Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والابن في ابن لبون كالبنت والابن في بنت طبق، وابن آوى يشترك فيهما الذكر
والأنثى. وحاصله: إن وصف البنت بالأنثى لئلا يتوهم أن المراد منه الجنس
الشامل للذكر والأنثى كالولد؛ إذ في غير الآدمي قد يطلق البنت والابن ويراد بهما
الجنس كما في ابن عرس وبنت طبق وهي السلحفاة، وزاد في رواية حماد بن سلمة
عن ثمامة عن أنس عند أحمد (ج١ ص١١) وأبي داود والنسائي والدار قطني
والبيهقي: ((فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر)) وهو الذي استكمل السنة الثانية
ودخل في الثالثة، وهو كذلك إلى تمامها، سمي بذلك؛ لأن أمه صارت لبونًا أي:
ذات لبن بوضع الحمل .
(فَإِذَا بَلَغَتْ) الإبل. (سِتَّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ) الغاية داخلة في المغيا
بدليل قوله: بعد ذلك: ((فإذا بلغت ستًّا وأربعينٌ)) فعلم أن حكمها حكم ما قبلها .
(فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ) هي التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة إلى تمامها. (أُنْثَى)
زاده تأكيدًا كما عرفت. (حِقَّةٌ) بكسر الحاء المهملة وفتح القاف المشددة والجمع
حقاق بالكسر والتخفيف وهي من الإبل: ما استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة
وهي كذلك إلى تمامها، ويقال للذكر: الحق سميت بذلك لاستحقاقها أن تركب
ويحمل عليها ويركبها الفحل ولذلك قال في صفتها (طَرُوقَةُ الْجَمَلِ) بفتح أوله أي :
مطروقته فعولة بمعنى مفعولة كحلوبة بمعنى محلوبة صفة لـ((حقة))، والمراد من
شأنها أن تقبل ذلك وإن لم يطرقها الفحل يعني: إنها بلغت وصلحت أن يغشاها
الجمل ويطأها من الطرق بمعنى الضرب. (جَذَعَةٌ) بفتح الجيم والذال المعجمة
قال الجزري: الجذعة والجذع من الإبل: ما استكمل الرابعة ودخل في الخامسة
إلى آخرها. قال القسطلاني: سميت بذلك لأنها جذعت مقدم أسنانها أي: أسقطته
وهي غاية أسنان الزكاة. وقال ابن قدامة: قيل لها ذلك لأنها تجذع إذا سقطت سنها
وهي أعلى سن تجب في الزكاة. وقال القاري: سميت بذلك لأنها سقطت أسنانها
والجذع السقوط. وقيل: لتكامل أسنانها. وقال التوربشتي: يقال للإبل في السنة
الخامسة: أجذع وجذع اسم له في زمن ليس سن ينبت ولا يسقط والأنثى جذعة.
انتھی .
(فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَنَا الْجَمَلِ) أجمع
العلماء على المذكور من أول الحديث إلى هذا إلا ما تقدم عن عليٍّ إنه قال: ((في

كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
<<<<<<<< p> <<<<< >
*****<<<<<<<<<<****<<< ><> <<<<< > <***
٣٠١
خمس وعشرين من الإبل خمس شياه، وفي ست وعشرين بنت مخاض)). حكى
هذا الإجماع؛ العيني وابن قدامة وأبو عبيد والسرخسي .
قال ابن قدامة: هذا كله مجمع عليه إلى أن يبلغ عشرين ومائة، ذكره ابن
المنذر. وقال أبو عبيد (ص٣٦٣): هذا ما جاء في فرائض الإبل إلى أن تبلغ عشرين
ومائة لم يختلفوا إلا في هذا الحرف الواحد وحده، فإذا جاوزت عشرين ومائة
فهناك الاختلاف، ثم ذكره كما سيأتي بيانه. وقال السرخسي: على هذا اتفقت
الآثار وأجمع العلماء إلا ما روي شاذًا عن علي. وقال العيني: لا خلاف فيه بين
الأئمة وعليها اتفقت الأخبار عن كتب الصدقات التي كتبها رسول اللَّه وَال
والخلاف فيما إذا زادت على مائة وعشرين.
(فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُوٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ)
أي: إذا زاد يجعل الكل على عدد الأربعينات والخمسينات، مثلًا إذا زاد واحد على
العدد المذكور يعتبر الكل ثلاث أربعينات وواحد والواحد لا شيء فيه، وثلاث
أربعينات فيها ثلاث لبونات إلى ثلاثين ومائة، وفي ثلاثين ومائة حقة لخمسين وبنتا
لبون الأربعين. وهكذا، ولا يظهر التغيير إلا عند زيادة عشر قاله السندي.
وقال الشوكاني: المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعشرين بواحدة في كل
أربعين بنت لبون، فيكون الواجب في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون،
وإلى هذا ذهب الجمهور. ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحد كنصف أو ثلث أو
ربع؛ خلافًا للاصطخري من الشافعية، فقال: يجب ثلاث بنات لبون بزيادة بعض
واحدة لصدق الزيادة ويرد عليه ما عند الدار قطني في آخر هذا الحديث وما في
كتاب عمر، فإذا كانت أحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعًا
وعشرين ومائة ومثله في كتاب عمرو بن حزم، انتهى.
اعلم أنهم اختلفوا فيما زادت على عشرين ومائة، فذهب الشافعي والأوزاعي
وإسحاق بن راهويه إلى أنها إذا زادت على العشرين والمائة واحدة، ففيها ثلاث
بنات لبون إلى أن تصير مائة وثلاثين، فيجب فيها حقة وبنتا لبون، ثم كلما زادت
عشرة كان في خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون، وهو إحدى الروايتين عن

٣٠٢
sery #ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
أحمد، والمختار عند الحنابلة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن حزم وأبي
سليمان داود والزهري وأبي ثور وابن القاسم صاحب مالك.
قال الباجي: قول ابن القاسم رواية لمالك أيضًا واحتج لهذا القول بقوله وقلقه :
((فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة)):
فإنه علَّق النبي ◌َّ هذا الحكم بنفس الزيادة والواحدة زيادة، فعندها يجب في كل
أربعين بنت لبون. وقد جاء مصرحًا بذلك كما تقدم في كلام الشوكاني.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٢٠): فيه دليل على أن الإبل إذا زادت على
العشرين ومائة لم يستأنف لها الفريضة؛ لأنه علق تغير الفرض بوجود الزيادة، وقد
يحصل وجود الزيادة بالواحدة كحصولها بأكثر منها، وعلى هذا وجد الأمر في أكثر
الفرائض، فإن زيادة الواحد بعد منتهى الوقص توجب تغير الفريضة كالواحدة بعد
الخامسة والثلاثين وبعد الخامسة والأربعين وبعد كمال الستين. وذهب أبو عبيد،
ومحمد بن إسحاق، وأحمد في رواية إلى: أنها لا يجب فيما زاد على العشرين
والمائة شيء، حتى تكون مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون، فلا يتغير الفرض
عندهم، ولا يتعدى إلى ثلاثين ومائة، وهو رواية عن مالك، رواها عنه عبد الملك
وأشهب وابن نافع. واستدل لهم بأن قوله بَّه: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ... ))
الحديث. يقتضي أن يكون تغير الفرض في عدد يجب السِنَّان معًا، أي: المراد
بالزيادة هي التي يمكن اعتبار المنصوص عليه فيها وذلك لا يكون فيما دون العشر،
وأجيب عنه: بأن هذا غير لازم وذلك أنه إنما علَّق تغير الفرض بوجود الزيادة على
المائة والعشرين، وجعل بعدها في أربعين ابنة لبون، وفي خمسين حقة، وقد
وجدت الأربعونات الثلث في هذا النصاب، فلا يجوز أن يسقط الفرض ويتعطل
الحكم. وإنما اشترط وجود السنين في محلين مختلفين لا في محل واحد،
فاشتراطهم وجودهما معًا في واحد غلط، واستدل لهم أيضًا بأن الفرض لا يتغير
بزيادة الواحد كسائر الفروض، وأجيب عنه بأنه ما تغير بالواحدة وحدها، وإنما
تغير بها مع ما قبلها، فأشبهت الواحدة الزائدة عن التسعين والستين وغيرهما.
واستدل لهم أيضًا بما روى أبو عبيد (ص٣٦٣) عن يزيد عن حبيب بن أبي حبيب
عن عمرو بن هرم عن محمد بن عبد الرحمن، إن في كتاب صدقة النبي وَلّ وفي
كتاب عمر في الصدقة: ((إن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، فليس فيما دون

