Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويحتمل أن يراد بالحمدِ الثناءَ على اللَّه بقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]
انتھی .
(فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ) بالهمزةِ ويبدل فيهما، أي: المؤمن الكامل يثاب. (فِي كُلِّ
أَمْرِهِ) أي: شأنه من الصبر والشكر وغيرهما حتى في أمور المباحٍ. قيل: المراد
بالأمر هنا الخير، فالمباحُ ينقلب خيرًا بالنية والقصد. (حَتَّى فِي اللَّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى
فِيِّ امْرَأَتِهِ) أي: فمها. في الحديث دليل على أن المباحات وإن كان يرى كل واحد
منها في الظاهر من قبيل حظ النفس، لكنها باشتمالها على نية التقرب إلى الله تصير
عبادات، ويؤجر فاعلها على حسب نيته ببركة إيمانه. قال الطيبي: الفاء جزاء شرط
مقدر، يعني: إذا أصابته نعمة فحمد؛ أجر، وإذا أصابته مصيبة فصبر؛ أجر، فهو
مأجور في كل أموره حتى في الشهوانية ببركة إيمانه، وإذا قصد بالنوم زوال التعب
للقيام إلى العبادة عن نشاط كان النوم طاعة، وعلى هذا الأكل وجميع المباحات.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))) وأخرجه النسائي في (اليوم والليلة))، وفيه
عمر بن سعد بن أبي وقاص وهو صدوق، لكنه مقته الناس؛ لكونه كان أميرًا على
الجيش الذي قتلوا الحسين بن علي.
قال القاري: قد يقال: إنه لم یباشر قتله، ولعل حضوره مع العسکر کان بإكراه،
أو ربما حسن حاله وطاب مآله. والحديث ظاهر صحته مبنى ومعنى، ولا يتعلق به
حكم من الأحكام دينًا ودنيًا. قلت: وللحديث شواهد: منها ما رواه أحمد ومسلم
من حديث صهيب الرومي مرفوعًا: ((عَجَبًّا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ
ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ؛ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ
صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَّهُ)). ومنها ما رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري،
عن أبي الدرداء مرفوعًا: ((إِنَّ اللهَ وَنَ قَالَ: يَا عِيسَى إِنِّي بَاعِثُ مِنْ بَعْدَِ أُمَّةً إِنْ
أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ؛ حَمَدُوا اللهَ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ؛ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلَا
حِلْمٌ وَلَا عِلْمٌ، فَقَالَ: يَا رَبُّ، كَيْفَ يَكُونَ هَذَا؟ قَالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي)).
٨١
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
*Be ***** ****:
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
١٧٤٨ - [١٣] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((مَا مِنْ مُؤْمِن إِلَّا
وَلَهُ بَابَانٍ: بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُةً، وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَّلَيْهِ،
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٧٤٨ - قوله: (وَلَهُ) أي: مختص به. (بَابَانِ) أي: من السماء. (يَصْعَدُ)
بفتح الياء وتضم أي: يطلع ويرفع. (عَمَلُهُ) أي: الصالح إلى مستقر الأعمال. وهو
محل كتابتها في السماء بعد كتابتها في الأرض. وفي إطلاقه العمل إشعار بأن عمله
كله صالح. (يَنْزِلُ) بصيغة الفاعل أو المفعول. (رِزْقُهُ) أي: الحسي أو المعنوي
إلى مستقر الأرزاق من الأرض. (بَكَيَا) أي: البابان. (عَلَيْهِ) أي: على فراقِهِ؛ لأنه
انقطع خيره منهما، بخلاف الكافر، فإنهما یتأذیان بشره، فلا ییکیان عليه، قاله ابن
الملك .
وهو ظاهر موافق لمذهب أهل السنة على ما نقلَهُ البغوي أن للأشياء كلها علمًا
بالله، ولها تسبيح ولها خشية وغيرها. وقيل: أي: بكى عليه أهلهما من الملائكة
والناس، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقال الطيبي: الكشافُ هذا
تمثيل وتخييل مبالغة في فقدان من درج وانقطع خيره، وكذلك ما روي عن ابن
عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ومصاعد عمله ومهابط رزقه في
السماء تمثيل، ونفي ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]
تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء
والأرض. انتهى. وهو مخالف لظاهر الآية والحديث، ولا وجه للعدول لمجرد
مخالفته لظاهر العقول، كذا في ((المرقاة)).
(١٧٤٨) التِّرْ مِذِي (٣٢٥٥) عن أنسٍ في تفسير سُورة الدخان، وقال: ((غريب))، وفيه موسى بن عُبَيْدَةَ،
ويزيد بن أبان، وهما ضعيفان.
٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَذَلِكَ) أي: مفهوم الحديث أو مصداقه. (قَوْلُهُ تَعَالَى) في سورة الدخان: ﴿فَمَا
بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ بقية الآية: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] قال ابن كثير:
أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء، فتبكي على فقدهم، ولا
لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم؛ فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا
يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة الدخان، وقال: حديث غريب، وأخرجه أبو
يعلى وابن أبي حاتم وغيرهما، وفي سنده عندهم موسى بن عبيدة الربذي ويزيد بن
أبان الرقاشي، قال الترمذي: يضعفان في الحديث. انتهى. وفي الباب عن شريح
ابن عبيد الحضرمي مرسلاً مرفوعًا عند ابن جرير، وعن علي عند ابن أبي حاتم،
وعن ابن عباس عند ابن جرير موقوفًا من قولهما، ذكر ذلك ابن كثير في ((تفسيره)) .
