Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الرأس منهما، ونقل عنه أن يقوم من الرجل عند وسطه ومن المرأة عند منكبيها .
وقال أحمد كما في ((المغني)) والخطابي: يقومُ من المرأة حذاء وسطها ومن الرجل
حذاء صدره. وحكى الترمذي عن أحمدَ: أنه ذهب إلى أنه يقوم من المرأة عند
وسطها ومن الرجل عند رأسه، كما هو مقتضى حديث أنس آخر حديث الفصل
الثاني، وهو مذهب الشافعي وإسحاق وأبي يوسف، وهو الحقُّ لما يدل عليه
حديث سمرة وحديث أنس الآتي، وهو رواية عن أبي حنيفة.
قال في ((الهداية)): وعن أبي حنيفة أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه ومن المرأة
بحذاء وسطها؛ لأنَّ أنسًا فعل ذلك، وقال: هو السنة. انتهى. ورجح الطحاوي
قول أبي حنيفة هذا على قوله المشهور حيث قال في ((شرح الآثار)): قال أبو جعفر:
القول الأول أحب إلينا لما قد شده الآثار التي روينا عن رسول اللَّه ◌َل انتهى. وقال
بعضهم: يقوم حذاء رأس الرجل وثدي المرأة، واستدل بفعل علي. وقال بعضهم:
يستقبل صدر المرأة وبينه وبين السرة من الرجل.
قال الشوكاني بعد ذكر هذه الأقوال: وقد عرفت أن الأدلة دلت على ما ذهب إليه
الشافعي، وأن ما عداه لا مستند له من المرفوع إلا مجرد الخطأ في الاستدلال، أو
التعويل على محض الرأي، أو ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله النبي وقَالخلال،
وإذا جاء نهر اللَّه بطل نهر معقل. نعم لا ينتهض مجرد الفعل دليلًا للوجوب، ولكن
النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أحسن من الكيفية التي فعلها المصطفى وَال
انتهى كلام الشوكاني.
قلتُ: وأجاب الحنفية عن حديث أنس وسمرة: بأنه لا ينافي كون الصدر
وسطًا، بل الصدر وسط البدن باعتبار توسط الأعضاء؛ إذ فوقه يداه ورأسه وتحته
بطنه وفخذاه، أو يؤول فيقال: يحتمل أنه وقف بحذاء صدر كل واحد منهما إلا أنه
مال في أحد الموضعين إلى الرأس وفي الآخر إلى العجز أي: العورة، فظن
الراوي أنه فرق بين الأمرين لتقارب المحلين، كذا قال ابن الهمام في ((شرح
الهداية))، والكاساني في ((البدائع)): ولا أدري أي: شيء ألجأهم إلى هذا التأويل،
وتكلف الجواب والتمحل، مع أنه لم يرد حديث مرفوع صحيح أو ضعيف يوافق
مذهبهم بأن يدل على عدم الفرق بين الرجل والمرأة والقيام بحذاء صدرهما، بل

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٦٠١
ورد ما يخالفهم؛ ولذلك قال شيخنا في ((شرح الترمذي)) بعد ذكر كلام ابن الهمام:
هذا مما لا يلتفت إليه بعد ما ثبت أنه ◌ّ﴾ كان يقوم حذاء رأس الرجل وحذاء عجيزة
المرأة، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
والبيهقي .
١٦٧٢ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ إِ لّهِ مَرَّ بِقَبْرِ دُفِنَ لَيْلًا
فَقَالَ: ((مَتَى دُفِنَ هَذَا؟)). قَالُوا: الْبَارِحَّةَ. قَالَ: ((أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟)) قَالُوا: دَفَنَّاهُ
فِى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الْشَّرْحُ
١٦٧٢ - قوله: (مَرَّ بِقَبْرِ دُفِنَ) بضم الدال وكسر الفاء. (لَيْلًا) نصب على
الظرفية أي: دفن صاحبه فيه ليلًا، فهو من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال. قيل:
اسم صاحب القبر طلحة بن البراء بن عمير البلوى، حليف الأنصار، روى قصته أبو
داود والبيهقي مختصرًا من حديث حصين بن وحوح، وقد تقدَّم .
(مَتَى دُفِنَ) بصيغة المجهول. (هَذَا) الميت. (الْبَارِحَةَ) أي: دفن الليلة
الماضية. (أَفَلَا آذَنْتُمُونِي) بمد الهمزة أي: أدفنتموه فلا أعلمتموني بموته حين
مات. (فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ) أي: ننبهك من النوم. (فَصَفَقْنَا) بفائين. (فَصَلَّى عَلَيْهِ)
أي: على قبره صبيحة دفنه، وفيه: جواز الدفن بالليل؛ لأن النبي وَّر اطلع على
ذلك ولم ينكره، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره. ويدلَّ عليه أيضًا حديث ابن
عباس عند الترمذي: إنَّ النبي ◌َّل دخل قبرًا ليلًا فأَسرج له سراج، فأخذه من قبل
القبلة ... الحديث.
(١٦٧٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٤٧)، ومُسْلِم (٩٥٤/٦٩) فِيهِ عَنْهُ.