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣٠٣
العشر شيء حتى تبلغ ثلاثين ومائة))، وأجيب بأن هذا مرسل ولا حجة فيه. وأيضًا
قد رواه الدار قطني (ص٢١٠) والحاكم (ج١ ص٣٩٤ - ٣٩٥) والبيهقي (ج٤
ص٩٢) مطولًا، وفيه: فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات
لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك فليس فيما لا
يبلغ العشر منها شيء حتى يبلغ العشر. انتهى.
وهذا كما ترى نص في القول الأول وصريح في الرد على القول الثاني. وذهب
مطرف وابن أبي حازم وابن دينار وأصبغ إلى أن الساعي بالخيار بين أن يأخذ في
إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون، أو حقتين أيُّ الصفتين أدى أجزأه إلى أن
تبلغ ثلاثين ومائة، فيجب فيها حقة وبنتا لبون وهو رواية عن مالك أيضًا، وهو
مختار فروع المالكية.
قال ابن حزم (ج٥ ص٣١): قول مالك في التخيير بين إخراج حقتين أو ثلاث
بنات لبون خطأ، فإن رسول اللَّه ◌َ لل فرق بين حكم العشرين ومائة، فجعل حقتين
بنص كلامه وبين حكم ما زاد على ذلك، فلم يجز أن يسوى بين حكمين فرق
رسول اللّه وَله بينهما، ولا نعلم أحدًا قبل مالك قال بهذا التخيير. انتهى.
وقد ظهر بما قدمنا أن فيما زاد على عشرين ومائة إلى تسع وعشرين ومائة لمالك
ثلاث روايات التخيير، وعدم التخيير، ووجوب ثلاث بنات لبون من غير أن يخير
الساعي. ومختار فروع المالكية الرواية الأولى ومذهب الشافعي وأحمد وجوب
ثلاث بنات لبون من غير تخيير. وهو القول الراجح عندنا، ثم إن هؤلاء الأئمة
الثلاثة اتفقوا على أنه يدور الحكم بعد العشرين والمائة على الأربعينات
والخمسينات أبدًا من غير أن يستأنف الفريضة، فتتغير الفريضة عندهم بعد العدد
المذكور إلى بنت لبون في كل أربعين، وإلى حقة في كل خمسين. ولا تعود إلى
الأول. واستدلوا لذلك بما روى في كتاب أبي بكر الصديق وفي كتاب عمر وفي
كتاب عمرو بن حزم وفي كتابٍ زياد بن لبيد إلى حضر موتٍ، من قولهِ وَل﴾ ((فَإِذَا
زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُوٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ))، بسط
طرق هذه الكتب الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص٣٣٥، ٣٤٥) وأخرج الثلاثة
الأول منها الدار قطني (ص٢٠٨، ٢١٠) والحاكم (ج١ ص ٣٩٠، ٣٩٧) والبيهقي
(ج٤ ص٨٥ و٩٢).

٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأما ما وقع في بعض الطرق من الاقتصار على قوله: ((فِي كُلُّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ)) فهو
من اختصار الراوي، لا أنه وَلجر ترك ذكر الأربعين قصدًا. وذهب أبو حنيفة
وأصحابه والثوري والنخعي إلى أنه يستأنف الفريضة بعد العشرين ومائة، كما في
الأول إلى مائة وخمسين، إلا أنه لا تجب في هذا الاستيناف بنت لبون وجذعة،
فليس عندهم فيما بعد العشرين ومائة إلا حقتان فقط. حتى تتم خمسًا وعشرين
ومائة، فيجب فيها حقتان وشاة إلى ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقتان وشأتان
إلى خمس وثلاثين ومائة، ففيها حقتان وثلاث شياه إلى أربعين ومائة، ففيها حقتان
وأربع شياه إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقتان وبنت مخاض إلى
خمسين ومائة، فإذا بلغتها ففيها ثلاث حقاق. هذا هو الاستيناف الأول ثم تستأنف
الفريضة وتجب فيها بنت لبون أيضًا على خلاف الاستيناف الأول، فيجب في مائة
وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة.
ثم كما ذكرنا في كل خمس شاة مع الثلاث حقاق إلى أن تصير خمسًا وسبعين
ومائة، فيجب فيها بنت مخاض وثلاث حقاق إلى ست وثمانين ومائة، فإذا بلغتها
كانت فيها بنت لبون وثلاث حقاق إلى ست وتسعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها أربع
حقاق إلى مائتين ثم تستأنف الفريضة كما بعد مائة وخمسين، فتجب في كل خمس
شاة. فإذا صارت مائتين وخمسًا وعشرين، ففيها أربع حقاق وبنت مخاض، وفي
ست وثلاثين ومائتين أربع حقاق وبنت لبون إلى ست وأربعين ومائتين، فإذا بلغتها
كانت فيها خمس حقاق إلى خمسين ومائتين، وهكذا إلى ما لا نهاية له كلما بلغت
الزيادة خمسين؛ زاد حقة ثم استأنف تزكيتها بالغنم ثم ببنت المخاض ثم ببنت
اللبون ثم بالحقة. ولا يخفى أن هذا المذهب لا يصدق عليه قوله معه لي﴿ فَإِذَا زَادَتْ
عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُوٍ وَفِي كُلُّ خَمْسِینَ حِقَةٌ))، فإنه يدل على
أن مدار الحكم والحساب بعد العشرين ومائة هو الأربعون والخمسون، وعلى أنه
يجعل الكل على عدد الأربعينات والخمسينات، وقد عرفت أنهم لم يجعلوا
الأربعين والخمسين مدارًا للحكم، بل قالوا بالعود إلى أول الفريضة والاستئناف،
وتقدم أنه ليس في الاستئناف الأول بنت لبون أصلاً.
ثم إنها وإن كانت في الاستيناف الثاني، لكن الفريضة لا تدور على الأربعين
عندهم، فإنه تجب بنت لبون من ست وثلاثين إلى ست وأربعين والأربعون واقع

