Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في الفصلان والعجاجيل والسخال صدقة. قال الخطابي: وهذا أظهر أقاويله،
وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل، وحكي ذلك عن سفيان الثوري.
قلتُ: الحنابلة موافقون في ذلك للشافعي. قال الموفق في ((المغني)): السخلة
لا تؤخذ في الزكاة لقول عمر لساعيه: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على
يديه ولا تأخذها منهم. ولا نعلم فيه خلافًا إلا أن يكون النصاب كله صغارًا، فيجوز
أخذ الصغيرة في الصحيح من المذهب، وإنما يتصور ذلك بأن يبدل كبارًا بصغار
في أثناء الحول أو يكون عنده نصاب من الكبار، فتوالد نصاب من الصغار ثم
تموت الأمهات وتحول الحول على الصغار. وقال أبو بكر: لا يؤخذ أيضًا إلا
كبيرة تجزئ في الأضحية، وهو قول مالك؛ لقول النبي وَّ((إِنَّمَا حَقُّنَا فِي الْجَذَعَةِ
وَالثَّنِيَّةِ)) ولنا قول الصديق رَوْتَهُ: ((وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا)). فدلَّ على أنهم كانوا يؤدون العناق؛ ولأنه مال تجبُ
فيه الزكاة من غير اعتبار قيمته، فيجبُ أن يأخذ من عينه كسائر الأموال. والحديثُ
محمول على ما فيه کبار، انتهى .
واستدل لأبي حنيفة ومحمد: بأن النصاب إنما يعرف بالنص، والنص ورد باسم
الإبل والبقر والغنم، وهذه الأسامي لا تتناول الفصلان والعجاجيل والحملان -
أي: السخال - فلم يثبت كونها نصابًا. وأجاب المانعون عن قول أبي بكر
الصديق: بأنه خرج على طريق التمثيل لا التحقيق - أي: لو وجبت هذه ومنعوها
لقاتلتهم - أو على المبالغة دون التحقيق بدليلٍ ما في الرواية الأخرى: ((عقَالًا))
مكان ((عَنَاقًا)) فإن العقال ليس من الصدقة، كما أن العناق ليس من سن الزكاة،
وبأن المراد بالعناق فيه الجذعة والثنية مجازًّا، فلا يستلزم أخذ الصغار، ولو سلم
جاز أخذها بطريق القيمة لا أنها هي نفس الواجب، وبأن معناه كانوا يؤدون عنها ما
يجوز أداؤه ويشهد له قول عمر: اعدد عليهم السخلة ولا تأخذها، والقول الراجح
عندي: هو ما ذهب إليه الشافعي وأبو يوسف لظاهر قول أبي بكر الصديق، قال ابن
رشد: وهو الأقیس، انتهى.
وما ذكره المانعون للجواب عن قول الصديق تكلف كله لا يخفى ذلك على مَن
تأمل وانصف، هذا وقوله: ((عَنَاقًا)) إنما هو للبخاري ولفظ مسلم ((عِقَالًا)) بكسر
العين بدل العَناق وكذا عند الترمذي والبخاري في رواية. ووقع عند أبي داود
٢٤١
كِتَابُ الرَّكَاةِ
والنسائي كلا اللفظين، واختلف في روايةِ العقال فقيل: هي وَهْمٌ، وإلى ذلك أشار
البخاري في باب الاقتداء بسُنن رسول اللَّه وَالّه من كتاب الاعتصام.
وقيل: الرواية محفوظة، ولها معنى متجه، وجرى النووي على طريقته فقال:
هو محمول على أن أبا بكر قالها مرتين. مرة عناقًا ومرة عقالًا، فروى عنه اللفظان.
قال الحافظ: هو بعيد مع اتحاد المخرج والقصة. واختلف في المراد بالعقال قال
في ((النهاية)): أراد بالعقال: الحبل الذي يعقل به البعير الذي كان يؤخذ في
الصدقة؛ لأن على صاحبها التسليم وإنما يقع القبض بالرباط.
وقيل: أراد ما يساوي عقالًا من حقوق الصدقة، وقيل: إذا أخذ المصدق أعيان
الإبل، قيل أخذ عقالًا، وإذا أخذ أثمانها قيل أخذ نقدًا؛ كما أنشد أبو العباس
النحوي لبعضهم :
أَتَانَا أَبُو الْخَطَّابِ يَضْرِبُ طَبْلَهُ فَرُدَّ وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدًا
وقيل: أراد بالعقال صدقة العام، يقال: أخذ المصدق عقال هذا العام، أي:
أخذ منهم صدقته، وبُعِثَ فلان على عقال بني فلان، إذا بُعِثَ على صدقاتهم،
واختاره أبو عبيد. وقال: هي أشبه عندي بالمعنى، وقال الخطابي: إنما يضرب
المثل في مثل هذا بالأقل لا بالأكثر، وليس بسائر في لسانهم إن العقال صدقة عام،
وفي أكثر الروايات عناق، وفي أخرى جدي. وقيل: إذا كان من عرض التجارة
فبلغ مع غيره قيمة النصاب يجب فيه، وجاء في الحديث على القولين.
فمن الأول: حديث عمر أنه قال: يأخذ مع كل فريضة عقالا ورداء. وحديث
محمد بن مسلمة، إنه كان يعمل على الصدقة في عهد رسول اللَّه وَل فكان يأمر
الرجل إذا جاء بفريضتين أن يأتي بعقاليهما وقرانيهما. ومن الثاني: حديث عمر أنه
أخَّر الصدقة عام الرمادة، فلما أحيا الناس بعث عامله فقال: اعقل عنهم عقالين
فاقسم فيهم عقالًا وائتني بالآخر، يريد صدقة عامين، انتهى.
وقد بسط الحافظ والنووي الكلام في تفسير العقال. وقال النووي: ذهب
كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير، وهذا
القول يحكى عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو اختيار صاحب ((التحرير))
وجماعة من حذاق المتأخرين، قال: وهذا الذي أختاره، وهو الصحيح الذي لا
٢٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ينبغي غيره. قيل: ولم يرد عينه، وإنما أراد قدر قيمته. قال النووي: وهذا ظاهر
متصور في زكاة النقد وفي المعدن والركاز والمعشرات وزكاة الفطر، وفيما لو
وجبت سن فأخذ الساعي دونه، وفيما إذا كانت الغنم سخالًا فمنع واحدة وقيمتها
عقال.
(لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا) أي: لأجل منعها أو على ترك أدائها إلى الأمام، وهذا
ظاهر في أنه قاتلهم على ترك أدائهم الزكاة إلى الإمام لا على إنكار فرضيتها
وجحدها. وقال الخطابي: فيه دليل على أن الردة لا تسقط عن المرتد الزكاة
الواجبة في أمواله، وتعقبه الحافظ: بأن المرتد كافر والكافر لا يطالب بالزكاة،
وإنما يطالب بالإِيمان، وليس في فعل الصديق حجة لما ذكر، وإنما فيه قتال من
منع الزكاة، والذين تمسكوا بأصل الإسلام ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم
يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجة.
وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم
كالكفار أو لا كالبغاة، فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظره عمر في ذلك،
وذهب إلى الثاني، ووافقه غيره في خلافته على ذلك واستقر الإجماع عليه في حق
من جحد شيئًا من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل
وأقيمت عليه الحجة، فإن رجع وإلا عومل معاملة الكافر حينئذٍ، انتهى.
(فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ) أي: الشأن. (إِلَّا رَأَيْتُ) أي: علمت. (أَنَّ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي
بَكْرٍ لِلْقِتَالِ) أي: فتح ووسع له، قال النووي: معناه: علمت أنه جازم بالقتال لما
ألقىَّ اللَّه وَلَ في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصوابه ذلك. قال الطيبي: المستثنى
منه غير مذكور أي: ليس الأمر شيئًا من الأشياء إلا علمي بأن أبا بكر محقٌ، فهذا
الضمير يفسره ما بعده، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]
(فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي: ظهر له من صحة احتجاجه لا أنه قلده في ذلك، وهذا
انصاف منه رَضِفَهُ ورجوع إلى الحق عند ظهوره. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة غیر
ما تقدم، ذكرها الحافظ والنووي، من شاء الوقوف عليها رجع إلى ((الفتح)) و((شرح
مسلمٍ)) للنووي. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري، فقد تقدم إن مسلمًا رواه بلفظ
((عِقَالًا)) مكان ((عَنَاقًا)) والحديث أخرجه البخاري في الزكاة وفي استتابة المرتدين
٢٤٣
كِتَابُ الرَّڪاةِ
وفي ((الاعتصام))، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في
الإيمان، وأبو داود في الزكاة والنسائي فيه وفي الجهاد وفي المحاربة والبيهقي
وابن حبان وغيرهم، وأخرج مالك في ((الموطأ)) طرفًا من قول أبي بكر، قال
مالك: بلغه أن أبا بكر الصديق قال: ((لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه)) لم يزد على
هذا .
١٨٠٦ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ: ((يَكُونُ كَتْرُ أَحَدِكُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أَصَابِعَهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الْشِّرْجُ
١٨٠٦ - قوله: (يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ) أي: المال المكنوز، أي: المجموع أو
المدفون من غير إخراج الزكاة. (شُجَاعًا) أي: يصير حية وينقلب ويتصور. (يَفِرُّ
مِنْهُ صَاحِبُهُ) أي: صاحب الكنز أو صاحب الشجاع، والإضافة لأدنى ملابسة.
(وَهُوَ) أي: الشجاع. (يَطْلُبُهُ) ولا يتركه. (حَتَّى يُلْقِمَهُ) من الإلقام. (أَصَابِعَهُ) لأن
المانع الكانز يكتسب المال بيديه. قال السيد جمال الدين: وهو يحتمل احتمالين.
أحدهما: أن يلقم الشجاع أصابع صاحب المال على أن يكون ((أصابعه)) بدلًا من
الضمير .
وثانيهما: أن يلقم صاحب المال الشجاع أصابع نفسه، أي: يجعل أصابع نفسه
لقمة الشجاع تأمل، انتهى. قال الطيبي: ذكر فيما تقدم أن الشجاع يأخذ بلهز متيه
أي: شدقيه، وخص هنا بإلقام الأصابع، ولعلَّ السر فيه أن المانع يكتسب المال
بيديه ويفتخر بشدقيه فخصا بالذكر، أو أن البخيل قد يوصف بقبض اليد، قالوا: يد
فلان مقبوضة وأصابعه مكفوفة، كما أن الجواد يوصف ببسطها. قال الشاعر:
ثَنَاهَا لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أَنَامِلُهُ
تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حَتَّى لَوْ أَنَّهُ
-
(١٨٠٦) أخرجه أبو داودَ، وكذا الحميدي في مسنده (٥٢)
٢٤٤
**** *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
انتهى. قال القاري: والأظهرُ أن يقال: كلِّ يعذب بما هو الغالب عليه، ويحتمل
أن مانع الزكاة يعذب بجميع ما مر في الأحاديث، فيكون ماله تارةً يجعل صفائح
وتارةً يتصور شجاعًا أقرع يطوقه، وتارةً يتبعه ويفر منه حتى يلقمه أصابعه. (رَوَاهُ
أَحْمَدُ) وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١ ص٣٨٩). وقال: صحيح على شرط مسلم
ووافقه الذهبي.
١٨٠٧ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّبَّهِ قَالَ: ((مَا مِنْ رَجُل لَا
يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عُنُقِهِ شُجَاعًا))، ثُمَّ قَرَأَ عَّلَيْنَا
مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
الآية.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
W O
الْشِّرْحُ
١٨٠٧ - قوله: (مَا مِنْ رَجُل لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي
عُنُقِهِ شُجَاعًا) هذا لفظ الترمذي، وُللنسائي: ((مَا مِنْ رَجُلِ لَهُ مَالٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّ مَالِهِ،
إِلَّا جُعِلَ لَهُ طَوْقًا فِي عُنُقِهَ، شُجَاعٌ أَقْرَعُ وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ وَهُوَ يَتْبَّعُهُ))، ولفظ ابن ماجه: ((مَا
مِنْ أَحَدٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، إِلَّ مُثُلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، حَتَّى يُطَوَّقَ بِهِ عُنُقُهُ))،
وأخرجه أحمد بلفظ : ((لَا يَمْنَعُ عَبْدٌ زَكَاةَ مَالِهِ، إِلَّا جُعِلَ لَهُ شُجَاعٌ أَقْرَعُ، يَتْبَعُهُ يَفِرُّ مِنْهُ،
وَهُوَ يَتْبَعُهُ فَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُلَكَ)). (ثُمَّ قَرَأَ) أي: رسول اللّه ◌َلِّ كما في رواية ابن ماجه.
(عَلَيْنَا مِصْدَاقَهُ) أي: ما يصدقه ويوافقه. (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) الظاهرُ: أنه حال من
((مصداقه)) أو من بيان له وما بعده بدل بعض من الكل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا
ءَاتَئُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآية، في الترمذي بعده، وقال مرة: قرأ رسول اللّه ◌َل
مصداقه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في التفسير واللفظ له. (واَلَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) في الزكاة
وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص ٣٧٧) والبيهقي (ج٤ ص٨١) وقال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح. وقال المنذري في ((الترغيب)) بعد إيراده: رواه ابن ماجه
(١٨٠٧) التِّرْ مِذِي (٣٠١٢)، والنَّسَائِي (١١/٥)، وابن مَاجَهْ (١٧٨٤) عنه فيها .
