Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الذي يورث الاعتصام به الأمن والأمان والإسلام والإيمان قاله القاري.
وقال ابنُ الأثير في ((جامع الأصول)): الحبل: العهد والأمان، ومنه قوله تعالى:
﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ أي: بعهده، وكان من عادة العرب أن يخيف بعضهم
بعضًا، فكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيد قبيلة، فيأمن بذلك مادام في
حدوده - أي مجاورًا أرضه - حتى ينتهي إلى آخر، فيأخذ مثل ذلك، فهذا حبل
الجوار أي: العهد والأمان مادام مجاورًا أرضه. وقال الطيبي: الحبل: العهد
والأمان ((وَحَبْلِ جِوَارَِكَ)) بيان لقوله ((فِي ذِمَّتِكَ))، نحو أعجبني زيد وكرمه، والأصل
أن فلانًا في عهدك، فنسب إلى الجوار ما كان منسوبًا إلى الله تعالى، فجعل
للجوار عهدًا مبالغة في كمال حمايته، فالحبل مستعار للعهد؛ لما فيه من التوثقة
وعقد القول بالأيمان المؤكدة.
(فَقِهِ) صيغة أمر من الوقاية بالضمير أو بهاء السكت. (مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) أي:
امتحان السؤال فيه أو من أنواع عذابه من الضغطة والظلعة وغيرهما. (وَأَنْتَ أَهْلُ
الْوَفَاءِ) أي: بالوعد، فإنك لا تخلف الميعاد. (وَالْحَقِّ) أي: أنت أهل الحق،
فالمضاف مقدر. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري.
١٦٩٢ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَةِ: ((اذْكُرُوا
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ)).
الشّرْحُ
١٦٩٢ - قوله: (اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ) جمع حسن على غير قياس، والأمر
للندب. (وَكُفُّوا) بضم الكاف أمر للوجوب أي: امتنعوا. (عَنْ مَسَاوِيهِمْ) جمع
سوء على غير قياس أيضًا، أي: لا تذكروهم إلا بخير، ويستثنى منه الثناء على
الميت بالشر عند رؤية الجنازة قبل الدفن؛ لما تقدم من حديث أنس، وجرح
المجروحين من الرواة أحياء وأمواتًا لإجماع العلماء على جواز ذلك، وذكر
(١٦٩٢) أَبُو دَاوُد (٤٩٠٠)، وَالتِّرْ مِذِي (١٠١٩) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
٦٤١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْىِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
مساوئ الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم .
والمراد بالفاسق من ارتكب بدعة يفسق بها ويموتُ عليها، وأما الفاسقُ بغير
ذلك فإن علمنا أنه مات وهو مصر على فسقه والمصلحة في ذكره؛ جاز ذكر مساويه
وإلا فلا .
قال حجة الإسلام: غيبة الميت أشد من غيبة الحي، وذلك لأن عفو الحي
واستحلاله ممكن ومتوقع في الدنيا بخلاف الميت.
وفي ((الأزهار)): قال العلماءُ: وإذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه كاستنارة
وجهه وطیب ريحه وسرعة انقلابه على المغتسل ؛ استحب أن يتحدث به، وإن رأی
ما يكره کنتنه وسواد وجهه أو بدنه أو انقلاب صورته؛ حرم أن يتحدث به.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي من طريقه كلهم من
رواية عمران بن أنس المكي عن عطاء عن ابنِ عمر، وسكت عنه أبو داود. وقال
الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: حديث غريب
سمعت محمدًا - يعني: البخاري - يقول: عمران بن أنس المكي منكر الحديث،
وروى بعضهم عن عطاء عن عائشة، انتهى. ويؤيده ما تقدم من حديث عائشة: ((لَا
تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ))، ويؤيده أيضًا ما رواه النسائي عن عائشة قالت: ذُكر عند النبي ◌َّ
هالك بسوءٍ، فقال: ((لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ)).
*
٦٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٩٣ - [٣٤] وَعَنْ نَافِعِ أَبِي غَالِبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِك
على جَنَازَةِ رَجُلٍ فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِّهِ، ثُمَّ جَاءُوًا بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشََ فَقَالَوا:
يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِیَادٍ:
هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ قَامَ عَلَى الْجَنَازَةِ مُقَامَكَ مِنْهَا؟ وَمِنَ الرَّجُلِ مُقَامَكَ
مِنْهَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ نَحْوهُ مَعَ زِيَادَةٍ، وَفِيهِ: فَقَامَ عِنْدَ عَجِيزَةِ الْمَزْأَةِ]
(صحيح)
الْشِّرْحُ
١٦٩٣ - قوله: (وَعَنْ نَافِعٍ) ويقالُ: رافع أبو غالب الباهلي مولاهم الخياط
البصري، ثقة من صغار التابعينَّ، وثَّقَة ابنُ معينٍ وأبو حاتمٍ وموسى بن هارون
الحمال وابن حبان. (أَبِي غَالِبٍ) عطف بيان. قال الطيبي: كأنّ الكنية كانت أعرف
وأشهر فجيء بها بيانًا لنافع .
(صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ على جَنَازَةِ رَجُلٍ) أي: عبد الله بن عمير، كما في
رواية أبي داود، وكذا نقله ابنُ الأثير في ((جامع الأصول)) (ج ٧: ص١٤٨)، وكذا
وقع في رواية البيهقي، ولم أجدٍ ترجمته في شيء من الكتب، ووقع في بعض
النسخ من ((سنن أبي داود)): عبد الله بن عمر مُكَبَّرًا، وليس هو عبد الله بن عُمر بن
الخطاب، فإن الظاهرَ أن هذه القصة وقعت بالبصرة لما أن أنس بن مالك قطن
البصرة، وهو آخر مَن مات بها من الصحابة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ماتَ
بمكة، ودُفن بذي طوى، وصلى عليه الحجاج. قيل: المحفوظ في رواية أبي
داود: عبد الله بن عمير بالتصغيرِ، وعبد الله بن عمر تصحيف، والله أعلم.
