلا أن ينوي بهما التجارة. وأجيب عنه: بأن المراد به زكاة
العين لا زكاة القيمة بدليل ما تقدم على أن هذا الحديث عام. وما استدل به
الجمهور من الأحاديث والآثار خاص فيجب تقديمه، هذا ومال الشوكاني: إلى
عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة حيث قال في ((السيل الجرار) بعد الكلام
في حديثي سمرة وأبي ذر: والحاصل أنه ليس في المقام ما تقوم به الحجة، وإن
كان مذهب الجمهور كما حكاه البيهقي في ((سننه)) فإنه قال: إنه قول عامة أهل
العلم والدين. انتهى.
قلت: والحق عندي: هو ما ذهب إليه الجمهور؛ لما قدمنا من الدلائل وهي
بمجموعها تنتهض للاستدلال على مسلك الجمهور، وتقوم بها الحجة في المقام؛
والله تعالى أعلم. ثم رأيت صاحب ((تفسير المنار)) قد قوى قول الجمهور بوجه
آخر حسن فأحببت إيراده؛ قال: وجمهور علماء الملة يقولون بوجوب زكاة
عروض التجارة، وليس فيها نص قطعي من الكتاب أو السنة. وإنما ورد فيها
روايات يقوي بعضها بعضًا مع الاعتبار المستند إلى النصوص، وهو أن عروض
التجارة المتداولة للاستغلال نقود، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التي هي
أثمانها، إلا في كون النصاب يتقلب ويتردد بين الثمن وهو النقد والمثمن وهو
العروض، فلو لم تجب الزكاة في التجارة لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم أن
يتجروا بنقودهم، ويتحروا أن لا يحول الحول على نصاب من النقدين أبدًا.
وبذلك تبطل الزكاة فيهما عندهم، ورأس الاعتبار في المسألة أن الله تعالى فرض
في أموال الأغنياء صدقة لمواساة الفقراء، وإقامة المصالح العامة التي تقدم بيانها .
وأن الفائدة في ذلك للأغنياء تطهير أنفسهم من رذيلة البخل، وتزكيتها بفضائل
الرحمة بالفقراء، وسائر أصناف المستحقين ومساعدة الدولة والأمة في إقامة
المصالح العامة الأخرى التي يأتي ذكرها. والفائدة للفقراء وغيرهم إعانتهم على
نوائب الدهر، مع ما في ذلك من سد ذريعة المفاسد، في تضخيم الأموال
وحصرها في أناس معدودين. وهو المشار إليه بقوله تعالى، حكمة قسمة الفييء:
﴿كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اُلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فهل يعقل أن يخرج من هذه المقاصد

٤٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الشرعية كلها التجار الذين ربما تكون معظم ثروة الأمة في أيديهم. انتهى.
(رواه أبو داود) وأخرجه أيضًا الدار قطني (ص ٢١٤) والطبراني في ((الكبير)
والبزار والبيهقي (ج٤ ص ١٤٦) جميعهم من رواية جعفر بن سعد، عن خبيب بن
سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن جده سمرة. قال الحافظ في ((بلوغ المرام)):
إسناده لين، وفي ((الدراية)): فيه ضعف. وفي ((التلخيص)): في إسناده جهالة، وقال
الهيثمي: في إسناده ضعف. وقال ابن حزم: رواته - يعني: من جعفر إلى سمرة -
مجهولون لا يعرف مَنْ هُمْ، وتبعه ابن القطان. فقال: ما من هؤلاء من يعرف حاله،
وقد جهد المحدثون فیهم جهدهم، وهو إسناد يروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار
منها نحو المائة. وقال عبد الحق: خبيب هذا ضعيف وجعفر ليس ممن يعتمد
عليه. وقال الذهبي في ((الميزان)): خبيب لا يعرف، وقد ضعف، قال: وبكل حال
هذا إسناد مظلم لا ینهض بحكم، انتهى.
قلتُ: الحديث سكت عنه أبو داود ثم المنذري بعده وهذا تحسين منهما. وقال
ابن عبد البر وقد ذکر هذا الحديث: رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن، انتهى.