١٧٤٩ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ كَانَ لَهُ
فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي؛ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِمَا الْجِنَّةَ)). فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ
مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: ((وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَثَّقَةُ)). فَقَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ
مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: ((فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الْشَّرْمُ
١٧٤٩ - قوله: (مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانٍ) بفتحتين أي: ولدان لم يبلغا أوان الحلم
بل ماتا قبله، يُقال: فرط إذا تقدم وسبق؛ فهو فارط. والفرط هنا: الولد الذي مات
قبله، فإنه يتقدم ويهيئ لوالديه نزلًا ومنزلًا في الجنة، كما يتقدم فراط القافلة إلى
المنازل، فيعدون لهم ما يحتاجون إليه من الماء والمرعى وغيرهما. قال الطيبي:
الفَرَط - بالتحريك - مَن يتقدَّم القافلة، فيطلب الماء والمرعى، ويهيئ لهم ما
يحتاجون إليه في المنزل، فعل بمعنى فاعل، يستوي فيه الواحد والجميع مثل تبع
(١٧٤٩) التِّرْ مِذِي (١٠٦٢) في الجنائز، وقال: ((غريب)).
٨٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
وتابع. المعنى: الطفل المتوفى يتقدم والديه، فيهيئ لهما في الجنة منزلًا ونزلًا،
كما يتقدم فراط القافلة، فيعدون لهم ما يفتقرون إليه من الأسباب، ويهيئون لهم
المنازل .
(مِنْ أُمَّتِي) بيان لـ((من)). (فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ) أي: فما حكمه أو فهل له
هذا الثواب؟ (قَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ) أي: فكذلك. (يَا مُوَفَّقَةُ) أي: في الخيرات
وللأسئلة الواقعة موقعها شفقة على الأمة. وقيل: أي: الحريصة على تعلم
الشرائع. وقال الطيبي: يعني وفقك الله تعالى للسؤال، حتى تفضل على العباد،
وسهل عليهم حصول ذلك المعنى من ولد واحد، حتى يفضل من لا ولد له بفرط
مثلي، ونعم الفارط أنا. (فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطْ مِنْ أُمَّتِكَ) أي: فما حاله. (فَأَنَا فَرَطُ
أَمَّتِي) أي: سابقهم، وإلى الجنة بالشفاعة سائقهم، بل أنا أعظم من كل فرط، فإن
الأجر على قدر المشقة. (لَنْ يُصَابُوا) أي: أمتي. (بِمِثْلِي) أي: بمثل مصيبتي
لهم، فإن مصيبتي أشد عليهم من سائر المصائب، فأكون أنا فرطهم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أحمد (ج١: ص ٣٣٤، ٣٣٥) والبيهقي. (وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ) في نسخ الترمذي الموجودة عندنا: هذا حديث حسن غريب لا
نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة. انتهى.
قلتُ: عبد ربه هذا قال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: قال أحمد: ما به بأس،
وأثنى عليه عمرو بن علي الفلاس خيرًا، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال
النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال في ((التقريب)): إنه
صدوق يخطئ، فالحديث لا ينزل عن درجة الحسن. والله تعالى أعلم.
٨٤
HENCE
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٥٠ - [١٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
((إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ:
نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُوِلُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟
فَيَقُولُونَ: حَمِدََ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ
بَيْتَ الْحَمْدِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّْمِذِيُّ] {ضعيف}
G O
الْشِّرْحُ
١٧٥٠ - قوله: (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ) أي: المؤمن. (قَالَ اللَّه تعالى لِمَلاَئِكَتِهِ)
أي: ملك الموت وأعوانه. (قَبَضْتُمْ) بتقدير الاستفهام. (وَلَدَ عَبْدِي) أي : روحه،
فيقول. (قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ) أي: يقول ثانيًا؛ إظهارًا لكمال الرحمة كما أن الوالد
العطوف يسأل الفصاد، هل فصدت ولدي؟ مع أنه بأمره ورضاه. قيل: سمي الولد
ثمرة فؤاده؛ لأنه نتيجة الأب كالثمرة للشجرة. (وَاسْتَرْجَعَ) أي: قال: إنا لله وإنا
إليه راجعون. (وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ) قال القاري: أضاف البيت إلى الحمد الذي
قاله عند المصيبة؛ لأنه جزاء ذلك الحمد. قال الطيبي: مرجع السؤال إلى تنبيه
الملائكة على ما أراد الله تعالى من التفضل على عبده الحاضر لأجل تصبره على
المصائب، أو عدم تشكيه، بل إعداده إياها من جملة النعماء التي تستوجب الشكر
عليها، ثم استرجاعه وأن نفسه ملك الله، وإليه المصير في العاقبة. قال أولًا: ((وَلَدَ
عَبْدِي)) أي: فرع شجرته، ثم ترقى إلى (ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ)) أي: نقاوة خلاصته، فإن
خلاصة الإنسان الفؤاد، والفؤاد إنما يعتد به لما هو مكان اللطيفة التي خلق لها وبها
شرفه وكرامته، فحقيق لمن فقد مثل تلك النعمة الخطيرة وتلقاها بمثل ذلك
الحمد، أن تكون محمودًا حتى المكان الذي يسكن فيه؛ ولذلك سمي بيت
الحمد. والله أعلم. انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤: ص ٤١٥). (والتِّرْمِذِيُّ) واللفظ له. ولفظ أحمد: ((قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، قَبَضْتَ وَلَدَ عَبْدِي، قَبَضْتَ قُرَّةَ عَيْنِهِ وَثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ،
(١٧٥٠) التِّرْ مِذِي (١٠٢١) في الجنائز عن أبي موسى.