٦٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وحديث جابر عند أبي داود والحاكم قال: رأى ناس نارًا في المقبرة فأتوها،
فإذا رسول اللَّه وَ له في القبر، وإذا هو يقول: ((نَاوِلُونِي صَاحِبَكُمْ ... )) الحديث.
وحديث أبي ذر عند ابن أبي شيبة قال: كان رجل يطوفُ بالبيتٍ يقول: أوه أوه،
قال أبو ذر: فخرجتُ ذات ليلة، فإذا النبي ◌َّ في المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه
مصباح. ذكره العيني .
وحديث أبي أمامة بن سهل عند مالك والبيهقي وابن عبد البر في دفن المسكينة
ليلًا.
وحديث أبي سعيد عند ابن ماجه وغير ذلك من الأحاديث. وقد دُفِن النبيُّ نَل
ليلاً، كما رواه أحمد عن عائشة. ودُفِن أبو بكر وعمر ليلًا، ودَفَن عليٍّ فاطمةً ليلًا.
وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد في الأصح المشهور عنه، وأبو حنيفة وإسحاق
والجمهور.
وكرهه قتادة والحسن البصري وسعيد بن المسيب وأحمد في رواية. وقال ابنُ
حزم: لا يجوز أن يُدفن أحدٌ ليلًا إلا عن ضرورة، وكل من دفن ليلاً منه وَ لّ ومن
أزواجه وأصحابه فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك من خوف زحام أو خوف الحرِّ
على مَن حضر - وحر المدينة شديدًا - أو خوف تغير أو غير ذلك مما يبيح الدفن
ليلًا، لا يحل لأحد أن يظن بهم خلاف ذلك.
واستدلَّ هؤلاء بحديث جابر عند أحمد ومسلم وأبي داودَ: إن النبي وَلّ خطب
يومًا فذكر رجلاً من أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل، وقُبِر ليلًا فزجر
النبي ◌َليل أن يقبر الرجل ليلًا حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال
النبي ◌َِّ((إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ))، وأجابَ الجمهورُ عنه: بأن النهي
ليس لأجل كراهة الدفن ليلاً، بل لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل الرداءة الكفن
وإساءته، كما يدلَّ عليه أول الحديث وآخره. وقال الطحاوي: أراد رسول اللَّه ◌َل
بالنهي عن الدفن ليلاً أن يصلي على جميع المسلمين؛ لما يكون لهم في ذلك من
الفضل، يعني فيحتسب تأخير دفنه إلى الصباح إن رُجي بتأخيره صلاة من تُرجى
بر کته .
وقيل: يحتمل أن يكون نهى عن ذلك أولًا ثم رخَّص. وقيل: المنهي عنه الدفن

٦٠٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْىِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
قبل الصَّلاة، وتعقب بأن الدفن قبل الصلاة منهي عنه مطلقًا سواء كان بالليل أو
بالنهار. والظاهر: أن النهي عن الدفن بالليل ولو بعد الصلاة، ففي رواية ابن ماجه
من حديث جابر مرفوعًا: ((لَا تَدْفِئُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا)).
وفي الحديث أيضًا: دليل على صحة الصلاة على القبر بعد دفن الميت سواء
صُلي عليه قبل الدفن أم لا. وبه قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وَلِّل
وغيرهم، روي ذلك عن أبي موسى وابن عمر وعائشة وعلى وابن مسعود وأنس
وسعيد بن المسيب وقتادة، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وابن
وهب وداود وسائر أصحاب الحديث، ويدلَّ لهم أيضًا أحاديث من بين صحاح
وحسان وردت في الباب عن جماعة من الصحابة، أشار إليها الحافظ في
((التلخيص)) (ص١٦٢)، وساق أكثرها بأسانيدها ابن عبد البر في ((التمهيد)).
وقال النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة: لا تعادُ الصلاة على الميت إلا للولي
إذا كان غائبًا، ولا يصلى على القبر إلا كذلك، وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه
شرع الصلاة عليه وإلا فلا، وأحاديث الباب ترد عليهم مطلقًا، وقد اعتذرَ عنها
مالك بأنه ليس عمل أهل المدينة عليها، ولا يخفى ما فيه، وأجاب غيره بأن ذلك
من خصائصه وَّر، واحتجوا لهذا بقوله ◌َّ في حديث أبي هريرة عند مسلم: ((إِنَّ
هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وِإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ)). قالوا:
صلاته وّله كانت لتنوير القبر، وذا لا يوجد في صلاة غيره، فلا يكون الصلاة على
القبر مشروعًا.
وأجاب ابنُ حبان عن ذلك: بأن في ترك إنكاره رَّ على مَن صلَّى معه على القبر
بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه. وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا
ينتهض دليلًا للأصالة. ومن جملة ما أجاب به الجمهور عن قولِهِ: ((إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ
مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً ... )) إلخ. أنه مدرج، كما سيأتي.
قلتُ: واستدلَّ بعضهم للخصوصية بقوله ێ في حدیث یزید بن ثابت عند أحمد
والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي: ((إن صلاتي له رحمة)). قال السندي: قد
أخذ منه الخصوص من ادعى ذلك، وهذه دلالة غير قوية. وقال الشوكاني: إن

٦٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الاختصاص لا يثبت إلا بدليل، ومجرد كون الله ينور القبور بصلاته وميوله على أهلها
لا ينفي مشروعية الصلاة على القبر لغيره، لا سيما بعد قولِهِ وَّلّ (صَلّوا كَمَا
رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)) .
وقال ابنُ حزم: ليس في الكلام المذكور دليل على أنه خصوص له، وإنما في
هذا الكلام بركة صلاته وَ ليه وفضيلتها على صلاة غيره فقط، وليس فيه نهي غيره عن
الصلاة على القبر أصلاً، بل قد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسُّوَّةُ
حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] انتهى. قال الشوكاني: وهذا باعتبار من كان قد صلى عليه قبل
الدفن، وأما من لم يصل عليه، ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة وإجماع الأمة
باقٍ، وجعل الدفن مسقطًا لهذا الفرض محتاج إلى دليل. انتهى.
هذا، واختلف في المدة التي تشرع فيها الصلاة على القبر:
فقال أحمد وإسحاق وأصحاب الشافعي: إلى شهر. قال أحمد: أكثر ما سمعنا
أن النبي ◌َّ صلَّى على قبرِ أمّ سعد بن عبادة بعد شهر.
وقيل: يصلي عليه ما لم يبل جسده.
وقال أبو حنيفة: يصلي عليه الولي إلى ثلاث ولا يصلي عليه غيره بحال.
وقيل: يصلي عليه أبدًا، واختاره ابن عقيل من الحنابلة؛ لأن النبي ◌َّ صلى
على شهداء أحد بعد ثمان سنين، ولأن المراد من الصلاة عليه الدعاء، وهو جائز
في كلِّ وقت. قال الأمير اليماني: وهو الحق. إذ لا دليل على التحديد بمدة.
انتھی .
ومال شيخنا إلى ترجيح قول أحمد، ومن وافقه، فقال: الظاهرُ الاقتصار على
المدة التي تثبت عن رسول اللَّه وَليل، وأما القياس على مطلق الدعاء وتجويزه في
كل وقت ففيه نظر، كما لا يخفى. انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري بألفاظ هذا أحدها، أورده في باب: صفوف
الصبيان مع الرجال على الجنائز، وأخرجه أيضًا ابن ماجه، وأخرجه مسلم،
والترمذي، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي مختصرًا.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
geSE
٦٠٥
١٦٧٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ
- أَوْ شَابٌ -، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللّهِ يَِّ فَسَأَلَ عَنْهَا - أَوْ عَنْهُ - فَقَالُوا: مَاتَّ.
قَالَ: ((أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟)). قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا - أَوْ أَمْرَهُ - فَقَالَ:
((دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ)). فَدَلَّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ
ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاِي عَلَيْهِمْ)).
[وَلَفْظُهُ لِمُسْلِم] {مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ}
G O
الْشَّرْجُ
١٦٧٣- قوله: (أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) سماها البيهقي في روايته من حديث ابن
بريدة عن أبيه: أم محجن. (كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ) بضم القاف وتشديد الميم أي :
تكنسه وتطهره من القمامة أي: الكناسة. وفي بعض الطرق: كانتْ تلقط الخرق
والعيدان من المسجدِ. (أَوْ شَابٌّ) أي: كان يقم ورفعه على أنه عطف على محل
اسم أن. وفي ((صحيح مسلم)): ((أَو شَابًّا)) أي: بالنصب منونًا عطفًا على امرأة،
وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧ص ١٥٤).
وقد رواه ابنُ خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.
فقال: ((امرأة سوداء)). من غير شك، وبه جزم أبو الشيخ في ((كتاب الصلاة))، له
بسند مرسل. قال القسطلاني: فالشكّ هنا من ثابت على الراجح، وسماها في
رواية البيهقي: أم محجن. (فَفَقَدَهَا) أو ففقده أي: لم يرها حاضرة في المسجد.
(فَسَأَلَ) أي: النبيِّ الناس. (عَنْهَا أَوْ عَنْهُ) على الشك. (فَقَالُوا) أي: بعضهم،
وفي حديث بريدة المتقدم: أن الذي باشر جواب النبي وَّ منهم هو أبو بكر
الصديق رَضِلَّهُ. (مَاتَ) أو ماتت.
(قَالَ) أي: النبي ◌َّهِ. (أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) أي: أخبر تموني بموته أو بموتها
الأصلي عليه أو عليها. (قَالَ) أي: أبو هريرة حكاية عما وقع منهم في جواب قوله:
(١٦٧٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٣٣٧)، ومُسْلِم (٧١/ ٩٥٦) فِيهِ عَنْهُ، وأَبُو دَاوُد (٣٢٠٣)، وابن مَاجَهْ
(١٥٢٧).