٢٤٥
كِتَابُ الرَّڪاةِ
***-**<<<<<<< > <<*<< > <<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > <<***<<<< > <<<<<<<< > **<<<<<< > <<<<<<***
والنسائي بإسناد صحيح وابن خزيمة في (صحيحه))، انتهى. وأخرجه الحاكم في
((التفسير)) (ج ٢ ص٢٩٨، ٢٩٩) وابن جرير عن ابن مسعود موقوفًا.
١٨٠٨ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ رَّا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه
يَقُولُ: ((مَا خَالَطَتِ الزَّكَاةُ مَالَّا قَطُّ إِلَّا أَهْلَكَتْهُ)). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي
(تَارِيخِهِ))، وَالْحُمَيْدِيُّ، وَزَادَ قَالَ: يَكُونُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ صَدَقَةً فَلَا تُخْرِجُهَا
فَيَهْلِكَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ. وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى تَعَلَّقَ الزَّكَاةِ بَالْعَيْنِ، هَكَذَا فِي
الْمُنْتَقَى. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ إلى
عَائِشَةَ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي ((خَالَطَتْ)): تَفْسِيرُهُ: أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَهُوَ
مُوسِرٌ أَوْ غَنِيٌّ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْفُقَرَاءِ.
{ضعیف}
الْشَّرْجُ
١٨٠٨- قوله: (مَا خَالَطَتِ الزَّكَاةُ مَالَّا قَطَّ) بأن يكون صاحب مال من
النصاب فيأخذ الزكاة، أو بأن لم يخرج من ماله الزكاة. قال المنذري: هذا
الحديثُ يحتمل معنيين، أحدهما: أن الصدقة ما تركت في مال ولم تخرج منه إلا
أهلكته، ويشهد لهذا حديث عمر مرفوعًا: «مَا تَلَفَ مَالٌ فِي بَرِّ وَلَا بَحْرٍ إِلّا بَحَبْسِ
الزَّكَاةِ)). أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه عمر بن هارون وهو ضعيف.
والثاني: إن الرجل يأخذ الزكاة وهو غني عنها فيضعها مع ماله فيهلكه، وبهذا فسره
الإِمام أحمد، كما سيأتي . (إِلَّا أَهْلَكَتْهُ) أي: نقصته أو أفنته أو قطعت بركته، أي:
إذا لم تخرج الزكاة من مال وجبت فيه أهلكته، أي: محقته بأن سلطت عليه الآفات
كسرقة وغصب وحرق، أو المراد: قَلَّت بركته حتى لا ينتفع به، وإن كان موجودًا
فهو حينئذٍ كالهالك المعدوم.
وقال الطيبي: يحتملُ محقته واستصألته؛ لأن الزكاة كانت حصنًا له أو أخرجته
من كونه منتفعًا به؛ لأن الحرام غير منتفع شرعًا.
(١٨٠٨) رَوَاهُ الشَّافِعِي (٦٠٧) وأحمد، وفسره الحميدي بمن قد وجبت عليه الصدقة فلا يخرجها فيُهْلِك
الحرام الحلال .
٢٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في باب الهدية للوالي بسبب الولاية (ج٢ ص ٥٠) من كتاب
((الأم)) بلفظ: لا تخالطه الصدقة مالاً إلا أهلكته. (والْبُخَارِيُّ في تَارِيخِهِ) الكبير في
ترجمة محمد بن عثمان بن صفوان بن أمية الجحمي القرشي (ج١ ١٨٠) بلفظ: ((مَا
خَالَطَتِ الصَّدَقَةُ مَالَّا قَطَّ إِلَّا أَهْلَكَتْهُ)) .
(وَالْحُمَيْدِيُّ) كلهم من طريق محمد بن عثمان بن صفوان الجحمي المكي عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ومحمد بن عثمان هذا لم يذكر البخاري فيه
جرحًا ولا تعديلًا، وهو من رجال ابن ماجه. قال الحافظُ في (تهذيبهِ)) (ج٩
ص٣٣٧): روى عن هشام بن عروة والحكم بن أبان وغيرهما، وروى عنه الشافعي
والحميدي وأحمد بن حنبل وإبراهيم بن حمزة الزبيري وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وغيرهم .
قال أبو حاتم: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الدار قطني:
ليس بقوي. وقال في ((التقريب)): ضعيف.
والحديث أخرجه أيضًا ابن عدي، والبزار، والبيهقي، وأشار المنذري إلى
ضعفه حیث صدره بلفظة: روی. وقال الهيثمي (ج٣ ص٦٤) بعد عزوه إلى البزار:
وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجحمي. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به،
انتھی .
قلتُ: إن كان ما وقع في نسخة ((مجمع الزوائد)) المطبوعة صحيحًا فعثمان هذا
من رجال الترمذي وابن ماجه. قال البخاري فيه: أنه مجهول، وقال الساجي:
يحدث عن محمد بن زياد بأحاديث لا يتابع عليها وهو صدوق، وقال ابن عدي:
عامة ما يرويه مناكير، كذا في ((تهذيب التهذيب)) (ج ٧ ص١٣٦) وقال الحافظ في
((التقریب)»: ليس بالقوى.
(وَزَادَ) أي: الحميدي. (قَالَ) أي: البخاري في تفسير الحديث. (يَكُونُ قَدْ
وَجَبَ عَلَيْكَ صَدَقَةً فَلَا تُخْرِجُهَا فَيُهْلِك الْحَرَامُ الْحَلَالَ) فكأنها تعينت واختلطت.
(وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى تَعَلَّقَ الزَّكَاةِ بَالْعَيْنِ) أي: لا بالذمة، قال الشوكاني: احتجاج
من احتج به على تعلق الزكاة بالعين صحيح؛ لأنها لو كانت متعلقة بالذمة لم
يستقم هذا الحديث؛ لأنها لا تكون في جزء من أجزاء المال، فلا يستقيم اختلاطها
بغيرها، ولا كونها سببًا لإهلاك ما خالطته، انتهى.
٢٤٧
كِتَابُ الرَّكاةِ
وقال الطيبي: فإن قلت: هذا الحديث ظاهر في معنى المخالطة؛ فإنها معنى
ومبنى تستدعي شيئين متمايزين يختلط أحدهما بالآخر، فأين هذا المعنى من قول
من فسرها بإهلاك الحرام الحلال؟ قلت: لما جعلت الزكاة متعلقة بعين المال لا
بالذمة، جعل قدر الزكاة المخرج من النصاب معينًا ومشخصًا، فيستقيم الخلط بما
بقي من النصاب، انتهى.