كِتَابُ الرَّكَاةِ
<<<***::
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٠٥
في البين، فلم يكن مدار الحكم ولا يكون لتخصيصه بالذكر على مذهبهم معنى ؛
لكون بنت لبون واجبة فيما دونه وفيما فوقه أيضًا، وكذا الحقة تجب من ست
وأربعين إلى خمسين فلا يكون الخمسون مدارًا، ولا يظهر لتخصيصه في قوله:
((وفي كل خمسين حقة)) معنى أيضًا.
قال صاحب ((العرف الشذي)): الحق إن حديث الباب أقرب بمذهب الحجازيين
لأنه ◌َالَلّ قد أجمل بعد مائة وعشرين، ومذهب الحجازيين مستقيم على هذا
الحديث بعد مائة وعشرين إلى الأبد. وأما مذهبنا الحنفية فاستقامته إنما هو بعد
خمسين ومائة. انتهى.
قلت: الحديث الذي استدل به أهل الحجاز لا يصدق على مذهب أهل العراق
أصلاً، فإن مذهبهم كما لا يستقيم قبل خمسين ومائة؛ لقوله {قّ في حديث أنس
عند الدار قطني (ص٢٠٩): ((فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ
لَبُوٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ))، كذلك لا يستقيم بعده أيضًا، فإن مدار بنت اللبون
هو ست وثلاثون لا أربعون، ومدار الحقة ست وأربعون لا خمسون، فإن هذين
العددين يكونان في البين. والحديث نص في كون الأربعينات والخمسينات مدارًا
بعد العشرين، ومائة مطردًا دائمًا. هذا وقد تصدى الحنفية كالطحاوي في ((شرح
الآثار)) والسرخسي في ((المبسوط)) وأبي بكر الرازي في ((أحكام القرآن)) وابن
الهمام في ((فتح القدير))، والزيلعي في ((شرح الكنز)) والعيني في ((شرح البخاري))
للجواب عن حديث الباب والتخلص من مخالفته، ولولا أنه يطول البحث جدًّا
لذكرنا كلامهم أجمعين، وبينا ما في أجوبتهم من التكلف والتمحل والتلبيس
والتخليط والفساد.
وقد ذكر تقرير ابن الهمام وجوابه الشيخ عبد العلي بحر العلوم اللكنوي الحنفي
في ((رسائل الأركان الأربعة)) (ص ١٧٠ - ١٧١)، ثم ردَّ عليه ورجح مذهب
الجمهور وقال في آخر كلامه: فالأشبهة ما عليه الإمام الشافعي والإمام أحمد.
واحتجَّ الحنفية لمذهبهم بما روى أبو داود في ((المراسيل)) وإسحاق بن راهويه في
((مسنده))، والطحاوي في ((مشكله)) عن حماد بن سلمة قال: قلت لقيس بن سعد:
خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم. فأعطاني كتابًا أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن

٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
محمد بن عمرو بن حزم أن النبي ◌َّ كتبه لجده، فقرأته، فكان فيه ذكر ما يخرج
من فرائض الإبل، فقص الحديث إلى أن يبلغَ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من
عشرين ومائة، فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقل من خمس وعشرين،
ففيه الغنم في كل خمس ذود شاة كذا في ((نصب الراية)).
وأجيب عنه بما قال ابنُ الجوزي في ((التحقيق)): إن هذا حديث مرسل. وقال
هبة الله الطبري: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع ولا يعرف أهل المدينة كلهم عن
كتاب عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا، رواها الزهري وابن المبارك وأبو أويس كلهم
عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مثل قولنا. ثم لو تعارضت
الروايتان عن عمرو بن حزم بقيت روايتنا عن أبي بكر الصديق رَّهُ، وهي في
الصحيح وبها عمل الخلفاء الأربعة.
وقال البيهقي في ((السنن)) (ج٤ ص٩٤): هذا منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى
النبيِ وَّ، وقيس بن سعد أخذه عن كتاب لا عن سماع، وكذلك حماد بن سلمة
أخذه عن كتابٍ لا سماع، وقيس بن سعد وحماد بن سلمة، وإن كانا من الثقات
فروايتهما هذه بخلاف رواية الحفاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره، وحماد بن
سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحقَّاظُ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويتجنبون ما
ينفرد به عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله، وهذا الحديث قد جمع الأمرين مع ما فيه
من الانقطاع.
وقال في ((معرفة السنن)): الحفاظ مثل يحيى القطان وغيره يضعفون رواية حماد
عن قيس بن سعد، ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال: ضاع كتاب حماد بن سلمة عن
قيس بن سعد فكان يحدثهم من حفظه، ثم أسند عن ابن المديني نحو ذلك. قال
البيهقي: ويدل على خطأ هذه الرواية أن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم رواه
عن أبيه عن جده بخلافه، وأبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري رواه
بخلافه، والزهري مع فضل حفظه رواه بخلافه في رواية سليمان بن داود الخولاني
عنه موصولًا، في رواية غيره مرسلاً وإذا كان حديث حماد عن قيس مرسلاً
ومنقطعًا وقد خالفه عدد، وفيهم ولد الرجل والكتاب بالمدينة بأيديهم يتوارثونه
بينهم، وأمر به عمر بن عبد العزيز، فنسخ له فوجد مخالفًا لما رواه حماد عن قيس
وموافقًا لما في كتاب أبي بكر وما في كتاب عمر وكتاب أبي بكر في الصحيح،

كِتَابُ الرَّكاةِ
٣٠٧
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزّكاةُ
****<<<<<<***<<<<<<<<<<****<<<< > <<<<<<**<<<< ><> <<<< > *<<<<<<<<<<<***
وكتاب عمر أسنده سفيان بن حسين وسليمان بن كثير عن الزهري عن سالم عن أبيه
عن النبي ◌َّةِ، ولم يكتبه عُمر عن رأية؛ إذ لا مدخل للرأي فيه وعمل به وأمر
عماله، فعملوا به، وأصحاب النبي ◌ِّ متوافرون، وأقرأ ابنه عبد الله بن عمر
وأقرأه عبد اللَّه ابنه سالمًا ومولاه نافعًا. وكان عندهم حتى قرأه مالك بن أنس أفما
يدلك ذلك كله على خطأ هذه الرواية. انتهى.
وقال ابن قدامة في ((المغنى)) (ج٢ ص٥٨٤) بعد الإشارة إلى كتاب أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم الذي استدل به الحنفية: ولنا أن في حديثي الصدقات الذي
كتبه أبو بكر لأنس، والذي كان عند آل عمر بن الخطاب مثل مذهبنا وهما
صحيحان، وقد رواه أبو بكر عن النبي ◌َّله، وأما كتاب عمرو بن حزم، فقد اختلف
في صفته، فرواه الأثرم في ((سنته)) مثل مذهبنا، والأخذ بذلك أولى؛ لموافقته
الأحاديث الصحاح وموافقته القياس، فإن المال إذا وجب فيه من جنسه لم يجب
من غير جنسه، كسائر بهيمة الأنعام؛ ولأنه مال احتمل المواساة من جنسه، فلم
يجب من غير جنسه كالبقر والغنم. وإنما وجب في الابتداء من غير جنسه؛ لأنه ما
احتمل المواساة من جنسه فعدلنا إلى غير الجنس ضرورة، وقد زال ذلك بزيادة
المال وكثرته ولأنه عندهم ينقل من بنت مخاض إلى حقة بزيادة خمس من الإبل
وهي زيادة يسيرة لا تقتضي الانتقال إلى حقة، فإنا لم ننقل في محل الوفاق من بنت
مخاض إلى حقة إلا بزيادة إحدى وعشرين. انتهى.
وقال ابن حزم (ج٦ ص٤١): والعجب أنهم يدعون أنهم أصحاب قياس وقد
خالفوا في هذا المكان النصوص والقياس. فهل وجدوا فريضة تعود بعد سقوطها؟
وهل وجدوا في أوقاص الإبل وقصًا من ثلاثة وثلاثين من الإبل؛ إذ لم يجعلوا بعد
الإحدى والتسعين حكمًا زائدًا إلى خمسة وعشرين ومائة؟ وهل وجدوا في شيء
من الإبل حكمين مختلفين في إبل واحدة؟ بعضها يزكى بالإبل وبعضها يزكى
بالغنم، وهلا إذ ردوا الغنم وبنت المخاض بعد إسقاطهما؛ ردوا أيضًا في ست
وثلاثين زائدًا على العشرين والمائة بنت اللبون، فإن قالوا: منعنا عن ذلك
قوله ◌ِالَّ ((فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ)) قيل لهم: فهلا منعكم من رد الغنم قوله ظلَّلاَ:
((وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ؟)) انتهى.

٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واحتج الحنفية أيضًا بما روى ابن أبي شيبة (ج ٣ ص١١) عن يحيى بن سعيد عن
سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رَو ◌َّهُ قال: ((إذا زادت الإبل
على عشرين ومائة يستقبل بها الفريضة)). انتهى. ورواه البيهقي (ج٤ ص٩٢)
بلفظ: ((إذا زادت على عشرين ومائة، فبحساب ذلك ليستأنف بها الفرائض)). قال
الحافظ في ((الدراية)): إسناده حسن إلا أنه اختلف على أبي إسحاق. انتهى. ورواه
أبو عبيد (ص٣٦٣) بلفظ استؤنف بها الفريضة بالحساب الأول.
وأجيب عنه بما قال البيهقي (ج٤ ص٩٢): قد أنكر أهل العلم هذا على عاصم
ابن ضمرة؛ لأن رواية عاصم بن ضمرة عن علي خلاف كتاب آل عمرو بن حزم،
وخلاف كتاب أبي بكر وعمر ﴿ها. وقال في (ص٩٣): واستدلوا على خطئه بما فيه
من الخلاف للروايات المشهورة عن النبي بَّر، ثم عن أبي بكر وعمر ظ﴿ها في
الصدقاتِ. وقال في (ص٩٤) بعد ما روى من طريق عاصم بن ضمرة، والحارث
عن علي: ((في خمس وعشرين خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها بنت
مخاض)) ما لفظه: وفيه وفي كثير من الروايات عنه في خمس وعشرين خمس
شياه، وقد أجمعوا على ترك القول به لمخالفة عاصم بن ضمرة والحارث الأعور
عن علي الروايات المشهورة عن النبي وَّ وعن أبي بكر وعمر في الصدقات في
ذلك، كذلك رواية من روى عنه الاستئناف مخالفة لتلك الروايات المشهورة مع ما
في نفسها من الاختلاف والغلط وطعن أئمة أهل النقل فيها، فوجب تركها والمصير
إلى ما هو أقوى منها. انتهى. ونقل الخطابي في ((المعالم)) عن ابن المنذر أنه قال:
ليس هذا القول بثابت عن علي.
قلتُ: وروى البيهقي (ج ٤ ص٩٣) من طريق شريك وشعبة وابن حزم (ج٦
ص٣٨) من طريق معمر كلهم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال:
((إذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون))
موافقًّا للروايات المشهورة عن النبي بَله .
وقال الحازمي في كتاب ((الاعتبار)) (ص١٠): الوجه الثامن عشر من
الترجيحات: أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه والثاني لم يختلف
فيه، فيقدم الذي لم يختلف فيه، وذلك نحو ما رواه أنس في زكاة الإبلِ: ((إِذَا

كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٣٠٩
زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ)) وهو
حديث مخرج في الصحيح من رواية ثمامة عن أنس، ورواه عن ثمامة ابنه عبد الله
وحماد بن سلمة ورواه عنهما جماعة كلهم، قد اتفقوا عليه من غير اختلاف بينهم،
ثم ذكر الاختلاف في رواية أبي إسحاق عن عاصم عن علي ثم قال: فحديث أنس
لم تختلف الرواية فيه، وحديث علي اختلفت الرواية فيه كما ترى، فالمصير إلى
حديث أنس أولى للمعنى الذي ذكرناه على أن كثيرًا من الحفاظ أحالوا الغلط في
حديث علي على عاصمٍ، وإذا تقابلت حجتان فما سلم منهما من المعارض كان
أولى كالبينات إذا تقابلت، فإن الحكم فيها كذلك. انتهى.
وقال الشافعي بعد ذكر رواية شريك عن أبي إسحاق موافقًا لحديث أنس كما
قدمنا: وبهذا نقول، وهو موافق للسنة، وهم - يعني بعض العراقيين - لا يأخذون
بهذا، فيخالفون ما روي عن النبي وَ لّ وأبي بكر وعمر والثابت عن علي عندهم إلى
قول إبراهيم النَّخَعِي وشيء يغلط به عن علي رَوُلَهُ. انتهى.
وقد تصدى الحنفية وتمحلوا لإثبات أن رواية سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم
ابن ضمرة عن علي مسنده مرفوعة، وقد رد عليهم ابن حزم فأجاد، من أحب
الوقوف عليه رجع إلى ((المحلى)) (ج٦ ص٣٧ - ٣٨). واحتجوا أيضًا بما روى
الطحاوي عن خصيف عن أبي عبيدة وزياد بن أبي مريم عن ابن مسعود قال: ((فإذا
بلغت العشرين ومائة استقبلت الفريضة بالغنم في كل خمسين شاة فإذا بلغت خمسًا
وعشرين ففرائض الإبل)). قال الزيلعي: واعترضه البيهقي بأنه موقوف ومنقطع بين
أبي عبيدة وزياد وبين ابن مسعود قال: وخصيف غير محتج به. انتهى.
وأخرج عن إبراهيم النخعي نحوه. انتهى كلام الزيلعي. وقد ظهر بما حررنا
فساد قول الحنفية وخلافهم للروايات المرفوعة المشهورة ولأبي بكر وعمر وعلي
وأنس وابن عمر وسائر الصحابة والتابعين دون أن يتعلقوا برواية صريحة صحيحة
عن أحد منهم بمثل قولهم إلا عن إبراهيم النخعي وحده. هذا وقد ذهب ابن جرير
إلى أنه يتخير بين الاستيناف وعدمه. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٢١):
وقال محمد بن جرير الطبري: هو مخير إن شاء استأنف الفريضة إذا زادت الإبل
على مائة وعشرين، وإن شاء أخرج الفرائض؛ لأن الخبرين جميعًا قد رويا.
انتهى. ثم رد عليه الخطابي.