٦٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((أَفَلَا ... )) إلخ. (فَكَأَنَّهُمْ) أي: المخاطبين (صَغَّرُوا) أي: حقَّروا. (أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ)
أي: وعظموا أمر النبي وَل بتكليفه للصلاة عليه. ولابن خزيمة: ((قالوا: مات من
الليل فكرهنا أن نُوقِظك)). وكذا في حديث بريدة، ووقع في رواية للبخاري:
((فحَقَّرُوا شأنَهُ)). قال القسطلاني: لا ينافي ما سبق من التعليل بأنهم كرهوا أن
يوقظوه - عليه الصلاة والسلام - في الظلمة خوف المشقة؛ إذ لا تنافي بين
التعليلين. (فَقَالَ) النبي ◌َّ: (دُلّونِي) بضم الدال أمر مِن الدلالة. (عَلَى قَبْرِهِ) أو
قبرها. (فَدَلَّوهُ) بفتح الدال وضم اللام المشددة. (فَصَلَّى عَلَيْهَا) أو عليه، يعني:
على قبرها. فيه: رد على الحنفية والمالكية حيث منعوا الصلاة على القبر. (إِنَّ هَذِهِ
الْقُبُورَ) قال ابنُ الملك: المشارُ إليها القبور التي يمكنُ أن يصلي عليها النبيِ وَّ .
(ظُلْمَةً) بالنصب على التمييز. (عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاتِ عَلَيْهِمْ) قال
الطيبي: وهو كأسلوب الحكيم، أي: ليس النظر في الصلاة على الميت إلى
حقارته ورفعة شأنه، بل هي بمنزلة الشفاعة، يعني فلا تختص بميت دون ميت.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا أبو داود وابن ماجه والبيهقي كلهم من رواية حماد بن
زيد عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة. (وَلَفْظُهُ لِمُسْلِم) أخرجه من طريق
أبي كامل الجحدري عن حماد بن زيد. اعلم أن جملة: ((إِنَّ هَدَّهِ الْقُبُورَ)) إلى آخر
الحديث من أفراد مسلم وليس للبخاري. قال الحافظُ: إنما لم يخرِّج البخاري هذه
الزيادة؛ لأنها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بيَّن ذلك غير واحد
من أصحاب حماد بن زيد، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب ((بيان المدرج)).
قال البيهقي: الذي يغلب على القلب أن تكون هذه الزيادة في غير رواية أبي رافع
عن أبي هريرة، فإما أن تكون عن ثابت عن النبي وَّ مرسلة، كما رواه أحمد بن
عبدة ومن تابعه، أو عن ثابت عن أنس، كما رواه خالد بن خداش، وقد رواه غير
حماد عن ثابت عن أبي رافع فلم يذكرها. انتهى. قال الحافظ: ووقع في مسند أبي
داود الطيالسي عن حماد بن زيد وأبي عامر الخزاز كلاهما عن ثابت بهذه الزيادة.
وفي الحديث: فضل تنظيف المسجد، والسؤال عن الخادم والصديق إذا غاب.
وفيه: المكافأة بالدعاء والترغيب في شهود جنائز أهل الخير، وندب الصلاة على
الميت الحضر عند قبره لمن لم يصل عليه والإعلام بالموتِ .