كِتَاب الْجَنَائِز
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
٨٥
قَالَ: فَمَا قَالَ؟ قَالَ: حَمِدََ وَاسْتَرْجَعَ. قَالَ: ابْنُوا لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَقُّوهُ بَيْتَ
الْحَمْدِ)). والحديثُ أخرجَهُ أيضًا ابنُ حبان في ((صحيحه)) والبيهقي وحسَّنه
التر مذي .
١٧٥١ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ :
(مَنْ عَزَّى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ، وقَالَ التِّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ ئْنِ
عَاصِمِ الرَّاوي، وَقَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةً بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا] {ضعَيفَ
الْشَّرُْ
١٧٥١ - قوله: (مَنْ عَزَّى) من التعزية أي: سلى. (مُصَابًا) أي: بأي شيء
كان أعم من فقد الولد وغيره. قال القاري: مَن عزى مصابًا - أي: ولو بغير موت
- بالمأتى لديه أو بالكتابة إليه بما يهون المصيبة عليه، ويحمله على الصبر بوعد
الأجر أو بالدعاء له بنحو: أعظم اللَّه لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقك الشكر.
(فَلَّهُ) أي: للمعزي. (مِثْلُ أَجْرِهِ) أي: نحو المصاب على صبره؛ لأن الدال على
الخير كفاعله. وقيل: إن من حمله على العزاء بالمد وهو الصبر فله لأجل هذه
التعزية ثواب مثل ثواب المصاب لأجل صبره في المصيبة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه البيهقي في ((السنن)) (ج ٤: ص٥٩) كلهم من
طريق علي بن عاصم عن محمد بن سوقة عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله،
وأخرجه أيضًا الحاكم والخطيب وغيرهما من طرق عن ابن سوقة. (وقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّ مِنْ حَدِيثٍ عَلِيٌّ بْنِ عَاصِم). وقال
البيهقي: تفرد به علي بن عاصم، وهو أحد ما أنكر عليه واعترض عليه بأنهً قد تابعه
عن ابن سوقة عبد الحكيم بن منصور وشعبة وإسرائيل ومحمد بن الفضل بن عطية
وعبد الرحمن بن مالك بن مغول، والحارث بن عمران وغيرهم، لكن قال
(١٧٥١) التِّرْمِذِي (١٠٧٣)، وابن مَاجَهْ (١٦٠٢) عن ابن مسعود فيه.
٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الخطيب: ليس شيء منها ثابتًا؛ ولذلك قال الزركشي في تخريج أحاديث
الرافعي: وهذه المتابعات لا ترد على البيهقي لضعف أسانيدها. (الرَّاوِي) بسكون
الياء .
وعلي بن عاصم هذا هو علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، أبو الحسن التيمي
مولاهم، صدوق يخطئ ويصر، مات سنة (٢٠١) وقد جاوز التسعين، كذا في
((التقريب))، وسيأتي ذكر شيء من الكلام عليه في شرح كلام الترمذي الآتي.
(وَقَالَ) أي: الترمذي: (رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سُوقَةً) بضم المهملة،
الغنوي الكوفي، ثقة مرضي عابد. (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا) أي: على ابن مسعودٍ.
وتمام كلام الترمذي: ويقالُ: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم بهذا الحديث نقموا
عليه. وقال الخطيبُ: هذا الحديث مما أنكر الناس على علي بن عاصم، وكان
أكثر كلامهم فيه بسببه، وقال يعقوب بن شيبة: هذا حديث كوفي منكر، يرون أنه
لا أصل له، لا نعلم أحدًا أسنده ولا أوقفه غير علي بن عاصم، وقد رواه أبو بكر
النهشلي، وهو صدوق ضعيف الحديث، عن محمد بن سوقة، فلم يجاوز به
محمدًا، وقال: يرفع الحديث، قال يعقوب: وهذا الحديث من أعظم ما أنكره
الناس على علي بن عاصم، وتكلموا فيه مع ما أنكر عليه سواه. انتهى.
ويُحكى عن أبي داود قال: عاتب يحيى بن سعيد القطان علي بن عاصم في وصلٍ
هذا الحديث. وإنَّما هو عندهم منقطع. وقال: إن أصحابك الذين سمعوه معك لا
يسندونه، فأبى أن يرجع.
والحديث أوردَهُ ابن الجوزي في ((الموضوعات))، وقال: تفرد به علي بن عاصم
عن محمد بن سوقة، وقد كذبه شعبة ويحيى بن معين ويزيد بن هارون. قال
السيوطي في ((تعقباته)) (ص٢٤ - ٢٥): أخرجه الترمذي وابن ماجه من طريقه.
وقال الترمذي: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم بهذا الحديث نقموا عليه. وقال
الذهبي: أبلغ ما شنع به عليه هذا الحديث، وهو مع ضعفه صدوق في نفسه، وله
صورة كبيرة في زمانه، وقد تابعه على هذا الحديث ضعفاء، وقد وثقه جماعة،
فقال يعقوب بن شيبة: كان من أهل الدين والصلاح والخير البارع، وكان شديد
التوقي، أنكر عليه كثرة الغلط مع تماديه على ذلك. وقال وكيع: ما زلنا نعرفه
٨٧
كِتَاب الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
بالخير، فخذوا الصحاح من حديثه، ودعوا الغلط. وقال أحمد بن حنبل: أما أنا
فأحدث عنه، كان فيه لجاج ولم يكن متهمًا. وقال الفلاس: صدوق.