(حِيَالَ رَأْسِهِ) بكسر الحاء أي: حذاءه ومقابله. وفي أبي داود: ((عند رأسه)).
(بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ) وفي رواية أبي داودَ: ((المرأة الأنصارية)). قال القاري:
فالقضية إما متعددة وإما متحدة، فتكون المرأة قرشية أنصارية. انتهى.
(١٦٩٣) أَبُو دَاوُد (٣١٩٤)، وَالتِّرْ مِذِي (١٠٣٤)، وَابن مَاجَهْ (١٤٩٤) فِيهِ عَنْهُ، وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ.
٦٤٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
(فَقَالُوا) أي: أولياؤها: (يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس. (حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ) بسكون
السين وفتحها بمعنى؛ فلذا جوز الوجهان، وقد فرق بعضهم بينهما .
(الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ) هو العلاء بن زياد بن مطر بن شريح العدوي أبو نصر البصري
أحد العباد من ثقات التابعين، مات في ولاية الحجاج سنة (٩٤). (هَكَذَا) بحذف
الاستفهام. (قَامَ عَلَى الْجَنَازَةِ) أي: من المرأة. (قَالَ) أي: أنس. (نَعَمْ) فيه دليل
على أن المصلي على المرأة يقف حذاء وسطها، وعلى الرجل حذاء رأسه، وقد
تقدم بسط الكلام عليه في شرح حديث سُمرة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه. (وابْنُ مَاجَهْ) واللفظُ للترمذيِّ، وأخرجه أيضًا أحمد
(ج ٣: ص١١٨ - ٢٠٤) والبيهقي (ج٤: ص٣٣) وابن حزم في ((المحلى))
(ج ٥ : ص١٢٤). (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ نَحْوَهُ مَعَ زِيَادَةٍ) أخرجه أبو داود مطولًا ،
وسكت عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. (وَفِيهِ) أي: في كتاب
أبي داود. (فَقَامَ) أي: أنس. (عِنْدَ عَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ) بفتح مهملة وكسر جيم، قال
الجزري: العجيزة: العجز وهي للمرأة خاصة والعجز: مؤخر الشيء. انتهى. قال
في ((اللمعاتٍ)): هو بيان حال وسط السرير. وقال الشوكاني: لا منافاة بين رواية
أبي داود، وبين قوله في حديث سمرة ((فَقَامَ وَسَطَهَا))؛ لأن العجيزة يقال لها:
وسط، انتهى. وأجاب الحنفية عن حديث أنس هذا بأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش
للنساء، وردَّ بأنه قد صرَّح في رواية أبي داود: بأن أنسًا قد صلَّى كذلك، والمرأة
كان عليها نعش أخضر.
٦٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
conne
الفصل الثالث
١٦٩٤ - [٣٥] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ
حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنٍ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمُرَّ عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا فَقِيلَ
لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ - أَنَّ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ - فَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَلَّ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَّهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ: ((أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْحُ
١٦٩٤- قوله: (كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) بضم الحاء وفتح النون الأنصاري
الأوسي المدني، صحابي من أهل بدر. قال ابنُ عبد البر: شهد بدرًا والمشاهد
كلها، وثبت مع رسول اللّه وَ له يوم أَحد، وكان بايعه على الموتِ، ثم صحب عليًّا
من حين بويع، فاستخلفه على البصرة، ثم شهد معه صفين، وولاه فارس، مات
سنة (٣٨) وصلى عليه علي وكبر ستًّا.
وقال ابن سعد: آخى رسول اللَّه ◌َ لله بينه وبين علي، ولما توفي كبر عليه علي
خمسًا ثم التفت إليهم فقال: إنه بدري.
(وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن عبادة بضم العين الأنصاري الخزرجي،
صحابي جليل، وكان ضخمًا حسنًا جسيمًا طويلًا إذا ركب الحمار خطت رجلاه،
وكان من النبي ◌ُّ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. قال ابنُ عبد البر: كان أحد
الفضلاء الجلة وأحد دهاة العرب، وأهل الرأي والمكيدة في الحروب مع النجدة
والبسالة والسخاء والكرم، وكان شريف قومه غير مدافع، وكان أبوه وجده
كذلك. شهد قيس مع رسول اللّه وَلير المشاهد، وأعطاه رسول اللّه وَل الراية يوم
فتح مكة؛ إذ نزعها من أبيه لشكوى قريش من سعدٍ يومئذٍ، وصحب قيس عليًّا
(١٦٩٤) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٣١٢)، ومُسْلِم (٩٦١) فيه عنهما.
٦٤٥
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وشهد معه مشاهده، وكان قد أمره على مصر فاحتال عليه معاوية فلم ينخدع له،
فاحتالَ على أصحابٍ علي حتى حسنوا له تولية محمد بن أبي بكر فولاه مصر،
ففسدت عليه مصر، وارتحل قيس فشهد مع علي صفين، ثم كان مع الحسن بن
علي حتى صالح معاوية، فرجع قيس إلى المدينة فأقام بها ومات في آخر خلافة
معاوية سنة (٦٠) وقيل بعد ذلك، وكان رجلًا سناطًا، ليس في وجهه شعرة ولا
شيء منٍ لحية وكان مع ذلك جميلاً. قال ابنُ عبد البر: وكذلك كانَ شريح
وعبد الله بن الزبير لم يكن في وجوههم شعر، قال: وخبره في السراويل عند
معاوية كذب وزور مختلق ليس له إسناد، ولا يشبه أخلاق قيس ولا مذهبه في
معاوية ولا سيرته في نفسه. انتهى. وحكاياته في سخائه وجوده كثيرة مشهورة،
ذكرها ابن عبد البر وغيره.