كِتَابُ الْجَنَائِز
بَابُ الْمَشْي بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٦٠٧
١٦٧٤ - [١٥] وَعَنْ كُرَيْبِ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ:
أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ابْنٌ بِقُدَيْدٍ أَوْ بِعُسْفَأَنَ فَقَالَ: يَا كُرَيْبٍّ انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِّنَ
النَّاسِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: تَقُولُ: هُمْ
أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَخْرِ جُوهُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا
مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلَّا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا
إِلَّا شَفَّقَّهُمُ اللَّهِ فِیهِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَرْحُ
١٦٧٤ - قوله: (وَعَنْ كُرَيْب) بالتصغير. (أَنَّهُ مَاتَ لَهُ) أي: لعبد الله.
(بِقُدَيْدٍ) بالتصغير موضع قريب بعسفَان. (أَوْ بِعُسْفَانَ) بضم العين شك من الراوي.
(مَا اجْتَمَعَ لَهُ) ((ما)) موصولة بينها. (مِنَ النَّاسِ) ويمكن أن يكون ((ما)) بمعنى ((من)).
(فَأَخْبَرْتُهُ) أي: بهم أو باجتماعهم. (فَقَالَ) أي: ابن عباس. (تَقُولُ) بالخطابِ أي :
تظن. وفي رواية أحمد: قال: ((يقولُ)) - أي: قال كريب - يقول لي ابن عباس.
(هُمْ أَرْبَعُونَ قَالَ) أي : كريب. (نَعَمْ) وظاهر الكلام أن يقول: ((قُلْتُ)) ففيه تجريد،
وذكره الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١ص ١٦١) بلفظ: قال: قلت: نعم. وفي
رواية ابن ماجه: ((فقال: ويحك كم تراهم أربعين؟ قلت: لا بل هم أكثر)). (قَالَ:)
أي: ابن عباس. (أَخْرِ جُوهُ) أي: الميت.
(فَيَقُومُ) أي: للصلاة. (عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا) أي: فيصلون عليه ويدعون
له. (لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا) وفي رواية ابن ماجه: ((مَا مِنْ أَرْبَعِينَ مُؤْمِنٍ يَشْفَعُونَ
لْمُؤْمِنٍ)). (إِلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ) بتشديد الفاء أي: قبل شفاعتهم. (فِيهِ) أي: في حق
ذلك الميت .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١ ص ٢٧٧) وابن ماجه، وأخرج أبو داود
والبيهقي من طريقه المسند منه فقط.
(١٦٧٤) مُسْلِم (٩٤٨/٥٩)، وَأَبُو دَاوُد (٣١٧٠)، وَابن مَاجَهْ (١٤٨٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ.

٦٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٧٥ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي
عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلَّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
W O
الْشِّرْحُ
١٦٧٥ - قوله: (مَا مِنْ مَيِّتٍ) أي: مسلم. (تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ) أي: جماعة.
(مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وفي رواية الترمذي والنسائي: ((لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فَيُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ)). (يَبْلُغُونَ) أي: فِي العدد. (مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ)
بسكون الشين وفتح الفاء أي: يدعون له. (إِلَّا شُفِّعُوا) بتشديد الفاء على بناء
المفعول، أي: قبلت شفاعتهم. (فِيهِ) أي: في حقه .
وفي الحديث: استحباب تكثير جماعة الجنازة، ويطلب بلوغهم إلى هذا العدد
الذي یکون من موجبات الفوز. وقد قید ذلك بأمرين:
الأول: أن يكونوا شافعين فيه، أي: مُخلصين له الدعاء سائلين له المغفرة.
الثاني: أن يكونوا مُسلمين ليس فيهم مَن يشرك بالله شيئًا، كما في حديث ابن
عباس المتقدم، ويأتي حديث مالك بن هبيرة بلفظ: ((مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَّلَاثَةُ صُفُوفٍ
فَقَدْ أَوْجَبَ)). ولا اختلاف في هذه الأحاديث الثلاثة. قال القاضي: قيل: هذه
الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين، سألوا عن ذلك، فأجاب كل واحد عن سؤاله.
قال النووي: ويحتملُ أن يكون النبي وَلّه أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم
بقبول شفاعة أربعين، ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به. قال: ويحتمل
أيضًا أن يقال هذا مفهوم عدد، ولا يحتج به جماهير الأصوليين، فلا يلزم من
الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك، وكذا في الأربعين مع ثلاثة
صفوف، وحينئذٍ كل الأحاديث معمول بها، وتحصل الشفاعة بأقل الأمرين من
ثلاثة صفوف وأربعين. انتهى كلام النووي.
(١٦٧٥) روَاهُ مُسْلِم (٥٨/ ٩٤٧).

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٦٠٩
وقال التوربشتي في ((شرح المصابيح)): لا تضاد بين حديث عائشة وحديث ابن
عباس؛ لأن السبيل في أمثال هذا الحديث إن الأقل من العددين متأخر؛ لأن الله
تعالى إذا وعد المغفرة لمعنى واحد لم يكن من سنته أن ينقص من الفضل الموعود
بعد ذلك، بل يزيد عليه فضلًا وتكرمًا على عباده. فجعلنا حديث ابن عباس في
أربعين متأخرًا عن حديث عائشة في المائة للمعنى الذي ذكرنا، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي والبيهقي، وروى ابنُ
ماجه بمعناه عن أبي هريرة، ومسلم عن أنسٍ، والطبراني في ((الكبير)) عن ابن
عمر، وفيه مبشر بن أبي المليح، قال الهيثمي: لم أجد من ذكره.
١٦٧٦ - [١٧] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ
الشَِّيُّ وَهِ: (وَجَبَتْ)) ثُمَّ مَرُّوا بِأَخْرَى، فَأَثْنَوْاَ عَلَيْهَا شَرًّا. فَقَالَ: ((وَجَبَتْ))
فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ: ((هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا
أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا؛ فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ)). [مُتَّفَقْ عَلَيْهِ]
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ))(*).
الْشَّرْجُ
١٦٧٦ - قوله: (مَرُّوا) أي: الصحابة، وفي رواية: ((مُرَّ))، بضم الميم على
البناء للمفعول. (فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا) أي: ذكروها بأوصاف حميدة. فقوله: ((خيرًا)) تأكید
أو دفع لما يتوهم من ((على)). (خَيْرًا) صفة لمصدر محذوف، فأقيمت مقامه
فنصبت أي: ثناء حسنًا، أو هو منصوبٍ بنزع الخافض أي: أثنوا عليها بخير. وفي
رواية الحاكم: ((فقالوا: كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها)).
وقال في التي أثنوا عليها شرًا: ((فقالوا: كان يبغض اللَّه ورسوله ويعمل
بمعصية الله ويسعى فيها)). ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشر في رواية
(١٦٧٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٣٦٧)، ومُسْلِم (٩٤٩/٦٠) فِهِ عَنْ أَنَسٍ.
(*) الْبُخَارِي (٢٦٤٢) عَنْ أَنَسٍ فِي الشَّهَادَاتِ.

