Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الخاصة في مقابلة الخاص فنحتج بما رواه الطحاوي (ج٢: ص ٢١٣) في باب العرايا عن جابر بن عبد الله: أن رسول اللّه وَليل رخص في العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: ((فِي كُلِّ عَشَرَةٍ أَقْنَاءٍ قِنْوٌ يُوضَعُ فِي المَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ)) قال: وما تمسك به أحد منا، والحديث قوي. ومراده عندي أن النبي ◌َّ إنما أجاز بالعرية إلى أربعة أوسق. وأما المسألة فيما زاد، فهي كما ذكرها فيما بعد أعنى: إيجاب العشر حتى أوجب في عشرة أقناء قنوًّا، وحينئذٍ صار الحديث صريحًا فيما رامه الحنفية . قلتُ: حديث جابر هذا ذكره الحافظ في الفتح في باب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة ونسبه إلى الشافعي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال: أخرجوه كلهم من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى ابن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر، سمعت رسول اللَّه وَ ل يقول حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول: ((الْوَسْقَ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ))، لفظ أحمد، انتهى. قلتُ: وأخرج أحمد الجزء الثاني (ج ٣: ص ٣٦٠) في روايةٍ أخرى بلفظ: أمر من كل جاد بعشرة أوسق من تمر بقنو يعلق في المسجد. ولفظ الحاكم (ج ١: ص ٤١٧): رخّص في العرايا الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: في جاذ كل عشرة أوسق قنو يوضع للمساكين في المسجد، وأخرج أبو داود الجزء الثاني فقط بلفظٍ: أمر من كل جاذ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساکین . قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص ٧٥): قال إبراهيم الحربي: يريد قدرًا من النخل يجذ منه عشرة أوسق، وتقديره مجذوذ فاعل بمعنى مفعول، وأراد بالقنو: العذق بما عليه من الرطب والبسر يعلق للمساكين يأكلونه، وهذا من صدقة المعروف دون الصدقة التي هي فرض واجب، انتهى. والعمدة هي رواية هؤلاء الحفاظ التي هي خالية عن زيادة قوله: ((في كل عشرة أقناء قنو)) لا رواية الطحاوي المشتملة على تلك الزيادة، وذلك لوجهين: كِتَابُ الرَّڪاةِ بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ ٢٦١ ***<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< ><> <<<<<< > <<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<* ***<<<< > <<<<<** الأول: أنه رواه ابن إسحاق عندهم بصيغة التحديث، ووقع في طريق الطحاوي روایته بعن. والثاني: أنه وقع عند بعض هؤلاء الحفاظ مكان الزيادة المذكورة قوله: أمر في كل جاذ عشرة أوسق بقنو يعلق في المسجد، وهذا كما ترى مخالف لزيادة قوله : ((في كل عشرة أقناء قنو)) الواقعة في طريق الطحاوي، وهذا كله يورث التردد في قبول تلك الزيادة، كما قال صاحب ((فتح الملهم))، بل يوجب ردها والله تعالى أعلم. ولو تنزلنا فرواية الطحاوي أيضًا محمولة على البر والإحسان والتطوع دون بيان الصدقة المفروضة، أي: العشر والزكاة، وعلى هذا حمل الحديث الشراح قاطبة من أصحاب الغريب وغيرهم، ونسبة الغلط والخطأ إليهم في فهم معنى الحديث جرأة شنيعة بل كبر ومكابرة، ويؤيد كون الحديث من قبيل المعروف وصدقة التطوع ما روى الحاكم (ج١ ص٤١٧) والطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عمر، أن النبي وَالثّ أمر من كل حائط بقناء للمسجد، قال الحاكم: صحيح. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. واحتج بعضهم لمذهب الحنفية بأنه لا يعتبر للخارج من الأرض حول فلا يعتبر له نصاب، فإنه لما سقط له وقت ينبغي أن يسقط له المقدار، وأجاب عنه ابن قدامة بأنه إنما لم يعتبر الحول له؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره؛ لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال والنصاب، اعتبر ليبلغ حدًّا يحتمل المواساة منه فلهذا اعتبر فيه، يحققه أن الصدقة إنما تجب على الأغنياء بما قد ذكرنا فيما تقدم، ولا يحصل الغنى بدون النصاب كسائر الأموال الزكاتية، انتھی . قال في ((حجة الله)): إنما قَدَّر من الحب والتمر خمسة أوسق؛ لأنها تكفي أقل أهل البيت إلى السنة وذلك؛ لأن أقل أهل البيت الزوج والزوجة وثالث خادم أو ولد بينهما وما يضاهي ذلك من البيوت، وغالب قوت الإنسان رطل أو مد من الطعام فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار كفاهم لسنة وبقيت بقية لنوائبهم أو إدامهم، انتهى. ٢٦٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ اعلم أن الاعتبار في نصاب المعشرات وصدقة الفطر وغيرها إنما هو للكيل لا الوزن، فلا يخرجُ العشر وزكاة الفطر وغيرها إلا بالصاع والمد إلا إذا لم يتيسر ذلك، فحينئذٍ يرجعُ إلى الوزن، والمراد بالصاعِ الصاع النبوي وهو صاع أهل الحجاز المحرمين وغيرهما لا الصاع الحجاجي الذي هو صاع أهل العراق، وارجع لتحقيق ذلك إلى ((المحلى)) (ج٥ ص٢٤٠، ٢٤٦) لابن حزم وكتاب ((الأموال)) (ص٥١٤، ٥٢٥) لأبي عبيدٍ و((المجموع)) (ج١ ص١٢٢) و(ج٥ ص٤٥٨) و(ج ٦ ص١٢٨، ١٢٩) للنووي، فإنهم قد بسطوا الكلام في تحقيق الصاع والمد وبيان مقدارهما من الوزن، وذكر مذاهب العلماء في ذلك. قال ابن قدامة: النصاب معتبر بالكيل، فإن الأوساق مكيلة، وإنما نقلت إلى الوزنٍ لتضبط وتحفظ وتنقل، والمكيلات تختلف في الوزن فمنها الثقيل كالحنطة والعدس، ومنها الخفيف كالشعير والذرة، ومنها المتوسط، وقد نص أحمد على أن الصاع خمسة أرطال وثلث من الحنطة، وروى جماعة عنه أنه قال: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثي رطل حنطة، وقال حنبل: قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر، وقال أبوالنضر: أخذته من ابن أبي ذئب، وقال: هذا صاع النبي ◌َّ الذي يعرف بالمدينة، قال