Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تصح الإعارة أو الإجارة بشيء يسير، ولو لم ينعقد بينهما عقد الرهن صح الإعارة
أو الإجارة، لأنهما مما يتعلق به الرضاء عند الانفراد لأجل الصدقة مثلاً فقط،
انتھی .
(هَكَذَا) أي: نقله البغوي عنه. (فِي شَرْح السُّنَّةِ) وكلام الخطابي هذا ((معالم
السنن)) (ج٣ ص٨) هكذا وفي قوله: ((أَلَا جَّلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ أَبِيهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى
إِلَيْهِ أَمْ لَا؟))، دليل على أن كل أمر يتذرع به إلى محظور فهو محظور، ويدخل في
ذلك القرض يجر المنفعة والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلا كراء، والدابة
المرهونة يركبها ويرتفق بها من غير عوض، وفي معناه باع درهمًا ورغيفًا
بدرهمين؛ لأن معلومًا أنه إنما جعل الرغيف ذريعة إلى أن يربح فضل الدرهم
الزائد، وكذلك كل تلجئة وكل دخيل في العقود يجري مجرى ما ذكرناه على معنى
قوله: ((هَلَّا قَعَدَ فِي بَيْتِ أُمِِّ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟»، فينظر في الشيء وقرينه
إذا أفرد أحدهما عن الآخر، وفرق بين إقرانهما، هل يكون حكمه عند الانفراد
كحكمه عند الاقتران؟ والله أعلم.
قلتُ: وإليه ذهب الإمام مالك، وقد بسط ذلك في ((الموطأ)) وذكر لذلك نظائر
وأمثله في باب المُرَاطَلَة من كتاب البيوع، منها: أن الرجل يعطي صاحبه الذهب
الجيد ويجعل معه ((رديئًا))، ويأخذ منه ذهبًا متوسطًا مثلًا بمثل. فقال: هذا لا
يصلح؛ لأنه أخذ فضل جيده من الردي، ولولاه لم يبايعه، انتهى ملخصًا. وقد
ذكره ابن رشد في ((البداية)) (ج ٢ ص ١٦٤ - ١٦٥) مع بيان اختلاف العلماء في ذلك
فارجع إليه. ومنها: أن رجلًا أراد أن يبتاع ثلاثة آصع من تمر عجوة بصاعين ومدين
من تمر كبيس. فقيل له: هذا لا يصلح، فجعل صاعين من كبيس، وصاعًا من
حشف، يريد أن يجيز بذلك بيعه، فذلك لا يصلح؛ لأنه لم يكن صاحب العجوة
ليعطيه صاعًا من العجوة بصاع من حشف، ولكنه إنما أعطاه ذلك لفضل الكبيس.
ومنها: أن يقول الرجل للرجل: يعني ثلاثة آصع من البيضاء بصاعين ونصف من
حنطة شامية، فيقول: هذا لا يصلح إلا مثلًا بمثل، فيجعل صاعين من حنطة شامية
وصاعًا من شعير - الشعير والحنطة عند مالك صنف واحد - يريد أن يجيز بذلك
البيع، فهذا لا يصلح؛ لأنه لم يكن ليعطيه بصاع من شعير صاعًا من حنطة بيضاء لو
٢٠١
كِتَابُ الزّكاةِ
كان ذلك الصاع مفردًا، وإنما أعطاه إياه لفضل الشامية فهذا لا يصلح إلى آخر ما
قال، وعليك أن ترجع لشرح هذه الأمثلة إلى شروح ((الموطأ)) الزرقاني والباجي
وغيرهما وما قاله الخطابي في الكلية الأولى، فهو موافق لمذهب الحنفية ومذهب
الشافعي وغيره؛ لأن من القواعد المقررة، أن للوسائل حكم المقاصد، فوسيلة
الطاعة طاعة، ووسيلة المعصية معصية. وأما ما قاله من الكلية الثانية، فإنما يليقُ
بمذهب من منع الحيل للتوسل بها إلى الخروج من الربا أو غيره، كمالك وأحمد.
وأما أبو حنيفة والشافعي: فهما يريان إباحة الحيل فلا ينظران إلى هذا الدخيل،
واستدل لهما بما سيأتي في باب الربا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة: أن رسول
اللَّهِ وَّه استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول اللَّهُ وَّهِ: ((أَكُلُّ
تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟)) قال: لا والله يا رسول الله، إِنَّا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين
والصاعين بالثلاثة، فقال: (لَا تَفْعَلْ، بِع الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِم، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيًّا»،
انتهى. ونحوه حديث أبي سعيد في قصة بلال، وسيأتي أيضًا في ذلك الباب.
قال القاري: أفهم النبي ◌َّ أن كل عقد توسط في معاملة أخرجها عن المعاملة
المؤدية إلى الربا جائز، وقال أيضًا: هذا الحديث - يعني حديث أبي سعيد في
قصة بلال - کالذي قبله صريح في جواز الحيلة في الربا، الذي قال به أبو حنيفة
والشافعي. وبيانه: أنه يَّر أمره أن يبيع الردي بالدراهم، ثم يشتري بها الجيد من
غير أن يفصل في أمره بين كون الاشتراء من ذلك المشتري أو من غيره، بل ظاهر
السياق أنه بما في ذمته، وإلا لبينه له، انتهى.
وأجيب: عن هذا الاستدلال: بأن قوله وَّ: (بع الْجَمْعَ)) مطلق لا عام،
والمطلق لا يشمل، ولكن يشيع، فإذا عمل به في صورة سقط الاحتجاج به فيما
عداها، ولا يصحُّ الاستدلال به على جواز الشراء ممن باعه تلك السلعة بعينها، هذا
ملخص ما ذكره الإمام ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) في الجواب عن هذا
الاستدلال، وقد أطال فيه جدًّا وبسط الكلام أيضًا على سد الذرائع وإبطال الحيل،
فعليك أن ترجع إليه، وإلى ((إرشاد الفحول)) (ص١٧ - ١٨) للشوكاني.
و((الفروق)) للقرافي (ج٢ ص٣٩، ٤١).
٢٠٢
**
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال القرطبي: استدلَّ بهذا الحديث من لم يقل بسد الذرائع؛ لأن بعض صور
هذا البيع يؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلاً، ويكون الثمن لغوًّا، قال: ولا حجة
في هذا الحديث؛ لأنه لم ينص على جواز شراء التمر الثاني ممن باعه التمر الأول
ولا يتناوله ظاهر السياق بعمومه، بل بإطلاقه، والمطلق يحتمل التقييد إجمالًا،
فوجب الاستفسار، وإذا كان كذلك، فتقییده بأدنی دلیل کاف، وقد دل الدليل على
سد الذرائع، فلتكن هذه الصورة ممنوعة، انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في هذا في
باب الربا إن شاء الله تعالى.