٦١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الشيخين. (وَجَبَتْ) أي: ثبتتْ له الجنة. (ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا) قال
الطيبي: استعمالُ الثناء في الشر مشاكلة أو تهكم. انتهى. قال القاري: ويمكنُ أن
يكون ((أثنوا)) في الموضعين بمعنى ((وصفوا))، فيحتاج حينئذٍ إلى القيد، ففي
((القاموس)): الثناء وصف بمدح أو ذم أو خاص بالمدح. انتهى. وإنما مُكِّنُوا من
الثناء بالشرِّ مع الحديث الصحيح في البخاري في النهي عن سب الأموات؛ لأنَّ
النهي عن سبهم إنما هو في حقِّ غير المنافقين والكفار، وغير المتظاهر بالفسق أو
البدعة، فأما هؤلاء، فلا يحرم ذكرهم بالشر للتحذير من طريقتهم ومن الاقتداء
بآثارهم والتخلق بأخلاقهم.
وهذا الحديث محمول على أنَّ الذي أثنوا عليه شرًّا كان مشهورًا بنفاق أو نحوه،
قاله النووي. قال الحافظ: يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة بإسناد
صحيح أنه وَّ لم يصل على الذي أثنوا عليه شرًّا وصلى على الآخر. انتهى. وقيل:
النهي عن سبِّ الأموات محمول على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به
من يسمعه من فساق الأحياء. وقيل: يحتمل أن يكون حديث أنس وما في معناه
قبل ورود النهي العام. وقيل: إن هذا كان على معنى الشهادة، والمنهي عنه هو
على معنى السب، وما كان على جهة الشهادة وقصد التحذير لا يسمى سبًّا في
اللغة .
(فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((وَجَبَتْ))) أي: حُقَّت له النار. (فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟) أي: ما
المراد بقولك: ((وجبت في الموضعين، أراد التصريح بما يعلم من قيام القرينة.
(هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا) أي: الآخر. (أَنْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا،
فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) قال الحافظ: المراد بالوجوب الثبوت؛ إذ هو في صحّة الوقوع
كالشيء الواجب، والأصل: أنه لا يجبُ على اللَّه شيء بل الثواب فضله والعقاب
عدله، لا يُسأل عما يفعل. وفي رواية مسلم: ((مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا؛ وَجَبَتْ لَهُ
الْجَنَّةُ))، وهو أبين في العموم من رواية البخاري، وفيه: ردٌّ على مَن زعم أن ذلك
خاص بالميتين المذكورين لغيب اطلع اللَّه نبيه عليه، وإنما هو خبر عن حكم
أعلمه اللَّه به. (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ) قيل : الخطاب مخصوص بالصحابة؛
لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم. وقيل: بل المراد هم ومن كانوا
على صفتهم من الإيمان. وقيل: الصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين. ونقل

٦١١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
الطيبي عن بعض شراح ((المصابيح)): أنه قال: ليس معنى قوله: ((أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ)
أن ما يقول الصحابة والمؤمنون في حق شخص يكون كذلك؛ لأن مَن يستحق
الجنة لا يصير من أهل النار بقولهم، ولا من يستحق النار يصير من أهل الجنة
بقولهم، بل معناه: أنَّ الذي أثنوا عليه خيرًا رأوا منه الصلاحِ والخيرات في حياتِهِ،
والخيراتُ والصلاح علامة كون الرجل من أهل الجنة، والّذي أثنوا عليه شرًّا رأوا
منه الشر والفساد، والشر والفساد من علامة النار، فترجى الجنة لمن شهد له
بالخير، ويخاف النار لمن شهد له بالشر.
وتعقبه الطيبي بأن قوله: ((وَجَبَتْ)) بعد ثناء الصحابة حكم عقب وصفًا مناسبًا،
وهو يشعر بالعلية، وكذا الوصف بقوله: ((أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ))؛ لأنَّ
الإضافة للتشريف، وأنهم بمكان ومنزلة عالية عند الله، وهو أيضًا كالتزكية من
رسول اللّه ◌َليه لأمته وإظهار عدالتهم بعد أداء شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغي أن
يكون لها أثر ونفع في حقِّهِ، وأنَّ اللَّه تعالى يقبل شهادتهم ويصدق ظنونهم في حق
المثنى عليه، كرامة لهم وتفضلا عليهم كالدعاء والشفاعة، فيوجب لهم الجنة
والنار على سبيل الوعد والوعيد؛ لأن وعده حق لا بد من وقوعه، فهو كالواجب؛
إذ لا أثر للعمل ولا الشهادة في الوجوب. وإلى معنى الحديث يرمز قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
[البقرة: ١٤٣] أي: جعلناكم عدولًا خيار الشهود لتشهدوا على غيركم، ويكون الرسول
رقيبًا عليكم ومزكيًا لكم ويبين عدالتكم.
وقال النووي: قيل: هذا مخصوص بمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ثناؤه لهم
مطابقًا لأفعاله، فهو من أهل الجنة، فإن كان غير مطابق فلا، وكذا عكسه. قال:
والصحيح أنه على عمومه وإطلاقه، وإن كلَّ مسلم مات فألهم اللَّه الناس أو
معظمهم الثناء عليه؛ كان ذلك دليلاً على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله
تقتضي ذلك أم لا؛ إذ العقوبة غير واجبة بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله
الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه تعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة
الثناء، وإلا فإذا كانت أفعاله مقتضية للجنة لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي وَل
له فائدة. انتهى.