أبو عبد الله: فأخذنا العدس فعيرنا به، وهو أصح ما يكال به؛ لأنه لا يتجافى عن مواضعه، فكِلْنا به ووزَنَّاه، فإذا هو خمسة أرطال وثلث، وهذا أصح ما وقفنا عليه وما بين لنا من صاع النبي ◌َّ. وقال بعض أهل العلم: أجمع أهل الحرمين على أن مد النبي وَّ رطل وثلاث قمحًا من أوسط القمح، فمتى بلغ القمح ألفًا وستمائة رطل، ففيه الزكاة، وهذا يدلَّ على أنهم قدروا الصاع بالثقيل، فأما الخفيف فتجب الزكاة فيه إذا قارب هذا وإن لم يبلغه، انتھی . واعلم أيضًا أنه اختلف في هذا النصاب، هل هو تحديد أو تقريب، وبالأول جزم أحمد وهو أصح الوجهين للشافعية إلا أن كان نقصًا يسيرًا جدًّا مما لا ينضبط فلا يضر، قاله ابن دقيق العيد، وصحح النووي في ((شرح مسلم)) أنه تقريب، كذا في ((الفتح)). وقال ابن قدامة، قال القاضي: وهذا النصاب معتبر تحديدًا، فمتى نقص شيئًا لم تجب الزكاة؛ لقول رسول اللَّه وَّ ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ)). والناقص عنها لم يبلغها إلا أن يكون نقصًا يسيرًا يدخل في المكاييل كِتَابُ الرَّكاةِ بَابُ مَا يَجبْ فِيهِ الرَّكاةُ ٢٦٣ كالأوقية ونحوها فلا عبرة به؛ لأن مثل ذلك يجوز أن يدخل في المكاييل فلا ينضبطُ، فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين، انتهى. هذا، ولم يتعرض في الحديث للقدر الزائد على النصاب المذكور وقد أجمع العلماء على أنه لا وقص في نصاب المعشرات، قال ابنُ قُدامة: لا وقص في نصاب الحبوب والثمار، بل مهما زاد على النصاب أخرج منه بالحساب، فيخرج عشر جميع ما عنده فإنه لا ضرر في تبعيضه بخلاف الماشية، فإن فيها ضرر. ثم هاهنا مسائل. ينبغي ذكرها تكميلًا للفائدة: الأولى: الخمسة الأوسق تعتبر بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار، فلو كان له عشرة أوسق عنبًا لا يجيء منه خمسة أوسق زبيبًا لم يجب عليه شيء؛ لأنه حال وجوب الإخراج منه فاعتبر النصاب بحاله. الثانية: إذا وجبَ عليه عشر مرة لم يجب عليه عشر آخر، وإن حال عنده أحوالًا؛ لأنَّ هذه الأموال غير مرصدة للنماء في المستقبل بل هي إلى النقص أقرب، والزكاة إنما تجب في الأشياء النامية؛ ليخرج من النماء فيكون أسهل. الثالثة: وقت وجوب الزكاة في الحبِّ إذا اشتدَّ وفي الثمرة إذا بدا إصلاحها . قال ابنُ العربي في ((تفسيرِهِ)): اختلفَ العلماءُ في وجوب الزكاة في هذه الأموال النباتية على ثلاثة أقوال : الأول: أنها تجب وقت الجذاذ. الثاني: أنها تجب يوم الطيب؛ لأن ما قبل الطيب يكون علفًا لا قوتًا وطعامًا، فإذا طابت وكان الأكل الذي أنعم الله به وجب الحق الذي أمر الله به. الثالث: أن يكون بعد تمام الخرص؛ لأنه حينئذٍ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطًا لوجوبها، ولكل قول وجه كما ترون، لكن الصحيح وجوب الزكاة بالطيب لما بينا من الدليل، وإنما خرص عليهم ليعلم قدر الواجب في ثمارهم، انتھی . الرابعة: يجبُ العشر أو نصفه إذا بلغ الخارج النصاب سواء زرعه في أرض له أو في أرض لغيره أرض خراج كانت أو أرض عشر، سقى بماء العشر أو بماء الخراج، ٢٦٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ وهذا قول جمهور الناس، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وداود الظاهري فيجتمعُ عندهم العشر والخراج في أرض واحدة. وقال أبو حنيفة: لا عشر فيما أصيب في أرض خراج فاشترط لوجوب العشر أن تكون الأرض عشرية فلا يجتمع عنده العشر والخراج في أرض واحدة، واستدلَّ الجمهورُ بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقول النبي ◌َّ ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ)) وغيره من عمومات الأخبار. قال ابن الجوزي في ((التحقيق)) بعد ذكر هذا الخبر: هذا عام في الأرض الخراجية وغيرها، وقال ابن المبارك: يقول الله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ اَلْأَرْضِ﴾ ثم يقول: نترك القرآن لقول أبي حنيفة! واستدلَّ الشيخُ تقي الدين في ((الإمام)) للجمهور بما روى يحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٦٥) والبيهقي من طريقه (ج٤ ص١٣١) عن سفيان بن سعيد، عن عمرو بن ميمون بن مهران. قال: سألت عمر بن عبد العزيز عن مسلم يكون في يده أرض خراج فَيُسأل الزكاةَ فيقولُ: إن عليّ الخراج، قال: فقال: الخراج على الأرض وفي الحب الزكاة، قال: ثم سألته مرة أخرى فقال مثل ذلك، قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): إسناده صحيح. قلتُ: ورواه أبو عبيد الطبراني في ((الأموال)) (ص٨٨) عن قبيصة عن سفيان، قال الحافظ في ((الدراية)) (ص٢٦٨): وصح عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمن قال: إنَّما عليَّ الخراج: الخراج على الأرض والعشر على الحبِّ، أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن آدم في ((الخراج)) له، وأخرج أيضًا عن يحيى ثنا ابن المبارك عن يونس، وفي ((الخراج)) ليحيى (ص١٦٦) عن معمر - مكان عن يونس - قال: سألتُ الزهري عن زكاة الأرض التي عليها الجزية، فقال: لم يزل المسلمون على عهدٍ رسول اللّه وَ له وبعده يعاملون على الأرض ويستكرونها ويؤدون الزكاة مما خرج منها، فترى هذه الأرض على نحو ذلك؟ انتهى. وهذا فيه إرسال عن النبي ◌َّ. وروى يحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٦٥) وأبو عبيدٍ في ((الأموال)) (ص٨٨) عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي عوف عامله على فلسطين فيمن كانت في يده أرض يحرثها من المسلمين أن يقبض كِتَابُ الرَّڪاةِ بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الرَّكاةُ ٢٦٥ منها جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية قال ابنُ أبي عبلة: أنا ابتليت بذلك ومني أخذوا الجزية، يعنى: خراج الأرض. واستدل الحنفية بما رواه ابن عدي في ((الكامل)) والبيهقي من طريقه (ج٤ ص١٣٢) عن يحيى بن عنبسة ثنا أبو حنفية عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول اللّه وَله((لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ)). وبأن أحدًا من أئمة العدل وولاة الجور لم يأخذ من أرض السواد عشر إلى يومنا هذا، فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع فيكون باطلا. قال صاحب ((الهداية)): لم يجمع أحدٌ من أئمة العدل والجور بينهما - يعني : بين الخراج والعشر - وكفى بإجماعهم حجة، وأجيب عن الحديث: بأنه باطل لا أصل له، قال البيهقي: هذا حديث باطل وصلُّهُ ورَفْعُهُ. ويحيى بن عنبسة متهم بالوضعِ، وقال ابنُ عدي: يحيى بن عنبسة منكر الحديث، وإنما يروي هذا من قول إبراهيم، وقد رواه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قوله. فجاء يحيى بن عنبسة فأبطل فيه ووصله إلى النبي وَ له ويحيى بن عنبسة مكشوف الأمر في ضعفه لروايته عن الثقات الموضوعات، انتهى. وقال ابن حبان: ليس هذا من كلام رسول الله ێ، ویحیی بن عنبسة دجَّال يضع الحديث لا تحل الرواية عنه، وقال الدارقطني: يحيى هذا دجال يضع الحديث هو كذب على أبي حنيفة ومن بعده إلى رسول اللَّه وَسليل، وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات))، كذا في ((نصب الراية)) (ج٣: ص٤٤٢). وأجيب عن دعوى الإجماع: بأنها باطلة جدًّا، قال الحافظ في ((الدراية)) (ص٢٦٨): رادًّا على صاحب ((الهداية)): ولا إجماع مع خلافٍ عمر بن عبد العزيز والزهري، بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما، انتهى. وقال أبو عبيد في ((الأموال)) (ص ٩٠): لا نعلمُ أحدًا من الصحابةِ، قال: لا يجتمعُ عليه العشر والخراج ولا نعلمه من التابعين إلا شيء يروى عن عكرمة، رواه عنه رجل من أهل خراسان يكنى أبا المنيب سمعه يقول ذلك، انتهى. واحتج لهم أيضًا: بما روي أن عتبة بن فرقد قال لعمر رَوفْلَهُ حين اشترى أرض خراج: ضع عن أرضي الصدقة. فقال: أَدِّ عنها ما كانت تؤدي أو ارددها إلى ٢٦٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أهلها، وأن رجلًا قال لعمر رَو ◌ْتَهُ: أسلمتُ فضعْ عن أرضي الخراج. فقال: إن أرضك أخذت عُنوة، وقول عمر في المرأة التي أسلمت من أهل نهر الملك - كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى - فقال: إن أدت ما على أرضها وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضهم، وقول علي رَوَّهُ فيمن أسلم من أهل السواد: إن أقمت بأرضك تؤدي ما كانت تؤدي وإلا قبضناها منك. وإن الرفيل أسلم فأعطاه عمر أرضه بخراجها . خرَّج هذه الآثار يحيى بن آدم والبيهقي في ((المعرفة)) وغيرهما، قال يحيى (ص١٦٨): وليس في شيء من هذه الأحاديث إلا الخراج وحده ثم أجاب عنها قال: وذلك عندنا؛ لأنهم طلبوا طرح الخراج حتى يصير عليها العشر وحده فلم يفعل عمر رَوَّهُ لم يطرح الخراج ولم يذكر العشر بطرح ولا غيره؛ لأن العشر زكاة على كل مسلمٍ، أي: فهو واجب عليه في كل حال لا يحتاج إلى تصريحه. وقال أبو عبيد (ص٨٧): ليس في ترك ذكر عمر وعلي ◌ّ العشر دليل على سقوطه عنهم؛ لأن العشر حق واجب على المسلمين في أراضيهم لأهل الصدقة لا يحتاج إلى اشتراطها عليهم عند دخولهم في الأرضين، قال: وذلك أنَّ حكمَ اللَّه وسُنة رسوله وَّة على كل مسلم في أرضِه إن ذكر ذلك أو ترك. وإنما أرض الخراج كالأرض يكتريها الرجل المسلم من ربها الذي يملكها بيضاء فيزدرعها أَفَلَسْتَ ترى أن عليه كراءها لربها وعليه عشر ما تخرج إذا بلغ ما يجب فيه الزكاة. ومما يفرق بين العشر والخراج ويوضح لك أنهما حقان اثنان: أن موضع الخراج الذي يوضع فيه سوى موضع العشر إنما ذلك في أعطية المقاتلة والأرزاق الذربة، وهذا صدقة يعطاها الأصناف الثمانية فليس واحد من الحقين قاضيًا عن الآخر، انتهى. وقد ظهرَ بما ذكرنا أنه لم يقمْ دليلٌ صحيح أو سقيم على أنَّ الخراج والعشر لا يجتمعان على مسلمٍ، بل الآية المذكورة وحديث: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ)) وما في معناه يدلان بعمومهما على الجمع بينهما، وأثر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد العدل، وأثر الزهري يدلان على أن العمل كان ذلك في عهد رسول اللَّه وَله. وبعده، فالحق والصواب في ذلك هو ما ذهب إليه الجمهور. كِتَابُ الزَّكَاةِ بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزَّكاةُ ٢٦٧ تنبيه: اختلف أصحاب الفتوى من الحنفية في أراضي المسلمين في بلاد الهند في زمن الإنكليز وتخبطوا في ذلك، فقال بعضهم: لا عشر فيها لأنها أراضي دار الحرب، وقال بعضهم: إن أراضي الهند ليست بعشرية ولا خراجية بل أراضي الحوز أي: أراضي بيت المال وأرض المملكة. ارجع لتعريفها إلى ((رد المختار)) (ج ٣: ص ٣٥٣، ٣٥٤) وقال بعضهم: إن الرجل الذي لا يعلم أن أرضه انتقلت إليه من أيدي الكفار والأرض الآن في ملكه فعليه فيها العشر. وجعل بعضهم أراضيها على عدة أنواع، وقال: الأحوط أداء العشر من جميع هذه الأنواع. والحق عندنا وجوب العشر في أراضي الهندِ مطلقًا أي: على أيِّ صفة كانت، فيجبُ والعشر أو نصفه على المسلم فيما يحصل له من الأرض، إذا بلغ النصاب سواء كانت الأرض ملكًا له أو لغيره، زرع فيها على سبيل الإجارة أو العارية أو المزارعة؛ لأنَّ العشر في الحبِّ والزرع والعيرة لمن يملكه، فيجب الزكاة فيه على مالكه المسلم وليس من مؤنة الأرض فلا يبحث عن صفتها والضريبة التي تأخذها المملكة من أصحاب المزارع في الهند ليست خراجًا شرعيًّا، ولا مما يسقط فريضة العشر كما لا يخفى، وارجع إلى ((المغني)) (ج ٢: ص٧٢٨) فائدة في حد أرض العشر من أرض الخراج. قال أبو عبيد في كتاب ((الأموال)) (ص٥١٢): لا تكون الأرض عشرية إلا من أربعة أنواع: أحدها: كلُّ أرض أسلم عليها أهلها فهم مالكون لرقابها كالمدينة والطائف واليمن. والنوع الثاني: كل أرض أُخذت