١٧٩٥ - [٩] وَعَنْ عَدِّ بْنِ عَمِيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّل: ((مَن
اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلِ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)».
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
i O
الْشِّرْجُ
١٧٩٥ - قوله: (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ) بفتح المهملة وكسر الميم بعدها تحتية
ثم راء، هو عدي بن عميرة بن فروة بن زرارة بن الأرقم الكندي، صحابي معروف،
یکنی أبا زرارة، وفد على النبي ◌ُّ﴾ وروى عنه شيئا یسیرًا، وروى عنه أخوه العرس،
وله صحبة وغير واحد. قال أبو عروبة الحراني: كان عدي بن عميرة قد نزل الكوفة
ثم خرج عنها بعد قتل عثمان، فصار إلى الجزيرة فمات بها، وله عقب بحران. وقال
ابن سعد: لما قدم عليٌّ الكوفةَ جعل بعض أصحابه يتناول عثمان، فقال بنو الأرقم:
لا نقيم ببلد يُشْتَم فيها عثمان، فتحوَّلُوا إلى الشام، فأنزلهم معاوية الجزيرة، وقيل:
أسكنهم الرها وأقطعهم بها، ومات بها عدي بن عميرة في خلافة معاوية.
(مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ) أي: جعلناه عاملًا. (مِنْكُمْ) أيها المؤمنون؛ إذ الكافر لا يصحُّ
توليته. قال المناوي: فخرجَ الكافر، فلا يجوزُ استعماله على شيء من أموال بيت
المال. (فَكَتَمْنَا) بفتح الميم أي: أخفى عنا. (مِخْيَطًا) بكسر الميم وسكون
(١٧٩٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ : البُخَارِي فِي الزَّكَاةِ وَالهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا، ومُسْلِمٍ فِي المَغَازِي.
كِتَابُ الزّكاةِ
*****<<<<<<<<
٢٠٣
المعجمة، وفتح أي: إبرة. (فَمَا فَوْقَهُ) أي: فشيئًا يكون فوق المخيط في الصغر أو
الكبر .
قال الطيبي: الفاء في قوله: ((فَمَا فَوْقَهُ)) للتعقيب على التوالي وما فوقه يحتمل أن
يكون المراد به الأعلى أو الأدنى، كما في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا﴾ البقرة: ٢٦]
(كَانَ) أي: ذلك الكتمان. (غُلُولًا) بضم المعجمة أي: خيانة في الغنيمة .
قال النووي: أصل الغلول: الخيانة مطلقًا، ثم غلب اختصاصه في الاستعمال
بالخيانة في الغنيمة. (بِهِ) أي: بما غل. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) تفضيحًا له وتعذيبًا.
والحديث مسوق لحث العمال على الأمانة وتحذيرهم عن الخيانة ولو في تافه وقد
أجمع المسلمون على تحريم الغلول، وأنه من الكبائر، وأن عليه ردَّ ما غَلَّه، وذكر
هذا الحديث في باب الزكاة؛ استطرادًا لمناسبته للحديث السابق في ذكر العمل
والخيانة .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في المغازي وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص١٩٢) وأبو داود في
القضايا .
٢٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٧٩٦ - [١٠] عَنِ ابْن عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ
الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ
فَانْطَلَقَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهَ، إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهُ
لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ -
وَذَكَرَ كَلِمَةً -؛ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ)) قَالَ: فَكَبَّرَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((أَلَا أُخْبِرَُ
بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ؛ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا
أَطَاعَّتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ)) .
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الْشَّرْحُ
١٧٩٦ - قوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) أي: يجمعونها، يقال:
كنزت المال كنزًا من باب ضرب جمعته وادخرته، وكنزت التمر في وعائه كنزًا
أيضًا، فأصل الكنز في اللغة الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة.
قال ابن جرير: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على
ظهرها، انتهى. ومنه: ناقة كناز مكتنزة اللحم. وقيل: الكنز المال المدفون
معروف تسمية بالمصدر والجمع كنوز واكتنز الشيء اجتمع وامتلأ ومال مكنوز
أي: مجموع. (كَبُرَ) بضم الباء أي: شق وأشكل. (ذَلِكَ) أي: نزول الآية، أو
ظاهر الآية من العموم. (عَلَى الْمُسْلِمِينَ) لأنهم حسبوا أنه يمنع جمع المال مطلقًا،
وأن كل من تأثل مالًا جل أو قل فالوعيد لاحق به. (أَنَا أَفَرِّجُ عَنْكُمْ) بتشديد الراء
أي: أزيل هذه الشدة عنكم وآتى بالفرج لكم فإنه ليس عليكم في الدين من حرج.
(فَانْطَلَقَ) أي: فذهب عمر إلى رسول اللَّه وَلّ. (فَقَالَ) وفي بعض نسخ أبي داود:
((فانطلقوا فقالوا)). (يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهُ) أي: الشأن. (كَبُرَ) أي: عظم وصعب. (عَلَى
أَصْحَابِكَ هَذِهِ الآيَة) أي: حكمها والعمل بها لما فيها من عموم منع الجمع. (فَقَالَ)
(١٧٩٦) أَبُو دَاوُد (١٦٦٤) عَنْهُ فِي الزَّكَاةِ.
٢٠٥
كِتَابُ الرَّڪاةِ
رسول اللّه ◌ِثَةِ. (إِلَّا لِيُطَيِّبَ) من التفعيل أي: ليحل اللَّه بأداء الزكاة لكم. (مَا بَقِيَ
مِنْ أَمْوَالِكُمْ) قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
ومعنى التطبيب: أن أداء الزكاة إما أن يحل ما بقي من ماله المخلوط بحق
الفقراء، وإما أن يزكيه من تبعه ما لحق به من إثم منع حق الله تعالى، وحاصل
الجواب: أن المراد بالكنز منع الزكاة لا الجمع مطلقًا، ولعلَّ في الآية في قوله
تعالى: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] إشارة إليه بأن المراد بالإنفاق إعطاء
الزكاة، لا إنفاق المال كله. قال الحافظ: المراد بسبيل اللّه في الآية المعنى الأعم
لا خصوص أحد السهام الثمانية التي هي مصارف الزكاة، وإلا لاختص بالصرف
إليه بمقتضى هذه الآية.
(وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ) عطف على قوله: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ)) قال
الطيبي: كأنه قيل: إن اللَّه لم يفرض الزكاة، إلا لكذا ولم يفرض المواريث إلا
ليكون طيبًا لمن يكون بعدكم، والمعنى: لو كان الجمع محظورًا مطلقًا لما
افترض اللَّه الزكاة ولا الميراث. (وَذَكَرَ كَلِمَةً) من كلام الراوي أي: ابن عباس،
أي: وذكر ◌ّليّ كلمة أخرى بعد المواريث لم أحفظها، والجملة معترضة بين الفعل
وعلته وهو قوله: (لِتَكُونَ) أي: وإنما فرض المواريث لتكون الأموال بالميراث
طيبة. (لِمَنْ بَعْدَكُمْ) وفي النسخ التي بأيدينا من ((سنن أبي داود)): ((وَإِنَّمَا فَرَضَ
الْمُوَارِيثَ؛ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ)) أي: بدون قوله: ((وَذَكَرَ كَلِمَةً)) ورواه البيهقي
بلفظ: ((وإنما فرض المواريث في أموال تبقى بعدكم)). (فَقَالَ) أي: ابن عباس.
(فَكَبَّرَ عُمَرُ) أي: فرحًا على كشف المعضلة. (ثُمَّ قَالَ) أي: رسول اللَّه وَهِ. (لَهُ)
أي: لعمر.
(أَلَا أُخْبِرُكَ) يحتمل أن تكون ألا للتنبيه وأن تكون الهمزة الاستفهامية، ولا
نافية. (بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ) أي: بأفضل ما يقتنيه ويتخذه لعاقبته، ولما بين أن لا
وزر في جمع المال بعد أداء الزكاة ورأى فرحهم بذلك؛ رغبهم عن ذلك إلى ما هو
خير وأبقى وهو التقلل والاكتفاء بالبلغة. (الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) أي: الجميلة ظاهرًا
وباطنًا. قال الطيبي: المرأة مبتدأ والجملة الشرطية خبره، ويجوز أن يكون خبر
مبتدأ محذوف. والجملة الشرطية بيان. (إِذَا نَظَرَ) أي: الرجل. (سَرَّتْهُ) أي:
٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جعلته مسرورًا بجمال صورتها وحسن سيرتها وحصول حفظ الدين بها. (وَإِذَا
أَمَرَهَا) بأمر شرعي أو عرفي. (أَطَاعَتْهُ) وخدمته. (حَفِظَتْهُ) أي: حقوقه في نفسها
وماله وولده وبيته. قال القاضي: لما بيَّن لهم وَّ أنه لا حرج عليهم في جمع المال
وكنزه، ما داموا يؤدون الزكاة ورأى استبشارهم به، رغبهم عنه إلى ما هو خير
وأبقى، وهي المرأة الصالحة الجميلة، فإن الذهب لا ينفعك إلا بعد الذهاب
عنك، وهي ما دامت معك تكون رفيقك تنظر إليها فتسرك وتقضي عند الحاجة إليها
وطرك، وتشاورها فيما يعن لك؛ فتحفظ عليك سرك، وتستمد منها في حوائجك
فتطيع أمرك، وإذا غبت عنها تحامي مالك وتراعي عيالك، ولو لم يكن لها إلا أنها
تحفظ بذرك وتربي زرعك، فيحصل لك بسببها ولد يكون لك وزيرًا في حياتك
وخليفة بعد وفاتك لكان بها بذلك فضل كثير، انتهى.
واعلم: أنه ذهب أكثر العلماء إلى أن الكنز المذموم ما لم تؤد زكاته وإن لم
تدفن، فإن أديت فليس بكنز مذموم وإن دفن، ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من
أهل الزهد كأبي ذر.
قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذرٍّ آثار كثيرة تدلُّ على أنه كان يذهب إلى أن
كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية
الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على
مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا بِه حديث طلحة وغيره في قصةِ الأعرابي حيث
قال: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: ((لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ))، انتهى.
والظاهرُ: أن ذلك كان في أول الأمر كما سيأتي عن ابن عمر، وقد استدل له ابن
بطال بقوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾ [البقرة: ٢١٩] أي: ما فضل عن
الكفاية فكان ذلك واجبًا في أول الأمر ثم نسخ، والله أعلم. وفي ((المسند)) من
طريق يعلِي بن شداد بن أوس، عن أبيه قال: كان أبو ذرٍّ يسمع الحديث من
رسول اللَّه ◌َ ليل فيه الشدة، ثم يخرج إلى قومه، ثم يرخص فيه النبي ◌َّ فلا يسمع
الرخصة ويتعلَّق بالأمر الأول.
قال الحافظُ: والصحيح أن إنكار أبي ذرٍّ كان على السلاطين الذين يأخذون
المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه، وتعقبه النووي بالإبطال؛ لأن السلاطين
كِتَابُ الرَّكَاةِ
٢٠٧
حينئذٍ كانوا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وهؤلاء لم يخونوا، قلتُ: لقوله محمل وهو
أنه أراد من يفعل ذلك وإن لم يوجد حينئذٍ من يفعله، انتهى كلام الحافظ.
قلتُ: ويشهد لما ذهب إليه الجمهور ما رواه أحمد في الزهد والبخاري وابن
مردويه والبيهقي عن ابن عمر قال: ((إنما هذا كان قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت
الزكاة جعلها الله طهرة للأموال ... )) الحديث.
وفي الباب عن جابر أخرجه الحاكم بلفظ: ((إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ أَذَهَبْتَ
عَنْكَ شَرَّهُ)) ورجح أبو زرعة والبيهقي وقفه كما عند البزار، وعن أبي هريرة أخرجه
الترمذي بلفظ: ((إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ)) وقال: حسن غريب،
وصححه الحاكم وهو على شرط ابن حبان، وعن أم سلمة عند الحاكم وصححه
ابن القطان أيضًا، وأخرجه أبو داود.
وقال ابنُ عبد البر: في سنده مقال، وذكر العراقي في شرح الترمذي : أن سنده
جيد، وعن ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا بلفظ: ((ما أدى زكاته فليس
بكنز)) وارجع لمزيد الكلام في ذلك إلى ((طرح التثريب)) (ج٤ ص ٧ - ٨).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسَكَتَ عليهِ هو والمنذري، وأخرجه أيضًا الحاكم وصححه
وابن أبي حاتم وابن مردوية والبيهقي وأبو يعلى وغيرهم.