تعد
٦١٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
قال الحافظ: وهذا في جانب الخیر واضح، ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان
والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنسٍ مرفوعًا: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ
فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنَّهُ إِلَّا خَيْرًا، قال الله تعَّلَى: قَدْ
قَبِلْتُ قَوْلَكُمْ وَغَفَرْتُ لَّهُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)). وأما جانب الشرِّ فظاهرُ الأحاديث أنه
كذلك، لكن إنما يقعُ ذلك في حقِّ مَن غلب شره على خيره، وقد وقع في رواية
النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم في آخر الحديث: ((إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَنْطِقُ عَلَى
أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي الْمَرْءِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ)). انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في الجنائز، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي. وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن
ماجه عن أبي هريرة بنحوهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: للبخاري في الشهادات: (الْمُؤْمِنُونَ)
اللام للجنس. (شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ) الإضافة تشريفية، ومشعرة بأنهم عند الله
بمنزلة في قبول شهادتهم.
١٦٧٧ - [١٨] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: «أَيُّمَا مُسْلِمِ شَهِدَ
لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ)) قُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: ((وَثَلَاثَةٌ)). قُلْنَا: وَأَثْنَانٍ؟
قَالَ: ((وَاثْنَانَ)) ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدُ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٦٧٧ - قوله: (أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) من المسلمينِ وظاهره العموم،
كما اختاره النووي. (بِخَيْرِ) أيَّ أثنوا عليه بجميل. (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) بفضله،
تصديقًا لظن المؤمنين في حقه. (قُلْنَا) أي: عُمر وغيره: (وَثَلَاثَةٌ) أي: وما حكم
ثلاثة. (قَالَ) أي: النبيِ وَلِّ (وَثَلَاثَةٌ) أي: وكذلك ثلاثة، وقيل: هو وما قبله عطف
تلقين. (ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدٍ) قيل: الحكمة في الاقتصار على الاثنين؛ لأنهما
نصاب الشهادة غالبًا. وقال الزين بن المنير: إنما لم يسأل عمر عن الواحد؛
استبعادًا منه أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب.
(١٦٧٧) البُخَارِي (١٣٦٨) عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٦١٣
RECE
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الجنائز والشهادات من طريق عبد الله بن بريدة عن أبي
الأسود الديلي التابعي الكبير المشهور عن عمر. قال الحافظُ: لم أره من رواية
عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود إلا معنعنًا، وقد حكى الدارقطني في كتاب
(التتبع)) عن علي بن المديني أن ابن بريدة إنما يروي عن يحيى بن يعمر عن أبي
الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود. قال الحافظ: وابن بريدة
ولد في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب، لكن البخاري لا يكتفي
بالمعاصرة، فلعله أخرجه شاهدًا، واكتفى للأصل بحديث أنس الذي قبله. والله
أعلم. انتهى. والحديث أخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، والنسائي، والبيهقي.
١٦٧٨ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَةِ: ((لَا تَسُبُّوا
الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
5 0
الْشَرْحُ
١٦٧٨ - قوله: (لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ) ظاهرُهُ النهي عن سب الأموات على
العموم، وقد خصص هذا العموم بما تقدم في حديث أنس أنه قال ولية عند ثنائهم
بالخير والشر: ((وَجَبَتْ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ)) ولم ينكر عليهم ولم ينههم عن
الثناء بالشر، بل أقرهم على ذلك. وقيل: إن اللام في الأموات عهدية، والمراد
بهم المسلمون. وقد ذكرنا توجيهات أخرى في شرح حديث أنس .
قال الشوكاني: والوجه تبقية الحديث على عمومه إلا ما خصه دليل كالثناء على
الميت بالشر - على جهة الشهادة - وجرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتًا
لإجماع العلماء على جواز ذلك، وذكر مساوي الكفار والفساق للتحذير منهم
والتنفير عنهم.
(فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا) بفتح الهمزة والضاد أي: وصلوا. (إِلَى مَا قَدَّمُوا) من التقديم
أي: لأنفسهم من الأعمال، والمراد جزاؤها أي: فلا ينفع سبهم فيهم، كما ينفع
(١٦٧٨) البُخَارِي (١٣٩٣)، وَالنَّسَائِي (٥٣/٤) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.

٦١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سب الحي في النهي والزجر حتى لا يقع في الهلاك، نعم قد يتضمن سبهم مصلحة
الحي، كما إذا كان لتحذيره عن طريقهم مثلاً فيجوز لذلك كما تقدم. (رَوَاهُ
البُخَارِيُّ) في الجنائز، وفي الرقاق، وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي، والبيهقي.
١٦٧٩ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ
الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: ((أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا
لِلْقُرْآنِ؟))، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَّا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: ((أَنَا شَهِيدٌ عَلَى
هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُفَسَّلُوا.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٦٧٩- قوله: (كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ) جمع قتيل أي:
شهداء غزوة أحد. (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) أي: من الكفنِ للضرورة، ولا يلزمُ منه تلاقي
بشرتهما؛ إذ يمكن حيلولتهما بنحو إذخر، ويحتملُ أنَّ الثوبَ كان طويلًا فقطعه
بينهما نصفين وكفن كل واحد على حياله، ويؤيدُ الأول بل يعينه قول جابر في تمام
الحديث عند البخاري: فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة. وقال المظهرُ في ((شرحٍ
المصابيح)): قوله: ((في ثوب واحد))، أي: في قبر واحد، إذ لا يجوزُ تجريدهما
في ثوب واحد بحيث تتلاقى بشرتاهما. قال السندي: نقله عنه غير واحد وأقروه
عليه، لكن النظر في الحديث يرده، بقي أنه ما معنى ذلك، والشهيد يدفن بثيابه
التي كانت عليه، فكان هذا فيمن قطع ثوبه ولم يبق على بدنه أو بقي منه قليل؛
لكثرة الجروح، وعلى تقدير بقاء شيء من الثوب السابق فلا إشكال؛ لكونه فاصلًا
عن ملاقاة البشرة، وأيضًا قد اعتذر بعضهم عنه بالضرورة. وقال بعضهم: جمعهما
في ثوب واحد هو أن يقطع الثوب الواحد بينهما. انتهى.
(أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ) بالنصب على التمييز في أخذًّا. وفي رواية الترمذي:
((حِفْظًا لِلْقُرْآنِ)). (فَإِذَا أَشِيرَ لَهُ) أي: للنبيِ نََّ. (إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ) أي: ذلك
(١٦٧٩) البُخَارِي (١٣٤٧) فِيهِ عَنْهُ.

