Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بأرض صُلي عليه فيها، وبه قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف حتى قال ابن
حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه.
والثاني: مَنعه مطلقًا وهو للحنفية والمالكية.
والثالث: يجوزُ في اليوم الذي مات فيه الميت أو ما قرب منه لا إذا طالت
المدة، حكاه ابن عبد البر.
والرابع: يجوزُ ذلك إذا كان الميت في جهة القبلة، فلو كان بلد الميت مستدبر
القبلة مثلاً لم يجز، قال به ابنُ حبان، وحُجته حجة الذي قبله الجمود على قصة
النجاشي .
والخامس: أنه يصلى على الغائب إذا كان بأرض لا يصلى عليه فيها كالنجاشي،
فإنه مات بأرض لم يسلم أهلها واختاره ابن تيمية، ونقله الحافظُ في ((الفتح)) عن
الخطابي وإنه استحسنه الروياني من الشافعية. قال الحافظ: وهو محتمل إلا أنني
لم أقف في شيء من الأخبار، أنه لم يصلِ عليه في بلده أحد. وتَعَقَّبه الزرقاني: بأن
هذا مشترك الإلزام، فلم يرد في شيء من الأخبار أنه صلى عليه أحد في بلده كما
جزم به أبو داود، ومحله في اتساع الحفظ معلوم. انتهى.
قال في ((عون المعبود)): نعم ما ورد فيه شيء نفيًا ولا إثباتًا، لكن من المعلوم أن
النجاشي أسلم وشاع إسلامه، ووصل إليه جماعة من المسلمين مرة بعد مرة،
وكرة بعد كرة، فيبعد كل البعد أنه ما صلى عليه أحد في بلده. وقال ابنُ قُدامة في
((المغني)) (ج٢ص٥١٣): إنَّ هذا بعيدٌ؛ لأنَّ النجاشي ملك الحبشة، وقد أسلم
وأظهر إسلامه، فيبعد أن يكون لم يوافقه أحد يصلي عليه. انتهى.
واستدلَّ بعضُهم: لما قال الخطابي وغيره بما روى الطيالسي وأحمد وابن ماجه
والطبراني والضياء من حديث حذيفة بن أسيدٍ: أن النبي وَّ خرَج بهم، فقال:
((صَلَّوا عَلَّى أَخ لَكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ)) قالوا: مَن هو؟ قال: ((النَّجَاشِيِّ)). ولا حُجة
فيه لهم، بل فَيَّه حجة عليهم، فإنه ليس فيه أنه لم يصل عليه أحد في بلده. والمراد
بأرضكم: أرض المدينة كأن النبي وَّه قال: إِنَّ النَّجَاشِيَّ إِنْ مَاتَ فِي أَرْضِكِمُ
الْمَدِينَةِ لَصَلَّيْتُمْ عَلَيْهِ، كَمَا تُصَلُّونَ عَلَى مَنْ تَشْهَدُونَ جَنَازَتَهُ، لَكِنَّهُ مَاتَ فِي غَيْرِ
أَرْضِكُمْ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ صَلَاةَ الْغَائِبِ.
٥٨١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
**
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
فهذا تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غائب، واعتذر: من منع من صلاة
الجنازة على الغائب مطلقًا عن هذه القصة بأن ذلك خاص بالنجاشي؛ لأنَّه كشف
له وَ لّ ورفع الحجب عنه، حتى رآه كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته
قريش عن صفته، فصلى عليه وهو يراه صلاته على الحاضر المشاهد وإن كان على
مسافة من البعد، فتكونُ صلاته كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون،
ولا خلاف في جوازها، واستندوا لذلك إلى ما ذكر الواقدي في ((أسبابه)) عن ابنٍ
عبَّاس قال: ((كُشِفَ للنبِّ وَلَ عن سريرِ النجاشي حتى رآه وصلّى عليه)).
ولا بنٍ حبان من حديث عمران بن حصين: ((فقامَ وصَفَّوا خلفَهُ، وهم لا يظنونَ
إلا أن جنازته بین یدیه)).