(قَاعِدَيْنِ) بالتثنية والنصب خبر كان. (بِالْقَادِسِيَّةِ) بالقاف وكسر الدال والسين
المهملتين وتشديد التحتية، مدينة صغيرة ذات نخل ومياه، بينها وبين الكوفة
مرحلتان أو خمسة عشر فرسخًا. (فَمُرَّ) بضم الميم على بناء المجهول. وفي
رواية: فمروا بصيغة الجمع المعلوم.
(إنَّهَا) أي: الجنازة - أي: من أهل الذمة - تفسير لأهل الأرض أي: من أهل
الجزية المقرين بأرضهم؛ لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل
الأرض وحمل الخراج. (أَلَيْسَتْ نَفْسًا) ماتت فالقيام لها لأجل صعوبة الموت
وتذكره لا لذات الميت. ومقتضى هذا التعليل: أن القيام يستحب لكل جنازة، وقد
تقدم بسط الكلام في مسألة القيام للجنازة إذا مرت به، وأجاب القائلون بالنسخ عن
هذا الحديث بأنه منسوخ، وأن سهل بن حنيف وقيس بن سعد لم يعلما بالنسخ،
ومن علم حجة على من لم يعلم. وتعقب بأنه لم يثبت النسخ بحديث صحيح
صریح، فلا یتمشی ذلك.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أحمد (ج٦: ص٦) والنسائي والبيهقي (ج ٤: ص٢٧).
٦٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٩٥ - [٣٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِلّهِ إِذَا
تَبَعَ جَنَازَةً لَمْ يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، فَعَرَضَ لَهُ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ
لَهُ: إِنَّا هَكَذَا نَصْنَعُ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، وَقَالَ:
((خَالِفُوهُمْ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ،
وَبِشْرُ بْنُ رَافِعِ الرَّاوِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ] {ضعيف}
W O
الْشَّرْحُ
١٦٩٥ - قوله: (فَعَرَضَ) أي: ظهر. (حَبْرٌ) بفتح الحاء المهملة وتكسر أي:
عالم. (فَقَالَ) أي: الحبر. (لَهُ) ◌ِِّ (إِنَّا) أي: معشر اليهود. (هَكَذَا نَصْنَعُ) أي: إذا
تبعنا جنازة نقوم، ولا نجلس حتى توضع في اللحدِ. (فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ) أي:
مخالفة لليهود. وهذا لا يدل على نسخ القيام لها إذا مرت ولا على قيام التابع
والمشيع. (وَقَالَ: خَالِفُوهُمْ) وفي رواية أبي داود: وَقَالَ: ((اجْلِسُوا خَالِفُوهُمْ)).
قال القاري: فبقى القول بأن التابع لم يقعد حتى توضع عن أعناق الرجالِ على
الأرض هو الصحيح. انتهى. وقد استدلَّ بعضهم بهذا الحديث على نسخ القيام
للجنازة، ولا يخفى ما فيه، فإنه ليس فيه ذكر القيام للجنازة أصلاً، واحتجَّ به
بعضهم على نسخ القيام للتابع، وهو أيضًا متعقب، فإن غاية ما فيه أنه يدلَّ على
الأمر بالجلوس قبل الوضع في اللحد، وهذا لا يستلزم بل ولا يقتضي نسخ القيام
قبل الوضع بالأرض، فافهم، على أن الحديث ضعيف لا يقاوم حديث أبي سعيد
وغيره. هذا وسبق الكلام عليه مفصلًا في شرح حديث أبي سعيد في الفصل الأول.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا البزار
والبيهقي والحازمي. (وَبِشْرُ) بكسر أوله وسكون ثانيه. (بْنُ رَافِع) أبو الأسباط
الحارثي النجراني. (الرَّاوِي) بسكونِ الياء أي: أحد رواة هذا الحديث. (لَيْسَ
بِالْقَوِيِّ) في الحديث. وقال أحمد: ليس بشيء ضعيف في الحديث. وقال
النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف
(١٦٩٥) أبُو دَاوُد (٣١٧٦)، والتِّرْمِذِي (١٠٢٠)، وقالَ: ((غريب))، وابن مَاجَهْ (١٥٤٥) فيه عنه.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٦٤٧
الحديث، منكر الحديث لا نرى له حديثًا قائمًا. وقال البزار: لين الحديث وقد
احتمل حديثه. وقال ابن عبد البر في ((الكنى)): هو ضعيف عندهم منكر الحديث،
وقال في كتاب ((الإنصاف)): اتفقوا على إنكار حديثه وطرح ما رواه، وترك
الاحتجاج به، لا يختلف علماء الحديث في ذلك. وقال البخاري: لا يتابع في
حديثه، كذا في ((تهذيب التهذيب)). وفي سنده أيضًا عبد الله بن سليمان بن جنادة
ابن أمية عن أبيه. وعبد الله هذا قال البخاري: فيه نظر لا يتابع على حديثه. وذكره
ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ: ضعيف، وأبوه سليمان بن جنادة. قال أبو
حاتم: منكر الحديث. وقال البخاري: هو حديث منكر، ولم يتابع في هذا. وقال
ابنُ عدي: لم ينكر عليه البخاري غير هذا الحديث.