وقال ابن القطان مُتعقبًا على عبد الحق: فذكر في كتاب الجهاد حديث: ((مَنْ كَتَمَ
غَالا فَهَوُ مِثْلُهُ))، وسكت عنه من روایة جعفر بن سعد هذا، عن خبيب بن سليمان عن
أبيه، فهو منه تصحيح. ذكره الزيلعي (ج ٢ ص ٣٧٦) والرواة الثلاثة - أي: جعفر
وخبيب وأبوه سليمان - ذكرهم ابن حبان في ((ثقاته)).
فائدة:
قال ابن قدامة (ج٣ ص ٣٠): من ملك عرضًا للتجارة فحال عليه الحول وهو
نصاب قومه في آخر الحول، فما بلغ أخرج زكاته وهو ربع عشر قيمته، ولا نعلم
بين أهل العلم خلافًا في اعتبار الحول، وقد دلَّ عليه قول رسول اللّهُ وَّه: ((لَا زَكَاةَ
فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ)) إذا ثبت هذا، فإن الزكاة تجب فيه في كل حول،
وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي. وقال مالك: لا
يزكيه إلا لحول واحد إلا أن يكون مديرًا، أي: غير محتكر، انتهى.
قلت: حاصل مذهب مالك ما ذكره الزرقاني من أن إدارة التجارة ضربان :

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٤٠٩
أحدهما: التقلب فيها وارتصاد الأسواق بالعروض فلا زكاة، وإن أقام أعوامًا حتى
يبيع فيزكي لعام واحد. والثاني: البيع في كل وقت بلا انتظار سوق كفعل أرباب
الحوانيت، فيزكي كل عام بشروط، أشار إليها الباجي، وذهب الأئمة الثلاثة
وغيرهم إلى أن التاجر يقوم كل عام ويزكي مديرًا كان أو محتكرًا. انتهى.
قلت: ظاهر الأحاديث والآثار المذكورة التي فيها الأمر بالزكاة مما يعد للبيع
يعم المدير والمحتكر، من غير فرق بين ما ينض وبين ما لا ينض، فالقول الراجح
هو ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، ثم هاهنا مسائل تتعلق بالزكاة في عروض التجارة،
لا يستغني عنها الطالب، فعليه أن يرجع إلى ((المغني)).
١٨٢٧ - [١٩] وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَيْرَ وَاحِدٍ: أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ وَّهِ أَقْطَعَ لِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ - وَهِيَ مِنْ
نَاحِيَةِ الْفُرْعِ - فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا تُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّ الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ]
الْشَّرْجُ
١٨٢٧ - قوله: (وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التيمي مولاهم أبو عثمان
المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه: فروخ، ثقة فقيه مشهور من صغار
التابعين، أدرَكَ بعضَ الصحابة والأكابر من التابعين، وكان أحد مفتي المدينة،
وكان يجلس إليه وجوهُ الناس بالمدينة، وعنه أخذ مالك، روى عن أنس والسائب
ابن یزید وابن المسيب والقاسم بن محمد ومکحول وغيرهم، وعنه يحيى بن سعيد
الأنصاري، ومالك وشعبة والسفيانان، وحماد بن سلمة والليث والدراوردي
وغيرهم. قال ابن سعد: كانوا يتقونه لموضع الرأي، مات سنة (١٣٦) على
الصحيح، وقيل: سنة (١٣٣) وقال الباجي في ((رجالِ البخاري)) سنة (١٤٢) قال
(١٨٢٧) مَالِك (٨/٢٤٨/١)، وَأَبُو دَاوُد (٣٠٦١) مِنْ رِوَايَةِ رَبِيعَةَ، وَوَصَلَهُ أَبُو دَاوُد بِذِكْرِ بِلَالِ بْنِ
الحارثِ فِیهِ .

٤١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. وقال الذهبي: كان ربيعة إمامًا حافظًا
فقيهًا مجتهدًا بصيرًا بالرأي، ولذلك يقال له: ربيعة الرأي، أخباره مستوفاة في
((تاريخ دمشق)) و((تاريخ بغداد)). قال الخطيب: كان فقيهًا عالمًا حافظًا للفقه
والحديث، انتهى.
(عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ) زاد في رواية أبي عبيد والبيهقي من علمائهم. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَّ*) قال المنذري: هذا مرسل، وهكذا رواه مالك في ((الموطأ)) مرسلًا، ولفظه عن
غير واحد من علمائهم. وقال أبو عمر بن عبد البر: هكذا في ((الموطأ)) عند جميع
الرواة مرسل، ولم يختلف فيه عن مالك، وذكر أن الدراوردي رواه عن ربيعة عن
الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه، وقال أيضًا: وإسناد ربيعة فيه صالح
حسن، كذا في ((عون المعبود)).