١٧٩٧ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ :
((سَيَأْتِيَكُمْ رُكَيْبٌ مُبَغَّضُونَ، فَإِذَا جَاءُوكُمْ فَرَحِبُوا بِهِمْ، وَخَلَّوا بَيْتَهُمْ وَبَيْنَ مَا
يَبْتَغُونَ، فَإِنْ عَدَلُوا فَلِأَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ ظَلَّمُوا فَعَلَيْهِمْ، وَأَرْضُوهُمْ؛ فَإِنَّ تَمَامَ
زَكَاتِكُمْ رِضَاهُمْ وَلْيَدْعُوا لَكُمْ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الْشَّرْجُ
١٧٩٧- قوله: (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيِك) بفتح العين وكسر التاء الفوقية.
(سَيَأْتِيكُمْ رُكَيْبٌ) تصغير ركب وهو اسم جمع للراكب، وقال الجزري والخطابي:
(١٧٩٧) أَبُو دَاوُد (١٥٨٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيك فِيهَا.
٢٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جمع راكب، كما قيل: صحب في صاحب، وتجر في تاجر، أراد بهم السعاة في
الصدقة، وفي بعض نسخ أبي داود ((سيأتيكم ركب))، وكذا عند البيهقي والبزار
أي: سعاة وعمال للزكاة. (مُبَغَّضُونَ) بفتح الغين المشددة، والمبغض الذي جعل
بغيضًا في قلوب الناس، والبغيض من كرهه الناس وهو ضد الحبيب، ويجوزُ
بسكون الباء من أبغض الرجل أحدًا إذا كرهه، أراد أنهم يبغضون طبعًا لا شرعًا؛
لأنهم يأخذون محبوب قلوبهم.
قال الخطابي: إنما جعلهم مبغضين لأن الغالب في نفوس أرباب الأموال التكره
للسعاة؛ لما جبلت عليه القلوب من حب المال وشدة حلاوته في الصدر، إلا من
عصمه الله ممن أخلص النية واحتسب فيها الأجر والمثوبة، انتهى. وقيل: معناه
أنه قد يكون بعض العمال سيئ الخلق متكبرًا يكرههم الناس لسوء خلقهم.
قال الطيبي: والأول أوجه لقوله ◌َله: (سَيَأْتِيكُمْ رُكَيْبٌ ... )) إلخ؛ لأن فيه إشعارًا
بأنهم عمال رسول اللَّه وَلّه وينصره شكوى القوم عنهم في الحديث الذي يليه، وهو
قولهم: أن ناسًا من المصدقين يأتونا فيظلمونا ولا ارتياب أنَّ رسولَ اللَّه وَ لا
يستعمل ظالمًا، فالمعنى: أنه سيأتي عمالي يطلبون منكم زكاة أموالكم، والنفس
مجبولة على حب المال، فتبغضونهم وتزعمون أنهم ظالمون، وليسوا بذلك.
وقوله: ((فَإِنْ عَدَلُوا، وَإِنْ ظَلَمُوا)) مبني على هذا الزعم، ولو كانوا ظالمين في
الحقيقة كيف يأمرهم بالدعاء لهم بقوله: ((وليدعوا لكم)).
(فَرَحِّبُوا بِهِمْ) أي: قولوا لهم مرحبًا وأهلًا وسهلًا، وأظهروا الفرح بقدومهم
وعظموهم. (وَخَلّوا) أي: اتركوا بينهم. (وبين ما يبتغون) أي: ما يطلبون من
الزكاة. قال ابنُ الملك: يعني كيفما يأخذوا الزكاة لا تمنعوهم وإن ظلموكم لأن
مخالفتهم مخالفة السلطان؛ لأنهم مأمورون من جهته ومخالفة السلطان تؤدي إلى
الفتنة وثورانها، انتهى. وهو كلام المظهر بناء على أنه عمم الحكم في جميع
الأزمنة .
قال الطيبي: وفيه بحث؛ لأن العلة لو كانت هي المخالفة لجاز الكتمان، لكنه
لم يجز لقوله في الحديث الآتي: ((أَفَتَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرٍ مَا يَعْتَدُونَ؟ قَالَ: ((لَا)).
(فَإِنْ عَدَلُوا) في أخذ الزكاة وتركوا الظلم. (فَلِأَنْفُسِهِمْ) أي: فلهم الثواب.
٢٠٩
كِتّابُ الزَّكَاةِ
(وَإِنْ ظَلَمُوا) بأخذ الزكاة أكثر مما وجب عليكم أو أفضل أي: على الفرض
والتقدير، أو على زعمكم. (فَعَلَيْهِمْ) كذا في جميع النسخ وهكذا في ((جامع
الأصول)) (ج ٥ ص٣٥٩) والترغيب. وفي ((المصابيح)): (فَعَلَيْهَا)) كما في ((سنن أبي
داود))، والبيهقي والبزار أي: فَعَلَى أَنْفُسِهِمْ إِثْمُ ذَلِكَ الظَّلْمِ، وَلُكُمْ الثَّوَابُ بَتَحَمُّلِ
ظُلْمِهِمْ. (وَأَرْضُوهُمْ) أي: اجتهدوا في إرضائهم ما أمكن بأن تعطوهم الواجب من
غير مطل ولا غش ولا خيانة. (فَإِنَّ تَمَامَ زَكَاتِكُمْ) أي: كمالها. (رِضَاهُمْ) أي:
حصول رضاهم. (وَلْيَدْعُوا) بسكون اللام وكسرها. (لَكُمْ) وهو أمر ندب لقابض
الزكاة ساعيًّا أو مستحقا أن يدعوا للمزكي.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٤ ص١١٤) وقد سكت عنه أبو داود.
وقال المنذري: في إسناده أبوالغصن، وهو ثابت بن قيس المدني الغفاري
مولاهم، وقيل: مولى عثمان بن عفان، قال الإمام أحمد: ثقة، وقال ابن معينٍ :
ضعيف. وقال مرة: ليس بذلك صالح، وقال مرة: ليس به بأس، وقال ابن حبان:
کان قلیل الحدیث کثیر الوهم فیما یرویه، ولا يحتجُّ بخبره إذا لم يتابعه عليه غيره.
قال المنذري: وفي الرواة خمسة كل منهم اسمه ثابت بن قيس لا يعرف من تكلم
فيه غيره انتھی .
قلت: وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: شيخ قليل الحديث. وقال
ابن أبي عدي: هو ممن يكتب حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: ليس حديثه
بذاك. وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يهم، والحديث ذكره الهيثمي في باب
رضا المصدق (ج ٣ ص ٧٩ - ٨٠) عن جابر من غير أن ينسبه بهذا اللفظ وعزاه إلى
البزار. وقال: ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف لا يضر.
٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٩٨ - [١٢] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ - يَعْنِي: مِنَ
الْأَعْرَابِ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُّونَا
فَيَظْلِمُونَا، فَقَالَ: ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ ظَلَمُونَا؟
قَالَ: ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ وَإِنْ ظُلِمْتُمْ))
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
G O
الْشَّرْحُ
١٧٩٨ - قوله: (جَاءَ نَاسٌ يَعْنِي: مِنَ الأَعْرَابِ) تفسير من الراوي عن جرير
قاله القاري. وفي رواية مسلمٍ: ((جاءَ ناس من الأعراب))، وفي رواية النسائي:
((أتى النبي وَّ ناس من الأعراب))، وفي رواية للبيهقي: أتى رسول اللّه وَله.
أعراب. فالظاهر أن التفسير المذكور في رواية أبي داود. ممن دون الراوي عن
جرير. (إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ) بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة أي: السعاة
العاملين على الصدقة. (يَأْتُونَا فَيَظْلِمُونَا) بتخفيف النون وتشديدها فيهما.
(أَرْضُوا) بقطع الهمزة. (وَإِنْ ظَلَمُونَا) أي: نرضيهم ولو كانوا ظالمين علينا. (وَإِنْ
ظُلِمْتُمْ) على بناءِ المجهول أي: وإن اعتقدتم أنكم مظلومون بسبب حبكم
أموالكم، ولم يرد أنهم وإن كانوا مظلومين حقيقة يجب إرضاؤهم. بل المراد: أنه
يستحب إرضاؤهم وإن كانوا مظلومين حقيقة؛ لقوله وَالر: ((فإن تمام زكاتكم
رضاهم)). قال الطيبي: لأن لفظة ((إِنْ)) الشرطية هنا تدل على الفرض، والتقدير: لا
على الحقيقة، ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل
عليكم عبد حبشي))، انتهى. وقال السندي: علم ◌َّ إن عامليهم لا يظلمون ولكن
أرباب الأموال لمحبتهم بالأموال يعدون الأخذ ظلمًا، فقال لهم ما قال. فليس فيه
تقرير للعاملين على الظلم ولا تقرير للناس على الصبر عليه، وعلى أعطاء الزيادة
على ما حده اللَّه تعالى في الزكاة. انتهى.
والحديث رواه مسلم لكن ليس عنده قوله: (وَإِنْ ظُلِمْتُمْ)). قال النووي: قوله
((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ)) معناه ببذل الواجب وملاطفتهم وترك مشاقتهم، وهذا محمول
(١٧٩٨) أَبُو دَاوُد (١٥٨٩)، والنَّسَائِي (٣١/٥) عَنْهُ.
٢١١
كِتَابُ الزَّڪاةِ
علی ظلم لا يفسق به الساعي، إذ لو فسق لا نعزل ولم يجب الدفع إليه بل لا يجزي،
والظلم قد يكون بغير معصية؛ فإنه مجاوزة الحد ويدخل في ذلك المكروهات،
انتھی .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) عن أبي كامل عن عبد الواحد بن زياد، وعن عثمان بن أبي شيبة
عن عبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن محمد بن إسماعيل، واللفظ المذكور لأبي
كامل إلا قوله: ((وَإِنْ ظُلِمْتُمْ)) فإنه زاده عثمان، وأخرجه مسلم عن أبي كامل عن
عبد الواحد. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الرحيم بن سليمان. وعن محمد
ابن بشار عن يحيى بن سعيد. وعن إسحاق عن أبي أسامة كلهم، عن محمد بن
إسماعيل بدون هذه الزيادة.
وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص ٣٦٢) عن يحيى، والنسائي عن محمد بن المثنى،
وابن بشار عن يحيى بدون الزيادة المذكورة، وكذا البيهقي من طريق أبي أسامة
(ج٤ ص١١٤) وأخرجه البيهقي أيضًا من أبي داود (ج٤ ص ١٣٧).
١٧٩٩ - [١٣] وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَّةِ قَالَ: قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ
يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا، أَفَتَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرٍ مَا يَعْتَدُونَ؟ قَالَ: ((لا)).
[ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
W O
الْشَّرْحُ
١٧٩٩- قوله: (وَعَنْ بَشِيرٍ) بفتح الباء الموحدة وكسر المعجمة بعدها
تحتانية ساكنة فراء مهملة. (ابْنِ الْخَصَاصِيَّةِ) بفتح الخاء المعجمة، وخفة الصاد
المهملة الأولى المفتوحة، وكسر الثانية بعدها تحتانية مشددة مفتوحة وتاء تأنيث.
هو بشير بن معبد وقيل: ابن زيد بن معبد السدوسي المعروف بابن الخصاصية،
وكان اسمه في الجاهلية زحمًا - بالزاي المفتوحة والحاء المهملة الساكنة - فسماه
النبي وَلَ بَشيرًا. صحابي جليل روى عن النبي ◌ُُّل وعنه بشير بن نهيك، وجرى بن
كليب، وديسم رجل من بني سدوس، وامرأته ليلى، المعروفة بالجهدمة، ولها
(١٧٩٩) أبُو دَاوُد (١٥٨٦) عَنْهُ فِيهَا .
٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
صحبة أيضًا، وجزم ابن عبد البر وغيره أن الخصاصية أم بشير. قال الحافظ: وليس
كذلك، بل هي إحدى جداته وهي والدة جده الأعلى ضباري بن سدوس حرر ذلك
الدمياطي عن ابن الكلي وجزم به الرامهر مزي. وقال: اسمها كبشة. وقيل: مارية
بنت عمرو الغطريفية .
(قَالَ: قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ) هذا لفظ الحديث الموقوف رواه أبو داود من
طريق حماد بن زيد عن أيوب عن رجل يقال له: ديسم عن بشير ابن الخصاصية :
قَالَ: قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ ... إلخ. فضمير ((قال)) للرجل الذي يقال له: ديسم.
وقوله: ((قُلْنَا)) أي: لبشير بن الخصاصية ثم رواه أبو داود مرفوعًا: قال: حدثنا
الحسن بن علي ويحيى بن موسى، قالا: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب
بإسناده ومعناه إلا أنه قال: قلنا: يا رسول الله، إن أصحاب الصدقة ... قال أبو
داود: رفعه عبد الرزاق عن معمر، وقال البيهقي بعد رواية الحديث المرفوع من
طريق أبي بكر بن داسة عن أبي داود: ورواه حماد بن زيد عن أيوب فلم يرفعه.