ولأبي عوانة: «فصلينا خلفَهُ، ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قُدَّامنا»، قالوا:
ويدلُّ على الخصوصيةِ أيضًا أن النبي ◌ُّ لم يصلٍ على غائب غيره، وقد ماتَ من
الصحابةِ خلق كثير وهم غائبون عنه وسمع بهم، فلم يصل عليهم إلا غائبًا واحدًا.
ورد: أنه طُويت له الأرض حتى حضره أو رفع له الحجاب حتى رآه. وهو معاوية
ابن معاوية المزني كما روى الطبراني وابن منده والبيهقي وابن سعد وغيرهم من
حديث أنس، والطبراني وأبو أحمد الحاكم من حديث أبي أمامة.
وأجيب عن ذلك بأن الأصل عدم الخصوصية، ولو فتحَ باب هذا الخصوص؛
لأنسد كثير من أحكام الشرع. قال الخطابي: زعمَ أنَّ النبي وَ لّ كان مخصوصًا بهذا
الفعل فاسد؛ لأن رسول اللّه ◌َ ل إذا فعل شيئًا من أفعال الشريعة كان علينا اتباعه
والايتساء به، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، ومما يبين ذلك أنه وَلخيّل خرج بالناس
إلى الصلاة، فصفّ بهم وصلوا معه، فعلم أن هذا التأويل فاسد.
وقال ابنُ قُدامة: نقتدي بالنبي ◌َّ ما لم يثبت ما يقتضي اختصاصه، ولأنَّ الميت
مع البعد لا تجوز الصلاة عليه وإِن رُئي. ثُم لو رآه النبي ◌َّ لاختصَّت الصلاة به.
وقد صفَّ النبي ◌َّر فصلى بهم. انتهى.
وأما الاستناد للتخصيص إلى ما ذكروه من حديث ابن عباس وحديث عمران بن
حصين فليس بشيءٍ، فإن حديث ابن عباس ذكره الواقدي في ((أسبابه)) بغيرِ إسنادٍ،
كما قال الحافظ في ((الفتح)) فلا يلتفت إليه.
٥٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأما حديث عمران بن حصين المذكور بلفظ: ((وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين
يديه)). وبلفظ: ((لا نرى إلّا أن الجنازة قُدَّامنا)). فلأن المراد به أنهم صلوا عليه كما
يصلون على الميت الحاضر من غیر فرق. ويدلَّ علیه حدیث عمران نفسه عند
الترمذي وغيره بلفظٍ : ((فقمنا فصففنا كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلي
على الميت)). ويؤيده أيضًا: ((حديث مجمع عند الطبراني بلفظ: ((فصَفَفْنا خلْفَه
صفین و ما نری شيئًا)). انتهى.
قال ابن العربي المالكي: قال المالكية: ليس ذلك إلا لمحمد. قلنا: وما عمل
به محمد تعمل به أمته يعني؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، قالوا: طُويت له
الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه. قلنا: إن ربنا عليه لقادر، وإن نبينا لأهلِ ذلك،
ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم، ولا تخترعوا حديثًا من عند أنفسكم ولا تحدثوا إلا
بالثابتات ودعوا الضعاف، فإنها سبيل تلاف إلى ما ليس له تلاف. وأما ما قالوا
لإثبات الخصوصية من أن النبي وَّ لم يصل على غائب غيره إلا غائبًا واحدًا، وهو
معاوية بن معاوية المزني. ففيه: أنه يكفي لثبوت مشروعية أمر واستحبابه ورود
حديث صحيح قولي أو فعلي أو تقريري، ولا يلزمُ لذلك كون ذلك الأمر مرويًّا عن
جماعة من الصحابة في وقائع متعددة، وإلا لارتفع كثير من الأحكام الشرعية التي
معمول بها عند جماعة من الأئمة، كيف وقد صرَّح الحنفية بمشروعية صلاة
الاستسقاء وجوزها جماعة، مع زعمهم أنه وّيّ لم يصل للاستسقاء إلا مرة واحدة،
هذا وقد بُسطِ الكلام في هذه المسألة في ((عون المعبود))، فعليك أن تراجعه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه والبيهقي .
كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ الْمَشْىِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٨٣
١٦٦٧ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ
يُكَبِّرُ عَلَىٍ جَنَائِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَّى جَنَازَةٍ خَمْسًا فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ يُكَبِّرُهَا.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
W C
الْشَّرْحُ
١٦٦٧ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُكَبِّرُهَا) أي: الخمس أحيانًا. وقد
استدل به من قال: إن تكبيرات الجنازة خمس، واختلف السلف في ذلك، فحُكِي
الخمسُ عن حذيفة كما سيأتي، وزيد بن أرقم كما في حديثِ الباب، وابن مسعود
كما في ((الفتح)) و((المحلى))، وعيسى مَولى حذيفة كما عند سعيد بن منصور،
وأصحاب معاذ بن جبل كما في ((المحلى)) و((المغني))، وأهل الشام من الصحابة
والتابعين كما في ((المحلى))، وأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة، كما في
((المبسوطِ))، وهو مذهب الظاهريَّة.
واستدل لهذا: القول أيضًا بما روى ابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه
عن جدِّهِ: ((أنَّ رسولَ اللَّهُ وَِّ كَبَّر خمسًا)). وكثيرٌ فيه كلامٌ كثيرٌ إلا أن الترمذي
صحَّح له غير حديث، والراوي عنه إبراهيم بن علي الرافعي ضعَّفه البخاري
وابن حبان ورماه بعضهم بالكذب، وبما روى أحمد والطحاوي من طريق يحيى بن
عبد الله الجابر عن عيسى مولى حذيفة عن حذيفة: ((أنَّه صلَّى على جنازةٍ، فكبَّر
خمسًا)).
وفيه: أنه رفعَهُ إلى النبي ◌َّر، وحُكي عن بعض السلف ما يدل على أن الزيادة
على الأربع تخصيص بأهلِ الفضلِ، فروى سعيد بن منصور وغيره عن علي أنه كبّر
علی سهل بن حنيف ستًّا، وقال: إنه بدري.
وروى الطحاوي وابن أبي شيبة والدار قطني والبيهقي عن عبد خير قال: ((كانَ
علي يكبر على أهلٍ بدر ستًّا وعلى أصحاب رسول الله وال خمسًا وعلى سائر
(١٦٦٧) مُسْلِم (٩٥٧/٧٢)، وَأَبُو دَاوُد (٣١٩٧)، وَالتِّرْمِذِي (١٠٢٣)، وَابنِ مَاجَهْ (١٥٠٥) فِيهِ عَنْهُ.
٥٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المسلمين أربعًا)). وروى البيهقي عن علي أنه صلى على أبي قتادة فكبّر عليه سبعًا،
وقال: إنه كان بدريًّا، وحكى عن بعضِهم التخيير والاقتداء بالإمام في عدد التكبير،
فروى ابنُ المنذرِ عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: ((التكبيرُ تسع وسبع وخمس وأربع، و کبر
ما كبر الإمام)). وروى ابنُ حزم عنه أنه قال: ((كبِّروا عليها ما كبر أئمتكم لا وقت
ولا عدد)). وحكى عن بعضهم أن التكبيرات ثلاث، روي ذلك عن ابن عباس وأنس
كما في ((الفتح)) و((المحلى))، وعن محمد بن سيرين وجابر بن يزيد أبي الشعثاء كما
في ((المحلى)) أيضًا.
وذهب الجمهورُ من السلف والخلف منهم الأئمة الثلاثة إلى أنها أربع لا أقل
ولا أكثر. قال ابن قدامة في المغني (ج ٢ ص٥١٦): أكثر أهل العلم يَرون التكبير
أربعًا، منهم عمر وابنه وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي والبراء
ابن عازب وأبو هريرة وعقبة بن عامر ومحمد بن الحنفية وعطاء والأوزاعي، وهو
قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي. انتهى.