قلت: وصله البزار وأبو عبيد (ص٢٩٠) والحاكم (ج١ ص ٤٠٤) ومن طريقه
البيهقي (ج ٤ ص ١٥٢) من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة عن
الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه عن النبي وّر، قال ابن عبد البر: ورواه أبو
سبرة المديني، عن مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه عن
بلال موصولًا، لكن لم يتابع عليه، قال: ورواه أبو أويس عن كثير بن عبد اللَّه عن
أبيه عن جده وعن ثور بن زید عن عكر مة عن ابن عباس .
قلتُ: أخرجه من الوجهين الآخرين أحمد (ج١ ص ٣٠٦) وأبو داود، وكثير بن
عبد اللَّه حَسَّنَ حديثه البخاريُّ والترمذيُّ وتكلم فيه غيرهما، وأبو أويس عبد الله بن
عبد الله أخرج له مسلم الشواهد وضعفه غير واحد.
(أَقْطَعَ) من الإقطاع وهذه رواية أبي داود، وفي ((الموطأ)): ((قطع)) بدون
الهمزة، وكذا عند أبي عبيد (ص٣٣٨) والبيهقي (ج٤ ص١٥٢) والمعروف عند
أهل اللغة وفي الأحاديث والآثار هو الإقطاع. قال الحافظ في ((الفتح)): تقول:
أقطعته أرضًا جعلتها له قطيعة، والمراد به ما يخص به الإمام بعض الرعية من
الأرض الموات، فيختص به ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى بإحيائه.
واختصاص الإقطاع بالموات متفق في كلام الشافعية، انتهى. وقال الطيبي:
الإقطاعُ: ما يجعله الإمام لبعض الأجناد والمرتزقة من قطعة أرض ليرتزق من

كِتَابُ الزَّكَاةِ
SerS ** Baeck ====***
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٤١١
ريعها. في ((النهاية)): الإقطاع يكون تمليكًا وغير تمليك.
وقال العيني: الإقطاع هو تسويغ الإمام من مال اللّه تعالى لمن يراه أهلًا لذلك،
وأكثرها ما يستعمل في إقطاع الأرض، وهو أن يخرج منها شيئًا يجوزه، إما أن
يملكه إياه فيعمره، أو يجعل له غلته، ففي صورة التمليك الذي أقطع له، وهو الذي
يسمى المقطع له رقبة الأرض، فيصير ملكًا له، يتصرف فيه تصرف الملاك في
أملاكهم، وفي صورة جعل الغلة لا يملك إلا منفعة الأرض دون رقبتها، فعلى هذا
يجوز للجندي الذي يقطع له أن يوجر ما أقطع له؛ لأنه يملك منافعها وإن لم يملك
رقبته .
(مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ) بفتح القاف وفتح الموحدة وكسر اللام وبالياء المشددة
المفتوحة مجرورة بالإضافة، وهي منسوبة إلى قَبَل بفتح القاف والباء، وهي ناحية
من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل: هو بكسر قاف ثم لام
مفتوحة ثم باء. قال في ((النهاية)): نسبة إلي قَبَل بفتح القاف والباء، هذا هو
المحفوظ في الحديث. وفي كتاب ((الأمكنة)): القِلَبة بكسر القاف وبعدها لام
مفتوحة ثم باء، انتهى.
قال ابن الملك: يعني: أعطاه ليعمل فيها ويخرج الذهب والفضة لنفسه، وهذا
يدلُّ على جوازٍ إقطاع المعادن ولعلها كانت باطنة، فإنَّ الظاهر لا يجوزُ إقطاعها،
انتهى. والمراد بالظاهرة ما يبدو جوهرها بلا عملٍ، وإنما السعي والعمل
لتحصيله، وذلك كالنفطة والكبريت والقار والقطران، وأحجار الرحى وشبهها،
وهذه لا يملكها أحد بالأحياء والعمارة، إن أراد بها النيل، ولا يختص بها
المحتجر، وليس للإمام إقطاعها، بل هي مشتركة بين الناس كالماء والحطب،
وبالباطنة ما لا يظهر جوهرها إلا بكدوح واعتمال واستخراج؛ كالذهب والفضة
والرصاص والنحاس والحديد وسائر الجواهر المبثوثة في الأرض، واختلفوا فيها
هل يملكها بالإحياء؟ وفيه وجهان للشافعية: أظهرها: إنها كالظاهرة، والحق أنه
يملكها بالإحياء، ويجوز للإمام إقطاعها .
(وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ) قال النووي في ((تهذيبه)): بضمِّ الفاء وإسكان الراء، قرية
ذات نخل وزرع، ومياه، جامعة بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من

٤١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
المدينة، وقال الزرقاني: بضم الفاء والراء كما جزم به السهيلي، وعياض في
((المشارق))، وقال في كتابه ((التنبيهات)): هكذا قيده الناس وكذا رويناه، وحكى
عبد الحقِّ عن الأحول إسكان الراء ولم يذكره غيره، انتهى. فاقتصار ((النهاية))
والنووي في ((تهذيبه)) على الإسكان مرجوح.
قال في ((الروض)): بضمتين من ناحية المدينة، فيها عينان يقال لهم: الربض
والنجف، يسقيان عشرين ألف نخلة، انتهى. وقال في ((معجم البلدان)): والفرع
قرية من نواحي الربذة عن يسار السقياء، بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق
مكة. وقيل: أربع ليال، وبها منبر ونخل ومياه كثيرة.
(فَتَلْكَ الْمَعَادِنُ لَا تُؤْخَذُ) بالتأنيث، وفي ((الموطأ)) و(سنن أبي داود)) والبيهقي
و ((الأموال)): لَا يُؤْخَذُ. بالتذكير. (مِنْهَا إِلَّ الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمَ) أي: لا يؤخذ منها
الخمس كالركاز. قال المظهر: أي: الأربع عشر كزكاة النقدين، قال الباجي: هذا
دليل واضح على أن المعدن يجب فيما يخرج منه الزكاة، انتهى. وإليه ذهب مالك
وأحمد وإسحاق، وهو أحد أقوال الشافعي، واستدلَّ لهم بحديث الباب، وبما
تقدم من قوله تعالَّ: ((فِي الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشْرِ)) ويقاس عليها غيرها، وبما ثبتَ عن عمر
ابن عبد العزيز: أنه كتب إلى عامله بأخذ ربع العشر من المعدن، وذهب أبو حنيفة
والثوري ومكحول وأبو عبيد الزهري إلى أنَّ الواجب في المعدن الخمس؛ لأنه
يصدق عليه اسم الركاز، وقد تقدم الخلاف وتحقيق الحق في ذلك. قال في ((تُحفة
المنهاج)): وهو قول الشافعي قياسًا على الركاز بجامع الإخفاء.
والقول الثالث للشافعي: إن وجد بتعب ومؤنة كطحن ومعالجة بنار فربع العشر
وإلا الخمس. وأجاب القائلون بوجوبٍ الخمس في المعدنِ عن حديث الباب
بوجوه :
منها: ما قال أبو عبيد وابنُ حزمٍ: إنه حديث منقطع.
ومنها: إن قوله: فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ تُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّ الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْم، لا يوجد في
الطرق الموصلة.
ومنها: ما قال الشافعي: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولو ثبتوه لم تكن فيه

كِتّابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٤١٣
رواية عن النبي ◌َّ إلا إقطاعه.
فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي وَاثله. وقال أبو
عبيد: ومع كون الحديث لا إسناد له لم يذكر فيه أن النبي ◌َّه أمر بذلك، إنما قال:
فهي تُؤخذ منها الصدقة إلى اليوم. قال ابنُ الهمام: يعني: فيجوز كون ذلك من
أهل الولايات اجتهادًا منهم. وتعقب بما تقدم من أنه رواه البزار والطبراني وأبو
عبيد والحاكم والبيهقي موصولًا من طريق الدراوردي، وقد صرح في رواية
الحاكم برفع الزيادة المذكورة ولفظه: إن الرسول ولل أخذ من المعاد القبلية
الصدقة، وإنه أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع، فلما كان عمر رَضَِّةُ ، قال
لبلال: إن رسول اللّه ◌َلَه لم يقطعك لتحتجزه عن الناس، لم يقطعك إلا لتعمل.
قال: فأقطع عمر للناس العقيق.