وعلى هذا فكان حق البغوي أن يورد في ((المصابيح)) الطريق المرفوع لا الموقوف،
والعجب أنه لم يتنبه لذلك المصنف فوقع فيما وقع فيه البغوي، مع أن الجزري قد
أورد في ((جامع الأصول)) (ج٥ ص٣٥٨) لفظ المرفوع لا الموقوف.
والمراد بأهل الصدقة: أهل أخذ الصدقة من العمال والسعاة. (يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا)
الاعتداء: مجاوزة الحد، يعني: يظلموننا ويأخذون أكثر مما يجب علينا. (أَفَتَكْتُمُ
مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يَعْتَدُونَ؟) يعني: إذا علمنا أنهم يأخذون عن الخمس من الإبل
شاتين، مع أن واجبها شاة، فإن كان لنا عشر من الإبل، فهل يجوز أن نكتم خمسًا
ونقول: ليس لنا إلا خمس، حتى إذا أخذوا شاتين عن خمس، لا يكون عليهم
ظلم؟ (قَالَ: لَا) قال ابن الملك: وإنما لم يرخص لهم في ذلك لأن كتمان بعض
المال خيانة، والخيانة كذب ومكر؛ ولأنه لو رخص لربما كتم بعضهم على عامل
غير ظالم. وفي الحديث: دليل على أنه لا يجوز كتم شيء عن المصدقين، وإن
تعدوا، قيل: كأنه وَلّ علم أنهم لحبهم المال، يرون أخذ الحق اعتداء وإلا فلا
يصحُّ صدور الاعتداء من عماله ◌َّير، ولذلك سماهم مبغضين، وإلا فلا يجب
إعطاء الزيادة لقوله وَله: ((وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهُ فَلَا يُعْطِهِ)).
٢١٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٤ ص١٠٤) وعبد الرزاق، وسكت عنه
أبو داود والمنذري، وفي إسناده ديسم السدوسي، ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال في ((التقريب)): مقبول.
١٨٠٠ - [١٤] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلِ :
((الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ كَالْغَازِي فِي سَّبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ]
G O
الْشَّرْحُ
١٨٠٠ - قوله: (الْعَامِل عَلَى الصَّدَقَةِ) أي: الزكاة. (بِالْحَقِّ) متعلق بالعامل
ويشهدُ له رواية أحمد (ص١٤٣) بلفظ: ((الْعَامِلُ بِالْحَقِّ عَلَى الصَّدَقَةِ)) أي: عملًا
بالصدق والصواب، أو بالإخلاص والاحتساب. قاله القاري، وزاد في رواية
لأحمد: ((لِوَجْهِ اللَّهِ رَ)). وقيل: العامل بالحق أي: بأن لم يخن في الصدقة، ولم
يظلم أرِباب الأموال فلم يأخذ منهم أكثر مما يجب عليهم ولا أقل. (كَالْغَازِي فِي
سَبِيلِ اللَّهِ) أي: في حصول الأجر، ويستمر ذلك. (حَتَّى يَرْجِعَ) أي: العامل. (إِلَى
بَيْتِهِ) أي: محل إقامته، يعني: يكون له الثواب ذهابًا وإيابًا إلى حين الرجوع، كما
ثبت في الغازي.
وقال القاري: قوله ((كَالْغَازِي)) أي: في تحصيل بيت المال واستحقاق الثواب
في تمشية أمر الدارين. قال ابن العربي في (شرح الترمذي)): وذلك أن اللَّه ذو
الفضل العظيم، قال نبيُّه ◌َلَه: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِيًّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي
أَهْلِهِ بِخَيْرِ فَقَدْ غَزَا)). والعامل على الصدقة خليفة الغازي؛ لأنه يجمع مالًا في
سبيل الله فهو غاز بعمله وهو غاز بنيته. وقال عليه السلام: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ قَوْمًا مَا
سَلَكْتُمْ وَادِيًّا، وَلَا قَطَعْتُمْ شِعْبًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ)) فكيف بمن حبسه العمل
للغازي وخلافته وجمع ماله الذي ينفقه في سبيل الله، وكما لا بد من الغزو، فلا بد
(١٨٠٠) التِّرْمِذِي (٦٤٥) فِيهَا عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ.
٢١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من جمع المال الذي يغزى به فهما شريكان في النية شريكان في العمل، فوجب أن
يشتركا في الأجر، انتهى. وقيل: في الحديث إلحاق الناقص بالكامل؛ ترغيًا.
والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الخراج. (والتِّرْمِذِيُّ) في الزكاة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣
ص٤٦٥ ج٤ ص ١٤٣) وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم (ج١
ص٤٠٦) وغيرهم. وقد سكت عنه أبو داود، وحسنه الترمذي، وأقره المنذري.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وفي سنده عندهم محمد
ابن إسحاق، وقد عنعن، والحديث عزاه الهيثمي لأحمد. وقال: وفيه محمد بن
إسحاق وهو ثقة. ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي الباب عن عبد
الرحمن بن عوف عند الطبراني في «الكبير)) بلفظ: ((الْعَامِلُ إِذَا اسْتُعْمِلَ، فَأَخَذَ
الْحَقَّ وَأَعْطَى الْحَقَّ، لَمْ يَزَلْ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ)) قال
الهيثمي: وفيه دويب بن عمامة قال الذهبي: ضعفه الدار قطني وغيره ولم يهدر.
١٨٠١ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَا جَلَبَ وَلَا جَنَّبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُوَرِهِمْ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
W O
الْشَّرْحُ
١٨٠١- قوله: (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) أي: جد شعيب
عبد الله بن عمرو بن العاصٍ، ففي رواية أحمد (ج٢ ص ١٨٠) ((عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو)) وفي رواية (ج ٢ ص ١٨٥) له أيضًا: ((عَنْ
عَمْرِوَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو)) وقد سمع شعيب من جده عبد الله
فالحديثُ موصول ليس بمنقطع ولا مرسل، وقد تقدم تحقيقه.
(١٨٠١) أَبُو دَاوُد (١٥٩١) فِيهَا مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ، وَمِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
بِبَعْضِهِ .
٢١٥
كِتّابَ الزّكاةِ
(لَا جَلَبَ) بفتح الجيم واللام. (وَلَا جَنَبَ) بفتح الجيم والنون، وكل منهما
يكون في الزكاة والرهان، أي: سباق الفرس، فأما الجلب في الزكاة فهو أن ينزل
الساعي محلًا بعيدًا من مواضع أرباب الأموال، ولا يأتي أماكنهم لأخذ
الصدقات، ولكن يرسل مَن يجلب إليه الأموال من أماكنها أو يأمر أرباب الأموال
أن يجمعوا أموالهم عنده ويجلبوها إليه ليأخذ زكاتها، فنهى عن ذلك، وأمر بأَخْذ
صدقاتهم على أماكنهم ودورهم ومنازلهم ومياههم؛ لسهولة الأخذ حينئذٍ؛ لأن في
إتيانهم وسوق مواشيهم وغيرها من الأموال من مواضعهم إلى الموضع الذي نزل
فيه العامل مَشقّة.