صَلىله
وَسِّهم
واستدل الجمهور لما ذهبوا إليه بما روي عن جماعةٍ من الصحابة تكبير
أربعًا:
فمنهم: أبو هريرة وجابر أخرج حديثهما الشيخان في قصة الصلاة على
النجاشي.
ومنهم: عُثمان بن عفان، أخرجَ حديثَهُ ابن ماجه، وفيه خالد بن إلياس واتفقوا
علی تضعيفه .
ومنهم: ابن عباس عند الشيخين.
وابن أبي أوفى عند أحمد وابن ماجه والطحاوي والبيهقي.
ويزيد بن ثابت عند أحمد وابن ماجه والبيهقي أيضًا.
وسهل بن حنيف عند الطحاوي والبيهقي.
وأبو سعيد عند البزار والطبراني، وفيه عبد الرحمن بن مالك بن مغول وهو
متروك.
وأنس عند أبي يعلى، وفيه محمد بن عبيد اللّه العرزمي وهو متروك.
٥٨٥
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
وأبي بن كعب عند الطبراني والبيهقي.
وجابر عند أحمد والطبراني والبيهقي.
وعامر بن ربيعة عند الطبراني، وفيه القاسم بن عبد الله العمري وهو متروك.
وأبو قتادة عند الطحاوي.
قال الجمهورُ: إنَّ ما فوق الأربع من التكبيرات منسوخ بحديث أبي هريرة في
قصة النجاشي؛ لأن إسلام أبي هريرة متأخر، وموت النجاشي كان بعد إسلام
أبي هريرة بمدَّة. وفيه ما قال ابن الهمام: إن هذا مسلم لو عُلِم التأريخ في أحاديث
من أثبت أنه بَّ كَبَّر خمسًا أو غير ذلك.
واستدلوا للنسخ أيضًا بما روي أنه وّليه كبر أربعًا في آخر صلاة صلاها، روي
ذلك من حديث ابن عباس عند البيهقي والدار قطني والطبراني وأبي نعيم وابن حبان
في ((الضعفاءِ))، ومن حديث عمر عند الدار قطني والحازمي، ومن حديثٍ ابن عمر
عند الحارث بن أبي أسامة، ومنْ حديث أنسٍ عند الحازمي.
وأجيب عن ذلك: بأنَّ طرق هذه الأحاديث ضعيفة واهية، كما بسطها الزيلعي.
وقال الحازمي: قد روي آخر صلاته كبر أربعًا من عدة روايات كلها ضعيفة. وقال
البيهقي بعد رواية حديث ابن عباس من طريق النضر بن عبد الرحمنٍ: قد روي هذا
من وجوه أخر كلها ضعيفة. انتهى.
وروى ابنُ عبد البر في ((الاستذكار)) بسنده عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة
عن أبيه قال: ((كان رسول اللَّه ◌َلّه يكبر على الجنائزِ أربعًا وخمسًا وستًا وسبعًا
فثمانيًا، حتى جاءَهُ موت النجاشي، فخرج إلى المصلى، فصفّ الناس وراءه وكبر
عليه أربعًا))، ثم ثبتَ النبي وََّ على أربع حتى توفاه اللَّه ◌َكَ، ذكرَهُ الزيلعي في
((نصب الراية))، والحافظ في ((التلخيص)) و((الدراية))، ولم يتكلما عليه، فإن ثبت
وصحَّ هذا كان حُجة على أن آخر الأمر كان أربعًا، لكن لا يكون رافعًا للنزاع؛ لأن
اقتصاره على الأربع لا ينفي مشروعية الخمس بعد ثبوتها عنه، وغاية ما فيه جواز
الأمرين، قاله الشوكاني.