قال الحاكم: قد احتج مسلم بالدراوردي، وهذا حديث صحيح ووافقه
الذهبي. وقال البيهقي بعد ذكر قول الشافعي المتقدم: هو كما قال الشافعي في
رواية مالك، وقد روى عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة موصولًا، ثم رواه البيهقي
عن الحاكم باللفظ المتقدم، وتعقب العيني في ((البناية)) على رفعه بما لا يلتفت
إليه، ومنها ما قال صاحب ((البدائع)): إنه يحتمل إنه إنما لم يأخذ منه ما زاد عن ربع
العشر لما علم من حاجته وذلك جائز عندنا، انتهى. وفي ذكر هذا غنى عن الردِّ؛
فإنه لا دليل على هذا الاحتمال، وأيضًا يبطله الحصر المذكور في الحديث
والاستمرار على أخذ الزكاة فقط على مرور الأزمان.
ومنها: ما أجاب به الشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((المسوى)) حيث قال بعد حكاية
كلام الإمام الشافعي المتقدم: أقول: ولو كانت الزكاة مروية عن النبي ◌َّ، فليس
ذلك نصًّا في ربع العشر، بل يحتمل معنيين آخرين أحدهما: يؤخذ منه الخمس،
وهو زكاة وهو قول للشافعي، والحصر بالنسبة إلى الكلِّ، والثاني: إذا ملكه وحال
عليه الحول، تؤخذ منه الزكاة، وهو قول جمع من المحدثين. انتهى.
قلتُ: الظاهر المتبادر من لفظ الزكاة هو ربع العشر، وإطلاق الزكاة على
الخمس غير معروف، وأما الاحتمال الثاني فغير بعيد.

٤١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ مَالِك) عن ربيعة الرأي (وَأَبُو دَاوُدَ) عن عبد الله بن مسلمة عن مالك به،
وتقدم ذكر من أخرجه غيرهما مع بيان ما فيه من الكلام.
فوائد:
الأولى: إن ما يخرج من المعدن ثلاثة أنواع: الأول: ما يذوب بالنار وينطبع
بالحلية كالذهب والفضة والحديد والرصاص ونحو ذلك. والثاني: ما لا يذوب
بالإذابة؛ كالياقوت والبلور والعقيق والزمرد والفيروزج والكحل والمغرة
والزرنيخ والجص والنورة ونحوها. والثالث: ما يكون مائعًا كالنفط والقار.
واختلف الأئمة في حكم هذه الأنواع؛ فذهب الحنفية كما تقدم إلى أن وجوب
الخمس يختص بالنوع الأول دون النوعين الأخيرين.
قال الكاساني: أما ما لا يذوب بالإذابة فلا خمس فيه ويكون كله للواجد، لأن
الجص والنورة ونحوهما من أجزاء الأرض، فكان كالتراب والياقوت والفص من
جنس الأحجار، غير أنها أحجار مضيئة، ولا خمس في الحجر.
وقال مالك والشافعي وابن حزم وداود: يجب الزكاة في الذهب والفضة خاصة.
وأوجب أحمد الزكاة في الأنواع الثلاثة. قال في ((الروض المربع)): المعدن إن كان
ذهبًا أو فضة ففيه ربع عشره إن بلغ نصابًا، وإن كان غيرهما ففيه ربع عشر قيمته إن
بلغت نصابًا بعد سبك وتصفية، انتهى.
واستدل ابن قدامة لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾
[البقرة: ٢٦٧] وقال الشاه ولي الله الدهلوي في ((المصفى شرح الموطأ) بالفارسية:
الظاهر أن المعادن القبلية لم تكن من الذهب والفضة، فإنها لم يذكرها أهل
التاريخ، ومن البعيد سكوت جميعهم عن ذكرها وإهمالهم إياها، أو خفاؤها عليهم
مع كونها بقرب المدينة. فالظاهر: أنها كانت من بقية المنطبعات أو من غير ما
ينطبع كالمغرة والنورة وهذا الأخير أقرب، فالظاهر هو ما قال به أحمد من أن
الزكاة تجب في كل ما يخرج من المعدن، منطبعًا كان أو غير منطبع، انتهى معربًا .
الثانية: اختلفوا هل يشترط النصاب في الوجوب فيما يخرج من المعدن أم لا؟
قال العيني: يجب الخمس في قليله وكثيره ولا يشترط فيه النصاب عندنا، واشترط

٤١٥
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابَ مَا يجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
مالك والشافعي وأحمد لوجوب الزكاة فيه أن يكون الموجود نصابًا ولنا أن
النصوص خالية عن اشتراط النصاب، فلا يجوز اشتراطه بغير دليل شرعي، انتهى.