٣١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ) أي: في ملكه. (إِلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ فَلَيْسَ) عليه. (فِيهَا) أي :
في إبله الأربع (صدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أي: مالكها وصاحبها أن يتبرع ويتطوع بها
يعني يخرج عنها نفلاً منه وإلا فلا واجب عليه، فهو استثناء منقطع ذكر؛ لدفع توهم
نشأ من قوله: ((فليس فيها صدقة))، أن المنفي مطلق الصدقة لاحتمال اللفظ له وإن
كان غير مقصود، وفيه دليل على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه وهذا
بالإجماع. (وَمِنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ) قال القاري: يتعين أن ((مِنْ)) زائدة على
مذهب الأخفش داخلة على الفاعل أي: ومن بلغت إبله (صَدَقَةَ الْجَذَعَةِ) بالنصب
والإضافة قال الطيبي: أي: بلغت الإبل نصابًا يجب فيه الجذعة. انتهى.
قال القاري: وفي نسخة يعني من ((المشكاة)) برفع ((صَدَقَةٌ)) بتنوينها ونصب
((الْجَذَعَةَ)) وفي نسخة بالإضافة. وقال العيني: قوله ((صَدَقَةَ الْجَذَعَةِ)) كلام إضافي
مرفوع؛ لأنه فاعل بلغت. (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ) أي: والحال إن الجذعة ليست
موجودة عنده. (وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ) أي: والحال إن الموجودة عنده حقة. (فَإِنَّهَا) أي:
القصة أو الحقة أو ضمير مبهم. (تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ) تفسير، أي: تقبل الحقة من
المالك من الزكاة، وقوله: ((فَإِنَّهَا ... )) إلخ، خبر المبتدأ الذي هو من بلغت.
(وَيَجْعَلُ) ضميره راجع إلى ((من)). (مَعَهَا) أي: مع الحقة. (شَاتَيْنِ) بصفة الشاة
المخرجة عن خمس من الإبل.
قال ابن حجر: ذكرين أو أنثيين أو أنثى، وذكر من الضأن ما لها سنة، ومن
المعز ما لها سنتان. وقال ابن قدامة (ج٢ ص ٥٧٨): ولا يجزئ في الغنم المخرجة
في الزكاة إلا الجذع من الضأن والثني من المعز، وكذلك شاة الجبران وأيهما
أخرج أجزأه، ولا يعتبر كونها من جنس غنمه ولا جنس غنم البلد، لأن الشاة مطلقة
في الخبر الذي ثبت به وجوبها وليس غنمه ولا غنم الولد سببًا لوجوبها، فلم يتقيد
بذلك كالشاة الواجبة في الفدية وتكون أنثى، فإن أخرج ذكرًا لم يجزئه؛ لأن الغنم
الواجبة في نصبها إناث، ويحتمل أن يجزئه؛ لأن النبي وّليّ أطلق لفظ الشاة،
فدخل فيه الذكر والأنثى؛ ولأن الشاة إذا تعلقت بالذمة دون العين أجزأ فيها الذكر
كالأضحية .
(إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ) أي: وجدتا في ماشيته، يقال: تيسر واستيسر بمعنى. (أَوْ
عِشْرِينَ دِرْهَمًّا) أو يجعل عشرين درهمًا فضة من النقرة. قال الخطابي: فيه من الفقه

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
٣١١
أن كل واحدة من الشاتين والعشرين الدرهم أصل في نفسه ليست ببدل، وذلك لأنه
قد خيره بينهما بحرف ((أو)). وقد اختلف الناس في ذلك فذهب إلى ظاهر الحديث
إبراهيم النخعي والشافعي وأحمد وأصحاب الحديث والظاهرية، وذهب سفيان
الثوري إلى ما روى عن علي: ((أنه يرد عشرة دراهم أو شاتين)).
قال ابن حزم (ج٦ ص٢٣): وروي أيضًا عن عمر رَوَّهُ، وإليه ذهب أبو عبيد
(ص٣٦٨).
وقال مالك: لا يعطي إلا ما وجب عليه بأن يبتاع للساعي والسن الذي یجب له،
ولا يعطي سنًّا مكان سن برد شاتين أو عشرين درهمًا.
وقال أبو حنيفة: يأخذ قيمة السن الذي وجب عليه، وإن شاء أخذ الفضل منها
ورد عليه فيه دراهم، وإن شاء أخذ دونها وأخذ الفضل دراهم، ولم يعين عشرين
درهمًا ولا غيرها فجبران ما بين السنين غير مقدر عنده ولكنه بحسب الغلاء
والرخص. وحمل هذا الحديث على أن تفاوت ما بين السنين كان ذلك القدر في
تلك الأيام لا أنه تقدير شرعي، بدليل ما روي عن علي رَوَّةُ أنه قدر جبران ما بين
السنين بشاتين أو عشرة دراهم. وفيه: أنه لا حجة في قول أحد دون رسول اللَّه
وَّة، ولأنه لو قدر تفاوت ما بين السنين بشيء، أدى إلى الإضرار بالفقراء أو
الإجحاف بأرباب الأموال، فالواجب هو تفاوت القيمة لا تعيين ذلك.
واستدل به على جواز أداء القيم من العروض وغيرها بدل الزكاة الواجبة وإن
كان المأمور بأخذه ممكنًا وأجاب الجمهور الذين لم يقولوا بجواز أداء القيم في
الزكاة عن ذلك، بأنه لو كان كذلك لكان ينظر إلى ما بين السنين في القيمة، فكان
العرض يزيد تارة وينقص أخرى؛ لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قدر
الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص؛ كان ذلك هو الواجب في الأصل
في مثل ذلك.
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٢٢): وأصح هذه الأقاويل قول من ذهب
إلى أن كل واحد من الشاتين والعشرين الدرهم أصل في نفسه، وإنه ليس له أن
يعدل عنهما إلى القيمة، ولو كان للقيمة، فيها مدخل لم يكن لنقله الفريضة إلى سنُّ
فوقها وأسفل منها ولا لجبران النقصان فيهما بالعشرين أو بالشاتين معنى، قال:

٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويشبه أن يكون النبي وَّ إنما جعل الشاتين أو العشرين الدرهم تقديرًا في جبران
النقصان والزيادة بين السنين، ولم يكل الأمر في ذلك إلى اجتهاد الساعي وإلى
تقديره؛ لأن الساعي إنما يحضر الأموال على المياه، وليس بحضرته حاكم ولا
مقوم يحمله، ورب المال عند اختلافها على قيمة يرتفع بها الخلاف وتنقطع معها
مادة النزاع، فجعلت فيها قيمة شرعية كالقيمة في المصراة والجنين؛ حسمًا لمادة
الخلاف مع تعذر الوصول إلى حقيقة العلم بما يجب فيها عند التعديل، يعني
فضبطه بشيء يرفع التنازع كالصاع في المصراة والغرة في الجنين.
(وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ) أي: وجبت الحقه عليه من أجل إن كانت الإبل
ستًا وأربعين. (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ) أي: في ملكه. (الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ) الواو للحال.
(فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ) عوضًا عن الحقة، وإن كانت الجذعة زائدة على ما يلزمه
فلا يكلف تحصيل ما ليس عنده، وقوله ((الْجَذَعَةَ)) بدل من الضمير الذي هو اسم
((أَنْ)) أو فاعل (تَقْبَلْ)) فالضمير للقصة. (وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) بضم الميم وتخفيف
الصاد وكسر الدال كمحدث، آخذ الصدقة وهو الساعي الذي يأخذ الزكاة.
(عِشْرِينَ دِرْهَمَا أَوْ شَاتَيْنِ) كما سلف في عكسه. قال في ((التوضيح)): وعندنا أن
الخيار في الشاتين والدراهم لدافعها سواء كان المالك أو الساعي، وفي قول: إن
الخيرة إلى الساعي مطلقًا، فعلى هذا إن كان هو المعطي راعي المصلحة
للمساكين.
(فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ) إعرابه كما سبق. (وَيُعْطِي) أي: رب المال. (شَاتَيْنِ
أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا) قال الطيبي: فيه دليل على أن الخيرة في الصعود والنزول من
السن الواجب إلى المالك. انتهى. وعلل بأنهما شرعا؛ تخفيفًا له، ففوض الأمر
إلى اختباره.
(وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ) بنصب ((بِنْتَ))، على المفعولية. (وَيُعْطِيهِ) أي:
رب المال. (الْمُصَدِّقُ) أي: العامل. (عِشْرِينَ دِرْهَمَا أَوْ شَاتَيْنِ) مقابل ما زاد
عنده. (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ) أي: والحال إن بنت اللبون ليست موجودة عنده. (وَيُعْطِي)
أي: رب المال. (مَعَهَا) أي: مع بنت المخاض و((معها)) حال مما بعده؛ لأنه صفة
له تقدمت عليه. (عِشْرِينَ دِرْهَمًّا) قال الطيبي: أي: عشرين درهمًا كائنًا مع بنت
المخاض، فلما قدم؛ صار حالًا .