عنوة، ثم إن الإمام لم ير أن يجعلها فيئًا موقوفًا، ولكنه رأى أن يجعلها غنيمة فخمسها وقسم أربعة أخماسها بين الذين افتتحوها خاصة كفعل رسول اللّه وَله بأرض خيبر، فهذه أيضًا ملك أيمانهم ليس فيها غير العشر، وكذلك الثغور كلها إذا قسمت بين الذين افتتحوها خاصة. ٢٦٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ والنوع الثالث: كل أرض عادية لا رب لها ولا عامر، أقطعها الإمام رجلاً من جزيرة العرب أو غيرها. والنوع الرابع: كل أرض ميتة استخرجها رجل من المسلمين، فأحياها بالماء والنبات، فهذه الأرضون التي جاءت فيها السنة بالعشر أو نصف العشر وكلها موجودة في الأحاديث، انتهى مختصرًا. وقال أبو يوسف في كتاب ((الخراج)) (ص٨٢): كل أرض أسلم عليها أهلها وهي من أرض العرب أو أرض العجم فهي لهم، وهي أرض عشر بمنزلة المدينة حين أسلم عليها أهلها وبمنزلة اليمن، وكذلك كل من لا تقبل منه الجزية ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل فأرضهم أرض عشر وإن ظهر عليها الإمام، قال: وأيما دار من دور الأعاجم قد ظهر عليها الإمام وتركها في أيدي أهلها فهي أرض خراج، وإن قسمها بين الذين غنموها فهي أرض عشر؛ ألا ترى أن عمر رَضِثْلَهُ ظهر على أرض الأعاجم وتركها في أيديهم فهي أرض خراج، وكل أرض من أراضي الأعاجم صالح عليها أهلها وصاروا ذمة فهي أرض خراج، انتهى. باختصار يسيرٍ . وقال ابنُ قُدامة: (ج٢: ص٧١٦) الأرض قسمان: صلح، وعنوة، فأما الصلح: فكل أرض صالح أهلها عليها لتكون لهم ويؤدون خراجها معلومًا، وهذا الخراج في حكم الجزية . وأما الثاني: وهو ما فتح عنوة، فهي ما أجلي عنها بالسيف ولم يقسم بين الغانمين، فهذه تصير وقفًّا للمسلمين يُضرب عليًا خراج معلوم يؤخذ منها في كل عام، وتقرُّ في أيدي أربابها ماداموا يؤدون خراجها وسواء كانوا مسلمين أو من أهل الذمة، ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها ولا بانتقالها إلى مسلم، انتهى مختصرًا. الخامسة: يجبُ الزكاة عند أحمد فيما جمع هذه الأوصاف: الكَيْلَ والبَقَاءَ واليُبْسَ، من الحبوب والثمار مما ينبته الآدميون، سواء كان قوتًا كالحنطة والشعير والسلت والأرز والذرة والدخن، أو من القطنيات كالفول والعدس والماش والحمص، أو من الأبازير - أي: التوابل - كالكمون والكراويا أو، البزور كبزر القثاء والخيار، أو حب البقول كحب الفجل والسمسم وسائر الحبوب، وتجبُ أيضًا فيما جمع هذه الأوصاف من الثمار كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق كِتَابُ الزَّكَاةِ بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ ٢٦٩ إذا بلغ خمسة أوسق، ولا زكاة في سائر الفواكه كالخوخ والإجاص والكمثري والتفاح والتين، ولا في الخضر كالقثاء والخيار والباذنجان واللفت والجزر، ونحوه قول أبي يوسف ومحمد فإنهما قالا: لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كانت له ثمرة باقية يبلغ مكيلها خمسة أوسق، واختلفت أقوالهم في ما لا يكال كالزعفران والقطن. واستدل ابن قدامة لما ذهب إليه أحمد ومن وافقه بأن عموم قوله: ((فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرَ))، وقوله لمعاذ: ((خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ)) يقتضي وجوب الزكاة في جميع ما تناوله خرج منه مالًا يكال وما ليس بِحَبِّ بمفهوم قولهِ: ((لَيْسَ فِي حَبٌّ وَلَا تَمْرِ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ)) رواه مسلم والنسائي، فدلّ هذا الحديث على انتفاء الزكاة مما لا توسيق فيه وهو مكيال، ففيما هو مكيل يبقى على العموم، والدليل على انتفاء الزكاة مما سوى ذلك ما ذكر من اعتبار التوسيق، وروي عن علي وعائشة وطلحة وأنس مرفوعًا: ((لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ صَدَقَةٌ)) رواه الدار قطني. وذهب مالك والشافعي إلى: أنه لا زكاة في ثمر إلا التمر والزبيب، ولا في حبٍّ إلا ما كان قوتًا في حال الاختيار لذلك إلا في الزيتون على اختلاف. وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب الفارسي والحشيش، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبي بردة بن أبي موسى وحماد وإبراهيم، وإليه ذهب داود الظاهري إلا أنه قال: إن كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة. قال الحافظ: وهذا نوع من الجمع بين الحديثين . واستدل لقول أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ اُلْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وبقوله ◌َ: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ)) وهذان عامان؛ ولأن هذا يقصد بزراعته نماء الأرض، فأشبه الحب وخصَّ الجمهور هذا العموم بحديث الخضروات. وحكي عن أحمد: لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وهو قول موسى بن طلحة، والحسن البصري، وابن سيرين والشعبي، والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وابن المبارك وأبي عبيد، ورجَّح هذا المذهبَ الأميرُ اليماني والشوكاني والعلامة الأمير القنوجي البوفالي، واستدل لهذا القول بأن ما عدا هذه الأربعة لا نص فيها ولا إجماع ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها وكثرة نفعها ٢٧٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ووجودها، فلم يصح قياسه عليها ولا إلحاقه بها فيبقى على النفي الأصلي، وأما عموم الآية والحديث فهو مخصوص بأحاديث الخضروات وبالأحاديث الواردة بصيغة الحصر في الأقوات الأربعة، قالوا: وهي مروية بطرق متعددة يقوي بعضها بعضًا فتنتهض لتخصيص هذه العمومات. فمنها: ما روى الدار قطني (ص٢٠١) والحاكم (ج١: ص٤٠١) والبيهقي (ج٤: ص ١٢٥) والطبراني من طريق طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ بن جبل: أن رسول اللّه وَله بعثهما إلى اليمن فأمرهما أن يعلما الناس أمر