قال في ((اللمعات)): وإلى تعلق الزكاة بالعين ذهب الأئمة الثلاثة، ومن تبعهم،
ولهذا لا يُجَوِّزون دفع القيم في الزكاة؛ لأنها قربة تعلقت بمحل، فلا تتأدى بغيره
كالهدايا والضحايا، وتعلق الزكاة بالمال عندهم تعلق شركة؛ لأن المنصوص عليه
هو الشاة، فالشارع أوجب المنصوص عليه عينًا، والواجب لا يسع تركه، انتهى.
قلتُ: ذهب الحنيفة إلى أنها متعلقة بعين المال، صرح به في ((الدر المختار))
وغيره، وهو مذهب المالكية، كما صرح به الزرقاني، وأشار إليه الباجي، وهو
إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، وذهب ابن حزم إلى أنها واجبة
في ذمة صاحب المال لا في عين المال، وهو القول الثاني للشافعي، والرواية
الثانية عن أحمد.
قال ابن قدامة (ج٢ ص٦٧٩): الزكاة تجب في الذمة في إحدى الروايتين عن
أحمد، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن إخراجها من غير النصاب جائز، فلم تكن
الواجبة فيه كزكاة الفطر؛ ولأنها لو وجبت فيه لامتنع تصرف صاحب المال فيه،
ولتمكن المستحقون من إلزامه أداء الزكاة من عينه، وأسقطت الزكاة بتلف
النصاب من غير تفريط كسقوط أرش الجناية بتلف الجاني، والرواية الثانية أنها
تجب في العين، وهذا القول الثاني للشافعي، وهذه الرواية هي الظاهرة عند بعض
أصحابنا لقول النبي بَله: ((فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ))، وقوله: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ
الْمُشْرُ))، وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف ((فِي)) وهي للظرفية. وإنما جاز
الإخراج من غير النصاب رخصة.
وفائدة الخلاف: أنها إذا كانت في الذمة فحال على ماله حولان لم يؤد زكاتهما
وجب عليه أداؤها لما مضى، ولا تنقص عنه الزكاة في الحولِ الثاني، وكذلك إن
كان أكثر من نصاب لم تنقص الزكاة، وإن مضى عليه أحوال، فلو كان عنده
٢٤٨
SENS
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها وجب عليه ثلاث شياه؛ لأن
الزكاة وجبت في ذمته، فلم يؤثر في تنقيص النصاب، وإن قلنا: الزكاة تتعلَّق
بالعين. وكان النصاب مما تجبُ الزكاة في عينه، فحالت عليه أحوال لم تؤدّ
زكاتها، تعلقت الزكاة في الحول الأول من النصاب بقدرها، فإن كان نصابًا لا
زيادة عليه فلا زكاة فيه فيما بعد الحول الأول؛ لأن النصاب نقص فيه، انتهى.
(هَكَذَا) أي: الحديثُ مع تخريجه وما ذكر من زيادة الحميدي إلى قوله: وقد
احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين.
(فِي الْمُنْتَقَى) من أخبار المصطفى لمجد الدين أبي البركات ابن تيمية.
(وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الْإِيمَانِ) أي: هذا الحديث.
(وَقَالَ أَحْمَدُ فِي) أي: في لفظ ((خَالَطَتْ)) الواقع في صدرِ الحديث. (تَفْسِيرُهُ)
أي: معناه أو تأويله وهو مقبول قول أحمد. (أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَهُوَ مُوسِرٌ أَوْ
غَنِيٌّ) شك من الراوي.
(وَإِنَّمَا هِيَ) أي: الزكاة. (لِلْفُقَرَاءِ) أي: ولأمثالهم وغلبوا؛ لأنهم أكثر من
البقية .
وقال الشافعي: يعني، أي: رسول اللّه وَلّهِ، والله أعلم. أي: بمراد كلام
رسوله إن خيانة الصدقة تتلف المال المخلوط بالخيانة من الصدقة، انتهى.
كِتّابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزَّكاةُ
<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<<< > <<<<<<<<<<<<<
٢٤٩
١ - بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
الفصل الأول
(بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) قال مالك: لا تكون الصدقة إلا في ثلاثة أشياء،
الحرث والعين والماشية. قال ابن عبد البر: لا خلاف في جملة ذلك، ويختلف في
تفصيله. وقال في ((المسوي)): وعليه أهل العلم إن صدقة الأموال على ثلاثة
أقسام، وزكاة التجارة إنما تؤخذ بحساب القيمة، وأما الصدقة الفطر فهي صدقة
الرؤوس. وقال الإمام ابن القيم في ((الهدي)) (ج١ ص١٥١): جعل رسول اللّه وَّلة.
الزكاة في أربعة أصناف من المال، وهي أكثر الأموال دورًا بين الخلق وحاجتهم
إليها ضرورية، أحدها: الزرع والثمار. الثانية: بهيمة الأنعام، الإبل والبقر
والغنم، الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم، وهما الذهب والفضة.
الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها، وقال ابنُ رشدٍ في ((البداية)) (ج١
ص٢٢٧): وأما ما تجبُ فيه الزكاة من الأموال، فإنهم اتفقوا منها على أشياء
واختلفوا في أشياء، أما ما اتفقوا عليه فصنفان من المعدن الذهب والفضة اللتين
ليستا بحلي. وثلاثة أصناف من الحيوان، الإبل والبقر والغنم، وصنفان من
الحبوب، الحنطة والشعير، وصنفان من الثمر التمر والزبيب وفي الزيت خلاف
شاذ، انتهى.
ثم فصل ابن رشد الأشياء التي اختلفوا في وجوب الزكاة فيها كالحلي من
الذهب والفضة والخيل من الحيوان، وغير السائمة من الإبل والبقر والغنم، وغير
الأصناف الأربعة المذكورة من النبات.
٢٥٠
*****=====******* *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٠٩ - [١] وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ:
(لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ
مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيَمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشِّرْجُ
١٨٠٩ - قوله: (لَيْسَ فِیمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) جمع وسق بفتح الواو، ويجوز
کسرها كما حكاه صاحب ((المحكم)) وجمعه حينئذٍ أوساق كحمل وأحمال، وقد
وقع كذلك في رواية لمسلم، وهو ستون صاعًا بالاتفاق، ووقع في رواية ابن ماجه
نحو هذا الحديث، وفيه: ((وَالوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا))، وأخرجها أحمد وأبو عبيد وأبو
داود أيضًا، لكن قال: ((سِتُّونَ مَخْتُومًا))، قال أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٥١٨):
والمختومُ هاهنا الصاع بعينه، وإنما سمي مختومًا؛ لأن الأمراء جعلت على أعلاه
خاتمًا مطبوعًا؛ لئلا يزاد فيه ولا ينتقص منه، انتهى.