٦١٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْي بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
الأحد. (فِي اللَّحْدِ) بفتح اللام وسكون الحاء، أي: الشق في عرض القبر جانب
القبلة، سمي لحدًا؛ لأنه شق يعمل في ناحية من القبر، مائلًا عن وسطه، قدر ما
يوضع الميت في جهة القبلة، والإلحاد لغة: الميل، وفيه: دليل على جواز تكفين
الرجل في ثوب واحد لأجل الضرورة، وفيه جمع الرجلين فصاعدًا في لحد لأجل
الضرورة. ففي رواية عبد الرزاق: كان يدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد.
وروى أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصاري قال: جاءت الأنصار إلى
رسول اللَّه وَ له يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد، فقال: ((احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا
وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرِ)) صححه الترمذي، ومثله المرأتان والثلاث.
وفيه: أنه يقدم الأكثر أخذًا للقرآن على غيره لفضيلة القرآن، كنظيره في الإمامة في
الحياة، ويقاس عليه سائر جهات الفضل إذا جمعوا في اللحد.
(وَقَالَ) أي: النبي ◌َِّ (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ) كلمة ((على)) في مثله: تحمل على
معنى اللام، أي: أنا شفيع لهؤلاء وأشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم وتركوا حياتهم
لله تعالى، وفيه تشريف لهم وتعظيم، وإلا فالأمر معلوم عنده تعالى. (وَلَمْ يُصَلِّ
عَلَيْهِمْ) قال الحافظُ في ((الفتح)): هو مضبوط في روايتنا بفتح اللام، وهو اللائق
بقوله بعد ذلك: ((وَلَمْ يُغَسَّلُوا) وسيأتي من وجه آخر بلفظ: ((ولم يصل عليهم ولم
يغسلهم))، وهذه بكسر اللام، والمعنى ولم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره. انتهى.
وفيه: دليلٌ على أنه لا يصلى على الشهيد المقتول في معركة الكفار، ويدلُّ عليه
أيضًا ما روى أحمدُ والترمذي وحسنه، وأبو داود والدار قطني والحاكم عن أنسٍ :
إن شهداء أُحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم. انتهى. وفي ذلك
خلاف بين العلماء معروف، فقال مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور
عنه: بمنع الصلاة عليه عملًا بحديثي جابر وأنسٍ.
وقال الثوري وأبو حنيفة: يجبُ الصلاة عليه كسائر الأموات؛ عملًا بعموم أدلة
الصلاة على الميتِ، وبأحاديث رُويت في الصلاة على قتلى أحد: حمزة وغيره من
الشهداء، وقد سردها الزيلعي في ((نصب الراية))، والحافظ في ((التلخيص))،
وبعضها حسن، وبما روى البخاري وغيره عن عقبة بن عامر: أنه رَّ صلَّى على
قَتلى أحدٍ. وبما روى أبو داود - وسكت عنه هو والمنذري - عن أبي سلام عن

٦١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ختام
ـكتها
رجلٍ من أصحاب النبي وَّه قال: طلبَ رجلٌ من المسلمين رجلاً من جهينة
فضربه، فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف، فابتدره أصحاب رسول اللَّه وَ ل فوجدوه
قد ماتَ، فلفَّه رسول اللَّه ◌َلّه بثيابه ودمائه وصلى عليه - انتهى مختصرًا.
وبما روى النسائي والطحاوي والحاكم والبيهقي عن شداد بن الهاد الليثي
الصحابي: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي وَل﴾ فآمن به واتبعه ... الحديث.
وفيه: أنه استشهد، فصلى عليه النبي ◌َّةِ، وذهب أحمد في رواية إلى أن الصلاة
عليه مستحبة. قال ابنُ قدامة: صرح بذلك أي: بالاستحباب في رواية المروذي
فقال: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ. انتهى.
وقال ابنُ حزم: إن صلى على الشهيد فحسن وإن لم يصل عليه فحسن، واستدل
بحديثي جابر وعقبة، وقال: ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين المذكورين للآخر،
بل كلاهما حق مباح، وليس هذا مكان نسخ؛ لأنَّ استعمالهما معًا ممكن في أحوال
مختلفة، وأجاب الحنفية عن حديثي جابر وأنس: بأن النفي محمول على نفي
الصلاة منفردًا، ولكنه كان يصلي على تسعة تسعة أو عشرة عشرة، وحمزة معهم.
كما تدل عليه الروايات، أو المعنى أنه لم يصل على أحد كصلاته على حمزة حيث
صلى عليه مرارًا لمزيد الرحمة والرأفة والبركة، وصلى على غيره مرة، ثم أعاد
الصلاة عليهم بأن صلى عليهم بعد ثمان سنين صلاته على الميت وكان توديعًا لهم.
وقال بعضهم: إنه لم يصل عليهم يوم أحد أي: حال الوقعة، وعليه يحمل رواية
جابر وأنس: ثم صلى عليهم قبيل وفاته؛ استدراكًا لما فاته كما يشهد له حديث
عقبة بن عامر عند البخاري وغيره: أنه صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين،
كالمودع الأحياء والأموات، قالوا: ترك الصلاة عليهم يوم أحد لاشتغاله عنهم
وقلة فراغه لذلك، وكان يومًا صعبًا على المسلمين، فعذروا بترك الصلاة عليهم
يومئذٍ، قالوا: وتجوز الصلاة على القبر ما لم يتفسخ الميت، والشهداء لا
يتفسخون ولا يحصل لهم تغير، فالصلاة عليهم لا تمتنع أي وقت كان.
وأجابوا أيضًا: بأن أحاديث الصلاة مثبتة والإثبات مقدم على النفي. وأجاب
الشافعية عن حديث عقبة بن عامر بأن المراد بالصلاة فيه الدعاء والاستغفار كقوله :
﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] لا الصلاة على الميت المعهودة. قال النووي: المراد