دينهم، وقال: ((لَا تَأْخُذُوا فِي الصَّدَقَةِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ: الشَّعَيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وِالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ))، قال الحاكم: إسناده صحيح ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ونقل الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٧٨) عن البيهقي، أنه قال: رواته ثقات وهو متصل. وقال في ((الدراية)) (ص١٦٤): في الإسناد طلحة بن يحيى مختلف فيه وهو أمثل مما في الباب، انتهى. قلت: وفيه أيضًا اختلف في رفعه ووقفه، وانظر الخراج ليحيى بن آدم (ص١٥٣) رقم (٥٣٧، ٥٣٨) و((السنن الكبرى)) للبيهقي (ج ٤: ص١٢٥) و((نصب الراية)) للزيلعي (ج٢: ص٣٨٩) و((المحلى)) (ج٥: ص٢٢١) ومنها ما روى ابن شيبة وأبو عبيد في ((الأموال)) (ص٤٦٨) ويحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٤٨) عن موسى بن طلحة: أمر رسول اللَّه و له معاذًا حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والنخل والعنب. وهذا منقطع؛ لأن موسى بن طلحة لم يدرك معاذًا بعقله، قاله ابن حزم (ج٥: ص٢٢٢) وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٧٩): فيه انقطاعٌ، وقال أبو زرعة: موسى بن طلحة عبيد الله عن عمر مرسلة، ومعاذ توفي في خلافة عمر، فرواية موسى بن طلحة عنه أولى بالإرسال. وقال تقي الدين في ((الإمام)): وفي الاتصال بين موسى بن طلحة ومعاذ نظر، فقد ذكروا أن وفاة موسى سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة؛ ذكره الزيلعي (ج٢: ص٣٨٧). وقال ابن عبد البر: لم يلق موسى معاذًا ولا أدركه، انتهى. والمشهور في ذلك ما رُوي عن عمرو بن عثمان، عن موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي وقال أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير كِتَّابُ الرَّكاةِ بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزَّكاةُ ٢٧١ والزبيب والتمر. أخرجه أحمد (ج٥: ص٢٢٨) والدار قطني (ص٢٠١) والبيهقي (ج٤: ص١٢٩) وابن حزم في ((المحلي)) (ج٥: ص٢٢٢) وأبو يوسف في ((الخراج)) (ص ٦٤). ومنها: ما روى الدارقطني (ص٢٠١) والحاكم (ج١: ص٤٠١) والبيهقي (ج ٤: ص ١٢٩) والطبراني من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى ابن طلحة، عن معاذ: أن رسول اللّهُ بِ ◌ّه قال: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْبَعْلُ وَالسَّيْلُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ)) وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول اللَّه ◌َل، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: في تصحيحهما لهذا الحديث نظر؛ فإنه حديث ضعيف، إسحاق بن يحيى بن طلحة ضعيف متروك، وموسى بن طلحة عن معاذ منقطع، كما تقدم. ومنها: ما روى الدار قطني (ص٢٠١) وأبو يوسف في ((الخراج)) (ص ٦٥) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي، عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن عمر بن الخطاب. قال: إنَّما سنَّ رسولُ اللَّه وَس الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر، وفيه أن العرزمي متروك، وموسى بن طلحة عن عمر منقطع كما تقدم. ومنها: ما روى ابن ماجه والدار قطني (ص ٢٠٠) من طريق العرزمي عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، قال: إنما سنَّ رسولُ اللَّهُ وَ ◌ّ الزكاةَ في هذه الخمسة الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة، ورواه يحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٥٠) من طريق يحيى بن أبي أنيسة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا بَّلفظ: ((أَرْبَعٌ لَيْسَ فِيمَا سِوَاهَا شَيْءٌ: الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ))، وهذا أيضًا ضعيف، العرزمي متروك، ويحيى بن أبي أنيسة ضَعِيف جِدًّا. ومنها: ما روى الدار قطني (ص٢٠٣) من حديث جابر قال: لم تكن المقاثي فيما جاء به معاذ، إنما أخذ الصدقة من البر، والشعير، والتمر، والزبيب، وليس في المقائي شيء، وفي سنده عدي بن الفضل وهو متروك الحديث. ٢٧٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ومنها: ما روى يحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص ١٥٠) عن أبي حماد الحنفي، عن أبان عن أنس قال: لم يفرض رسول اللَّه وَل ◌َه الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر والأعناب، وهذا أيضًا ضعيف؛ لضعف أبي حماد مفضل بن صدقة الحنفي الكوفي، قال ابنُ معينٍ : ليس بشيء، وقال النسائي: متروك، وقال أبو حاتم: ليس بقوي یکتب حديثه . ومنها: ما روى يحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٤٩ - ١٥٠) والبيهقي من طريقه (ج٤: ص١٢٩) عن عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مجاهد قال: لم تكن الصدقة في عهد رسول اللّه وَل إلا في خمسة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة. وهذا مرسل، وفيه خصيف وهو صدوق سيئ الحفظ خلط بآخره، أنكروا عليه أحاديث رواها عنه عتاب بن بشير. ومنها: ما روى أيضًا يحيى ابن آدم (ص١٤٩) والبيهقي من طريقه (ج ٤: ص١٢٩) عن ابن عيينة، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري. قال: لم يفرض رسول اللّه وَ له الصدقة إلا في عشرة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. قال ابنُ عيينة: أراه قال: والذرة. وذكر في رواية للبيهقي السلت مكان الذرة، وهذا أيضًا مرسل. وقال العراقي: مراسيل الحسن شبه الريح، وقال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن عبيد متكلّم فيه، كان يكذب على الحسن في الحديث. ومنها: ما روى أيضًا يحيى بن آدم (ص١٤٩) والبيهقي من طريقه (ج ٤ ص١٢٩) عن أبي بكر بن عياش، عن الأجلح، عن الشعبي. قال: كتب رسول اللّه وَّل إلى أهل اليمن: (إِنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ)) وهذا أيضًا مرسل، وأبو بكر بن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث بأنها ضعيفة لا يخلو واحد منها عن الكلام، على أنها أخبار آحاد، ولا يجوز تخصيص عموم القرآن والخبر المشهور بالأخبار الآحادية لو كانت صحيحة فكيف بالضعاف. وأجاب عنها الشافعية ومن وافقهم في عدم حصر العشر في الأشياء الأربعة: بأن الحصر فيها ليس حصرًا حقيقيًّا بل إضافي - أي: بالنسبة إلى الخضروات - يدلُّ على هذا قوله في الحديث الثالث: كِتَابُ الرَّكَاةِ بَابُ مَا يجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ ٢٧٣ إنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول اللّه ◌َلّه، وفي رواية: القصب والخضر فعفوٌ عفا عنه رسول الله وَ لخير، وترجم البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٤ ص١٢٨) لهذه الأحاديث باب الصدقة فيما يزرعه الآدميون وييبس ويدخر ويقتات دون ما تنتبه الأرض من الخضر، انتهى. وفي المسألة أقوال أخر، ذكرها العيني في ((شرح البخاري)) وأبو عبيد في ((الأموال))، وأرجح هذه الأقوال وأقواها عندي قول داود الظاهري، ثم قول من ذهب إلى حصر العشر في الأربعة: الحنطة، والشعير، من الحبوب، والتمر، والزبيب، من الثمار والله تعالى أعلم. (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ) قال الحافظ: بالتنوين وبإثبات التحتانية مشددًا ومخففًا جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية، وحكى الجياني وقيه بحذف الألف وفتح الواو، ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالإتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبًا أو غير مضروب. (مِنَ الْوَرِقِ) بفتح الواو وكسر الراء وسكونها، والمراد به هاهنا الفضة مطلقًا أي: مضروبة كانت أو غيرها، واختلف أهلُ اللغة في أصله، فقيل: يطلق في الأصل على جميع الفضة. وقيل: هو حقيقة للمضروب دراهم، ولا يطلق على غير الدراهم إلا مجازًا، هذا قول كثيرين من أهل اللغة، وبالأول قال ابن قتيبة وغيره، قاله النووي. (صَدَقَةٌ) قال الحافظُ: لم يخالف في أنَّ نصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالًا من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسي، فإنه انفرد إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهم، وذكر ابن عبد البر اختلافًا في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد، وكذا خرق المريسي الإجماع فاعتبر النصاب بالعدد لا الوزن، وانفرد السرخسي من الشافعية بحكاية وجه في المذهب أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضُمَّ إليه قيمة الغش من نحاس مثلًا لبلغ نصابًا فإن الزكاة تجب فيه كما نقل عن أبي حنيفة، انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣ ص١): نصابُ الفضة مائتا درهم لا نعلم في ذلك خلافًا بين علماء الإسلام، وقد بينتْه السنة يعني بها هذا الحديث وحديث أنس الآتي، ففيه ٢٧٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها. قال ابن قدامة: والدراهم التي يعتبر بها النصاب هي الدراهم التي كل عشر منها وزن سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكل درهم نصف مثقال وخمسة، وهي الدراهم الإسلامية التي تقدر بها نصف الزكاة ومقدار الجزية، والديات ونصاب القطع في السرقة وغير ذلك، وكانت الدراهم في صدر الإسلام صنفين سودًا وطبرية، وكانت السود ثمانية دوانيق والطبرية أربعة دوانيق، فجُمعا في الإسلام وجعلا درهمين متساويين في كل درهم ستة دوانيق فعل ذلك بنو أمية، انتهى. قلتُ: روى ابنُ سعدٍ في ((الطبقات)) (ج٥ ص١٧٠) عن الواقدي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعين، وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها، وقال الواقدي: عن خالد بن ربيعة بن أبي هلال، عن أبيه قال: كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك بن مروان اثنتين وعشرين قيراطًا إلا حبة بالشامي، وكانت العشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل. وقال أبو عبيدٍ في ((الأموالِ)) (ص٥٢٤): كانت الدراهمُ قبلَ الإسلام كبارًا وصغارًا، فلما جاءَ الإِسلامُ وأرادو ضرب الدراهم، وكانوا يزكونها من النوعين، فنظروا إلى الدرهم الكبير فإذا هو ثمانية دوانيق وإلى الدرهم الصغير فإذا هو أربعة دوانيق، فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير، فجعلوها درهمين سواء كل واحد ستة دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدودًا لا يزيد ولا ينقص، فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التي واحدها ستة دوانيق يكون وزن سبعة مثاقيل سواء، فاجتمعت فيه وجوه الثلاثة؛ أن العشرة منها وزن سبعة مثاقيل وأنه عدل بين الصغار والكبار، وأنه موافق لسنة رسول اللَّه وَّله في الصدقةِ، فمضت سنة الدراهم على هذا واجتمعت عليه الأمة، فلم يختلف أن الدرهم التام ستة دوانيق فما زاد أو نقص قيل فِيهِ: زائد أو ناقص، والناس في زكاتهم - بحمد اللَّه تعالى - على الأصل الذي هو السنة لم يزيغوا عنه، وكذلك في المبايعات والديات على أهل الورق، انتهى كلامه ملخصًا محررًا. قال العيني (ج٨ ص٢٥٨): وفي كتاب المكاييل عن الواقدي، عن معبد بن مسلم عن عبد الرحمن بن سابط قال: كان لقريش أوزان في الجاهلية فلما جاء كِتَابُ الرَّكاةِ بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ ٢٧٥ الإسلام أقرت على ما كانت عليه؛ الأوقية أربعون درهمًا والرطل اثنا عشر أوقية، فذلك أربع مائة وثمانون درهما وكان لهم النش وهو عشرون درهمًا والنواة وهي خمسة دراهم، وكان المثقال اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبة وكانت العشرة دراهم وزنها سبعة