والصاع: أربعة أمداد والمدُّ رِطل وثُلُثُ رِطل، فالصاع خمسة أرطال وثلث رطل
وذلك بالرطل الذي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا بالدراهم التي كل
عشرة منها وزن سبعة مثاقيل. (مِنَ التَّمْرِ) وفي رواية لمسلمٍ: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ
أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرِ وَلَا حَبِّ صَدَقَةٌ))، وفي رواية له: ((لَيْسَ فِيَّ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى
يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوَسُقٍ))، وفي رواية له أيضًا: ((مِنْ ثَمْرٍ)) بالثاء ذات النقَط الثلاث:
(صَدَقَةٌ) أي: زكاة والمراد بها العُشْر، أو نصف العشر. قال الحافظ: لفظ (دُونَ))
في مواضع الثلاثة من الحديث بمعنى أقل، لا أنه نفي عن غير الخمس الصدقة كما
زعم بعض من لا يعتد بقوله، والمعنى: إذا خرج من الأرض أقل من ذلك في
المكيل فلا زكاة عليه فيه وبه أخذ الجمهور، وخالفهم أبو حنيفة.
(١٨٠٩) الْبُخَارِي (١٤٥٩)، ومُسْلِم (٩٧٩/١)، وأَبُو دَاوُد (١٥٥٨)، والترمذي (٦٢٦)، والنَّسَائِي
(١٧/٥)، وابنُ ماجه (١٧٩٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي الزَّكَاةِ.
٢٥١
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
قلتُ: هذا الحديث صريح في أن النصاب شرط لوجوب العشر أو نصف
العشر، فلا تجب الزكاة في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق، وهذا
مذهب أكثر أهل العلم. وبه قال صاحبا أبي حنيفة محمد وأبو يوسف رحمهم الله
تعالى، وهو الحق والصواب.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط النصاب لوجوب الزكاة في ما يخرج من
الأرض، فيجب عنده العشر أو نصف العشر في كثير الخارج وقليله، وهو قول
إبراهيم النخعي ومجاهد وعمر بن عبد العزيز. أخرج عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن
معمر، عن سماك بن الفضل، عن عمر بن عبد العزيز، قال: فيما أنبتت الأرض من
قليل أو كثير العشر، وأخرج نحوه عن مجاهد، وإبراهيم النخعي. وأخرج ابن أبي
شيبة أيضًا عن هؤلاء نحوه.
واستدل لهم بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ
أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ اُلْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] وبقوله وََّ ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ
عَثْرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ))، أخرجه البخاري من حديث ابن عمر
وسيأتي. قالوا: إن الآية والحَديث عام، فإن كلمة ((مَا)) من ألفاظ العموم فتشمل ما
يكون قدر خمسة أوسق أو أقل أو أكثر. وتعقب: بأن الآية مبهمة، وكذا حديث ابن
عمر مبهم، وحديث أبي سعيد مفسر، والزيادة من الثقة مقبولة. فيجب حمل
المبهم على المفسر والمبين، يعنى: أن الآية وحديث ابن عمر عام يشمل النصاب
ودونه - وحديث أبي سعيد خاص بقدر النصاب فيقضي الخاص على العام أي:
يبني العام على الخاص.
وأجاب بعض الحنفية عن هذا التعقب: بأن محل ذلك إذا كان البيان وفق المبين
لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، أما إذا بقي شيء من أفراد العام فإنه يتمسَّك به كحديث
أبي سعيد هذا، فإنه دلَّ على النصاب فيما يقبل التوسيق وسكت عما لا يقبله،
فيتمسك بعموم قوله {وَالَ: ((فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ)).
وأجاب القائلون بالنصاب عن هذا الجواب: بما روي مرفوعًا: ((لَا زَكَاةَ فِي
الْخَضْرَوَاتِ)) رواه الدار قطني من طريق علي وطلحة ومعاذ مرفوعًا. قال الترمذي:
لا يصحُّ فيه شيء إلا مرسل موسى بن طلحة عن النبي وَّ، وهو دال على أن الزكاة
٢٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إنما هي فيما يكال مما يدخر للاقتيات في حال الاختيار، وهذا قول مالك
والشافعي. وعن أحمد يخرج من جميع ذلك ولو كان لا يقتات، وهو قول محمد
وأبي يوسف.
وأجاب الحنفية عن التعقُّب المذكور بوجوه غير ما تقدم. منها: أن حديث
الأوساق من أخبار الآحاد فلا يقبل في معارضة الكتاب والخبر المشهور، وفيه: أنه
ليس فيه شائبة المعارضة، بل هو بيان المقدار ما يجب فيه العشر، والبيان بخبر
الواحد جائز كبيان المجمل والمتشابه، قال الأمير اليماني: حديث الأوساق
حديث صحيح، ورد لبيان القدر الذي تجب فيه الزكاة كما ورد حديث مائتي
الدرهم لبيان ذلك مع ورود: ((فِي الرِّقَّةِ رُبُعُ العُشْرِ))، ولم يقل أحد أنه يجب في
قليل الفضة وكثيرها الزكاة، وذلك؛ لأنه لم يرد حديث: ((فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ)) إلا
لبيان أن هذا الجنس تجب فيه الزكاة، وأما قدر ما يجب فيه فموكول إلى حديث
التبيين له بمائتي درهم، فكذا هنا قوله: فيما سقت السماء العشر، أي: في هذا
الجنس يجب العشر، وأما بيان ما يجب فيه فموكول إلى حديث الأوساق، وكأنه
ما ورد إلا لدفع ما يتوهم من عموم: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ)) كما ورد ذلك في
قوله: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ)).
ثم إذا تعارض العام والخاص كان العمل بالخاص عند جهل التاريخ كما هنا،
فإنه أظهرُ الأقوال في الأصول، وقال الإمام ابن القيم في ((الإعلام)) (ج١
ص٢٨٣): لا تعارض بين الحديثين بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: ((فِيمَا سَقَتِ
السَّمَاءُ الْعُشْرُ))، إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وبين ما يجب فيه نصفه،
فذكر النوعين مفرقًا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في
هذا الحديث وبينه نصًّا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النص
الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما دلّ عليه البتة إلى المجمل
المتشابه الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يقصد، وبيانه بالخاص المحكم المبين
كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص، انتهى.
قلتُ: ذهب جمهور الأصوليين وعامتهم إلى جواز تخصيص عموم القرآن بخبر
الواحد الصحيح وهو الحق، واحتج لذلك في ((المحصول)) بأن العموم وخبر
كِتّابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٢٥٣
1381* *******<< > <********<<<<<<<< > <<***<<< > <<<<<<<< > <<<<<<<<<<<<<<<< <<<<< > << > <<<<***
الواحد دليلان متعارضان وخبر الواحد أخص من العموم، فوجب تقديمه على
العموم .
قال الشوكاني: وأيضًا يدلّ على جواز التخصيص دلالة بينه واضحة ما وقع من
أوامر الله رَك باتباع نبيه وَل من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبًا،
وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص متحتمًا،
ودلالة العام على إفراده ظنية لا قطعية فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة
الآحادیة، انتهى .