وقد أخرجه الحاكم والبيهقي في ((الشعب)) من طريق معمر عن ابن سوقة،
وأخرجه البيهقي أيضًا من طريق عبد الحكيم بن منصور الخزاعي عن ابن سوقة،
وعبد الحكيم من رجال الترمذي، وهو ضعيف أيضًا. وأخرجه ابن أبي الدنيا في
العزاء من طريق عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن ابن سوقة، وعبد الرحمن
متروك. وقال الخطيب: تابع علي بن عاصم على هذا الحديث جماعة، منهم
الحارث بن عمران الجعفري. وقال الحافظ في ((تخريج أحاديث الرافعي)»: كل
المتابعين له أضعف منه بكثير، وليس فيها رواية يمكن التعلق بها إلا طريق
إسرائيل، فقد ذكره صاحب ((الكمال)) من طريق وكيع عنه. ولم أقف على إسنادها
بعد. انتهى. وقال الصلاح العلائي: علي بن عاصم أحد الحفاظ المكثرين، ولكن
له أوهام كثيرة تكلموا فيه بسببها، ومن جملتها هذا الحديث، وقد تابعه عليه عن
ابن سوقة: عبد الحكيم بن منصور، لكنه ليس بشيء. قال فيه ابن معين والنسائي :
متروك. وقد رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع عن قيس بن الربيع عن
محمد بن سوقة، وإبراهيم بن مسلم هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات))، ولم يتكلّم
فيه أحد، وقيس بن الربيع صدوق متكلم فيه، لكن حديثه يؤيد رواية علي بن
عاصم، ويخرج به عن أن يكون ضعيفًا واهيًّا فضلًا عن أن يكون موضوعًا. انتهى.
وقال الزركشي في ((تخريج أحاديث الرافعي)) بعد ذكر المتابعات المذكورة: وهذا
كله يرد على ابن الجوزي حيث ذكر الحديث في ((الموضوعات)). انتهى.
وللحديث شواهد منها: حديث جابر بهذا اللفظ، وهو أضعف منه، رواه ابن
عدي وابن أبي الدنيا من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي عن أبي الزبير عن
جابر، وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات))، وأعله بالعرزمي.
ومنها حديث عمرو بن حزم مرفوعًا: ((مَا مِنْ مُؤْمِنِ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَتِهِ إِلَّا كَسَاهُ
اللهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، أخرجه ابن ماجه، وحسنه النووي.
ومنها حديث أبي برزة الآتي. هذا، وقد بسط السيوطي الكلام على حديث ابن
مسعود في ((اللآلئ المصنوعة)) (ج٢: ص٢٢٥ - ٢٢٦) مَن أحبَّ الاطلاع عليه
رجع إليه.
٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٥٢ - [١٧] وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ تَ: «مَنْ عَزَّى
تَكْلَى؛ كُسِيَ بُرْدًا فِي الْجَنَّةِ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الْشَرْحُ
١٧٥٢ - قوله: (مَنْ عَزَّى ثَكْلَى) بفتح المثلثة مقصورًا أي: المرأة التي فقدت
ولدها. (كُسِيَ) بصيغة المجهول. (بُرْدًا) بضم الباء أي: ثوبًا عظيمًا مكافأة له على
تعزيتها. قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): لا يعزي المرأة الشابة إلا زوجها
أو محرمها .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ) وليس إسناده بالقوي؛ لأن فيه مُنْيَةَ ابنة
عبيد بن أبي برزة، وهي مجهولة، قال الحافظ في ((التقريب)): لا يعرف حالها.
١٧٥٣ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ قَالَ
النَّبِيُّ ◌َهِ: ((اصْنَعُوا لِآَلِ جَعْفَرِ طَعَامًا؛ فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدُ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
G O
الْشَّرْجُ
١٧٥٣ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي طالب. (لَمَّا جَاءَ نَعْيُ
جَعْفَرٍ) بفتح النون وسكون العين، أي: خبر موته بمؤتة، وهي موضع عند تبوك،
سنة ثمان. (اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرِ طَعَامًا) فيه: أنه ينبغي للأقرباءِ أن يرسلوا إلى أهل
الميت طعامًا لاشتغالهم عن أنفسهم بما دهمهم من المصيبة. قال الترمذي: وقد
كان بعض أهل العلم يستحب أن يوجه إلى أهل الميت بشيء لشغلهم بالمصيبة،
(١٧٥٢) التِّرْمِذِي (١٠٧٦) فيه عن أبي برزة.
(١٧٥٣) أَبُو دَاوُد (٣١٣٢)، والتِّرْمِذِي (٩٩٨)، وابن مَاجَهْ (١٦١٠) عن عبد الله بن جعفر بن أبي
طالب فيه .
٨٩
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابَ الْبَكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
وهو قول الشافعي. (مَا يَشْغَلُهُمْ) بفتح الياء والغين. وقيل: بضم الأول وكسر
الثالث. قال في ((القاموس)): شغله كمنعه شغلًا ويضم، وأشغله لغة جيدة أو قلية
أو رديئة. والمعنى: جاءهم ما يمنعهم من الحزن تهيئة الطعام لأنفسهم، فيحصل
لهم الضرر وهم لا يشعرون. قال الطيبي: دل على أنه يستحب للأقارب والجيران
تهيئة طعام لأهل الميت. انتهى.
قال ابنُ العربي في ((شرح الترمذي)): والحديثُ أصل في المشاركات عند
الحاجة، وصحَّحه الترمذي. والسنة فيه أن يصنع في اليوم الذي مات فيه؛
لقوله {َّ ((فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمُ عَنْ حَالِهِمْ)) فَحزن موت وليهم اقتضى أن يتكلف
لهم عيشهم، وقد كانت للعرب مشاركات ومواصلات في باب الأطعمة باختلاف
أسباب وفى حالاتٍ جماعها. انتهى.