١٦٩٦ - [٣٧] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي
الْجَنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الْشَّرْحُ
١٦٩٦ - قوله: (أَمَرَنَا بِالْقِيَام) أمر ندب. (فِي الْجَنَازَةِ) أي: في حالٍ رؤيتها
إذا مرَّت بنا. وقيل: قبل وضعها على الأرض. (ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ) لبيان الجواز.
(وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ) أي: أمر إباحة وتخفيف، فلا دلالة فيه على نسخ القيام للجنازة
ولا على نسخ قيام التابع، وقد تقدم الكلام عليه في شرح حديثي أبي سعيد وعلي
في الفصل الأول من هذا الباب.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١: ص٨٢) ورجاله ثقات وأخرجه أيضًا ابن حبان كما في
((التلخيص))، والبيهقي (ج٤: ص ٢٧) والحازمي (ص١٢١).
(١٦٩٦) أخرجه أَحْمَد (١/ ٨٢).
٦٤٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٩٧ - [٣٨] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ
ابْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ، وَلَمْ يَقُمِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ:
أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ جَلَسَ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
G O
الْشَّرْحُ
١٦٩٧ - قوله: (إن جنازة مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنُ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالب. (قَالَ)
أي: ابن عباس في جواب الحسن. (نَعَمْ) أي: قام رسول اللَّه ◌َلّه في أوائل الأمر.
(ثُمَّ جَلَسَ) بعده، أي: فعل رسول اللَّه وَ ل ◌َل كلا من الأمرين، لكن جلوسه كان
متأخرًا، فيكون كما سبق من حديث عليٍ رَوَّهُ في الفصل الأول، وهذا هو الظاهر
بل المتعين لأن يكون مرادًا. وقد استدلّ به على نسخ القيام للجنازة إذا مرَّت به.
وأجيب بأن مجرد الفعل لا يدل على النسخ لاحتمال أن القعود كان لبيان
الجواز، والأمر بالقعود إن ثبت كان للإباحة والتخفيف.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) ورجال إسناده ثقات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ : ص ٢٠٠ -
٢٠١) وأخرجه البيهقي والنسائي أيضًا من طريق أبي مجلز: أن جنازة مرت بابن
عباس والحسن بن علي، فقام أحدهما ولم يقم الآخر، فقال أحدهما: ألم يقم
النبي ◌َّ؟ فقال الآخر: بلى، ثم قَعد.
(١٦٩٧) أخرجَهُ الَّسَائِي (٤٦/٤) فيه عنه.
٦٤٩
كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ الْمَشْي بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
ex
EXODE
١٦٩٨ - [٣٩] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ
كَانَ جَالِسًا، فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ حَتَّى جَاوَزْتِ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ
الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ بِجَنَازَةٍ يَهُودِيٍّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِ ◌ّهَ عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًا،
وَكَرِهَ أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ جِنَازَةُ يَهُودِيٌّ فَقَامَ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٦٩٨ - قوله: (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) المعروف بالصادق.
(عَنْ أَبِيهِ) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر
الباقر .
(وَكَرِهَ أَنْ تَعْلُوا رَأْسَهُ جِنَازَةُ يَهُودِيٌّ) إيماء إلى أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
(فَقَامَ) أي: عن الطريق لهذا، فهذا إنكار منه رَوُنَّهُ على قيام الناس للجنازة، عكس
ما سبق منه من الإنكار على ابن عباس على عدم القيام. قيل: كان هذا بعد ما علم
الحسن بنسخ القيام، فأشار إلى ذلك مع ذكر العلة التي قام لأجلها رسول اللَّه وَه .
وقيل: كان إنكاره على ابن عباس؛ لأنه كان على الطريق، وإنكاره على الناس؛
لأنهم لم يكونوا على الطريق، قاله القاري.
قلتُ: إسناد هذا الحديث ضعيف لانقطاعه، فلا يقاوم الحديث السابق، فلا
حاجة إلى تكلف الجواب، والتاريخ غير معلوم، فلا يصح دعوى تأخر هذا
الحديث. وأما الاختلاف في التعليل الواقع بينه وبين غيره من الأحاديث، فقد
تقدم الكلام عليه في شرح حديث جابر في الفصل الأول.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وإسناده منقطع، فإن محمد بن علي أبا جعفر الباقر تابعي ثقة
ولكن لم يدرك الحسن بن علي عم أبيه؛ لأنه ولد سنة (٥٦) والحسن مات سنة
(٥٠)، قاله الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد.
(١٦٩٨) أخرجَهُ النَّسَائِى (٤ / ٤٧) أيضًا فيه.
٦٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
eeser
١٦٩٩ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَلَ قَالَ: ((إِذَا مَرَّتْ
بِكُمْ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ فَقُومُوا لَهَا، فَلَسْتُمْ لَهَا تَقُومُونَ، إِنَّمَا
تَقُومُونَ لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الْشِّرْحُ
١٦٩٩- قوله: (إِذَا مَرَّتْ بِكُمْ) كذا في بعض النسخ ((بِكُمْ))، وهكذا في
((مسند الإمام أحمد)) (ج ٤: ص٣٩٤ - ٤١٣)، وكذا ذكره الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج٣: ص٢٧). ووقع في أكثر نسخ ((المشكاة)) ((بِك)) بضمير الإفراد،
والظاهر أنه خطأ من الناسخ (جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِم) ((أو)) للتنويع.
(فَقُومُوا لَهَا) أمر ندب. (فَلَسْتُمْ لَهَا تَقُومُونَ) أي: في الحقيقة.