ثم قال ابنُ القيم: ويا للَّه العجب: كيف يخصون عموم القرآن والسنة بالقياس
الذي أحسن أحواله أن يكون مختلفًا في الاحتجاج به، وهو محل اشتباه
واضطراب؟! إذ ما من قياس إلا وتمكن معارضته بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه،
بخلاف السنة الصحيحة الصريحة؛ فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخر
والمخالفة، ثم يقال: إذا خصصتم عموم قوله: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ))
بالقصب والحشيش، ولا ذكر لهما في النص فَهَلَّاً خصصتموه بقوله: ((لَا زَكَاة فِي
حَبِّ وَلَا ثَمَرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ)) وإذا كنتم تخصون العموم بالقياس، فَهَلَّا
خصصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلى القياس وأصحه على سائر
أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة، فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها الله ورسوله في
مال إلا وجعل له نصابًا كالمواشي والذهب والفضة، ويقال أيضًا: هلا أوجبتم
الزكاة في قليل كل مال وكثيره؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً﴾ [التوبة:
١٠٣] وبقوله وَّ: ((مَا مِنْ صَاحِبٍ إِيلِ وَلَا بَقَرِ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّ بُطِحَ لَهَ بِقَاعٍ قَرْقَرِ))
وبقوله: ((مَا مِنْ صَاحِبٍ ذَهَبٍ وَلَاَ فِّضَّةٍ لَا يُؤدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا صُفِّحَتْ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَّةِ
صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ)) وهلَّا كان هذاً العموم عندكم مقدمًا على أحاديث النصب الخاصة؟
وهلا قلتم هناك تعارض مسقط وموجب، فقدمنا الموجب احتياطًا وهذا في غاية
الوضوح؟ انتهى.
وقد اتضح بهذا كله كل الاتضاح أنه يعجب تخصيص عموم قوله تعالى:
﴿وَمِنَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وحديث ابن عمر بحديث الأوساق كما
خصص قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً﴾ بالأخبار التي دلَّت على كون الزكاة
منحصرة في أشياء مخصوصة، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ
٢٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وَلَا يُنفِقُونَهَا فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] بأحاديث النصب الخاصة، وقوله وَلّ: ((فِي
سَائِمَةِ الْإِبِلِ الزَّكَاةُ)) بقوله: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ))، وَقَوْلُهُ: ((فِي الرِّقَّةِ
رُبْعُ الْعُشْرِ)) بقوله: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)). على أن حديث الأوساق
حديث مشهور، روي عن غير واحد من الصحابة منهم أبو سعيد عند الجماعة،
ومنهم أبو هريرة عند أحمد والدار قطني والطحاوي، ومنهم ابن عمر عند أحمد
والدار قطني ويحيى بن آدم (ص١٣٦) والبيهقي، ومنهم جابر عند أحمد ومسلم
والبيهقي والطحاوي والحاكم وابن ماجه، ومنهم عائشة عند الطبراني في
((الأوسط))، ومنهم أبو رافع عند الطبراني في ((الكبير))، ومنهم عمرو بن حزم عند
الحاكم والطحاوي والطبراني والبيهقي، ومنهم أبو أمامة بن سهل بن حنيف عند
البيهقي، ومنهم عبد الله بن عمر، وعند يحيى بن آدم (ص١٣٧) والدار قطني
(ص١٩٩) وبه قال الصحابة منهم: عمر وأبو سعيد وابن عمر وجابر وأبو أمامة بن
سهيل بن حنيف، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فهو إجماع منهم، وقد جرى
به التعامل وتلقاه الأمة بالقبول.
قال أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٤٠٨): حدثنا يزيد عن حبيب بن أبي حبيب، عن
عمرو بن هرم، عن محمد بن عبد الرحمن أن في كتاب رسول اللَّه ◌َلّ، وفي كتاب
عمر في الصدقة: ((أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةً أَوْسُقٍ)). وروى الطحاوي
والحاكم والبيهقي والطبراني، عن عمرو بن حزم، عن النبي ◌ّ أنه كتب إلى أهل
اليمن بكتاب، فذكر فيه: ((مَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ كَانَ سَيْحًا أَوْ كَانَ بَعْلًا، فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا
بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَمَا سُقِيَ بِالرَّشَادِ والدَّالِيَةِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةً
ءَه
أُوْسُقٍ)).
ومنها: أن حديث الأوساق منسوخ، قال الزيلعي (ج٢ ص ٣٨٥): ومن
الأصحاب من جعله - أي: حديث الأوساق - منسوخًا ولهم في تقريره قاعدة
ذكرها السغناقي نقلا عن ((الفوائد الظهيرية))، قال: إذا ورد حديثان متعارضان
أحدهما عام والآخر خاص، فإن علم تقديم العام على الخاص خصَّ العام به، وإن
علم تأخير العام كان العام ناسخًا للخاص. قال محمد بن شجاع الثلجي: هذا إذا
علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخرًا لما فيه من الاحتياط، وهنا لم
يعلم التاريخ فيجعل العام آخرًا لما فيه من الاحتياط، انتهى.
٢٥٥
كِتّابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجبْ فِيهِ الزَّكاةُ
وذكر العيني وابن الهمام نحو هذا، وفيه: أن الحقَّ في صورة تأخر العام عن
الخاص هو بناء العام على الخاص، أي: تقديم الخاص وتخصيص العام به؛ لأن
ما تناوله الخاص متيقن، وما تناوله العام ظاهر مظنون والمتيقن أولى، وكذا في
صورة جهل التاريخ الحق هو البناء. قال ابن قدامة في (روضة الناظر)) (ج١
ص١٦١): الدليل الرابع من أدلة التخصيص التسع النص الخاص يخصص اللفظ
العام، فقول النبي ◌ِّل: ((لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُع دِينَارٍ)) خصص عموم قوله: ﴿وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقولهَ تِالَُّ: ((لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقِ))
خصص عموم قوله: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ)) ولا فرق بين أن يكون العام كتابًا أَو
سنة أو متقدمًا أو متأخرًا، انتهى.
أي: فإن الخاص يخصص العام ويقدم عليه لقوة دلالة الخاص على مدلوله
فإنها قاطعة، ودلالة العام على أفراده ظاهرة، والقاطع مقدم على الظاهر، مثاله لو
قال: کلما سرق السارق فاقطعوه، وهو معنى الآية، فدلالته على من سرق دون ربع
دينار ظاهرة، ودلالة قوله ◌َّر: ((لَا قَطْعَ إِلَّ فِي رُبُعِ دِينَارٍ)) على عدم القطع فيما دونه
قاطعة فيقدم.