قال القاري: والمرادُ طعام يشبعهم يومهم وليلتهم، فإن الغالب أن الحزن
الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم، ثم إذا صنع لهم ما ذكر سن أن يلح
عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع. انتهى. وقال ابنُ
الهمام: ويستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام يشبعهم يومهم
وليلتهم؛ لقوله وَالثَّ: ((اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرِ طَعَامًا))، وقال: يكره اتخاذ الضيافة من
أهل الميت؛ لأنه شرع في السرور لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة. انتهى.
وقال القاري: واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة
مكروه، بل صح عن جريرٍ رَضِيَُّّهُ، كنا نعده من النياحة، وهو ظاهر في التحريم.
انتھی .
قلتُ: حديث جرير بن عبد الله البجلي هذا أخرجه أحمد وابن ماجه بلفظٍ : كُنَّا
نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. قال السندي:
قوله (كُنَّا نَعُدُّ ... )) إلخ. هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير النبي وَّل، وعلى
الثاني: فحُكمه الرفع على التقديرين فهو حجة، ثم نقل عن البوصيري أنه قال في
((الزوائد)): إسناده صحيح. انتهى. فإن قيل: حديث جريرٍ هذا مخالف لما سيأتي
في آخر باب المعجزاتِ مِن حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار
قال: خَرجنا مع رسولِ الله ◌ِّله في جنازةٍ، فرأيتُ رسولَ اللَّهِبَله، وهو على القبرِ
٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يوصي الحافر: ((أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ))، فلما رجع؛ استقبله
داعي امرأته فأجابَ، ونحن معه، فجيء بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم،
فأكلوا ... الحديث. رواه أبو داود والبيهقي في ((دلائل النبوة)).
فقوله: ((فلما رجع استقبلَهُ؛ داعي امرأته .. )) إلخ. صريح في أن رسول اللّه ◌َل
أجاب دعوة أهل بيت الميت، واجتمع هو وأصحابه بعد دفنه، وأكلوا مما صنعه
أهل الميت له ولأصحابه، فإنَّ الضمير المجرور في امرأته راجع إلى ذلك الميت
الذي خرج رسول اللّه وَ ل في جنازتهِ، فما وجه التوفيق بين هذين الحديثين؟
قلتُ: منشأ المخالفة بين الحديثين هو قوله: داعى امرأته. أي: بإضافة لفظ
((امرأة)) إلى الضمير المجرور، وهو غلط. والصواب داعي امرأةٍ منونًا أي: بغير
الإضافة وإسقاط الضمير المجرور. والدليل عليه أنه وقع في ((سنن أبي داود)):
((دَاعِي امْرَأَةٍ))، بغير الإضافة، أي: بإسقاط الضمير، وهكذا ذكره الجزري في
((جامع الأصول)) (ج١٢: ص ٦٥) نقلا عن ((سنن أبي داود))، وروى هذا الحديث
أحمد في ((مسنده)) (ج٥: ص٢٩٣)، وقد وقع فيه أيضًا: ((دَاعِي امْرَأَةٍ))، بغير
الإضافة، بل زاد فيه بعد: ((داعي امرأة))، لَفْظ: ((مِن قريش))، وهكذا وقع في
((السنن)) للدار قطني (ص ٥٤٥) ولفظه: خرجنا مع النبي ◌ّ في جنازة، فلما
انصرفَ تلقاه داعي امرأة من قريش. وفي رواية له عن عاصم بن كليبٍ عن أبيه عن
رجل من مُزينة قال: صنعت امرأة من المسلمين من قريش لرسول اللَّه وَله طعامًا
فدعته وأصحابه . . إلخ.
ورواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٦: ص٩٧) بلفظ: صنعت امرأة من قريش
لرسول اللّه وَلّ طعامه، فدعته وأصحابه.
ورواه الطحاوي في ((شرح الآثار)) (ج٢: ص٣٢٠) بلفظ: إن رجلاً من الأنصار
كان مع النبي ◌َّ في جنازة، فلقيَهُ رسول امرأة من قريش يدعوه إلى الطعام، وهذا
كله يدلّ على أن الصحيح في حديث عاصم بن كليب هذا لفظ: ((دَاعِي امْرَأَةٍ))،
منونًّا، أي: بغير إضافة امرأة إلى الضمير المجرور، بل بإسقاط الضمير، وعلى
هذا، فلا مخالفة بين الحديثين، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى التفكر والتأمل.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، ونقل المنذري عن الترمذي
٩١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
أنه قال: هذا حديث حسن صحيح، وأقر تصحيحه. (وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا
الشافعي وأحمد (ج١: ص ٢٠٥) والدار قطني (ص١٩٤) والحاكم (ج ١: ص٣٧٢)
وصححه ابن السكن والحاكم وأقره الذهبي، وأخرجه أحمد (ج٦: ص ٣٧٠)
والطبراني وابن ماجه من حديث أسماء بنت عميس، وهي والدة عبد الله بن
جعفر، وفي سنده امرأتان مجهولتان.
٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
CCHONE
الفصل الثالث
١٧٥٤ - [١٩] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عِهِ
يَقُولُ: ((مَنْ نِيجَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). [مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]
الْشَرْحُ
١٧٥٤ - قوله: (مَنْ نِحَ عَلَيْهِ) بكسر النون وسكون التحتية وفتح الحاء مبنيًّا
للمفعول من الماضي. (بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) الباء سببية و((مَا)) مصدرية أي: بسبب النياحة
عليه، ويؤيده رواية الطبراني بلفظ: ((إِذَا نِيحَ عَلَى الْمَيِّتِ؛ عُذِّبَ بِالنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ))،
ورواه أحمد (ج٤: ص٢٤٥) عن علي بن ربيعة الأسدي. قال: مات رجل من
الأنصار يقال: له قرظة بن كعب فنيح عليه - وهو أول من نيح عليه بالكوفة -
فخرج المغيرة بن شعبة فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال النوح
في الإسلام، ثم قال: ألا إني سمعت رسول اللّهُ وَّلَه يقول: ((إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ
كَكَذِبٍ عَلَىَ أَحَدٍ، أَلَا وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))، ألا وإني
سمعتُ رسول اللّه وَّ يقول: ((مَن يُنَحْ عَلَيْهِ؛ يُعَذَّبُ بِمَا يُنَاحُ بِهِ عَلَيْهِ)) .
وفي الحديث: دليل على أن المراد من البكاء في حديث ابن عمر هو النوح
والندب لا مطلق البكاء. وفيه: دليل على تحريم النياحة. قيل: ويحتمل أن يكون
الجار والمجرور حالًا، ((وَمَا)) موصولة أي: يعذب متلبسًا بما يندب عليه من
الألفاظ كـ((ياجبلاه)) ويا كهفاه ونحوهما على سبيل التهكم، كما في حديث النعمان
الآتي. ويحتمل أن الباء للآلة، و((مَا)) موصولة، وتلك الألفاظ تجعل آلة للعذاب
حیث تذکر له توبيخًا وتقريعًا عليه.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيه رد على من ذهب إلى التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم
القيامة، فحمل قوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] على يوم القيامة.
(١٧٥٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٩١)، ومُسْلِم (٩٣٣) في الجنائز عنه.
٩٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ خاصة. وظاهر حديث المغيرة وحديث عمر
وابنه المذكور بعده أن الميت يعذب بسبب النياحة عليه. واختلف العلماء في ذلك
على مذاهب :
أحدها: أنه على ظاهرِه مطلقًا، ذهبَ إليه جماعة من السلف، منهم عمر، وهو
بين من قصته مع صهيب، كما سيأتي في حديث عبد الله بن أبي مليكة، ومنهم
عبد الله بن عمر، كما رواه عبد الرزاق.
الثاني: لا مطلقًا، فردَّ أهلُ هذا القول حديث المغيرة وما أشبهه، وعارضوه
بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَِّرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وممن روي عنه الإنكار مطلقًا أبو هريرة،
كما رواه أبو يعلى من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: قال أبو هريرة: والله لئن
انطلقَ مجاهد في سبيل الله فاستشهد، فعمدت امرأته سفهًا وجهلًا فبكت عليه،
ليعذب هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة .
الثالث: أن الباء للحال، أي: إنه يعذب حال بكائهم عليه، والتعذيب عليه منْ
ذنبه لا بسب البكاء، يعني: أن مبدأ عذاب الميت يقعُ عند بكاء أهله عليه، وذلك أن
شدة بكائهم غالبًا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويبتدأ به عذاب القبر،
فكان معنى الحديث: أن الميت يعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن
يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه. قال العيني: حكى الخطابي عن بعض أهل العلم أنه
ذهب إلى أنه مخصوص ببعض الأموات الذين وجب عليهم العذاب بذنوب
اقترفوها، وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم.
ومعنى قوله: ((يُعَذَّبُ بِيُكَاءِ أَهْلِهِ)) أي: عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه،
ويكون ذلك حالًا لا سببًا.
قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلف، ولعل قائله إنما أخذه من قول
عائشة: إنما قال رسول اللّهُ وَِّ ((إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِمَعْصِيَتِهِ أَوْ بِذَتْبِهِ، وَإِنَّه لَيَيْكُونَ عَلَيْهِ
الْآنَ)) أخرجه مسلم، وعلى هذا يكون خاصًّا ببعض الموتى.
الرابع: أنه خاص بالكافر، وأن المؤمن لا يعذب بذنب غيره أصلًا، وهو بين
من رواية ابن عباس عن عائشة حيث قالت: يرحمُ اللهُ عمر؛ والله ما حدث
٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رسول اللَّه ◌َلّ أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، ولكن ((إن الله يزيد الكافر عذابًا
ببكاء أهله عليه)).
الخامس: أن المراد بالميت ميت معهود معين. قال الحافظ: ومنهم من أوله
على أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود
معين، كما جزم به القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره. وحجتهم ما سيأتي في رواية
عمرة عن عائشة .
قال الحافظُ بعد ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة ما لفظُه: وهذه التأويلات عن
عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم تَرُد حديث أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه
بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن. قال الداودي: رواية ابن
عباس عن عائشة بلفظ: ((إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، بينت ما نفته
عمرة وعروة عنها، إلا أنها خصته بالكافر؛ لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذابًا ببكاء
أهله، فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء. وقال القرطبي: إنكار
عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضًا ولم
يسمع بعضًا بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون،
فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح، وقد جمع كثير من أهل العلم
بين حديثي عمر وعائشة بضروب من الجمع، كما ستعرف.
السادس: أنه خاص بمن كان النوح من سُنته وطريقته، وهذا أحد وجوه الجمع،
وعليه البخاري حيث قال في صحيحِهِ: باب قول النبي وَ لَّهُ يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضَِ
بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَِّهِ؛ لقول الله تعالى: ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
[التحريم: ٦] وقال النبي ◌َّ ((كُلَّكُمْ رَاعٍ وَكُلَّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))، فإذا لم يكن من سنته
فهو كما قالت عائشة: ﴿وَلَا نَزُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... ﴾ إلخ.
السابع: أنه فيمن أوصى به أهله وهو أخص مِن الذي قبله، وهذا قول
الجمهور، كما قال النووي، قالوا: كان ذلك معروفًا للقدماء من العرب، فإنهم
كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم، وهو موجود في أشعارهم، كقول
طرفة بن العبد:
إِذَا مُتُّ فَائِكِينِي بِمَا أَنَا أَهْلَهُ وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبِدٍ
٩٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
ومثل هذا كثير في أشعارهم، وإذا كان كذلك، فالميت إنما تلزمه العقوبة بما
تقدم في ذلك من أمره إياهم بذلك وقت حياته، واعترض بأن ذنب الميت الأمر
بذلك، فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه.
وأجيب: بأن الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب؛ شاهده حديث: ((مَنْ
سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا)).
الثامن: أنه فيمن لم يوص بتركه، فتكون الوصية بذلك واجبة إذا علم أن مِن
شأن أهله أن يفعلوا ذلك، وهو قول داود وطائفة. قال ابن المرابط: إذا علم المرء
ما جاء في النهي عن النوح، وعرف أن أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك، ولم يعلمهم
بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذب على ذلك، عذب بفعل نفسه لا بفعل
غيره بمجرده.
التاسع: أن المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة بما یندبه أهله به، كما روى أحمد
من حديث أبي موسى مرفوعًا: ((الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، إِذَا قَالَتِ النَّائِحَةُ:
وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِيَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَّهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا،
أَنْتَ كَاسِيُهَا)). ورواه ابن ماجه بلفظ: ((يُتَعْتَعُ وَيُقَالُ: أَنْتَ كَذَلِكَ)). ورواه الترمذي
بلفظٍ آخر كما سيأتي. وشاهده حديث النعمان بن بشير، وسيأتي أيضًا.
العاشر: معنى التعذيب تألم الميت مما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا
اختيار أبي جعفر الطبري وابن المرابط وعياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية
وجماعة من المتأخرين، واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة،
والطبراني وغيرهم من حديث قَيْلَةَ، وفيه أن رسول اللّه وَ ل ◌َه قال: ((فَوَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَبْكِي فَيَسْتَعْبِرُ إِلَيْهِ صُوَيْحِبَهُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ؛ لَا تُعَذَّبُوا مَوْتَاكُمْ)). قال
الحافظ: هو حسن الإسناد. قال الطبراني: ويؤيده ما قال أبو هريرة: إن أعمال
العباد تُعرض على أقربائهم من موتاهم .. . ثم ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده
حديث النعمان بن بشير مرفوعًا، أخرجه البخاري في ((تاريخه))، وصححه
الحاكم. قال ابن المرابط: حديث قيلة نص في المسألة فلا يعدل عنه، واعترضه
ابن رشيد بأنه ليس نصًّا، وإنما هو محتمل، فإن قوله: ((فَيَسْتَعْبِرُ إِلَيْهِ صُوَیْحَبَهُ)) لیس
نصًّا في أن المراد به الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحي، وأن الميت يعذب
حينئذٍ ببكاء الجماعة عليه.
٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحادي عشر: أن المراد التعذيب بالصفات التي يبكون بها عليه، وهي مذمومة
شرعًا، كما كان أهل الجاهلية يقولون: يا مُرَمِّل النسوان، يا مُيَتِّم الأولاد، يا
مخَرِّب الدور.
قال الحافظ: ومن وجوه الجمع أن معنى قوله: ((يعذب ببكاء أهله عليه)) أن
بنظير ما يبكيه أهله به؛ وذلك أن الأفعال التي يعددون بها عليه غالبًا تكون من
الأمور المنهية، فهم يمدحونه بها، وهو يعذب بصنيعه ذلك، وهو عين ما
يمدحونه، وهذا اختیار ابن حزم وطائفة.
واستدلَّ له بحديث ابن عمر - يعني الذي تقدم في الفصل الأول من هذا الباب -
في قصَّة شكوى سعد بن عبادة، وفيه ((وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا)) وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ. قال ابن
حزم: فصح أن البكاء الذي يعذب به الإنسان ما كان منه باللسان؛ إذ يندبونه
برياسته التي جاء فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله، وجوده الذي لم
يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخرة وهو يعذب بذلك. وقال
الإسماعيلي: كثر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال: كل مجتهد على حسب ما
قدر له، ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه؛ وهو أنهم كانوا في الجاهلية
يغيرون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكية بتلك الأفعال
المحرمة .
فمعنی الخبر أن المیت یعذب بذلك الذي یبکی علیه أهله به؛ لأن المیت یندب
بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر، وهي زيادة ذنب في ذنوبه يستحق
العذاب عليها. قال الحافظ بعد ذكر هذه الوجوه الستة الأخيرة للجمع بين الحديثين
ما لفظه: ويحتملُ أن يجمع بين هذه التوجيهات، فينزل على اختلاف الأشخاص
بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح، فمشى أهله على طريقته، أو بالغ فأوصاهم
بذلك؛ عذب بصنعه، ومن كان ظالمًا فندب بأفعاله الجائرة؛ عذب بما ندب به،
ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيًا بذلك إلتحق
بالأول، وإن كان غير راض؛ عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك
كله واحتاط، فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه وفعلوا ذلك، كان تعذيبه تألمه
بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم
بالصواب.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
** C
بَابَ الْبَكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
٩٧
الثاني عشر: التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى:
﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الإسراء:١٥] على يوم القيامة، وحديث التعذيب بالبكاء على
البرزخ، ذكره الكرماني وحسنه، قال: ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع في الدنيا،
والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوْ مِنكُمْ خَصَّةً﴾
[الأنفال: ٢٥]، فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب،
فكذلك يمكن أن يكون الحال في البرزخِ بخلاف يوم القيامة. انتهى.