(إِنَّمَا تَقُومُونَ لِمَنْ مَعَهَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ) أي: ملائكة الرحمة إن كانت الجنازة
لمسلم، أو ملائكة العذاب إن كانت لكافر. قد يقال: هذا مشكل؛ لأنه أثبت القيام
لها، ثم نفاه عنها. وقد يجابُ بأنه أثبته لها باعتبار الصورة. ونفاه عنها باعتبار باطن
الأمر والحقيقة، وإنكار البليغ على رعاية الاعتبارات والحيثيات سائغ شائع، كذا
في ((المرقاة)).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤: ص٣٩١ - ٤١٣) وفيه ليث بن أبي سليم وهو صدوق، لكنه
اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك. قاله الحافظ في ((التقريب)).
وقال الهيثمي: هو ثقة. ولكنه مدلس، انتهى. ويؤيده حديث أنس الذي يليه.
(١٦٩٩) روَاهُ أحْمَدُ (٤/ ٣٩١).
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
*
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٦٥١
١٧٠٠ - [٤١] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ فَقَامَ فَقِيلَ:
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: ((إِنَّمَا قُّمْتُ لِلْمَلَائِكَةِ)).
W O
الْشَّرْحُ
١٧٠٠ - قوله: (إِنَّمَا قُمْتُ) كذا في جميع النسخ، وكذا نقله الجزري في
((جامع الأصول)) (ص٤٢٦)، وكذا وقع في ((المستدرك)) للحاكم. وفي النسخ
الموجودة عندنا للنسائي: إنما قمنا. (لِلْمَلَائِكَةِ) لا لذات الميت، فيستوي فيه
المسلم وغير المسلم. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا الحاكم، وقال: صحيح على
شرط مسلم ووافقه الذهبي.
١٧٠١ - [٤٢] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ شَهِ
يَقُولُ: ((مَا مِنْ مُسْلِم يَمُوتُ فَيُصَلِّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا
أَوْجَبَ)). فَكَانَ مَالِلْكَّ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلُ الْجَنَازَةِ؛ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِهَذَا
الْحَدِيثِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْ مِذِيِّ: قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَتَقَالَّ
النَّاسَ عَلَيْهَا؛ جَزَّأَهُمْ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ ((مَنْ صَلَّى
عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ؛ أَوْجَبَ)).
[وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ]
الْشَّرْجُ
١٧٠١ - قوله: (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ) بضمِّ الهاء مصغرًا، ابن خالد بن مسلم
السكوني أو الكندي، يكنى أبا سعيد، صحابي نزل حمص ومصر. ولي حمص
لمعاوية، وروى عنه من أهلها جماعة. وذكره محمد بن الربيع الجيزي فیمن شهد
(١٧٠٠) روَاهُ النَّسَائِي (٤٨/٤).
(١٧٠١) أَبُو دَاوُد (٢١٦٦)، والتِّرْمِذِي (١٠٢٨)، وابن مَاجَهْ (١٤٩٠) فيه عنه.
٦٥٢
eas
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فتح مصر من الصحابة، مات في أيام مروان بن الحكم. (إِلَّا أَوْجَبَ) وذكره
الحافظُ في ((الإصابة)) بلفظِ: ((إِلَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))، وفي رواية أحمد: ((إِلَّا غُفِرَ
لَهُ))، وكذا في رواية للحاكم والبيهقي. فمعنى قوله: ((أَوْجَبَ)) أي: ذلك الفعل
على الله الجنة أو المغفرة لذلك الميت وعدًا منه وفضلًا، أو أوجب الله - تعالى -
المغفرة أو الجنة له. (فَكَانَ مَالِك) أي: ابن هبيرة. (إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ) أي:
عدهم قليلًا (جَزَّأَهُمْ) بتشديد الزاي وفي آخره همزة من التجزئة، أي: فرقهم
وجعل القوم الذين يمكن أن يكونوا صفًّا واحدًا. (ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ)
أي: ثم صلى عليها .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ) بالإضافة. (إِذَا صَلَّى) أي:
أراد الصلاة. (فَتَقَالَّ النَّاسَ عَلَيْهَا) بتشديد اللام تفاعل من القلة أي: رآهم قليلين،
استقل الشيء وتقاله: عده ورآه قليلًا (جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ) أي: فرقهم وجعلهم
ثلاثة صفوف وفي رواية أحمد: ((فكان مالك يتحرى إذا قل أهل جنازة أن يجعلهم
ثلاثة صفوف)). (ثُمَّ قَالَ) أي: استدلالًا لفعله: (مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ) وأقل
الصف أن يكون اثنين على الأصحِّ. (أَوْجَبَ) أي: اللهُ - تعالى - الجنةَ أو المغفرةَ
لذلك الميت .
(وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ) أي: معناه، وهو كان إذا أتي بجنازة فتقالَّ مَن تبعها
جزأهم ثلاثة صفوف ثم صلى عليها. وقال: إن رسول اللّهِ وَلَ قال: ((مَا صَفَّ
صُفُوفٌ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَيِّتٍ إِلَّا أَوْجَبَ)). انتهى.
والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص٧٩) والحاكم (ج١ : ص ٣٦٢) والبيهقي
(ج٤: ص ٣٠) كلهم من طريق ابن إسحاق عن يزيد ابن أبي حبيب عن أبي الخير
مرثد بن عبد اللَّه اليزنى عن مالك بن هبيرة، وقد سكت عنه أبو داود وحسنه
الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس
وقد عنعن. وقال الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة مالك بن هبيرة: قد اختلف على
ابن إسحاق فيه، أدخل بعضهم عنه بين أبي الخير وبين مالك بن هبيرة الحارث بن
مالك، كذا وقع في ((المعرفة)) لابن مندة، وذكره الترمذي، وقال: تفرد به إبراهيم
ابن سعد، ورواية الجماعة أصح عندنا. انتهى.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٦٥٣
١٧٠٢ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى
الْجِنَازَةِ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَّ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ
قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٧٠٢- قوله: (أَنْتَ رَبُّهَا) أي: سيدها ومالكها. (وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا) أي:
ابتداء. (وَأَنْتَ هديتها إلى الْإِسْلَام) المشتمل على الإيمان انتهاء. وفي بعض النسخ
من ((سنن أبي داود)): ((لِلْإِسْلَاَمَ). (وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا) أي: أمرت بقبض
روحها. (وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَاَنِيَتِهَا) بتخفيف الياء أي: باطنها وظاهرها (جثْنَا)
أي: حضرنا. (شُفَعَاءَ) له بين يديك. (فَاغْفِرَ لَهُ) وفي بعض النسخ من سنن أبي
داود : (لَهَا)) كما في رواية النسائي، وتأنيث الضمير باعتبار النفس أو الروح التي
هي الأصل، والتذكير باعتبار الشخص أو الميت. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو
والمنذري، وأخرجه أيضًا النسائي في ((اليوم والليلة))، والبيهقي (ج ٤: ص٤٢).
١٧٠٣ - [٤٤] وَعَنْ سَعِدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطَّ؛ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابٍ
الْقَبْرِ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٧٠٣ - قوله: (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشددة وتكسر، ابن
حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي المدني، يكنى: أبا محمد، ولد لسنتين
مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، كان سيد كبار التابعين، جمع بين الفقه
(١٧٠٢) أَبُو دَاوُد (٣٢٠٠) عنه فيه.
(١٧٠٣) رَوَاهُ مَالِك (١٥٨) عنه.
٦٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
والحديث والزهد والعبادة والورع، وهو المشار إليه المنصوص عليه، وكان أعلم
الناس بحديث أبي هريرة، وقضايا عمر، لقي جماعة كثيرة من الصحابة، وروى
عنهم، وعنه الزهري وكثير من التابعين وغيرهم. قال مكحول إمام أهل الشام:
طفت الأرض كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم من ابن المسيب، اتفقوا على أن
مرسلاته أصح المراسيل. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه.
وقال ابن المسيب: حججتُ أربعين حجة. مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين.
(صلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى) جنازة (صَبِيٍّ) قال الباجي: الصلاة على الصبي
قربة له ورغبة في إلحاقه بصالح السلف، ولا خلاف في وجوب الصلاة عليه. (لَمْ
يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطَّ) أي: أبدًا لموته قبل البلوغ، وقد رفع القلم عن الصبي حتى
يحتلم، قال ابن حجر: قوله: (لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً))، صفة كاشفة؛ إذ لا يتصور في غير
بالغ عمل ذنب. انتهى. قال القاري: ويمكن أن يحمل على المبالغة في نفي
الخطيئة عنه ولو صورة. وقال الدسوقي: يؤخذُ من هذا أن الأطفال يُسألون، وقيل:
لا يسألون، وقيل بالوقف، وهو الحق؛ لأنه لم يرو نص بشيء.
(فَسَمِعْتُهُ) أي: أبا هريرة. (يَقُولُ) في دعائه بعد قراءة الفاتحة والصلاة على
النبي: (اللَّهُمَّ أَعِذْهُ) أمر من الإعاذة أي: أجره. (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) قال القاضي:
يحتمل أن يكون أبو هريرة اعتقد شيئًا سمعه من رسول اللَّه ◌َليل من أن عذاب القبر
عام في الصغير والكبير، وأن الفتنة فيه لا تسقط عن الصغير بعدم التكليف في
الدنيا، أي: لأن الله تعالى يفعل ما يشاء. وقال ابن عبد البر: عذاب القبر غير فتنة
القبر، ولو عذب الله عباده أجمعين؛ كان غير ظالم لهم؛ لأنه لا يُسأل عما يفعل
وقال بعضهم: ليس المراد بعذاب القبر هنا عقوبة، بل مجرد الألم بالغم والحسرة
والوحشة والضغطة، وذلك يعم الأطفال وغيرهم.
وقال أبو عبد الملك: يحتملُ أنه قال ذلك على العادة في الصلاة على الكبير، أو
ظن أنه كبير أو دعا له على معنى الزيادة أي: في الدرجات، كما كانت الأنبياء
عليهم السلام تدعوا الله أن يرحمها وتستغفره، كذا في ((شرح الموطأ)) للزرقاني،
ولا يستغفر للصبي عند الحنفية، ولا يأتي بشيء من دعاء البالغين في الصلاة عليه،
بل يقتصر على قوله: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا ... )) إلخ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
a
بَابُ الْمَشْي بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٦٥٥
(رَوَاهُ مَالِك) عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: سمعتُ سعيد بن المسيب
يقول: صليت وراء أبي هريرة ... إلخ.
١٧٠٤ - [٤٥] وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ: يَقْرَأُ الْحَسَنُ عَلَى الطِّفْلِ
فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَذُخْرًا وَأَجْرًا.
[البخاري]
الْشَّرْحُ
١٧٠٤ - قوله: (وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا) التعليقُ: أن يحذف من مبدأ إسناده
واحد فأكثر على التوالي ويعزى الحديث إلى مَن فوق المحذوف مِن رواته،
واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد، كما هنا، مثاله: قال رسول اللّه ◌َاللّ كذا،
قال ابنُ عباس كذا، قال سعيد بن المسيب كذا، عن أبي هريرة كذا. قالوا:
تعليقات البخاري في حكم المسانيد. وقال النووي: فما كان منه بصيغةِ الجزم،
كـ: ((قال، وفعل، وأمر، وروى، وذكر))، معروفًا فهو حكم بصحته عن المضافٍ
إليه، وما ليس فيه جزم، كـ: ((رُوِي، ويُذكر، ويُحكى، ويُقال، وحُكي عن فلان،
ورُوي، وذُكر مجهولًا))، فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه، ومع ذلك
فإيراده في ((كتاب الصحيح)) مُشعر بصحة أصله إشعارًا يؤنس به ويركن إليه، وعلى
المدقق إذا رام الاستدلال به أن ينظر في رجاله وحال سنده؛ ليرى صلاحيته للحجة
وعدمها .