وقال الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) (ص١٤٤): الحق الذي لا ينبغي العدول
عنه في صورة الجهل البناء وليس عنه مانع يصلح للتشبث به، والجمع بين الأدلة ما
أمكن هو الواجب، ولا يمكن الجمع مع الجهل إلا بالبناء، قال: وقد تقرر أن
الخاص أقوى دلالة من العام والأقوى أرجح، وأيضًا إجراء العام على عمومه
إهمال للخاص وإعمال الخاص لا يوجب إهمال العام، وأيضًا قد نقل أبو الحسين
الإجماع على البناء مع جهل التاريخ. والحاصل: أن البناء هو الراجح على جميع
التقادير ... إلى آخر ما قال: ومنها: ما قال صاحب ((الهداية)): إن حديث أبي
سعيد وما في معناه ورد في زكاة التجارة دون العشر، وذلك لأنهم كانوا يتبايعون
بالأوساق، وقيمة الوسق يومئذ كانت أربعين درهمًا، فيكون قيمة خمسة أوسق
مائتى درهم وهو نصاب زكاة الفضة. وحاصله: أن الجمهورَ نقلوا حديث زكاة
التجارة إلى بابٍ آخر، فوقع التعارض مع أن الحديث العام أي: حديث ابن عمر
وما في معناه كان في العشر، وحديث الأوساق في زكاة مال التجارة، فلا تعارض
أصلاً.
٢٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن)): قد روي، (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقِ
زَكَاةٌ))، فجائز أن يريد به زكاة التجارة بأن يكون سأل سائل عن أقل من خمسة أوسق
طعام أو تمر للتجارة، فأخبر أن لا زكاة فيه، فنقل الراوي كلام النبي ◌َّيّ وترك ذكر
السبب. وفيه ما قال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي بعد ذكر هذا الجواب: ولكن
الإنصاف خلاف ذلك، فإن تفاوت أسعار الثمار والشعير والحنطة غير قليل، فكيف
يعلم ماذا أراد النبي ◌ُّ﴾ بذلك حتى يعلم حكمه؟ كذا في ((الكوكب الدري)) (ج١
ص٢٣٦).
قلتُ: ويرد هذا التأويل أيضًا حديث عمرو بن حزم الذي ذكرنا لفظه، وسيأتي
أيضًا.
ومنها: ما قال الجصاص: قد ذكرنا أن للَّهِ حقوقًا واجبة في المال غير الزكاة ثم
نسخت بالزكاة، كما روي عن أبي جعفر محمد بن علي والضحاك قالا : نسخت
الزكاة كل صدقة في القرآن، فجائز أن يكون هذا التقدير معتبرًا في الحقوق التي
كانت واجبة فنسخت، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَاَلْيَلَى﴾
الآية [النساء: ٨] ونحو ما روي عن مجاهد: إذا حصدت طرحت للمساكين ... إلخ.
وهذه الحقوق غير واجبة اليوم، فجائز أن يكون ما روي من تقدير الخمسة الأوسق
كان معتبرًا في تلك الحقوق، وإذا احتمل ذلك لم يجز تخصيص الآية والأثر
المتفق علیه علی نقله به، انتهى.
وقال العيني (ج٩ ص ٧٥) نفى النبيُّ رَّةِ الصدقة ولم ينف العشر، وقد كان في
المال صدقات نسختها آية الزكاة، والعشر ليس بصدقة مطلقة، إذ فيه معنى
المؤنة، وفيه: أن النسخ لا يثبت بالاحتمال والتجويز والإدعاء.
وفيه أيضًا: ما قال الشيخ محمد أنور بعد ذكر الوجوه الثلاثة الأخيرة: ويرد على
هذه الأجوبة كلها ما عند الطحاوي (ج١ ص ٣١٥): ((مَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ كَانَ سَيْحًا
أَوْ بَعْلًا، فَفِيهِ الْعُشْرُ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ... )) الحديث، وإسناده قوي، فإنه يدل على
أن الحديث - أي: حديث أبي سعيد وما في معناه - في العشر لا في الصدقات
المتفرقة، كما ذهب إليه العيني والجصاص، ولا من باب التجارة كما اختاره
صاحب ((الهداية))، كذا في ((فيض الباري)) (ج٣ ص٤٦).
٢٥٧
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الزّكاةُ
قلت: رواية الطحاوي هذه أخرجها الحاكم (ج١ ص ٣٩٥) والطبراني والبيهقي
(ج ٤ ص٨٩، ١٨٠) أيضًا كلهم من حديث عمرو بن حزم مطولًا، وقد ذكرنا طرفًا
منه. قال البيهقي: حديث مجود الإسناد ورآه أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي
وعثمان بن سعيد الدارمي وجماعة من الحفاظ موصول الإسناد حسنًا، وروى
البيهقي عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرجو أن یکون صحیحًا، انتهى.
وبسط الحافظ الكلام في إسناد هذا الحديث في ترجمة سليمان بن داود
الخولاني الدمشقي من ((تهذيبه)) من أحب الوقوف عليه رجع إليه، وسيأتي أيضًا
شيء من الكلام فيه في بیان نصاب الذهب، وقد جمع كما ترى حديث عمرو بن
حزم معنى حديث ابن عمر وحديث أبي سعيد، فدلَّ على أنه لا تعارض بينهما،
خلافًا لما زعمت الحنفية وبطل به ما ذهبوا إليه من تقديم حديث ابن عمر، وجعله
متأخرًا احتياطًا؛ ولبطلان هذه الأجوبة وجوه أخرى لا تخفى على المصنف.
ومنها: ما قال صاحب ((العرف الشذي)): إن حديث الأوساق محمول على
العرية، والعرية تكون فيما دون خمسة أوسق، فلما أعطى رجل ما خرج من أرضه
بطريق العرية فلا زكاة عليه فيما أعرى؛ لأنه مثل من وهب بجميع ماله أو بعضه أنه
لا زكاة عليه فيما وهب فصحَّ أنه لا عشر فيما دون خمسة أوسق؛ لأنها عرية، قال:
وعلى أن المذكور في الحديث حكم العرية قرائن. منها: إن في ((الصحيحين)) أن
العرية إنما تكون إلى خمسة أوسق، فالمتبادر أن في حديث أبي سعيد أيضًا حكم
العرية، والمراد أن ما دون خمسة أوسق يؤدونه ديانة فيما بينهم وبين الله؛ ولا
يجب رفعه إلى بيت المال، فإنه يؤدي إلى المعرَّى له، ثم لما أداه بجميعه فتأدى
زكاته أيضًا، فمراد الحديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، أي: لا يجب رفعه
إلى بيت المال، وحاصله أن النفي في حديث أبي سعيد ليس لثبوت النصاب في
الثمار والزرع، وأن ما دون خمسة أوسق يبقى في بيته لا تجب فيه فريضة الله، أي :
للعشر، بل لأنه يتصدق فيها بنفسه فلا تؤخذ منه صدقة ترفع إلى بيت المال، فالنفي
باعتبار رفعها إلى بيت المال لا لعدم وجوبها، وأما حديث ابن عمر، فبيان للواجب
في نفس الأمر سواء رفع إلى بيت المال أو أمر بادائه بنفسه فلا تعارض أصلاً. قال:
ومنها رواية الطحاوي (ص٣١٥) عن مكحول بإسناد جيد مرسلًا: ((خَفِّقُوا فِي
٢٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصَّدَقَاتِ؛ فَإِنَّ فِي المَالِ العَرِيَّةَ وَالوَصِيَّةَ)). وفي ((السنن الكبرى)) للبيهقي أن أبا
بكر وعمر كانا يأمران سعاتهما أن لا يخرصوا في العرايا.