وقال ابن قدامة (ج٣ ص٢٥): وهو - أي: نصاب المعادن - ما يبلغ من الذهب
عشرين مثقالًا، ومن الفضة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما، وهذا مذهب
الشافعي، وأوجب أبو حنيفة الخمس في قليله وكثيره من غير اعتبار نصاب، بناء
على أنه ركاز؛ لعموم الأحاديث التي احتجوا بها عليه؛ ولأنه لا يعتبر له حول فلم
يعتبر له نصاب كالركاز. ولنا عموم قوله الَّ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ
صَدَقَةٌ)). وقوله: ((لَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ))، وقوله ◌َلَُّ: ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِيَ
الذَّهَبِ شَيْءٌ، حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا)). وقد تقدم أن هذا ليس بركاز، وأنه مفارق
للركاز، حيث إن الركاز مال كافر أخذ في الإسلام فأشبه الغنيمة، وهذا وجب
مواساة وشكر النعمة الغني فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات، وإنما لم يعتبر له
الحول لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار، انتهى.
الثالثة: قال ابن قدامة (ج٣ ص٢٦): تجب الزكاة في ما يخرج من المعدن
حين يتناوله ويكمل نصابه ولا يعتبر له حول، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب
الرأي. وقال إسحاق وابن المنذر: لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول؛
لقول رسول اللّه ◌ِّ: (لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ))، ولنا أنه مال
مستفاد من الأرض فلا يعتبر في وجوب حقه حول، كالزروع والثمار والركاز؛
ولأن الحول إنما يعتبر في غير هذا لتكميل النماء، وهو يتكامل نماؤه دفعة واحدة،
فلا يعتبر له حول کالزروع، انتھی.
قال ابن رشد (ج١ : ص٢٤٣): وسبب اختلافهم تردد شبهه بين ما تخرجه
الأرض مما تجب فيه الزكاة، وبين التبر والفضة المقتنيين، فمن شبهه بما تخرجه
الأرض لم يعتبر الحول فيه، ومن شبهه بالتبر والفضة، المقتنيين أوجب الحول،
وتشبيهه بالتبر والفضة أبين، انتهى. وقد اعترض أيضًا أبو عبيد (ص٣٤١، ٣٤٢)
على تشبيهه المعدن بالزرع، وابن حزم (ج٦: ص١١٠) على قياسه على الزرع
والركاز، ووافق في ذلك إسحاق حيث قال (ج٦: ص١١١): لا زكاة في مال غير
الزرع إلا بعد الحول، والمعدن من جملة الذهب والفضة، فلا شيء فيها إلا بعد
الحول، وهذا قول الليث بن سعد وأحد أقوال الشافعي وقول أبي سليمان، انتهى.

٤١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٨٢٨ - [٢٠] عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ
صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْعَرَايَا صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي
الْعَوَامِلِ صَدَقَّةٌ، وَلَا فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ)).
قَالَ الصَّقْرُ: الْجَبْهَةُ: الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْعَبِيدُ.
[رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ]
G O
الْشِّرْجُ
١٨٢٨ - قوله: (لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ) بفتح الخاء المعجمة جمع خضراء،
والمراد بها: الرياحين والأوراد والبقول والخيار والقثاء والبطيخ والباذنجان وأشباه
ذلك. قال يحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٤٦): الخضر عندنا: الرطاب
والرياحين والبقول والفاكهة، مثل: الكمثرى والسفرجل والخوخ والتفاح والتين
والأجاص والمشمش والرمان والخيار والقثاء والنبق والباقلي والجزر والموز
والمقل والجوز واللوز والبطيخ وأشباهه، انتهى.
وقال الأمير اليماني: الخضروات: ما لا يُكال ولا يَقْتات.
(صَدَقَةٌ) لأنها لا تقتات، والزكاة تختص بالقوت، وحكمته أن القوت ما يقوم به
بدن الإنسان؛ لأن الاقتيات من الضروريات التي لا حياة بدونها، فوجب فيها حق
لأرباب الضرورات، قاله القاري. والحديث: يدلّ على ما ذهب إليه الجمهور من
عدم وجوب الزكاة في الخضروات، وقد ورد في هذا أحاديث أخرى مرفوعة عن
عائشة ومحمد بن جحش وأنس ومعاذ وطلحة، لكنها كلها ضعيفة كحديث عليَّ
هذا، وقد ذكرها مع بيان ضعفها الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٢: ص٣٨٦ -
٣٨٩)، وقال الترمذي: ليس يصحُّ في هذا الباب أي: في نفي زكاة الخضروات
عن النبي ◌َّ شيء، انتهى.