مثاقيل والدرهم خمسة عشر قيراطًا ... إلى ما آخر ما قال. وأما مقدار نصاب الفضة بحسب أوزان بلادنا الهندية، فهو اثنان وخمسون تولجة ونصف تولجة. قال القاضي ثناء الله الفاني فتى صاحب ((التفسير المظهري)) وتلميذ الشاة ولي اللَّه الدهلوي: في رسالته الفارسية ((مَا لَا بُدَّ مِنْهُ)) نصاب زر بيست مثقال ست كه هفت ونيم تولة باشد، ونصاب سيم دوصد درم ست. كه بنجاه وشش روبيه سکه دهلي وزن آن می شود، انتهى. قال في «حاشیتها)»: جون دوصد نزم محققين مساوى بنجاه ودونيم تولة است، جنانجة صاحب فتاوى جواهر اخلاطي مى أرد. فيكون مائتا درهم اثنين وخمسين تولجة ونصف تولجة من الفضة، انتهى. بس هر روبيه كه بوزن يازدة ماشه وباؤ ماشه بالا باشد بنجاه وشش روبيه خواهد بود، جنانجة مصنف رحمة الله علیه فرموده است. وهمین روبيه در عهد مصنف رحمة الله عليه رواج میداشت وهر روبيه که بوزن يازدة ماشا باشد از سیم مذ کور بنجاة وهفت روبيه وسه ماشه خواهد بود وهر روبیه که بوزن یزده ونین ماشه باشد آذ سیم بنجاه وجهار روبيه وسه ماشه خواهد بود، انتھی. وقال شيخ مشائخنا العلامة الشيخ عبد الله الغازيفوري في رسالته ما معربه: نصاب الفضة مائتا درهم، أي: خمسون واثنتان تولجة ونصف تولجة، وهي تساوي ستين روبية من الروبية الإنكليزية - النافقة في الهند في زمن الإنكليز - التي تكون بقدر عشر ماهجة ونصف ماهجة. وقال الشيخ بحر العلوم اللكنوي الحنفي في ((رسائل الأركان الأربعة)) (ص١٧٨): وزن مائتي درهم وزن خمس وخمسين روبية، وكل روبية أحد عشر ما شج. واستدل بهذا الحديث: على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب ولو حبة واحدة. قال ابن قدامة: نصاب الفضة مائتا درهم، ولا فرق في ذلك بين التبر والمضروب، ومتى نقص النصاب عن ذلك فلا زكاة فيه، سواء كان كثيرًا أو يسيرًا ٢٧٦ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ هذا ظاهر كلام الخرقي. ومذهب الشافعي وإسحاق وابن المنذر لظاهر قوله عليه السلام: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ))، والأوقية أربعون درهمًا بغير خلاف فيكون ذلك مائتي درهم. وقال غير الخرقي من أصحابنا: إن كان النقص يسيرًا كالحبة والحبتين وجبت الزكاة؛ لأنه لا يضبط غالبًا فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين، وإن كان نقصًا بينًا كالدانق والدانقين فلا زكاة فيه. وقال مالك: إذا نقصت نقصًا يسيرًا يجوز جواز الوازنة وجبت الزكاة، لأنها تجوز الوازنة فأشبهت الوازنة. والأول ظاهر الخبر فينبغي أن لا يعدل عنه، انتهى. قلت: وإليه ذهبت الحنفية والشافعية وهو الحق عندنا، واختلفوا في الفضة هل فيها وقص أم لا، وسيأتي الكلام عليه في الفصل الثاني في شرح حديث علي هذا، واقتصر في حديث أبي سعيد وحديث أنس الآتي على ذكر نصاب الفضة؛ لأنها الأغلب . وأما الذهب؛ فقال النووي في ((شرح مسلم)): لم يأت في الصحيح بيان نصاب الذهب، وقد جاءت فيه أحاديث تحديد نصاب بعشرين مثقالًا، وهي ضعاف ولكن أجمع من يعتد به الإجماع على ذلك. وقال ابن عبد البر: لم يثبت عن النبي ◌َّ في نصاب الذهب شيء إلا ما روي عن الحسن بن عمارة عن علي، وابنُ عمارة أجمعوا: على ترك حديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه، ورواه الحفاظ موقوفًا على علىٍّ، لكن عليه الجمهور الأئمة الأربعة وغيرهم. وقال المهلب: لم ينقل عن الشارع زكاة الذهب من طريق الخبر كما نقل عنه زكاة الفضة. وقال عياض: نصاب الفضة خمس أواق وهي مائتا درهم بنص الحديث، وأما الذهب فعشرون مثقالا والمعول فيه على الإجماع. قال: وقد حكي فيه خلاف شاذ وروي فيه أيضًا حديث عن النبي ◌َّر. وقال الشافعي في كتاب ((الرسالة)) (ص٥٢): في باب الزكاة: وفرض رسول اللَّه ◌َل في الورق صدقة، وأخذ المسلمون في الذهب صدقة بعده، إما بخبر عن النبي ◌َّالر لم يبلغنا، وإما قياسًا على أن الذهب والورق نقد الناس الذي اكتنزوه وأجازوه أثمانًا على ما يتبايعون به في البلدان قبل الإسلام وبعده. وقال في ((الأم)) (ج٢ ص٣٤): لا أعلم اختلافًا في أن ليس في الذهب صدقة، حتى تبلغ عشرين مثقالًا فإذا بلغت عشرين مثقالا ففيها الزكاة. وقال مالك في ((الموطأ)): السُّنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا كِتَابُ الرَّكَاةِ بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزّكاةُ ٢٧٧ عينًا كما تجب في مائتي درهم. قال الباجي: وهذا كما قال: إن نصاب الذهب عشرون دينارًا من الدنانير الشرعية، وهو كل عشرة دراهم سبعة دنانير ولا خلاف في ذلك بين فقهاء الأمصار، إلا ما روي عن الحسن البصري أنه قال: لا زكاة في الذهب حتی یبلغ أربعین دینارًا فیکون فیه دینار. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور: أن الإجماع انعقد بعد الحسن على خلافه، وهذا من أقوى الأدلة على أن الحق في خلافه، ودليلنا من جهة السنة: ما روى عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ - يعني في الذهب - حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ))، وهذا الحديث ليس إسناده هناك غير أن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة حكمه. ودليلنا من جهة المعنى: أن المئتي درهم نصاب الورق ولا خلاف في ذلك، والدينار، كان صرفه في وقت فرض الزكاة عشرة دراهم فوزن المئتي درهم عشرون مثقالًا، فكان ذلك نصاب الذهب، انتهى. وقال أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٤٠٩): بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في نصاب الذهب عشرين مثقالًا، ما لفظه: فهذا لا اختلاف فيه بين المسلمين، إذا كان الرجل قد ملك في أول السنة من المال ما تجب في مثله الصدقة وذلك مئتا درهم، أو عشرون دينارًا، أو خمس من الإبل، أو ثلاثون من البقر أو أربعون من الغنم، فإذا ملك واحدة من هذه الأصناف من أول الحول إلى آخره