قلت: حاصل هذا الجواب أن حديث: ((لَيْسَ فِیمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقِ صَدَقَةٌ))،
محمول على العشر لكنه مصروف إلى العرايا؛ فإن النبي وَّل قد رخص في العرايا
في هذا القدر، فلم يوجب فيها صدقة؛ لأن العرية نفسها صدقة، وإنما فائدة الخبر
أن ما تصدق به صاحبُ العشر يُحتسب له، ولا تجب فيها صدقة ترفع إلى بيت
المال ولا يضمنها، كما قاله الجصاص في شرح ما روي عن أبي سعيد مرفوعًا، أنه
قال: (لَيْسَ فِي الْعَرَايَا صَدَقَةٌ)). وهذا تأويل أيضًا باطل مردود؛ لأنه وَّ نفى
الصدقة فيما دون الخمسة أوسق مطلقًا كما أنه نفاها فيما دون خمس أواق من
الرقة، وفيما دون خمس ذود من الإبل، وهذا يدل دلالة بينة على أنه لا تجب
الزكاة رأسًا في الخارج من الأرض إذا كان دون هذا المقدار، كما لا تجب أصلًا
في الرِّقة إذا كانت دون خمس أواق، وفي الإبل إذا كانت دون خمس، وحمل
النفي في الخارج من الأرض خاصة على عدم أخذ لساعي ونفي رفعه إلى بيت
المال مما لا دليل عليه، ولأن الظاهر أن المقصود من ذكر الفصول الثلاثة على
نسق بيان نصب المعشرات والرقة من العين والإبل من الماشية، فالفرق بينها
بحمل الاثنين منها على بيان نصاب الصدقة، والأول على معنى آخر مع كون
الثلاثة على نسق واحد وشاكلة - واحدة غير صحيح؛ ولأنه وقع في هذا الحديث
عند البيهقي (ج ٤: ص١٢٥) من طريق مرسلة بعد ذكر الأواق، والأوساق،
والاذواد من زيادة قوله: ((وَلَيْسَ فِي الْعَرَايَا صَدَقَةٌ)) وروى الدار قطني من حديث
علي مرفوعًا بسند فيه ضعف : ((لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْعَرَابَا صَدَقَةٌ،
وَلَا فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ ... )) الحديث وسيأتي في
الفصل الثالث، وكأنه أشار إليه أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٤٨٩) بقوله: لأن سنته
أن لا صدقة في أقل من خمسةٍ أَوْسُق، وأن لا صدقة في العرايا، وذكر نفي الصدقة
في العرايا وفيما دون خمسة أوسق معًا يبعد حمل حديث الأوساق على العرايا.
ويدل على أن المقصود من قوله: (وَلَا فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ ... )) في حديث
الأوساق بيان نصاب صدقة المعشرات، ومن نفي الصدقة في العرايا عدم وجوب
الزكاة فيها رأسًا؛ لأنها تكون دون النصاب وهو الذي فهمه جميع أهل العلم، وأما
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزَّکاةُ
٢٥٩
رواية مكحول فرواها أبو عبيد في الأموال (ص ٤٨٧) بلفظ: كان رسول اللّه ◌ِلّه
إذا بعث الخراص. قال: ((خَفِّقُوا، فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِبَّةِ وَالْوَطِيَّةِ))، ورواها ابنُ أبي
شيبة بلفظ: ((خَفِّفْ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ الْمَالَ الْعَارِيَةَ وَالْوَصِيَّةِ)) وروى البيهقي
(ج٤: ص١٢٤) وأبو عبيد أيضًا عن الأوزاعي. قال: بلغنا أنَّ عمر بن الخطاب
قال: خففوا على الناس في الخرص؛ فإن في المال العربية والواطئة والأكلة،
انتھی .
وليس في هذه الروايات أدنى دلالة على كون حديث الأوساق محمولًا على
حديث العرية، وغاية ما فيها أنها تدل على التخفيف في الخرص على رب النخل
في قدر ما يأكله هو وأهله وزواره والمارة والسابلة رطبًا، وفيما يعري أهل الحاجة
منها؛ ولذا عفى وأسقط الصدقة أي: العشر عن ذلك رأسًا لا أنه أوجبها فيها،
ورخص في عدم رفعها إلى بيت المال بل فوض صرفها في مصارفها إلى رب
الحائط، واحتسب ذلك له أي: أسقطه من الحساب؛ ولأنه یأباه كما قال صاحب
((فتح الملهم)): ما وقع في رواية لمسلمٍ في حديث أبي سعيد: ((لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا
تَمْرِ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةً أَوْسُقٍ)) وما فَي بعض روايات جابر: ((لَا صَدَقَةً فِي شَيْءٍ
مِنَّ الزَّرْعِ أَوِ الْكَرْمِ حَتَّى يَكُونَ خَّمْسَةَ أَوْسُقٍ))، ولأحمد من حديث أبي هريرة: ((وَلَا
يَحِلَّ فِيَ الْبُرِّ وَالتَّمْرِ زَكَاةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةً أَوْسُقٍ)) فإن العربية تعرف في التمر أو
الثمار لا في سائر الحبوب والزروع، فكيف يستقيم حمل الحديث المشتمل على
جميع المعشرات على العرايا؟
وقد روى البيهقي بإسناده عن الزهري، قال: سمعتُ أبا أمامة بن سهل بن حنيف
يحدِّثُ في مجلس سعيد بن المسيب: إن السُّنَةَ مضتْ أن لا تؤخذ صدقة من نخل
حتى يبلغ خرصها خمسة أوسق، وهذا ظاهر في أن المقصود بيان نصاب الصدقة
كما في قرينتيه من الذود والأواقي لا بيان ما أسقط من الحساب، هذا وقد اتضح
بما ذكرنا أن كل ما تأول به الحنفية حديث الأوساق باطل، وقد ظهر بذلك أيضًا
سخافة استدلالهم بحديث العموم.
ولذلك أورد صاحب ((العرف الشذي)) حديثًا آخر للاحتجاج لمذهب الحنفية،
وزعم أنه خاص صريح في مذهبهم حيث قال: إن الصحيح الاحتجاج بالرواية