(١٨٢٨) رَوَاه الدَّارَ قُطْني (٩٥/٢) عنه.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٤١٧
وأقوى ما استدلَّ به للجمهور: أن الخضر كانت بالمدينة في زمن النبي بَّه
بحيث لا يخفى ذلك، ولم ينقل أنه أمر بإخراج شيء منها، ولا أن أحدًا أخذ منها
زكاة ولا أنهم يؤدونها إليه، ولو كان ذلك لنقل كما نقل زكاة سائر ما أمر به
النبي وَله، فثبت أنه لا زكاة فيها.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه تجب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض، سواء كان من
الحبوب أو الثمار أو الفواكه أو البقول أو غير ذلك بعد ما كان المقصود به استغلال
الأرض، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وأبي بردة بن أبي موسى وحماد
والنخعي، وهو قول داود الظاهري وقواه ابن العربي، وإليه يظهر ميل الفخر
الرازي وهو مختار شيخ مشائخنا العلامة الغازي فوري، واستدل لهم بعموم قوله
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ﴾
[البقرة: ٢٦٧] وقوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] قال الباجي: والحق ها هنا هو الزكاة؛
لأنه لا خلاف أنه ليس فيه حق واجب غيره، والأمر يقتضي الوجوب انتهى.
وبعموم حديث: ((فيما سقت السماء العشر)) ونحوه، قالوا: وحديث
الخضراوات إن صح لم يصلح لتخصيص هذه العمومات، لكونه من أخبار
الآحاد، فكيف وهو ضعيف بجميع طرقه؟! قالوا: وهو محمول على صدقة يأخذها
العاشر، لأنه إنما يأخذ من مال التجارة إذا حال عليه الحول؛ وهذا بخلافه ظاهرًا،
أو على أنه لا يأخذ من عينها بل يأخذ من قيمتها؛ لأنه يتضرر بأخذ العين في
البراري حيث لم يجد من يشتريها، أو على أنه لا يأخذها الساعي بل يؤديها المالك
بنفسه، هذا وقد تقدم شيء من البسط في زكاة المعشرات في شرح حديث الأوساق
مع بيان القول الراجح في ذلك.
(ولا في العرايا) جمع عرية وهي عطية ثمر النخل دون الرقبة، كان العرب في
الجدب يتطوع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو
الإبل بالمنيحة، وهي عطية اللبن دون الرقبة، قال في ((القاموس)): وإعراء النخلة
وذهب ثمرتها عامًا، والعرية النخلة المعراة التي يؤكل ما عليها وما عزل عن
المسومة عند بيع النخل. انتهى.
والعرية: فعلية بمعنى مفعولة أو فاعلة، يقال: عرى النخل بفتح العين والراء

٤١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالتعدية يعروها: إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لآخر على سبيل المنحة ليأكل
ثمرها، وتبقى رقبتها لمعطيها، ويقال: عريت النخل بفتح العين وكسر الراء تعرى
على أنه قاصر فكأنها عريت عن حكم أخواتها واستثبتت بالعطية واختلف في المراد
بها شرعا .
قال الحافظ في ((الفتح)) تحت باب تفسير العرايا من كتاب البيوع: إن صور
العربية كثيرة، منها أن يقول الرجل لصاحب حائط بعني ثمر نخلات بأعيانها
بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر ويسلم إليه النخلات
بالتخلية فينتفع برطبها، ومنها: أن يهب صاحبُ الحائط الرجلَ نخلاتٍ أو تمر
نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها، ويشتري منه رطبها
بقدر خرصه بتمر يعجله له، ومنها: أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتطار
صيرورة بالرطب تمرًا، ولا يجب أكلها رطبًا لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك
الرطب بخرصه من الواهب، أو من غيره بتمر يأخذه معجلاً، ومنها: أن يبيع الرجل
ثمر حائطه بعد بدو صلاحه ويستثنى منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله،
وهي التي عفي له عن خرصها في الصدقة، وسميت عرايا: لأنها أعريت من أن
تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول من
تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها، ومما يطلق
عليه اسم عرية: أن يعرى رجلا تمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها وهذه هبة
مخصوصة، ومنها: أن يعرى عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات
معلومة لا يخرصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا بيع فيهما، وجميع
هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور، وقصر مالك العرية في البيع على
الصورة الثانية وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع، وزاد أنه
رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشتروه لتجارة ولا ادخار، ومنع أبو حنيفة صور
البيع كلها وقصر العرية على الهبة، وهو أن يعري الرجل تمر نخلة من نخله ولا
يسلم ذلك، ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة، فرخص له أن يحتبس ذلك، ويعطيه
بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرًا وحمله على ذلك أخذه بعموم النهى عن بيع
الثمر بالتمر .