٣١٣
بَابَ مَا يجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
كِتَابَ الزَّكاةِ
*****<<<<<<<***<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<< > <<<<<<< ><> <<<<< > *<<<<< > <<<***
(وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ) بالرفع. (بِنْتَ مَخَاضٍ) بالنصب على المفعولية. (وَلَيْسَتْ)
أي: بنت مخاض. (عِنْدَهُ وَعِنْدَه بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ) أي: من مالك. (وَيُعْطِيهِ
الْمُصَدِّقُ) أي: الساعي. (عِشْرِينَ دِرْهَمَّا أَوْ شَاتَيْنِ) فيه دليل على أن جبر كل مرتبة
بشاتين أو عشرين درهمًا. وجواز النزول والصعود من الواجب عند فقده إلى سن
آخر يليه، والخيار في الشاتين والدراهم لدافعها، سواء كان مالكًا أو ساعيًّا وفي
الصعود والنزول للمالك في الأصح. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) بالتذكير وفي بعض النسخ
بالتأنيث. (عِنْدَهُ) أي: المالك. (بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا) بأن فقدها حسًّا أو شرعًا
قاله القاري، قيل: أي: على وجهها المفروضُ. (فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ) أي: بدلًا من بنت
مخاض وإن كان أقل قيمة منها ولا يكلف تحصيلها. (وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ) أي: لا
يلزمه مع ابن لبون شيء آخر من الجبران. قال ابن الملك تبعًا للطيبي: وهذا يدل
على أن فضيلة الأنوثة تجبر بفضل السن.
وقال الخطابي: هذا دليل على أنه ابنة المخاض ما دامت موجودة، فإن ابن
اللبون لا يجزئ عنها وموجب هذا الظاهر أنه يقبل منه سواء كانت قيمته قيمة ابنة
المخاض أو لم يكن، ولو كانت القيمة مقبولة لكان الأشبه أن يجعل بدل ابنة
مخاض قيمتها دون أن يؤخذ الذكران من الإبل، فإن سنة الزكاة قد جرت بأن لا
يؤخذ فيها إلا الإناث إلا ما جاء في البقر من التبيع. انتهى.
وفيه: دليل على أن ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض عند عدمها. وهو أمر
متفق عليه لا خلاف في ذلك عند الأئمة، حكى هذا الإجماع جمع من الشراح
كالباجي والحافظ والزرقاني وابن قدامة وابن رشد، لكن المدار عند الحنفية على
القيمة وعليه حملوا الحديث بأن ابن اللبون كانت قيمته مساوية لقيمة بنت
المخاض في ذلك الزمان، فعند الحنفية لا يتعين أخذ ابن اللبون؛ خلافًا لمن
عداهم من أهل العلم، فإنه يتعين عندهم أخذه وهو الحق والصواب. ولو لم يجد
واحدًا منهما لا بنت مخاض ولا ابن لبون يتعين شراء بنت مخاض، وهو قول مالك
وأحمد. والأصح عند الشافعية أن له أن يشتري أيهما شاء.
قال ابن قدامة (ج٢: ص ٥٨٠) في شرح قول الخرقي: فان لم يكن فيها ابنة
مخاض فابن لبون: أراد إن لم يكن في إبله ابنة مخاض؛ أجزأه ابن لبون ولا يجزئه

٣١٤
*cese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مع وجود ابنة مخاض؛ لأنه ◌َ# شرط في إخراجه عدمها، فإن اشتراها وأخرجها
جاز وإن أراد إخراج ابن لبون بعد شرائها لم يجز؛ لأنه صار في إبله بنت مخاض.
فان لم يكن في إبله ابن لبون وأراد الشراء؛ لزمه شراء بنت مخاض، وهذا قول
مالك.
وقال الشافعي: يجزئه شراء ابن لبون لظاهر الخبر وعمومه، ولنا أنهما استويا في
العدم، فلزمته بنت مخاض كما لو استويا في الوجود. والحديث محمول على
وجوده؛ لأن ذلك للرفق به إغناءً له عن الشراء، ومع عدمه لا يستغنى عن الشراء
فكان شراء الأصل أولى على أن في بعض ألفاظ الحديث «فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ابْنَةُ
مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُوٍ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ)) فشرط في قبوله
وجوده وعدمها وهذا في حديث أبي بكر وإن لم يجد إلا ابنة مخاض معيبة فله
الانتقال إلى ابن لبون لقوله في الخبر: ((فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى
وَجْهِهَا))؛ ولأن وجودها كعدمها لكونها لا يجوز إخراجها، فأشبه الذي لا يجد إلا
ما لا يجوز الوضوء به في انتقاله إلى التيمم. وإن وجد ابنة مخاض أعلى من صفة
الواجب لم يجزه ابن لبون لوجود بنت مخاض على وجهها، ويخير بين إخراجها
وبين شراء بنت مخاض على صفة الواجب. ولا يخير بعض الذكورية بزيادة سن
في غير هذا الموضع ولا يجزيه أن يخرج عن ابن لبون حقًّا، ولا عن الحقة جذعًا
لعدمهما ولا وجودهما.
وقال القاضي وابن عقيل: يجوز ذلك مع عدمهما؛ لأنهما أعلى وأفضل، فيثبت
الحكم فيهما بطريق التنبيه، ولنا أنه لا نص فيهما ولا يصح قياسهما على ابن لبون
مكان بنت مخاض؛ لأن زيادة سن ابن لبون على بنت مخاض يمتنع بها من صغار
السباع ويرعى الشجر بنفسه ويرد الماء، ولا يوجد هذا في الحق مع بنت لبون؛
لأنهما يشتركان في هذا، فلم يبق إلا مجرد السن فلم يقابل إلا بتوجيه. وإن أخرج
عن الواجب سنًّا أعلى من جنسه مثل أن يخرج بنت لبون عن بنت مخاض وحقة عن
بنت لبون، أو بنت مخاض، أو أخرج عن الجذعة ابنتي لبون، أو حقتين؛ جاز. لا
نعلم فيه خلافًا؛ لأنه زاد على الواجب عن جنسه ما يجزئ عنه مع غيره، فكان
مجزئًا عنه على انفراده، كما لو كانت الزيادة في العدد. ثم ذكر حديث أبي بن
كعب في قبوله ◌ّله ناقة فتية سمينة عظيمة عن ابنة مخاض حين تطوع بها صاحبها،

كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣١٥
وقوله ◌َّ (ذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْكَ، فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرِ؛ أَجْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ))
أخرجه أحمد وأبو داود.
ثم قال ابن قدامة: وهكذا الحكم إذا أخرج أعلى من الواجب في الصفة. وإن
عدم السن الواجبة والتي تليها كمن وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم الحقة أو
وجبت عليه حقة فعدمها وعدم ابنة اللبون، فقال القاضي: يجوز أن ينتقلَ إلى السنِّ
الثالث مع الجبران، فيخرج ابنة اللبون في الصورة الأولى، ويخرج معها أربعة
شياه أو أربعين درهمًا، ويخرج ابنة مخاض في الثانية ويخرج معها مثل ذلك وذكر
إن أحمد أومأ إليه، وهذا قول الشافعي.
وقال أبو الخطاب: لا ينتقل إلا إلى سن تلي الواجب، فأما إن انتقل من حقة إلى
بنت مخاض، أو من جذعة إلى بنت لبون لم يجز؛ لأن النص ورد بالعدول إلى سن
واحد فيجب الاقتصار عليها كما اقتصرنا في أخذ الشياه عن الإبل على الموضع
الذي ورد به النص، هذا قول ابن المنذر وابن حزم، ثم ذكر ابن قدامة وجه القول
الأول .
(وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَم) خبر مقدم والغنم بفتحتين: الشاء لا واحد لها من
لفظها، وإنما يقال للواحد: شاة وهو اسم جنس يقع على الذكور والإناث ويعم
الضأن والمعز. قال ابن الهمام: سمي به؛ لأنه ليس له آلة الدفاع فكانت غنيمة لكل
طالب والشاة تذكَّر وتؤنث وأصلها شاهة، لأن تصغيرها شويهة، والجمع شياه
بالهاء إلى العشر يقال: ثلاث شياه، فإذا جاوزت العشر؛ فبالتاء.
(فِي سَائِمَتِهَا) أي: راعيتها لا المعلوفة في الأهل، قال القسطلاني: وفي
سائمتها كما قاله في ((شرح المشكاة)) بدل على من الغنم بإعادة الجار والمبدل في
حكم الطرح، فلا يجب في مطلق الغنم شيء، وهذا أقوى في الدلالة من أن لو قيل
ابتداء في سائمة الغنم أو في الغنم السائمة؛ لأن دلالة البدل على المقصود
بالمنطوق ودلالة غيره عليه بالمفهوم، وفي تكرار الجار إشارة إلى أن للسوم في هذا
الجنس مدخلًا قويًّا وأصلا يقاس عليه بخلاف جنسي الإبل والبقر. انتهى.
والسائمة: هي التي ترعى ولا تعلف في الأهل، والمراد السوم، لقصد الدر
والنسل، فلو أسيمت الإبل أو البقر أو الغنم للحمل أو الركوب أو اللحم، فلا زكاة

٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيها، وإن أسيمت للتجارة ففيها زكاة التجارة، وإن كانت أقل من النصاب إذا
سادت مائتي درهم. والمعتبر عند أحمد وأبي حنيفة السوم في أكثر الحول؛ لأن
اسم السوم لا يزول بالعلف اليسير، ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرز عنه،
فاعتباره في جميع السنة يسقط الزكاة بالكلية سيما عند من يسوغ له الفرار من
الزكاة، فإنه إذا أراد إسقاط الزكاة يومًا فأسقطها بالإسامة؛ ولأن الضرورة تدعو
إليه في بعض الأحيان. ولأن هذا وصف معتبر في رفع الكلفة في الزرع والثمار،
واعتبر الشافعي السوم في جميع الحول، فلا تجب الزكاة فيها إذا لم تكن سائمة في
جميع السنة. وفي الحديث دليل على أن الزكاة إنما تجب في الغنم إذا كانت
سائمة، فأما المعلوفة فلا زكاة فيها؛ ولذلك لا تجب الزكاة في عوامل البقر
والإبل عند عامة أهل العلم، وإن كانت سائمة، وأوجبها مالك في عوامل البقر
والإبل. قال الزرقاني: لا خلاف في وجوب زكاة السائمة، واختلف في المعلوفة
فقال مالك والليث: فيها الزكاة رعت أم لا؛ لأنها سائمة في صفتها والماشية كلها
سائمة ومنعها من الرعي لا يمنع تسميتها سائمة، والحجة عموم أقواله وَلّ في
الزكاة لم يخص سائمة من غيرها وقال سائر فقهاء الأمصار: لا زكاة في غير السائمة
منها، وروي عن جمع من الصحابة.
وقال ابن قدامة (ج٢: ص٥٧٦): وفي ذكر السائمة احتراز من العلوفة
والعوامل، فإنه لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك في الإبل
النواضح والعلوفة الزكاة لعموم قوله وقّله: ((في كل خمس شاة))، قال أحمد: ليس
في العوامل زكاة وأهل المدينة يرون فيها الزكاة، وليس عندهم في هذا أصل، ولنا
قول النبي ◌َّير: ((في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون)) في حديث بهز بن حكيم
فقيده بالسائمة، فدلّ على أنه لا زكاة في غيرها وحديثهم مطلق، فيحمل على
المقيد؛ ولأن وصف النماء معتبر في الزكاة والمعلوفة يستغرق علفها نماؤها، إلا
أن يعدها للتجارة، فيكون فيها زكاة التجارة. انتهى.
وقال العيني (ج٩: ص٢٢): وحجة من اشترط السوم كتاب الصديق وحديث
عمرو بن حزم مثله وشرطه في الإبل حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا:
((في كل سائمة من كل أربعين من الإبل بنت لبون)) رواه أبو داود والنسائي والحاكم

كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٣١٧
وقال: صحيح الإسناد. وقد ورد تقييد السوم وهو مفهوم الصفة والمطلق يحمل
على المقيد إذا كانا في حادثة واحدة، والصفة إذا قرنت بالاسم العلم تنزل منزل
العلة لإيجاب الحكم، ثم ذكر العيني أحاديث نفي الصدقة عن العوامل.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص ٢٥): فيه دليل على أن لا زكاة في
المعلوفة من الغنم؛ لأن الشيء إذا كان يعتوره وصفان لازمان فعلق الحكم بأحد
وصفيه؛ كان ما عداه بخلافه وكذلك هذا في عوامل البقر والإبل. قال الأمير
اليماني: البقر لم يأت فيها ذكر السوم وإنما قاسوها على الإبل والغنم.
(إِذَا كَانَتْ) أي: غنم الرجل، وفي رواية إذا بلغت (شَاةٌ) مبتدأ مؤخر ((وَفِي
صَدَقَةِ الْغَنَمِ)) خبره، وقيل: قوله: (فِي صَدَقَةِ الْغَنَم)) يتعلق بـ((فرض)) أو ((كتب))
مقدرًا أي: فَرض في صدقتها شاة أو كتب في شأن صدقة الغنم هذا، وهو إذا كانت
أربعين إلى آخره، وحينئذٍ يكون ((شَاةٌ)) خبر مبتدأ محذوف أي: فزكاتها شاة، أو
بالعكس أي: ففيها شاة. (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه. (عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) واحدة فصاعدًا
ففي كتاب عمر، فإذا كانت إحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين ففيها شاتان، وقد
تقدم قول الإصطخري في ذلك والتعقب عليه. (إلى مائتين ففيها شاتان) كذا في
جميع النسخ (للمشكاة)) وفي ((المصابيح))، وهكذا نقله الجزري في ((جامع
الأصول)) والمجد في ((المنتقي)) والحافظ في ((البلوغ)) وكذا وقع عند أبي داود
والنسائي وغيرهما والذي في البخاري ((إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانٍ)) أي: بإسقاط لفظة:
((فَفِيهَا)) وهكذا نقله الزيلعي في ((نصب الراية)) عن البخاري، وعلى هذا فقوله:
((شَاتَانٍ)) مرفوع على الخبرية أي: فزكاتها شاتان أو الابتدائية أي: فيها شاتان. (فَإِذَا
زَادَتْ) غنمه. (عَلَى مِائَتَيْنِ) ولو واحدة. (إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَإِذَا زَادَتْ)
غنمه. (عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ) مائة أخرى لا دونها. (فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) ففي أربعمائة أربع
شياه وفي خمسمائة خمس وفي ست مائة ست. وهكذا.
قال الخطابي: قوله: ((فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ ... )) إلخ. إنما معناه أن يزيد
مائة أخرى فيصير أربع مائة، وذلك لأن المائتين لما توالت أعدادها حتى بلغت
ثلاثمائة وعلقت الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة. ثم قيل: فإذا زادت عقل أن هذه
الزيادة اللاحقة بها إنما هي مائة لا ما دونها. وهو قول عامة الفقهاء الثوري
وأصحاب الرأي وقول الحجازيين مالك والشافعي وغيرهم.