٦١٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
بالصلاة هنا الدعاء، وأما كونه مثل الذي على الميت، فمعناه أنه دعا لهم بمثل
الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى، والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل
وجه، فقوله: ((صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ)) لا يمنع مِن حمل الصلاة على الدعاء
والاستغفار. قال الأمير اليماني : ويؤید کونه دعا لهم عدم الجمعية بأصحابه؛ إذ لو
كانت صلاة الجنازة المعهودة لأشعر أصحابه وصلاها جماعة، كما فعل في صلاته
على النجاشي، فإن الجماعة أفضل قطعًا، وأهل أحد أولى الناس بالأفضل؛ ولأنه
لم يرو عنه أنه صلى على قبر فرادى.
وقال في ((فيض الباري)) (ج٢ ص٤٧٨) بعد ذكر تأويل النووي المذكور، ورد
عليه العيني فقال: إنه ليس بتأويل بل تحريف، فإن المفعول المطلق للتشبيه،
فقوله: ((صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ))، صريح في أنه صلى عليهم، كما يصلى على
الجنائز. أقول والصواب، كما قاله النووي. فإني تتبعت الروايات فتبين أن صلاته
تلك كانت في السنة التي مات فيها، وكانت في المسجد النبوي، وإليه يشير لفظ
البخاري: ثم انصرف إلى المنبر، وأين كان المنبر في أحد؟ فخروجه ◌َّ في تلك
الواقعة إنما هو في المسجد لا إلى أُحدٍ، وإنما أراد بذلك أن يدعوا لهم قبيل
خروجه من الدنيا أيضًا لمزيد فضلهم، قال: وسها من زعم أن خروجه كان إلى
أحد، فإنه بثلاثة أميال من المدينة. انتهى.
وأجابوا عن أحاديث الصلاة على قتلى أحد مع حمزة بأن كلها مدخولة لا يخلو
واحد منها عن كلام. قال المجد بن تيمية في ((المنتقى)): وقد رويت الصلاة عليهم
بأسانيد لا تثبت. انتهى. وقد أعلَّ الشافعي بعض روايات الصلاة على قتلى أُحد،
وعلى حمزة بأنه متدافع، قال في كتاب ((الأم)) (ج١ ص٣٣٧): كيف يستقيم أنه فعاليَّلهُ
صلَّى على حمزة سبعين صلاة إذا كان يؤتى بتسعة وحمزة عاشرهم، وشهداء أحد
إنما كانوا اثنين وسبعين شهيدًا، فإذا صلى عليهم عشرة عشرة، فالصلاة إنما تكون
سبع صلوات أو ثمانيًا، فمن أين جاءت سبعون صلاة؟ وأجيب عنه: بأن المراد
صلى على سبعين نفسًا وحمزة معهم كلهم، فكأنه صلى عليه سبعين صلاة. وأجاب
الزيلعي وابن التركماني عنه بوجه آخر.

٦١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثم قال الشافعي: وإن كان عنى سبعين تكبيرة فنحن وهم نزعم أن التكبير على
الجنائز أربع، فهي إذا كانت تسع صلوات تكون ستًّا وثلاثين تكبيرة، فمن أين
جاءت أربع وثلاثون؟ وأجاب بعض الحنفية عنه بأنه إن كان مراد الإمام الشافعي أن
الأمر استقر على أربع تكبيرات في الجنائز فمسلَّم، وهذا لا يرد التأويل؛ لأنه ثبت
أنه تُالَّ كبر على الجنائز ثلاثًا وأربعًا وخمسًا وأكثر من ذلك، وفي جنازة حمزة كبر
تسعًا. كما رواه الطحاوي (ص ٢٩٠) من حديث عبد الله بن الزبير والطبراني في
((الكبير)) و((الأوسط)) من حديث ابن عباس. قال الهيثمي: وإسناده حسن وإن أراد
أنه الثّل لم يكبر على جنازة أكثر من أربع تكبيرات قط، وإنه وإننا متفقان على هذا،
فهذا ليس بصحيح. انتهى.
وأجاب البيهقيُّ عن حديث شداد بن الهاد بأنه يحتمل أن يكون الأعرابي بقي حيًّا
حتى انقضت الحرب ثم مات، فصلى عليه رسول اللَّه وَّر، والذين لم يصل عليهم
بأحد ماتوا قبل انقضاء الحرب، انتهى. ولا يخفى ما فيه، فإنه احتمال غير ناشىء
عن دليل فلا يلتفت إليه .
وأجاب بعضهم بأنه مرسل؛ لأن شداد بن الهاد تابعي. وفيه: أن شدادًا هذا
صحابي معروف شهد الخندق وما بعدها، فالحديث موصول. وأما حديث أبي
سلام الذي استدل به للصلاة على الشهيد، فقال الشوكاني: لم أقف للمانعين من
الصلاة على جواب عليه، وهو من أدلة المثبتين؛ لأنه قتل في المعركة بين يدي
رسول اللَّه وَآل﴾ وسماه شهيدًا وصلی علیه. انتهى.
والقول الراجح عندي: ما حكي عن أحمد: أن الصلاة على الشهيد مستحبة غير
واجبة، إن صلى عليه؛ كان حسنًا، وإن لم يصل؛ أجزأ. وقد أطال الشوكاني
الكلام في هذه المسألة واختار الصلاة على الشهيد. (وَلَمْ يُغَسَّلُوا) إِبقاء لأثر
الشهادة عليهم. وفي حديث أحمد عن جابر أيضًا أنه وّ قال في قتلى أُحد: (لَا
تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كَلْمٍ أَوْ دَم يَقُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) ولم يصل عليهم، فبين
الحكمة في ذلك.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي.

٦١٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلاةِ عَلَيْهَا
icese
٥ فائدة:
قال الشوكاني: قد اختلفَ في الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله والصلاة
عليه، هل هو مختص بمنْ قتل في المعركة أو أعم من ذلك؟ فعندَ الشافعي: أن
المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، وخرج بقوله: في المعركة، من
جرح في المعركة وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج: بحرب الكفار، من مات
في قتال المسلمين كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك؛ من يسمى شهيدًا بسبب غير
السبب المذكور، ولا خلاف أن من جمع هذه القیود شهید .
وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن من جرح في المعركة إن مات قبل
الارتثاث فشهيد، والارتثاث: أن يحمل ويأكل أو يشرب أو يوصي أو يبقى في
المعركة يومًا وليلة حيًّا، وذهبت الهادوية إلى أن من جرح في المعركة يقال له:
شهيد وإن مات بعد الارتثاث، وأما من قتل مدافعًا عن نفس أو مال أو في المصر
ظلمًا. فقال أبو حنيفة وأبو يوسف والهادوية: إنه شهيد. وقال الإمام يحيى
والشافعي: إنه وإن قيل: شهيد فليس من الشهداء الذين لا يغسلون. وذهبت العترة
والحنفية والشافعي في قول له: إن قتيل البغاة شهيد، قالوا: إذ لم يغسل عليٌّ
أصحابه وهو توقيف. انتهى كلام الشوكاني. ومن أحب البسط والتفصيل رجع
إلی (المغني)) (ج٢ ص٥٢٨ ، ٥٣٦).
١٦٨٠ - [٢١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: أَنِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِفَرَسِ
مَعْرُورٍ، فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٦٨٠- قوله: (أَتِيَ) بصيغة المجهول. (بِفَرَسِ مَعْرُورٍ) كذا في النسخ
الموجودة بكسر الراء الثانية منونًا، أي: عار من السرج ونحوه، وهكذا في ((جامع
(١٦٨٠) مُسْلِم (٩٦٥/٨٩)، وَأَبُو دَاوُد (٣١٧٨)، وَالتِّرْ مِذِي (١٠١٣) فِيهِ عَنْهُ.