فالصدقة واجبة عليه في قول الناس جميعًا، انتهى. وقال في ((شرح الإحياء)): نصاب الذهب عشرون دينارًا خالصة بالإجماع، ووقع في ((المنهاج)): ((مثقالًا)) بدل ((دينارًا)) ومآلهما واحد؛ لأن كل دينار زنة مثقال، انتھی . وقال ابن قدامة (ج٣ ص٤): قال ابنُ المنذرٍ: أجمع أهل العلم على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا قيمتها مئتا درهم، أن الزكاة تجب فيها، إلا ما حكي عن الحسن أنه لا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين. وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من عشرين مثقالًا ولا يبلغ مئتي درهم فلا زكاة فيه. وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب عشرون مثقالًا من غير اعتبار قيمتها، إلا ما حكي عن عطاء وطاوس والزهري وسليمان بن ٢٧٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ حرب الواشحي وأيوب السختياني أنهم قالوا: هو معتبر بالفضة فما كانت قيمته مئتي درهم ففيه الزكاة، كان وزن ذلك من الذهب عشرين دينارًا أو أقل أو أكثر، هذا فيما كان منها دون الأربعين دينارًا، فإذا بلغت أربعين دينارًا كان الاعتبار بها نفسها لا بالدراهم لا صرفًا ولا قيمة. واستدل للحسن بما روى ابن حبان والحاكم (ج١ ص٣٩٥) والبيهقي (ج٤ ص٨٩) وابن حزم في ((المحلى)) (ج٦ ص٩٣) والطبراني، من حديث يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عمرو بن حزم مطولًا. وفيه بعد ذكر نصاب الفضة: ((وَفِي كُلُّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٍ))، قال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبي، وقال أحمد: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح، وقال بعضهم في نسخة كتاب عمرو بن حزم: تلقاها الأمة بالقبول. وهي متوارثة كنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي دائرة على سليمان بن أرقم وسليمان بن داود الخولاني عن الزهري عن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وكلاهما ضعيف، بل المرجح في روايتهما سليمان بن أرقم وهو متروك، لكن قال الشافعي في ((الرسالة)) (ص١١٣): لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول اللَّه وَلَ . . وقال أحمد: أرجو أن يكون هذا الحديث صحيحًا، وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح منه، كان أصحاب النبي وَل والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم. وقال البيهقي (ج٤ ص ٩٠): حديث سليمان بن داود مجود الإسناد قد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي وعثمان بن سعيد الدارمي وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديث الذي رواه في الصدقة موصول الإِسناد حسنًا، انتهى. واستدل للحسن أيضًا بما روى الدارقطني (ص ٢٠٠) من حديث محمد بن عبد الله بن جحش، عن رسول اللَّه وَليل: أنه أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن، أن يأخذ من كل أربعين دينارًا دينارًا ... الحديث. وفيه عبد الله بن شيب. قال ابن حبان في ((الضعفاء)): يقلب الأخبار ويسرقها ولا يجوز الاحتجاج به بحال، انتهى. وأجاب من وافق الحسن عن أحاديث العشرين مثقالا: بأنها لم تصح، فيكون كِتَابُ الرَّكاةِ بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّکاةُ ٢٧٩ الاعتماد في نصاب الذهب على الإجماع المتيقن المقطوع به وهو اتفاقهم على وجوبها في الأربعين، واستدل للذين جعلوا الزكاة فيما دون الأربعين تبعًا للدراهم بأنه لما كانا من جنس واحد جعل الفضة هي الأصل؛ إذ كان النص قد ثبت فيها وجعل الذهب تابعًا لها في القيمة لا في الوزن وذلك فيما دون موضع الإجماع. قلتُ: واحتجَّ بعضُهم لذلك بقوله ◌ِ لَّ في حديث أنس الآتي: ((وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ .. )) إلخ. بناء على ما قيل: إن الرقة يطلق على الذهب والفضة بخلاف الورق، فعلى هذا فقيل: إن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم وجبت فيه الزكاة وهو ربع العشر، كذا في ((الفتح))، وقد ورد في ذلك حديث صريح، رواه ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٦ ص١٣) من طريق أبي أويس عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما عن رسول اللَّه وَ لَه، أنه كتبَ هذا الكتابِ لعمرو بنِ حزمِ حينَ أَمَّزَهُ على اليمنِ، وفيه بعد ذكر نصاب الفضة: ((فَإِذَا بَلَغَ الذَّهَبُ قِيمَةَ مِائَتَي دِّرْهَم، فَفِي قِيمَةِ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمَّا دِرْهَمٌ، حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا فَفِيهَا دِيناَرٌ))، انتهى. ورواه الحاكم (ج١ ص٣٩٥) مختصرًا بلفظ: ((فَإِذَا بَلَغَ قِيمَةُ الذَّهَبِ مِائَتَيْ دِرْهَمْ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًّا دِرْهَمٌ)) وصحَّحه على شرط مسلمٍ ووافقه الذهبي. وفي تصَّحَّيحهما له نظر؛ فإنَّ أبا أويس هذا هو عبد الله بن أويس ابن عم مالك بن أنس وزوج أخته، وهو صالح صدوق يهم. قال ابنُ عبد البر: لم يحك أحد عنه جرحة في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه وأنه يخالف في بعض حديثه، انتهى. وأخرج له مسلم في الشواهد والمتابعات دون الأصول، ولم يحتج به، وقد تفرَّد أبو أويس بهذا اللفظ، ورواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وليس فيه ما ذكره أبو أویس کما تقدم. ومع ذلك فحديثه هذا مرسل؛ لأنه عن محمد بن عمرو بن حزم جد عبد الله، ومحمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم فلا يصح الاحتجاج برواية أبي أويس هذه ولا الاستشهاد والاعتبار. واستدل للجمهور بأحاديث؛ منها: حديث علي رواه أبو داود من طريق ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم وسمى آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة