Indexed OCR Text

Pages 1-20

شَاءُ الَّقَاد
شَرَّحُ
مِشَكَاةِ المِصَاحُ
لِلعَلَامَةِ المحدِّث
أَبِيّ الْحَسِنْ عُبَيْدِ اللهِنْ الْعَلَّمَةِ محمّد عَبْدِ السَّلَام للبُّارَ كَفُورِيّ
مُحمَهُمَا الأَثَمَالى
تَقْديم نَفِيَ الشَّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللَّهِ بْنْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَهُ الله
الدَّس بالسّجِالَّمَ وَالأسْنَاذ المُتَارِكِ بَجَاسِعَة أم القُرُبى - بمكّة الَكرََّة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيْخُ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بِرْ مُحَمَّدْ أَمِيْنْ
غَفَّ اللّه لَه وَلَوَ الدَّيْهِ
المُجَلُّ السَّابِعُ
تَتْمَةُ كِتَابِ الجََّّائِزْ - كِتَابُ الزَّكَاة
حَديث (١٧٠٧ - ١٩٠٢)
غَدَارُ الْقَبَسِ التَّشَعِوالتّوزيع

مِنْكَاءُ المفاتيح
شرحُ
مِشَكَاةِ المِصَاِح
المُجَلَّهُ السَّابِعُ

ح
محمد سليمان أمين، ١٤٣٨ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢ -٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٠-٨٧٧٢-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٧)
١- الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
دیوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢ -٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٠-٨٧٧٢-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٧)
جَمْعُ الحقوق محفوظة لُمِقِّق والنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَفُّ وَتَصِمْحَ وَإِخِرَاجُ
مَارُ القَبِسِ للنشر والتّوزيع
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com

فرعَاء الْفَاريد
شِرَّحُ
مِشَكَاةِ المِصَاح
لِلعَلَامَةِ المُحدِّث
أَبِي الْحَسَنْ عُبَيْدِ اللهِبْنِ الْعَلَّمَةِ مَد عَبْدِ السَّلَامِ المُّارَكَفُورِيّ
رَعَهُمَا اللَّ تَّعَالى
تَقْيِم نَضِيَ الشّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللّهِ بَزْ مَحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ اللّه
المدّس بالَّجِالهَامِ وَالأسْنَاذِ المُشَارِ بَجَامِعَة أمّ الُرى- بِمَّ الَكَرَة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيْخُ محَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَزْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنَ
غَفَرَ اللّه لَرَوَكَوَالدَيْهِ
المُجَلَّهُ السَّابِعُ
تَتِمَةُ كِتَابِ الْجَمَّائِز - كِتَابُ الزَّكَاة
حَديث (١٧٠٧ - ١٩٠٢)
قَدَارُ القَبِ لنشْرِ والتّوزيع

٥
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦ - بَابُ دَفْنِ الْمَيْتِ
الفصل الأول
١٧٠٧ - [١] عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي
وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَِّنَ
نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَلَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٧٠٧- قوله: (هَلَك) أي: مات. (الْحَدُوا) بوصل الهمزة من لحد،
كمنع، أو بقطع الهمزة من ألْحَدَ. (لِي) أي: لأجلي. (لَحْدًا) بفتح اللام مفعول
مطلق من بابه، أو من غيره، أو مفعول به على تجريد في الفعل، أي: اجعلوا لي
لحدًا، واللحد الشق الذي يعمل في جانب القبر القبلي لوضع الميت. (وَانْصِبُوا)
بكسر الصاد من ضرب أي: أقيموا. (عَلَيَّ) أي: فوقي. (اللِّنَ) بكسر الباء، في
((القاموس)): اللبن ككتف المضروب من الطين مربعًا للبناء. (كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ
اللَّهِ) أي: بقبره. قال النووي: فيه: استحباب اللحد ونصب اللبن؛ لأنه فعل ذلك
برسول اللّه وَله باتفاق الصحابة، وقد نقلوا أن عدد لبناته مَّر تسع. انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص١٦٩، ١٧٣، ١٨٤)، والنسائي،
وابن ماجه، والبيهقي. وفي الباب عن جابر عند ابن حبان والبيهقي، وعن ابن عمر
عند أحمد، وعن عائشة عند ابن حبان، وعن علي عند الحاكم، وعن بريدة عند ابن
عدي في ((الكامل))، والطبراني في ((الأوسط)).
(١٧٠٧) أَحْمَد (١٦٩/١)، وَمُسْلِم (٩٦٦/٩٠)، وَابن مَاجَهْ (١٥٥٦) فِي كِتَابِ الجَنَائِزِ عَنْهُ.

٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٠٨ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَه
قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشِّرُْ
١٧٠٨ - قوله: (جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ) هي كساء له
خمل، وهو الهُدّاب، وهداب الثوب الخيوط التي تبقى في طرفيه من عرضيه دون
حاشيتيه، ((وُجُعِل)): بضم الجيم مبني للمفعول، والجاعلِ لذلك هو شُقْران مولى
رسول اللَّه وَله، فروى الترمذي من حديثه قال: أنا والله طرحت القطيفة تحت
رسول اللَّه وَ لّل في القبر، وقال: حسن غريب. وروى ابنُ إسحاق في ((المغازي))،
والحاكم في ((الإكليل)) من طريقه، والبيهقي (ج ٣ ص٤٠٨) عنه من طريق ابن
عباس قال: كان شُقْرَان حين وضع رسول اللّه وَ له في حُفرته أخذ قطيفة كان يلبسها
ويفترشها فدفنها معه في القبر وقال: واللهِ لا يلبسها أحدٌ بعدك، فدُفِنت معه.
وروى الواقدي عن علي بن حسين: أنهم أخرجوها. وبذلك جزمَ ابنُ عبد البر
حيث قال في ((الاستيعاب)): وطرح في قبره سمل قطيفة كان يلبسها، فلما فرغوا من
وضع اللبن أخرجوها وهالوا التراب على لحده. انتهى.
وقال الحافظ العراقي في ((ألفيته)) في السيرة:
وفُرشت في قبره قُطَيْفَةُ وقيل أخرجت، وهذا أَثْبَتُ
والحديث يدل على جواز افتراش الثوب في القبر تحت الميت، وإليه ذهب
البغوي وابن حزم، وذهب الجمهور إلى كراهته، وأجابوا عن هذا الحديث بأن
شقران فرشها من غير علمٍ الصحابة بذلك. قال النووي: قال العلماء: وإنما جعلها
شقران برأيه، ولم يوافقه أحد من الصحابة، ولا علموا بفعله، وفي رواية للترمذي
إشارة إلى هذا، ذكره الزيلعي. وقيل: هذا من خصائصه ◌َّليل ، وقيل: دُفنت معه ثم
استخرجت قبل أن يهال التراب.
(١٧٠٨) مُسْلِم (٩١/ ٩٦٧) عَنْهُ فِيهِ .

٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ دَفْنِ الْمَيثِ
قال النووي في ((شرح مسلم)): هذه القطيفة ألقاها شقران، وقال: كرهت أن
يلبسها أحد بعد رسول اللَّه ◌ِّله، وقد نص الشافعي وجميع أصحابنا وغيرهم من
العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة أو نحو ذلك تحت الميت في
القبر، وشذ عنهم البغوي من أصحابنا فقال في كتابه ((التهذيب)): لا بأس بذلك
لهذا الحديث، والصواب كراهته، كما قاله الجمهور، وأجابوا عن هذا الحديث
بأن شقران انفرد بفعل ذلك ولم يوافقه غيره من الصحابة ولا علموا ذلك، وإنما
فعله شقران لما ذكرناه عنه من كراهة أن يلبسها أحد بعد النبي وَالر؛ لأن النبي وَّ
كان يلبسها ويفترشها، فلم تطب نفس شقران أن يتبذلها أحد بعد النبي وَله وخالفه
غيره، فروى البيهقي عن ابن عباس أنه كره أن يجعل تحت الميت ثوب في قبره.
انتهى كلام النووي.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه النسائي وابن حبان أيضًا، قال الحافظ في ((التلخيص)):
وروى ابن أبي شيبة، وأبو داود في ((المراسيل)) عن الحسن نحوه، وزاد: لأنَّ
المدينة أرض سبخة. انتهى.
١٧٠٩ - [٣] وَعَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ وَلِّ مُسَنَّمًا.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
G O
الْشَّرْحُ
١٧٠٩- قوله: (وَعَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ) بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد
الميم، هو سفيان بن دينار التمار أبو سعيد العصفري الكوفي، ثقة من كبار أتباع
التابعين، وقد لحق عصر الصحابة، ولم تعرف له رواية عن صحابي، ووقع في
((جامع الأصول)) (ج١١ ص٣٩٤) عبد الله بن عباس مكان سفيان التمار، وهو خطأ
واضح وغلط بين .
(١٧٠٩) البُخَارِي (١٣٩٠) عَنْهُ فِيهِ. قُلْتُ: سُفْيَانُ المَذْكُورُ تَابِعِيٍّ صَغِيرٌ، وَمِنَ المُسْتَغْرَبَاتِ أَنَّ
الحُمَيْدِيَّ أَوْرَدَ حَدِيثَهُ هَذَا فِي ((الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ)) (١١٧٩) فِي مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا ذِكْرَ لابْنِ
عَبَّاس فِيهِ أَصْلًا!

٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ وَّهِ مُسَنَّمًا) بتشديد النون المفتوحة، ورواه ابن أبي شيبة
وزاد: وقبر أبي بكر وقبر عمر كذلك، وكذلك رواه أبو نعيم وذكر هذه الزيادة التي
ذكرها ابن أبي شيبة. قال الطيبي: تسنيم القبر هو أن يجعل كهيئة السنام، وهو
خلاف تسطيحه. وقال السيد جمال الدين: المسنم المحدب كهيئة السنام خلاف
المسطح. وقال في ((القاموس)): التسنيم ضد التسطيح وقال: سطحه كمنعه:
بسطِهِ. واستدلَّ بهذا على أن المستحب تسنيم القبور.
*
وقد اختلف العلماء في الأفضل من التسنيم والتسطيح أي: التربيع بعد الاتفاق
على جواز الكل، فذهب مالك وأحمد وأبو حنيفة وكثير من الشافعية منهم المزني
إلى أن تسنيم القبر أفضل من تسطيحه، وذهب الشافعي وأكثر الشافعية إلى أن
التسطيح أفضل، وتمسك الأولون بقول سفيان التمار المذكور، وبما في ((مصنف
ابنِ أبي شيبة)): ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي حصين عن الشعبي: رأيتُ
قبور شهداء أحد جثى مسنمة، وبما قال الطبري: ثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا
خالد ابن أبي عثمان قال: رأيتُ قبرَ ابن عمر مُستَّمًا، وبما قال إبراهيم النخعي:
أخبرني مَن رأى قبر رسول اللّه وَاله وصاحبيه مسنمة ناشزة من الأرض عليها مرمر
أبيض. ذكره العيني. وبما قال الطبري: إنَّ هيئة القبور سنة متبعة، ولم يزل
المسلمون يسنمون قبورهم. وبما قال المزني: إن المسطح يشبه ما يصنع للجلوس
بخلاف المسنم، فإنه ليس موضع الجلوس، وقد نهي عن الجلوس على القبور.
وبما قال ابنُ قدامة: إن التسطيح يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو أشبه بشعار أهل البدع
يعني الرافضة. واستدل القائلون بأفضلية التسطيح، بما قال الشافعي: بلغنا أن
رسول اللَّه ◌َ له سطح قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه الحصباء ورش عليه الماء. قال
القسطلاني: وفعله ◌َّل حجة لا فعل غيره، وفيه أن هذا البلاغ مرسل أو معضل،
فلا يكون حجة، وبحديث أبي الهياج الأسدي الآتي.
قال الشوكاني في ((السيل الجرار)): حديث أبي الهياج يدل على أن التربيع
أفضل؛ لأن في التسنيم بعض أشراف. وأجيب عنه: بأنه محمول على ما كانوا
يفعلونه من تعلية القبور بالبناء الحسن العالي، قاله ابن الجوزي. وقال ابن الهمام:
هذا الحديث محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء العالي، وليس

٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ دَفْنِ الْمَيثِ
مرادنا ذلك بتسنيم القبر بل بقدر ما يبدو من الأرض ويتميز عنها. وقال الطبري:
تسوية القبور ليست بتسطيح، وبما في حديث القاسم بن محمد في آخر الفصل
الثاني من هذا الباب: فكشفت عَائِشة لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة
مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. قال ابنُ الملك: أي: مسواة مبسوطة على
الأرض. قال ابن حجر: هو صريح في أن القبور الثلاثة مسطحة لا مسنمة. انتهى.
قيل: ولا حجة في قول سفيان التمار، كما قال البيهقي، والنووي، والبغوي،
لاحتمال أن قبره وَّله وقبري صاحبيه لم تكن مسنمة في الأزمنة الماضية بل كانت
مسطحة، ثم لما بُني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل
الوليد بن عبد الملك غيروها وصيروها مُسنمة.
قال البيهقي: حديث القاسم يدل على التسطيح، وهو أصح وأولى أن يكون
محفوظًا. وفيه: أن هذا خلاف اصطلاح أهل هذا الشأن، بل حديث التمار أصح؛
لأنه مخرج في ((صحيح البخاري))، وحديث القاسم لم يخرج في شيء من
الصحيح. قال ابن قدامة: حديث التمار أثبت من حديث القائلين بالتسطيح وأصح
فكان العمل به أولى. انتهى. على أن في إسناده عمرو بن عثمان بن هانئ، وهو
مستور، كما في ((التقريب))، فلا يكون حديثه هذا صحيحًا؛ فضلاً عن أن يكون
أصح من حديث التمار وإن سكت عنه أبو داود والمنذري والزيلعي والحافظ، ولو
سلم صحَّته، فليس فيه دليل على التسطيح فإن المعنى: ((لَا مُشرفَة))، أي: مرتفعة
غاية الارتفاع، وقيل: أي: عالية أكثر من شبر. ((وَلَا لَاطِئَةٍ)): أي: مستوية على
وجه الأرض ((مبطوحة ببطحاء العرصة)) أي: ملقاة فيها البطحاء.
قال الطحاوي بعد ذكر حديث القاسم: ليس في هذا دليل على تربيع ولا تسنيم؛
لأنه يجوز أن تكون مبطوحة بالبطحاء، وهي مسنمة.
وفي ((التجريد)) للقدوري: يحتمل أن تكون مبطوحة والتسنيم في وسطها، فهذا
الخبر محتمل، وحديث التمار صريح في التسنيم، فليس بينهما مخالفة حتى يحتاج
إلى الجمع والتوفيق هذا، وقد رجح الشوكاني التسطيح، والأفضل عندي هو
التسنيم، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (ص١٣٤) والبيهقي (ج ٤ ص٣).

١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧١٠ - [٤] وَعَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسْدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٍّ: أَلَا أَبْعَنُكَ
عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَلًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا
مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ.
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٧١٠ - قوله: (وَعَنْ أَبِي الْهَيَّاج) بفتح الهاء وتشديد الياء المثناة من تحت
وآخره جیم. (الأسَدِيِّ) بفتح السین ویسکن اسمه حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد
التحتية وآخره نون، ابن حصين الكوفي من ثقات التابعين، وليس له في مسلم
والترمذي وأبي داود والنسائي إلا هذا الحديث الواحد.
(أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وََّ) أي: ألا أرسلك للأمر الذي
أرسلني له رسول اللّه وَل﴾، وإنما ذكر تعديته بحرف (عَلَى) لما في البعث من معنى
الاستعلاء والتأمير، أي: أجعلك أميرًا على ذلك، كما أمرني عليه رسول اللّه وَل ـ
(أَنْ لَا تَدَعَ) (أَنْ) مصدرية و(لا) نافية خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أن لا تدع.
وقيل: ((أَنْ)) تفسيرية و ((لَا)) ناهية أي: لا تترك. (تِمْثَالًا) أي: صورة، والمراد صورة
ذي روح. (إِلَّا طَمَسْتَهُ) أي: محوته وأبطلته بقطع رأسه وتغيير وجهه ونحو ذلك.
(وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا) بكسر الراء من أشرف إذا ارتفع، والمراد هو الذي بني عليه حتى
ارتفع دون الذي أعلم عليه بالرمل والحصا والحجر ليعرف فلا يوطأ، ولا فائدة في
البناء عليه، فلذلك نهي عنه. (إِلَّا سَوَّيْتَهُ) قال في ((المجمع)): الجمهورُ على أن
الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم، ولا ما يعرف به القبر كي يحترم، وإنما هو
ارتفاع كثير تفعله الجاهلية، فإن التسنيم صفة قبره وَّل انتهى. وتقدم كلام ابن
الهمام بنحو هذا، وفي (الأزهار)) قال العلماء: يستحب أن يرفع القبر قدر شبر،
ويكره فوق ذلك، ويستحب الهدم، ففي قدره خلاف، قيل: إلى الأرض تغليظًا،
وهذا أقرب إلى اللفظ أي: لفظ الحديث من التسوية.
(١٧١٠) مُسْلِم (٩٦٩/٩٣) عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ دَفْنِ الْمَيثِ
وقال الشوكاني في ((النيل)): قوله ((وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ)) فيه: أن السنة أن لا
يرفع القبر رفعًا كثيرًا من غير فرق بين من كان فاضلًا ومن كان غير فاضل،
والظاهر: أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك
أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، ومن رفع القبور الداخل
تحت الحديث دخولًا أوليًّا القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من
اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي ◌ُّ فاعل ذلك. وكم قد سرى عن تشييد أبنية
القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد
الكفار للأصنام، وعظم ذلك، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر،
فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما
يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة
أنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه
راجعون .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص٩٦ و ١١١ و ١٢٩ و١٤٥) والترمذي،
وأبو داود، والنسائي، والبيهقي، والحاكم.
١٧١١ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ وَهِ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ
وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشِّرْجُ
١٧١١ - قوله: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ) أي: عن تخصيص
القبر أي: بناءه بالقصة. وفي رواية لمسلم: نهى عن تقصيص القبور. بالقاف
والصاد المهملتين، وهو التخصيص. و((القصة)) بفتح القاف وتشديد الصاد: هي
الجص. قال في ((الأزهار)): النهي عن تخصيص القبور للكراهة، وهو يتناول البناء
بذلك. وتجصیص وجهه .
(١٧١١) مُسْلِم (٩٤/ ٩٧٠)، وَأَبُو دَاوُد (٣٢٢٥)، والتِّرْ مِذِي (١٠٥٢)، والنَّسَائِي (٨٦/٤) فِيهِ عَنْهُ.

١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلتُ: الحديث دليل على تحريم تخصيص القبر؛ لأن الأصل في النهي
التحريم، ولا يعرف صارف عن هذا الأصل. قال العراقي: ذكر بعضهم أن الحكمة
في النهي عن تخصيص القبور كون الجص أحرق بالنار، وحينئذٍ فلا بأس بالتطيين،
كما نص عليه الشافعي، وقال ابن قدامة بعد ذكر هذا الحديث: فيه: دليل على
الرخصة في تطيين القبر لتخصيصه التخصيص بالنهي، نهى عمر بن عبد العزيز أن
يبنى على القبر بآخر فأوصى بذلك، وأوصى الأسود بن يزيد أن لا تجعلوا على
قبري آجرًا، وقال إبراهيم: كانوا يكرهون الآجر في قبورهم.
وقال ابن قدامة: سئل أحمد عن تطيين القبور، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس،
ورخص في ذلك الحسن والشافعي، وروى أحمد بإسناده عن نافع عن ابن عمر:
أنه كان يتعاهد قبر عاصم بن عمر، قال نافع: وتوفي ابن له، وهو غائب، فقدم
فسألنا عنه فدللناه عليه فكان يتعاهد القبر ويأمر بإصلاحه، وروي عن الحسن عن
ابن مسعود، قال: قال رسول اللَّهُ وَّ ((لَا يَزَالُ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ الْأَذَانَ مَا لَمْ يُطَيَّنْ
قَبْرُهُ)). أو قال: ((مَا لَمْ يُطْو قَبْرُهُ)). انتهى.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٦٥): ذكر صاحب ((مسند الفردوس)) عن
الحاكم: أنه روى من طريق ابن مسعود مرفوعًا: ((لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم
يطين قبره)). وإسناده باطل، فإنه من رواية محمد بن القاسم الطالقاني، وقد رموه
بالوضع، قال: وقد روى أبو بكر النجاد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن
النبي بَّ رفع قبره من الأرض شبرًا وطين بطين أحمر من العرصة: انتهى.
واختلفت الحنفية في ذلك فكرهه الكرخي. وقال في ((الفتاوى المنصورية
والمضمرات والخانية)): لا بأس به. (وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) يحتملُ أن المراد البناء على
نفس القبر ليرتفع عن أن ينال بالوطء، أو المراد البناء حول القبر مثل أن يتخذ حوله
متربة أو مسجد ونحو ذلك. قال العراقي: وعليه حمله النووي في ((شرح
المهذب))، وقال التوربشتي: يحتمل وجهين: أحدهما: البناء على القبر بالحجارة
وما يجرى مجراها، والآخر: أن يضرب عليه خباء ونحوه، وكلاهما منهي عنه؛
لأنه من صنيع أهل الجاهلية؛ ولأنه إضاعة للمال. وقال الشوكاني: فيه: دليل على
تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي وأصحابه، فقالوا: إن كان البناء في ملك
المباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام، ولا دليل على هذا التفصيل.

١٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ دَفْنِ الْمَيثِ
وقد قال الشافعي: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويدل على الهدم
حديث علي المتقدم، انتهى. قلت: الأمر كما قال الشوكاني.
(وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول كالفعلين السابقين. قال الطيبي: المراد من
القعود هو الجلوس، كما هو الظاهر، وقد نهي عنه؛ لما فيه من الاستخفاف بحق
أخيه المسلم، وحمله جماعة على قضاء الحاجة، والأول هو الصحيح، لما أخرجه
الطبراني والحاكم عن عمارة بن حزم قال: رآني رسولُ اللَّهُ مَثّ جالسًا على قبرٍ
فقال: ((يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ انْزِلْ مِنْ عَلَى الْقَبْرِ، لَا تُؤْذِي صَاحِبَ الْقَبْرِ وَلَا يُؤْذِيَكَ)).
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود: أنه سئل عن الوطء على القبر، قال:
كما أكره أذى المؤمن في حياته، فإني أكره أذاه بعد موته، كذا في ((المرقاة)).
وحديث عمارة هذا عزاه الهيثمي للطبراني في ((الكبير))، وقال: وفيه ابن لهيعة،
وفيه كلام، وقد وثق. وذكر أثر ابن مسعود بلفظ: لأن أطأ على جمرة أحب إلى من
أن أطأ على قبر مسلم، وعزاه للطبراني أيضًا قال: وفيه عطاء بن سائب وفيه كلام.
وقد اختلف العلماء في الجلوس على القبر لغير قضاء الحاجة. فقال الحسن
البصري وابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وأحمد وإسحاق وأبوسليمان داود،
وكثير من الشافعية منهم النووي بتحريم الجلوس مطلقًا .
قال العيني: ويروى ذلك أي: كراهة الجلوس على القبر مطلقًا أيضًا عن
عبد الله وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي هريرة وجابر، وإليه ذهبت الظاهرية. وقال
ابنُ حزم في ((المحلى)): لا يحل لأحد أن يجلس على قبر، وهو قول أبي هريرة،
وجماعة من السلف، واستدل لذلك بحديث جابر، وما في معناه من الأحاديث
المرفوعة والآثار الموقوفة، وهي كثيرة.
وذهب أبو حنيفة وصاحباه، وجماعة من الشافعية إلى أن القعود على القبر لغير
قضاء الحاجة مكروه فقط، أي: يكره تنزيهًا لا تحريمًا، وكذا وطؤه والاتكاء إليه.
قال في الأزهار: نقلًا عن بعض العلماء: الأولى أن يحمل من هذه الأحاديث ما فيه
التغليظ على الجلوس للحدث، فإنه يحرم، وما لا تغليظ فيه على الجلوس المطلق
فإنه مكروه، والاتكاء والاستناد كالجلوس المطلق، نقله السيد جمال الدين.

١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال مالك والطحاوي: لا يكره الجلوس على القبرِ، وحمل مالك أحاديث
النهي على الجلوس لقضاء الحاجة.
قال النووي: هو تأويل ضعيف أو باطل. وقال أحمد: ليس هذا بشيء، ولم
يعجبه رأي مالك، واحتج الطحاوي لذلك القول بما روي عن ابن عمر أنه كان
يجلس على القبور. وأخرج عن علي نحوه، وعن زيد بن ثابت: إنما نهى النبي وَل
عن الجلوس على القبر لحدث غائط أو بول، ورجال إسناده ثقات. قال السندي:
ويؤيد الحمل على ظاهره ما جاء من النهي عن وطئه. وقال الحافظ: ويؤيد قول
الجمهور ما أخرجه أحمد والنسائي عن عمرو بن حزم الأنصاري مرفوعًا: ((لَا
تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ)). وفي رواية له، أي: لأحمد عنه: رآني رسول اللّه وَ له وأنا
متكئ على قبرٍ، فقال: ((لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ))، إسناده صحيح، وهو دال على أن
المراد بالجلوس القعود على حقيقته.
ورد ابن حزم التأويل المتقدم بأن لفظ حديث أبي هريرة عند مسلم: ((لأن يجلس
أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده))، قال: وما عهدنا أحدًا يقعد على
ثيابه للغائط، فدلَّ على أن المراد القعود على حقيقته. وقال ابنُ بطال: التأويل
المذكور بعيد؛ لأن الحدث على القبر أقبح من أن يكره الجلوس المتعارف،
انتهى. والراجح عندي: هو قول الجمهور أنه يحرم الجلوس على القبر مطلقًا،
واللَّه تعالى أعلم. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والترمذي، وسيأتي لفظه وابن حبان والحاكم والبيهقي.
١٧١٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِ: ((لَا
تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلَّوا إِلَيْهَا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح }
الْشِّرْحُ
١٧١٢- قوله: (وَعَنْ أَبِي مَرْئَدٍ) بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة.
(الْغَنَوِيِّ) بمعجمة ونون مفتوحتين، نسبة إلى غني بن يعصر، اسمه كناز بفتح
(١٧١٢) مُسْلِم (٩٧٢/٩٧)، وَأَبُو دَاوُد (٣٢٢٩)، وَالنَّسَائِي (٦٧/٢)، وَالترمِذِي (١٠٥٠) فِيهِ عَنْهُ.

١٥
بَابُ دَفْنِ الْمَيثِ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
الكاف وتشديد النون وآخره زاي. ابن الحصين بن يربوع صحابي بدري، مشهور
بكنيته، حليف حمزة بن عبد المطلب، وكان تربه. قال ابن عبد البر: آخى
النبي وَلّ بينه وبين عبادة بن الصامت، شهد سائر المشاهد مع رسول اللّه وَالر،
ومات سنة (١٢) من الهجرة في خلافة أبي بكر وهو ابن (٦٦) سنة، وكان فيما قيل
رجلًا طويلًا كثير الشعر، ويعد في الشاميين، روى عن النبي ◌َّ- حديث الباب،
وروی عنه واثلة بن الأسقع.
(لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ) هذا دليل واضح على تحريم الجلوس على القبر
مطلقًا، وإليه ذهب الجمهور، وهو الصحيح. قال ابنُ الهمام: وكره الجلوس على
القبر ووطؤه، وحينئذٍ فما يصنعه الناس ممن دفنت أقاربه ثم دفنت حواليه خلق من
وطء تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه، ويكره النوم عند القبر، وقضاء
الحاجة بل أولى، ويكره كل ما لم يعهد من السنة، والمعهود منها ليس إلا
زيارتها. والدعاء عندها قائمًا كما كان رسول اللَّه ◌َ ل يفعل في الخروج إلى البقيع،
انتھی .
(وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) أي: مستقبلين إليها؛ لما فيه من التعظيم البالغ. قال القاري:
ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه،
وينبغي أن تكون كراهة تحريم.
قلتُ: الحديث يدل على تحريم الصلاة إلى القبر مطلقًا، ويدل عليه أيضًا ما
روي عن ابن عباس مرفوعًا: ((لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر)). رواه الطبراني
في ((الكبير). قال الهيثمي: وفيه عبد الله بن كيسان المروزي، ضعَّفه أبو حاتم،
ووثقه ابن حبان. وما روى عن واثلة بن الأسقع قال: نهانا رسول اللّه وَل أن نصلي
إلى القبور أو نجلس عليها. أخرجه الطبراني أيضًا، وفيه الحجاج بن أرطاة. وما
روي عن أنس: أن النبي بَّ نهى عن الصلاة بين القبور. أخرجه البزار. قال
الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص١٣٥) وأبو داود والترمذي
والبيهقي، وعزاه المنذري في ((مختصر السنن))، والنابلسي في ((ذخائر المواريث))
للنسائي أيضًا.

١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧١٣ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَأَنْ يَجْلِسَ
أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ، فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
عَلَى قَبْرِ)).
الْشَّرْحُ
١٧١٣ - قوله: (لَأَنْ يَجْلِسَ) بفتح اللام مبتدأ خبره ((خير من أن يجلس على
قبر)). (عَلَى جَمْرَةٍ) أي: من النار. (فَتُحْرِقَ) بضم التاء وكسر الراء من الإحراق،
وضميره للجمرة. (ثِيَابَهُ) بالنصب. (فَتَخْلُصَ) بضم اللام أي: تصل. (إِلَى جِلْدِهِ)
بكسر الجيم. قال الطيبي: جعل الجلوس على القبر وسراية مضرته إلى قلبه، وهو
لا يشعر بمنزلة سراية النار من الثوب إلى الجلد. (خَيْرٌ لَهُ) أي: أحسن له وأهون.
(مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ) قال صاحبُ ((البذل)): ظاهر الحديث يدل على النهي عن
القعود مطلقًا سواء كانَ للتغوط أو لغيره. انتهى.
قلتُ: لا ريب أن الحديث ظاهر في أنه لا يجوز الجلوس على القبر مطلقًا، وقد
تقدم النهي عن ذلك صريحًا، وأن الجمهور ذهبوا إلى التحريم، وأن المراد القعود
على حقيقته لا للحدث. وأما ما روى الطحاوي من طريق محمد بن كعب عن
أبي هريرة مرفوعًا: ((مَنْ جَلَسَ عَلَى قَبْرِ يَبُولُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَغَوَّطُ فَكَأَنَّمَا جَلَسَ عَلَى
جَمْرَةٍ))، فإسناده ضعيف، وما روي عن ابن عمر أنه كان يجلس على القبر، يحمل
على أنه لم يبلغه النهي، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه والبيهقي.
(١٧١٣) مُسْلِم (٩٦/ ٩٧١) فِيهِ عَنْهُ.

كِتَاب الْجَنَائِزِ
Bar <<< xxasa *:
بَابِ دَفْنِ الْمَيتِ
١٧
الفصل الثاني
١٧١٤ - [٨] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا
يَلْحَدُ، وَاْلْآخَرُ لَا يَلْحَدُ. فَقَالَوا: أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ، فَجَاءَ الَّذِي
يَلْحَدُ فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللهِ وَ.
[رَوَاهُ فِي ((شَّرْحِ السُّنَّةِ))] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٧١٤ - قوله: (كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلانٍ) أي: حفاران للقبور. (أَحَدُهُمَا) وهو
أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري. (يَلْحَدْ) بفتح الياء والحاء من لَحَدَ كمَنَعَ، وبضم
الياء وكسر الحاء من ألْحَدَ أن يحفر اللحد. (وَالآخَرُ) وهو أبو عبيدة بن الجراح
أحد العشرة المبشرة. (لا يَلْحَدُ) بل يشق ويضرح أي: يفعل الضريح، وهو الشق
في وسط القبر.
قال الباجي: يقتضي أن الأمرين جائزان ولو كان أحدهما محظورًا لما استدام
عمله، ومثل هذا لا يخفى عن النبي ◌َّل من عمله؛ لأنه من الأمور الظاهرة، لا
سيما والذي كان لا يلحد من أفضل الصحابة وأكثرهم اختصاصًا بالنبي وَله.
انتهى. (فَقَالُوا) أي: الصحابة يعني اتفقوا بعدما اختلفوا في الشق واللحد على
أن. (أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلًا) بالتنوين منصوبًا. قال القاري: وفي نسخة ((أَوَّلُ)) بالفتح
والضم. قيل: الرواية في أول بالضم؛ لأنه مبني كقبل، ويجوزُ الفتح والنصب،
انتھی .
والحديث أخرجه مالك في ((موطئه))، واختلفت النسخ المطبوعة من ((الموطأ))
في هذه اللفظة، فوقع في الهندية: ((أولاً)). وفي المصرية: ((أول)). قال الزرقاني:
((أول)) بمنع الصرف للوصف ووزن الفعل، وروي أولًا بالصرف. (عَمِلَ عَمَلَهُ) من
اللحد أو الشق في قبر النبيِ بَ له.
(١٧١٤) وَهُوَ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) (١٥١٠)، وَفِي ((المُوَطٍَّ)) (١/ ٢٨/٢٣١) عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِهِ. وَأَخْرَجَهُ
أَحْمَدُ وَابنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ) أي: قبل الآخر كما سبق في علم الله تعالى من اختياره
المختاره وَخلّ. (فَلَحَدَ) بفتح الحاء. (لِرَسُولِ اللَّهِ وََّ) أي: حفر له اللحد.
(رَوَاهُ) أي: البغوي. (فِي ((شَرْح السُّنَّةِ))) وأخرجه أيضًا هكذا مرسلًا مالك في
الموطأ، قال الزرقاني: وصله ابن سعد من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه
عن عائشة. انتهى. قلتُ: ووصله أيضًا أبو حاتم من هذا الطريق. قال الحافظُ في
((التلخيص)): رواه أبو حاتم في ((العلل)) عن أبي الوليد عن حماد عن هشام عن أبيه
عن عائشة وقال: إنه خطأ، والصواب المحفوظ مرسل، وكذا رجَّح الدار قطني
المرسل. انتهى. وله طريق أخرى عن عبيد بن طفيل المقري عن عبد الرحمن بن
أبي مليكة القرشي عن ابن أبي مليكة عن عائشة، رواه ابن ماجه عن عمر بن شبة
عن عبيد بن الطفيل. قال الحافظُ في ((التلخيص)): وإسناده ضعيف. انتهى.
قلتُ: عبيد بن الطفيل مجهول، وعبد الرحمن بن أبي مليكة ضعيف، ورواه
أحمد وابن ماجه من حديث أنس، قال الحافظُ: وإسناده حسن، ورواه أحمد
(ج ١: ص ٢٦٠ - ٢٩٢) وابن ماجه أيضًا وابن سعد (ج ٣: ص ٤٧) وابن هشام في
((السيرة)) (ج ٢: ص ٣٧٥) والبيهقي (ج٣: ص٤٨) من حديث ابن عباس وبين أن
الذي كان يضرح هو أبو عبيدة، وأن الذي كان يلحد هو أبو طلحة.
قال الحافظُ في ((التلخيص)) و((الدراية)): وفي إسناده ضعف، يعني لضعف
حسين بن عبد الله بن عباس عبيد الله بن الهاشمي، تركه أحمد وابن المديني
والنسائي. وقال البخاري: يقال: إنه كان يتهم بالزندقة، وقوَّاه ابنُ عدي.