والجَنَب في الزكاةِ أن يجنب - أي: يبعد - أرباب الأموال بها عن مواضعهم
المعهودة إلى مواضع بعيدة حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في طلبهم، فنهى عن
ذلك لما في إيتانه إليهم من المشقة.
والحاصل: أن الجَلَب أن يقرب العامل أموال الناس إليه، والجنب أن يبعد
صاحب المال بماله عن العامل، وقيل: الجنب في الزكاة أن ينزل الساعي بأقصى
محال أرباب الأموال، ثم يأمر بالأموال بأن تجنب إليه أي: تحضر، فنهى عن
ذلك لما في من شدة المشقة على أرباب الأموال.
والفرق بين التفسرين: أن حكم النهي على الأول يكون متعلقًا بالمعطي. وعلى
الثاني بالساعي، والتفسير الأول أولى وَأَدْخَلُ في الفرق بينه وبين الجلب بخلاف
الثاني، فإنه لا فرق کثیر بينهما علیه.
وأما الجلب في سباق الخيل، فهو أن يتبع الفارس رجلًا فرسه ليزجره ويجلب
عليه ويصيح به حثًّا له على قوة الجري، فنهى عنه؛ لما يترتب إليه من إضرار
الفرس .
وفسره مالك بأن تجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه شيء يستحث فيسبق،
والجنب في السباق أن يجنّب فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا أفتر المركوب
يتحول إلى المجنوب فيسبق صاحبه، فنهى عنه. قيل: وكان وجه النهي عنه: أن
السباق إنما هو لبيان اختباره قوة الفرس، وبهذا الفعل لا يعرف قوة واحد من
الفرسين، فرب فرس توانى أولًا، أو في الأثناء ثم سبق.
٢١٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص ٤٠، ٤١): الجلب يفسر تفسيرين، يقالُ:
إنه في رهان الخيل، وهو أن يجلب عليها عند الركض - ليحتدَّ في الجري -
ويقال: هو في الماشية. يقول: لا ينبغي للمصدق أن يُقيم بموضعٍ، ثم يرسل إلى
أهل المياه فيجلبوا إليه مواشيهم فيصدقها، ولكن ليأتيهم على مياهَّم حتى يصدقهم
هناك. وأما الجنب فتفسيره أيضًا على وجهين: أحدهما: أن يكون في الصدقة وهو
أن أصحاب الأموال لا يجنبون عن مواضعهم، أي: لا يبعدون عنها حتى يحتاج
المصدِّقُ إلى أن يتبعهم ويمعن في طلبهم. وقيل: أن الجنب في الرهان، وهو أن
يركب فرسًا فيركضه وقد أجنب معه فرسًا آخر، فإذا قارب الغاية ركبه وهو جامٌّ
فیسبق صاحبه، انتهى.
وكذا فسرهما الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥ ص٤٧٩). قال الطيبي: كلا
اللفظين مشترك في معنى السباق والزكاة والقرينة الموضحة لأداء المعنى الثاني.
قوله: (وَلا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُوَرِهِمْ) أي: منازلهم وأماكنهم ومياههم
وقبائلهم على سبيل الحصر؛ لأنه كثَّى بها عنه، فإنَّ أخذ الصدقة في دورهم لازم؛
لعدم بُعْدِ الساعي عنها فيجلب إليه، ولعدم بُعْدِ المزكي فإنه إذا بعد عنها لم يؤخذ
فيها، انتهى. وحاصله: أن آخر الحديث مؤكد لأوله، أو إجمال لتفصيله، ولا
يخفى ما فيه على المتأمل.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص ١٨٠، ٢١٥، ٢١٦) والبيهقي (ج٤
ص١١٠) قال الشوكاني: الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في
((التلخيص)) وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد عنعن، انتهى.
قلتُ: قد صرح بالتحديث عند أحمد (ج٢ ص٢١٦) فزال شبهة التدليس، وفي
الباب عن عمران بن حصين عند أحمد وأبي داود والنسائي، والترمذي وابن حبان،
وصححاه بمثل حديث الباب، وهو متوقف على صحة سماع الحسن من عمران،
وقد اختلف في ذلك، وزاد أبو داود، بعد قوله: (لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ فِي الرِّهَانِ))،
وعن أنس عند أحمد والبزار وابن حبان وعبد الرزاق، وأعلَّهُ البخاري والترمذي
والنسائي وأبو حاتم، وأخرجه النسائي عنه من وجه آخر، وقال المنذري (ج٢
ص٢٠٦): وقد أخرجه أبو داود في الجهاد من حديث الحسن البصري عن عمران
٢١٧
كِتَابُ الزّكاةِ
ابن حصين، وليس فيه: ((وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُوَرِهِمْ))، وأخرجه أيضًا من
هذا الوجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد ذكر
علي بن المديني وأبو حاتم الرازي وغيرهما من الأئمة: أن الحسن لم يسمعْ من
عُمران بن حصين، انتهى.
١٨٠٢ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَِّ: ((مَنِ اسْتَفَادَ
مَالًّا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُوَّلَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنْهُمْ وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ]
الْشَّرْحُ
١٨٠٢ - قوله: (مَنِ اسْتَفَادَ مَالًّا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) قال ابنُ
الملك: يعني: من وجد مالًا، وعنده نصاب من ذلك الجنس، مثل أن يكون له
ثمانون شاة ومضى عليها ستة أشهر، ثم حصل له أحد وأربعون شاة بالشراء أو
بالإرث أو غير ذلك، لا يجبُ عليه للأحد والأربعين حتى يتم حولها من وقت
الشراء أو الإرث؛ لأن المستفاد لا يكون تبعًا للمال الموجود. وبه قال الشافعي
وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك يكون المستفاد تبعًا له، فإذا تم الحول على
الثمانين وجب الشاتان، يعني: في الكلِّ، كما أن النتاج تبع للأمهات، انتهى.