وتعقب: بالتصريح باستثناء العرايا في حديث ابن عمر وفي حديث غيره، انتهى

كِتّابُ الرَّكاةِ
بَاب مَا يَجبُ فِيهِ الزّكاةُ
٤١٩
كلام الحافظ، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في كتاب البيوع، إن شاء الله تعالى
(صَدَقَةٌ)؛ لأنها تكون دون النصاب أو لأنها خرجت عن ملك مالكها قبل الوجوب
بطريق صحيح. (وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) فيه بيان نصاب المعشرات،
وإنه لا تجب الزكاة فيها حتى تبلغ خمسة أوسق. قال القاري: لأنه قليل فلا تتشرف
الفقراء إلى المواساة منه. (وَلَا فِي) الإبل أو البقر. (الْعَوَامِلِ) للمالك أو لغيره
(صَدَقَةٌ) لأنها بالعمل صارت غير مقتناة للنماء. (وَلَا فِي الْجَبْهَةِ) قال أبو عبيد:
الجبهة: الخيل (صَدَقَّةٌ، قَالَ الصَّقْرُ) أي: أحد رواة الحديث وهو بفتح المهملة
وسكون القاف ابن حبيب. ويقال: الصعق، روى عن أبي رجاء العطاردي تكلم فيه
ابن حبان، فقال: يأتي عن الثقات بالمقلوبات، وغمزه الدار قطني في الزكاة، ولا
يكاد يعرف، كذا في ((الميزان)). قال الحافظ في ((اللسان)): وبقية كلام ابن حبان
يخالف الثقات وقال: إنه شيخ من أهل البصرة سلولي، انتهى. (الْجَبْهَةُ: الْخَيْلُ
وَالْبِغَالُ وَالْعَبِيدُ) والذي في ((القاموس)) وغيره أنها الخيل. قال في ((الفائق)):
سميت بذلك؛ لأنها خيار البهائم، كما يقال: وجه السلعة لخيارها ووجه القوم
وجبهتهم لسيدهم، وقال بعضهم: هي خيار الخيل، ثم رأيت صاحب ((النهاية))
أشار إلى أن ما قاله الصقر فيه بعد وتكلف، قاله القاري.
قلت: روى البيهقي بسند ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا: ((عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةٍ
الْجَبْهَةِ وَالْكُسْعَةِ وَالنُّخَّةِ)). قال بقيةُ - أَحَدُ رواته -: الجبهة: الخيل، والكُسْعَة:
البغال، والحمير، والنخة: المربيات في البيوت، ثم رواه البيهقي عن عبد الرحمن
ابن سمرة مرفوعًا. بلفظ: ((لَا صَدَقَةَ فِي الْكُسْعَةِ وَالْجَبْهَةِ وَالنُّخَةِ)) فسره أبو عمر
وعبد الله بن يزيد راوي الحديث: الكُسْعَةُ: الحمير، والجبهة: الخيل، والتُّخَّةِ :
العبيد، ثم ذكر تفصيل ذلك عن أبي عبيدة حيث قال: قال أبو عبيدٍ : قال أبو عبيدة:
الجبهة: الخيل، والنخة: الرقيق، والكسعة: الحمير. قال الكسائي وغيره في
الجبهة والكسعة مثله. وقال الكسائي: والنخة برفع النون وفسره هو وغيره في
مجلسه البقر العوامل، انتهى.
(رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ) (ص ٢٠٠) من حديث أحمد بن الحارث البصري، ثنا الصقر
ابن حبيب، قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يحدث عن ابن عباس عن علي بن أبي