١٩
بَابُ دَفْنِ الْمَيتِ
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
***<<<<***<<<<<<<<<<<<<<< > <<<<****<<<<< > <<<<<***<<<< > <<**
١٧١٥ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((اللَّحْدُ لَنَا
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا)).
الْشَرْحُ
١٧١٥ - قوله: (اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا) معنى اللحد: أنه إذا بلغ أرض القبر
حفر فيه مما يلي القبلة مكانًا يوضع الميت فيه وينصب عليه اللبن. ومعنى الشق:
أن يحفر في وسط أرضِ القبر شقًّا يضعُ الميت فيه ويسقفه عليه بشيء. قال في
((اللمعات)): إن كان المراد بضمير الجمع في ((لَنَا» المسلمون، و ((لَغَيْرِنَا)» اليهود
والنصارى مثلًا، فلا شك أنه يدل على أفضلية اللحد بل على كراهة غيره، وإن كان
المراد بغيرنا الأمم السابقة، ففيه إشعار بالأفضلية، وعلى كل تقدير ليس اللحد
واجبًا والشق منهيًّا، وإلا لما كان يفعله أبو عبيدة، وهو لا يكون إلا بأمر من
الرسول اللّه وَلّه أو تقريره، ولم يتفقوا على أن أيهما جاء أولًا عمل عمله. انتهى.
وقال زين العرب تبعًا للتوربشتي: أي: اللحد آثر وأولى لنا والشق آثر وأولى
لغيرنا، أي: هو اختيار من قبلنا من أهل الإيمان، وفي ذلك بيان فضيلة اللحد،
وليس فيه نهي عن الشق؛ لأن أبا عبيدة مع جلالة قدره في الدين والأمانة كان
يصنعه، ولأنه لو كان منهيًّا لما قالت الصحابة: أيهما جاء أولًا عمل عمله، ولأنه قد
يضطر إليه لرخاوة الأرض. انتهى. وقال الطيبي: ويمكن أنه عليه الصلاة والسلام
عنى بضمير الجمع نفسه، أي: أوثر لي اللحد، وهو إخبار عن الكائن، فيكون
معجزة. انتهى. وقيل: معناه اللحد لنا معاشر الأنبياء والشق جائز لغيرنا.
قلتُ: ويؤيد ما قاله التوربشتي حديث جرير بن عبد اللَّه عند أحمد
(ج٤: ص ٣٦٢ - ٣٦٣) بلفظ: ((اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِأَهْلِ الْكِتَابِ)). وفي سنده
أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي، وهو ضعيف. وفي رواية له (ج ٤: ص٣٥٩):
(١٧١٥) أَبُو دَاوُد (٣٢٠٨)، والتِّرْ مِذِي (١٠٤٥)، والنَّسَائِي (٨٠/٤)، وابْنُ مَاجِهْ (١٥٥٤) فِيهِ عَنْهُ،
وَقَالَ التِّرْمِذِي : غَرِيبٌ.