وقال ابنُ قُدامة في ((المغني)) (ج٢ ص٦٢٦): إن استفاد مالًا مما يعتبر له الحول
ولا مال له سواه، وكان نصابًا، أو كان له مال من جنسه لا يبلغ نصابًا، فبلغَ
بالمستفاد نصابًا انعقد عليه حول الزكاة من حينئذٍ، فإذا تمَّ حول وجبت الزكاة فیه،
وإن كان عنده نصاب لم يخل المستفاد من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون المستفاد من نمائة كربح مال التجارة ونتاج السائمة، فهذا
يجب ضمُّهُ إلى ما عنده من أصله، فيعتبر حوله بحوله لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه تبع له
من جنسه، فأشبه النماء المتصل وهو زيادة قيمة عروض التجارة.
(١٨٠٢) التِّرْ مِذِي (٦٣١) عَنْهُ فِيهَا. قُلْتُ: هُوَ قَوْلُ التِّرْمِذِي (٦٣٢).
٢١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الثاني: أن يكون المستفاد من غير جنس ما عنده فهذا له حكم نفسه لا يضم إلى
ما عنده في حول ولا نصاب، بل أن كان نصابًا استقبل به حولًا وزكاه وإلا فلا شيء
فيه، وهذا قول جمهور العلماء منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رَوُلَهُ.
الثالث: أن يستفيد مالًا من جنس نصاب عنده قد انعقد علیه حول الزكاة بسبب
مستقل؛ مثل أن يكون عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض الحول، فيشتري أو
يتهب مائة، فهذا لا تجب فيه الزكاة حتى يمضي عليه حول أيضًا، وبهذا قال
الشافعي. وقال أبو حنيفة: يضمه إلى ما عنده في الحول فيزكيهما جميعًا عند تمام
حول المال الذي كان عنده؛ لأنه يضم إلى جنسه في النصاب فوجب ضمه إليه في
الحول کالنتاج، ولأنه إذا ضم في النصاب وهو سبب فضمه إليه في الحول الذي هو
شرط أَوْلَى، وبيان ذلك: أنه لو كان عنده مائتا درهم مضى عليها نصف الحول،
فوجب له مائة أخرى، فإن الزكاة تجب فيها إذا تم حولها بغير خلافٍ، ولولا
المائتان ما وجب فيها شيء، فإذا ضمت إلى المائتين في أصل الوجوب فكذلك في
وقته؛ ولأن إفراده بالحول يفضي إلى تشقيص الواجب في السائمة، واختلاف
أوقات الواجب، والحاجة إلى ضبط مواقيت التملك، ومعرفة قدر الواجب في
كل جزء ملكه، ووجوب القدر اليسير الذي لا يتمكّن من إخراجه، ثم يتكرر ذلك
في كل حول ووقت، وهذا حرج مدفوع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ
حَرَجَ﴾ [الحج: ٧٨].
وقد اعتبر الشرع ذلك بإیجاب غير الجنس فیما دون خمس وعشرين من الإبل،
وجعل الأوقاص في السائمة وضم الأرباح والنتاج إلى حول أصلها مقرونًا بدفع
هذه المفسدة، فيدل على أنه علة لذلك، فوجب تعدية الحكم إلى محل النزاع،
وقال مالك: كقوله في السائمة: دفعًا لتشقيص الواجب، وكقولنا في الإثمان:
لعدم ذلك فيها. ولنا حديث عائشة عن النبي ◌َّ: ((لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ
الحَوْلُ)). أخرجه ابن ماجه وغيره بسند ضعيف، ثم ذكرت حديث ابن عمر قال:
وقد روي عن أبي بكر الصديق وعلي وابن عمر وعائشة وعطاء وعمر بن عبد العزيز
وسالم والنخعي: أنه لا زكاة في المستفاد حتى يحول عليه الحول؛ ولأنه مملوك
أصلاً فيعتبر فيه الحول شرطًا كالمستفاد من غير الجنس.
٢١٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
قال: وأما الأرباح والنتاج فإنما ضمت إلى أصلها؛ لأنها تبع له ومتولدة منه،
ولا يوجد ذلك في مسألتنا، وإن سلمنا أن علة ضمها ما ذكروه من الحرج، فلا
يوجد ذلك في مسألتنا؛ لأن الأرباح تكثر وتتكرر في الأيام والساعات ويعسر
ضبطها، وكذلك النتاج وقد يوجد ولا يشعر به فالمشقة فيه أتم؛ لكثرة تكرره
بخلاف هذه الأسباب المستقلة، فإن الميراث والاغتنام والاتهاب ونحو ذلك يندر
ولا يتكرر، فلا يشق ذلك فيه، فإن شق فهو دون المشقة في الأرباح والنتاج فيمتنع
قياسه عليه، واليسر فيما ذكرنا أكثر؛ لأن الإنسان يتخير بين التأخير والتعجيل، وما
ذكروه يتعين عليه التعجيل، ولا شك أن التخيير بين شيئين أيسر من تعيين أحدهما،
وأما ضمه إليه في النصاب، فلأن النصاب معتبر لحصول الغني وقد حصل الغنى
بالنصاب الأول والحول معتبر ليحصل أداء الزكاة من الربح، ولا يحصل ذلك
بمرور الحول على أصله، فوجب أن يعتبر الحول له، انتهى.
واعلم أن نماء العين على الثلاثة أنواع: ربح، وغلة، وفائدة. ونماء الماشية
على نوعين: فائدة، ونسل.
والربح: زائد ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول ذهبًا أو فضة. والغلة: ما تجدد من
سلع التجارة قبل بيع رقابها كغلة العبد ونجوم الكتابة. والفائدة: ما تجدد لا عن
مال أو عن مال غير مزكي كهبة وميراث واشتراء وثمن عرض مقتنى من عقار أو
حيوان باعه بعين. والنسل: هو نتاج الماشية وأولادها.
واختلف العلماء في ضم هذه الأنواع إلى الأصل واعتبار حولها؛ فأما الربح
فقال ابن رشد في ((البداية)) (ج١ ص٢٤٤): اختلفوا في اعتبار حول ربح المال على
ثلاثة أقوال: فرأى الشافعي أن حوله يعتبر من يوم استفيد سواء كان الأصل نصابًا أو
لم يكن، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز كما في كتاب الأموال (ص ٤١٧) إنه
كتب أن لا يعرض لأرباح التجار حتى يحول عليها الحول.
وقال مالك: حَوْلُ الرِّبح هو حَوْلُ الأَصْلِ، أي: إذا كمل للأصل حول زكى
الربح معه سواء كان الأصل نصابًا أو أقل من نصاب إذا بلغ الأصل مع ربحه
نصابًا. قال أبو عبيد (ص٤١٤): ولم يتابعه عليه أحد من الفقهاء إلا أصحابه.