وفي هذا الجمع نظر، فإنه ينافيه لفظ يوم القيامة في حديث المغيرة بن شعبة
فتفكر، وأرجح الأقوال وأحسن المذاهب في ذلك عندي هو قول من قال: إن
الحديث المذكور في حق من له في بكاء غيره تسبب، بأن يكون البكاء من طريقته،
أو أوصى به في حياته، أو عرف أن أهله يفعلون ذلك وأهمل النهي عن ذلك، وترك
الزجر عنه، وأما إذا لم يكن له فيه تسبب أصلاً، فهو كما قالت عائشة: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ﴾ والله تعالى أعلم. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم. وأخرجه أحمد
(ج ٤: ص ٢٤٥) والترمذي والطبراني والبيهقي (ص٧٢) وفي الباب عن عمر وابن
عمر، وسيأتيان، وعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ عند أحمد، وقد ذكرنا لفظه وعن
عمران بن حصين عند ابن عبد البر، وعن سمرة عند أحمد والبزار.
١٧٥٥ - [٢٠] وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ
عَائِشَةَ وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّثَ لَيُعَذَّبُ بِيُكَاءِ الْحَيِّ
عَلَيْهِ، تَقُولُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ
أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا فَقَالَ: ((إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا)).
الْشَّرْجُ
١٧٥٥- قوله: (وَعَنْ عَمْرَةَ) بفتح العين المهملة وسكون الميم. (بِنْتِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقة من أوساط التابعين، كانت
(١٧٥٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٢٨٩)، ومُسْلِم (٩٣٢) فيه عنها .
ASCHE
٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في حِجرِ عائشة، أكثرت عنها. قال ابنُ المديني: عمرة أحد الثقات العلماء
بعائشة، الأثبات فيها. وقال ابن حبان: كانت من أعلم الناس بحديث عائشة.
وقال سفيان: أثبت حديث عائشة حديث عمرة والقاسم وعروة، ماتت قبل المائة،
وقيل بعدها. (وَذُكِرَ) بصيغة المجهول. (لَهَا) أي: لعائشة.
(إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ) أي: سواء كان الباكي من أهل الميت أم
لا، فليس الحكم مختصًّا بأهله، وقوله ((بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)) في الرواية الآتية خرج
مخرج الغالب؛ لأن المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهله. ووقع في بعض طرق
حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة ((مَنْ نِيجَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِحَ عَلَيْهِ))، فرواية
الباب عامة في البكاء، وهذه الرواية خاصة في النياحة، فيحمل المطلق على
المقيد، وتكون الرواية التي فيها مطلق البكاء محمولة على البكاء بنوح. ويؤيد
ذلك إجماع العلماء على حمل ذلك على البكاء بنوح.
ومما يدل على أنه ليس المراد عموم البكاء قوله ◌َّ في حديث عمر: ((إِنَّ الْمَيِّثَ
لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)). فقيده ببعض البكاء، فحمل على ما فيه نياحة؛
جمعًا بين الأحاديث. قال الشوكاني: وحكى النووي إجماع العلماء على اختلاف
مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا
بمجرد دمع العين .
(تَقُولُ) حال من عائشة. وقيل: مفعول ثان [((سَمِعْتُ)) وما بينهما جملة
معترضة. (يَغْفِرُ اللهُ لِأَّبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر، قدمته تمهيدًا أو دفعًا
لمن يوحش من نسبته إلى النسيان والخطأ، قال الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ
أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فمن استغرب من غيره شيئًا ينبغي أن يوطئ ويمهد له بالدعاء
إقامة لعذره فيما وقع منه، وإنه لم يتعمد، ومن ثم زادت على ذلك بيانًا واعتذارًا
بقولها: (أَمَا) بالتخفيف للتنبيه أو للافتتاح، يؤتى بها لمجرد التأكيد. (أَنَّهُ) أي: ابن
عمر. (وَلَكِنَّهُ نَسِيَ) أي: مورده الخاص. (أَوْ أَخْطَأَ) أي: في إرادته العام. (يُبْكَى
عَلَيْهَا) بصيغة المجهول وفي رواية: (يبكي عليها أهلها)). (إنَّهُمْ) أي: اليهود.
(وَإِنَّهَا) أي: اليهودية. (لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا) أي: لكفرها في حال بكاء أهلها عليها لا
بسبب البكاء.
٩٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلى الْمَيتِ
قال القاري: ولا يخفى أن هذا الاعتراض وارد لو لم يسمع الحديث إلا في هذا
المورد، وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة عنه وعن غيره غير مقيدة بل
مطلقة، دخل هذا الخصوص تحت ذلك العموم، فلا منافاة ولا معارضة، فيكون
اعتراضها بحسب اجتهادها. انتهى. وتقدم قول القرطبي: إن إنكار عائشة ذلك
وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان، أو على أنه سمع بعضًا ولم يسمع بعضًا
بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون، فلا وجه للنفي
مع إمكان حمله على محمل صحيح. انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه مالك والترمذي والنسائي وأبو عوانة
والبيهقي.