٣١٨
scex* ces
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الحافظ: وهو قول الجمهور قالوا: وفائدة ذكر الثلاثمائة لبيان النصاب
الذي بعده لكون ما قبله مختلفًا، وعن بعض الكوفيين كالحسن بن صالح بن حي
ورواية عن أحمد إذا زادت على الثلاث مائة واحدة وجبت الأربع، انتهى.
واعلم: أن مسألة نصاب الغنم من أوله إلى ثلاثمائة إجماعية حكى الإجماع
عليها ابن المنذر، وابن رشد، وابن قدامة، والعيني وغيرهم. قال ابن قدامة
(ج٢: ص٥٩٧): إذا ملك أربعين من الغنم فأسامها أكثر السنة، ففيها شاة إلى
عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها
ثلاث شياه وهذا كله مجمع عليه قاله ابن المنذر. انتهى.
واختلفوا فيما زاد على ثلاثمائة؛ قال ابن قدامة تحت قول الخرقي: فإذا زادت
ففي كل مائة شاة شاة: ظاهر هذا القول إن الفرض لا يتغير بعد المائتين وواحدة
حتى يبلغ أربعمائة فيجب في كل مائة شاة ويكون الوقص ما بين المائتين وواحدة
إلى أربع مائة وذلك مائة وتسعة وتسعون، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وقول
أكثر الفقهاء. وعن أحمد رواية أخرى: إنها إذا زادت على ثلاثمائة واحدة ففيها
أربع شياه، ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة، فيكون في كل مائة شاة،
ويكون الوقص الكبير بين ثلاثمائة وواحدة إلى خمسمائة وهو أيضًا مائة وتسعة
وتسعون وهذا اختيار أبي بكر، وحكى عن النخعي والحسن بن صالح؛ لأنَّ
النبي ◌َّ جعل الثلاث مائة حدًّا للوقص وغاية له، فيجب أن يتعقبه تغير النصاب
كالمائتين، ولنا قول النبي ◌ََّ: ((فَإِذَا زَادَتْ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ)) وهذا يقتضي أن لا
يجب في دون المائة شيء وفي كتاب الصدقات الذي كان عند آل عمر بن
الخطاب، فإذا زادت على ثلاثمائة واحدة فليس أخرج معناه أبو عبيد (ص٣٨٦)
وابن أبي شيبة - فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة شاة ففيها أربع شياه، وهذا نص لا
يجوز خلافه إلا بمثله أو أقوى منه وتحديد النصاب لاستقرار الفريضة لا للغاية.
انتھی .
(فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ) وكذا المرأة. (نَاقِصَةً) خبر ((كَانَتْ)). (مِنْ أَرْبَعِينَ
شَاةً) تمييز. (وَاحِدَةً) بالنصب على نزع الخافض أي: بواحدة، أو على أنه مفعول
((ناقصة)) أي: إذا كان عند الرجل سائمة تنقص واحدة من أربعين، فلا زكاة عليه

٣١٩
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزّكاةُ
كِتَابُ الزَّكاةِ
******<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<* **<<<<<<<<*
فيها وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا على ذلك ويحتمل أن يكون شاة مفعول ناقصة
وواحدة وصف لها والتمييز محذوف للدلالة عليه وروي: ((بشاةٍ واحدةٍ)) بالجر.
(فَلَيْسَ فِيهَا) أي: في الناقصة عن الأربعين (صَدَقَةٌ) واجبة. (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أن
يتطوع ويخرج الصدقة نفلًا كما سلف. (وَلاَ تُخْرَجُ) على بناء المجهول وفي رواية :
(لَا يُؤْخَذُ)). (فِي الصَّدَقَةِ) المفروضة أي: الزكاة. (هَرِمَةٌ) بفتح الهاء وكسر الراء
أي: كبيرة سقطت أسنانها. وقال الجزري: الكبيرة، الطاعنة في السن، وقال
التوربشتي: أراد التي نال منها كبر السن وأضرَّ بها.
(وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) بفتح العين المهملة وبضمها أي: معيبة. وقيل: بالفتح العيب،
وبالضم العور في العين، واختلف في ضبطها فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في
البيع. وقيل: ما يمنع الإجزاء في الأضحية ويدخل في المعيب المريض،
والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة والصغير سنًّا بالنسبة إلى سن أكبر منه كذا في
((الفتح)). وقال الجزري: بفتح العين وبضم أي: صاحبة عيب ونقص.
قال ابن حجر: فهو من عطف العام على الخاص؛ إذ العيب يشمل المرض
والهرم وغيرهما. قال ابن الملك: هذا إذا كان كل ماله أو بعضه سليمًا فإن كان كله
معيبًا، فإنه يأخذ واحدًا من وسطه.
(وَلَا تَيْسٌ) وفي رواية: ((وَلَا تَيْسُ الْغَنَم)) وهو بفتح التاء الفوقية وسكون التحتية
بعدها سين مهملة أي: فحل الغنم المعد لَضرابها، قال في ((القاموس)): هو الذكر
من الظباء والمعز والوعول أو إذا أتى عليه سنة. وقال الباجي: التيس: الذكر من
المعز وهو الذي لم يبلغ حد الفحولة، فلا منفعة فيه لضراب ولا لدر ولا نسل
وبنحوه فسره الإمام مالك كما في ((المدونة)).
قال العيني: معناه إذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثًا لا يؤخذ منه الذكر إنما
تؤخذ الأنثى إلا في موضعين وردت بهما السنة. أحدهما: أخذ التبيع من ثلاثين
من البقر. والآخر: أخذ ابن اللبون من خمس وعشرين من الإبل بدل بنت مخاض
عند عدمها، وأما إذا كانت ماشيته كلها ذكورًا فيؤخذ الذكر. وقال الخطابي: إنما
لا يؤخذ التيس؛ لأنه مرغوب عنه لنتنه وفساد لحمه. وقيل: لأنه ربما يقصد به
المالك منه الفحولة، فيتضرر بإخراجه (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ) اختلف في ضبطه