(قَالَ) أي: البخاري نقلًا عن الحسن: (يَقْرَأُ الْحَسَنُ) أي: كان يقرأ الحسن وهو
البصري، وما وقع في جامع الأصول (ج ٧: ص ١٤٧) أنه الحسن بن علي بن أبي
طالب فهو وهم من ابنِ الأثير. (عَلَى الطَّفْلِ) أي: على جنازته. (فَاتِحَةَ الْكِتَابِ)
أي: بعد التكبيرة الأولى. (وَيَقُولُ) أي: بعد القراءة والصلاة على النبي. (اللَّهُمَّ
اجْعَلْهُ) أي: الطفل. (سَلَفًا) بفتحتين أي: متقدمًا إلى الجنة لأجلنا. قال في
((النهاية)): قيل: هو من سلف المال، كأنه قد أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب
(١٧٠٤) علَّقْه البُخَارِي (٢٠٣/٣). قلت: وَوُصل عن ابن عباس - كما تقدم.
٦٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الذي يجازى على الصبر عليه، وقيل: سلف الإنسان: مَنْ تقدمه بالموت من آبائه
وذوى قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح. (وَفَرَطًا)
بالتحريك هو الذي يتقدم القوم الواردة، فيهيئ لهم أسباب المنزل كالأرسان
والدلاء ونحوها، ويرد الحياض ويستقي لهم. (وَذُخْرًا) بضم الذال وسكون الخاء
أي: ذخيرة. (وَأَجْرًا) أي: ثوابًا جزيلًا.
قال مَيْرَك: عبارة البخاري هكذا وقال الحسن: يقرأ - أي المصلى - على الطفلِ
بفاتحة الكتاب، ويقول: ((اللهم اجعله لنا فرطًا وسلفًا وأجرًا. فعلى المصنف أن
يقول: وعن الحسن أنه قال : ... إلخ، ثم يقول في آخره: رواه البخاري عنه
تعليقًا، فإنَّ البخاري من جملة المخرجين، لا من جملة الرواة الذين التزم
المصنف ذكرهم، وأيضًا يفهم من رواية البخاري أن الحسن كان يأمر بذلك، ومن
إيرادِ المصنف يفهم أنه كان يفعله، وبين العبارتين فرق ظاهر، وأيضًا فإن لفظة
(ذُخْرًا)) ليست في رواية البخاري، كما ترى مع أن في عبارة المصنف تقديمًا
وتأخيرًا أيضًا، تأمل، ولعل في نسخة المصنف من البخاري: وكان الحسنُ يقرأ
على الطفل، وصحف ((قال)) بـ((كان))، فوقع فيما وقع، كذا في ((المرقاة)).
قال الحافظ في الفتح: وصل هذا الأثر عبد الوهاب بن عطاء الخفاف في كتاب
((الجنائز)) له عن سعيد ابن أبي عروبة أنه سئل عن الصلاة على الصبي فأخبرهم عن
قتادة عن الحسن أنه كان يكبر ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقول: ((اللهم اجعله لنا سلفًا
وفرطًا وأجرًا)). انتهى. وهذا يؤيد ما وقع في ((المشكاة)) من أن الحسن كان يفعله،
وذكر ابن الأثير هذا الأثر في ((جامع الأصول)) (ج ٧ص ١٤٧) عزوًا إلى البخاري
بلفظ: قال - أي الحسن - يقرأ على الطفلٍ فاتحة الكتاب ويقول: ((اللهم اجعله لنا
سلفًا وفرطًا وذخرًا وأجرًا)).
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٦١): رَوَى البيهقي من حديث أبي هريرة أنه
كان يصلي على النفوسِ: ((اللهم اجعله لنا فرطًا وسلفًا وأجرًا)). وفي ((جامع سُفيان))
عن الحسن في الصلاة على الصبي: ((اللهم اجعله لنا سلفًا واجعله لنا فرطًا واجعله
لنا أجرًا».
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٦٥٧
#18
١٧٠٥ - [٤٦] وَعَنْ جَابِرِ: أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ
وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ:
((وَلَا يُورَثُ)).
{ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٧٠٥ - قوله: (الطَّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ) أي:
يصيح عند ولادته، وحمله الجمهور على أن المراد منه أمارة الحياة، أي: يوجد
منه أمارة الحياة، وعبر بالاستهلال؛ لأنه المعتاد وهو الذي يعرف به الحياة عادة.
قال في ((المجمع)): استهلالُ الصبي: تصويته عند ولادته؛ أراد العلم بحياته بصياح
أو اختلاج أو نفس أو حركة أو عطاس. انتهى. وقال ابن الهمام: الاستهلال أن
يكون منه ما يدل على الحياة من حركة عضو أو رفع صوت. انتهى. وأخرج البزار
عن ابنِ عمر مرفوعًا: ((استهلال الصبي العطاس)). قال الحافظ: وإسناده ضعيف.
انتھی .
والحديث: يدل على أنه لا يصلى على المولود إلا إذا استهل، وفيه اختلاف.
قال الخطابي في ((المعالم)): اختلف الناس في الصلاة على السقط، فروي عن ابن
عمر أنه قال: يصلى عليه وإن لم يستهل، وبه قال ابن سيرين وابن المسيب. وقال
أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: كلما نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر
وعشر، صُلِّيَ عليه. وقال إسحاق: إنما الميراث بالاستهلال، فأما الصلاة فإنه
يصلى عليه؛ لأنه نسمة تامة قد كتب عليها الشقاوة والسعادة، فلأي شيء تترك
الصلاة عليه؟ وروي عن ابنٍ عباس أنه قال: إذا استهل؛ ورث وصلي عليه، وعن
جابر: ((إذا استهلَّ صُلي عليه، وإن لم يستهل لم يصل عليه))، وبه قال أصحاب
الرأي، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي - انتهى كلام الخطابي.
وقد رجح المجد بن تيمية في ((المنتقى)) قول أحمد حيث قال: وإنما يصلى عليه
إذا نفخت فيه الروح، وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فأما إن سقط لدونها فلا؛ لأنه
(١٧٠٥) التِّرْ مِذِي (١٠٣٢)، وابن مَاجَهْ (١٥٠٨) فیه عنه.
٦٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ليس بميت؛ إذ لم ينفخ فيه روح، وأصل ذلك حديث ابن مسعود قال: حدثنا
رسول اللّه ◌َلَه وهو الصادق المصدوق: ((إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنٍ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ
يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا
بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: يَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ)).
متفق علیه، انتھی.
قال الشوكاني بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا: ومحل الخلاف فيمن سقط بعد
أربعة أشهر ولم يستهل، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يصلى عليه وهو الحق؛
لأن الاستهلال يدل على وجود الحياة قبل خروج السقط، كما يدل على وجودها
بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن
معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل، وأنه لا يكتفى بمجرد العلم بحياته في
البطن فقط. انتهى كلام الشوكاني.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الجنائز بهذا اللفظ من طريق إسماعيل بن مسلم المكي،
وهو ضعيف الحديث، عن أبي الزبير وهو مدلس، عن جابر، عن النبي وَلّ.
(وابْنُ مَاجَهْ) في الجنائزِ، وفي الفرائض من طريقِ الربيع بن بدر عن أبي الزبير،
والربيع بن بدر ضعفوهِ. (إِلَّا أَنَّهُ) أي: ابن ماجه. (لَمْ يَذْكُرْ: وَلَا يُورَثُ) لفظ ابنُ
ماجه هكذا: ((إذا استهلَّ الصبي؛ صُلِّيَ عليه وورث)). وأخرجَهُ أيضًا ابن حبان في
((صحيحه) والبيهقي والحاكم، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
وقال الحافظُ في ((التلخيص)) (ص١٥٧) بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه الترمذي
والنسائي في ((الكبرى)) وابن ماجه والبيهقي، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي
عن أبي الزبير. وهو ضعيف.
قال الترمذي: رواه أشعث وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا، وكأن
الموقوف أصح، وبه جزم النسائي، وقال الدار قطني في ((العلل)): لا يصحُّ رفعُهُ،
وقد روي عن شريك عن أبي الزبير مرفوعًا ولا يصح، ورواه ابن ماجه من طريق
الربيع بن بدر عن أبي الزبير مرفوعًا، والربيع ضعيف، ورواه ابن أبي شيبة من
طريق أشعث بن سوار عن أبي الزبير موقوفًا، ورواه النسائي أيضًا وابن حبان في
((صحيحه)) والحاكم من طريق إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن
جابر، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووهم لأن أبا الزبير ليس من شرط
كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
FE
٦٥٩
البخاري، وقد عنعن، فهو علة هذا الخبر إن كان محفوظًا عن سفيان الثوري،
ورواه الحاكم أيضًا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير مرفوعًا، وقال: لا
أعلم أحدًا رفعه عن أبي الزبير غير المغيرة، وقد وقفه ابن جريج وغيره، ورواه
أيضًا من طريق بقية عن الأوزاعي عن أبي الزبير مرفوعًا. انتهى كلام الحافظ في
((التلخيص)) .
وفي الباب عن علي وابن عباس أخرجهما ابن عدي في ((الكامل)).
١٧٠٦ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فَوْقَ شَيْءٍ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ - يَعْنِي: أَسْفَلَ مِنْهُ.
[رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ في ((المجتبى)) في كتاب الجنائز] {صحيح}
5 0
الشَّرْحُ
١٧٠٦ - قوله: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ أَنْ يَقُومُ) أي: من أن يقف. (الْإِمَامُ)
أي: وحده في صلاة الجنازة والمكتوبة وغيرها مما تشرع فيه الجماعة.
(فَوْقَ شَيْءٍ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ) أي: خلف ذلك الشيء. (يَعْنِي: أَسْفَلَ مِنْهُ) ويعلمُ
النهي من العكس بالطريق الأولى، والحديث يدل على كراهة ارتفاع الإمام عن
المؤتمين، وقد سبق الكلام عليه في باب الموقف. (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي
((الْمُجْتَبَى))) اسم كتاب له، قاله القاري. والظاهر: أن المراد به كتاب ((السنن))
للدار قطني المشهور. (فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ) فيه: إيماء إلى وجه مناسبة، ذكره في هذا
الباب مع أن الأنسب ذكره في باب الموقف من هذا الكتاب.
والحديث أخرجه الحاكم والبيهقي، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وأخرجه
أبو داود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي أيضًا عن همام: أن حذيفة أمَّ
الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته
قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مددتني.
(١٧٠٦) الدَّارَ قُطْني (٨٨/٢) في كتاب الجنائز من السنن.