٥٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ورجَّح الجمهور ما ذهبوا إليه بمرجحات: الأول: أن الأربع ثبتت من طريق
جماعة من الصحابة أكثر عددًا ممن روى عنهم الخمس كما تقدم.
الثاني: أنها في الصحيحين .
الثالث: أنه أجمع على العمل بها الصحابة، فروى البيهقي من طريق علي بن
الجعد، ثنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعتُ سعيد بن المسيب يقولُ: إن عمر قال:
((كل ذلك قد كان أربعًا وخمسًا))، فاجتمعنا على أربع.
ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن شعبة، وروى البيهقي أيضًا عن أبي وائل
قال: ((كانوا يكبرون على عهدٍ رسول اللَّه وَ لّل أربعًا وخمسًا وستًا وسبعًا، فجمع
عمر أصحاب رسول اللَّه وَ ل، فأخبر كل رجل منهم بما رأى، فجمعهم عُمر على
أربع تكبيرات)).
ومنْ طريقِ إبراهيم النخعي ((اجتمع أصحاب رسول اللَّه وَجّل في بيتِ أبي
مسعودٍ، فأجمعوا على أن التكبير على الجنازة أربع)). واستدل بعضهم: بإجماع
الصحابة على الأربع على نسخ ما فوق الأربع. قال الطحاوي بعد رواية أثر إبراهيم
النخعي بسنده: فهذا عمر قد رد الأمر في ذلك إلى أربع تكبيرات بمشورة أصحاب
رسول اللَّه ◌َ ل بذلك، وهم حضروا من فعل رسول اللّه ◌َل﴾ ما رواه حذيفة وزيد بن
أرقم، فكأن ما فعلو من ذلك عندهم هو أولى مما قد كانوا علموا، فذلك نسخ لما
قد كانوا علموا؛ لأنهم مأمونون على ما قد فعلوا كما كانوا مأمونين على ما رووا،
انتھی .
وقال البيهقي بعد رواية حديث ابن عباسٍ في كون الأربع آخر أمره: قد روي
هذا اللفظ من وجوه أخرى كلها ضعيفة، إلّا أنَّ اجتماع أكثر الصحابة على الأربع
کالدلیل علی ذلك.
وأجيب عن الأول من هذه المرجحات والثاني: بأنه إنما يرجح بهما عند
التعارض. ولا تعارض بين الأربع والخمس؛ لأنَّ الخمس مشتملة على زيادة غير
معارضة. وعن الثالث: بأن في ثبوت إجماع الصحابة على الأربع نظرًا، حيث
ثبتَ أن زيد بن أرقم كبر بعد عمر خمسًا، وكذا ثبت الزيادة على الأربع عن علي
وعن الصحابة بالشام، وثبت النقص عن الأربع عن أنس وابن عباس، وثبت
كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٨٧
التوسعة وعدم التوقيت عن ابن مسعود كما تقدَّم، اللهم إلا أن يقال: إن هؤلاء
الصحابة ما علموا بالنسخ، فكانوا يعملون بما عليه الأمر أولًا . وذهب أحمد إلى
مشروعية الأربع، وقال: إذا كبر الإمام خمسًا تابعه المأموم ولا يتابعه في زيادة
عليها .
قال ابنُ قدامة (ج٢ص٥١٤): لا يختلفُ المذهب أنه لا يجوز الزيادة على سبع
تكبيرات ولا أنقص من أربع، والأولى أربع لا يزاد عليها، واختلفت الروايةُ فيما
بين ذلك. فظاهرُ كلام الخرقي أن الإمام إذا كبر خمسًا تابعه المأموم ولا يتابعه في
زيادة عليها. ورواه الأثرم عن أحمد. وروى حرب عن أحمد إذا كبر خمسًا لا يكبر
معه ولا يسلم إلا مع الإمام. قال الخلال: وكل من روى عن أبي عبد الله يخالفه،
وممن لم ير متابعة الإمام في زيادة على أربع: الثوري ومالك وأبو حنيفة
والشافعي، واختارها ابنُ عقيل. قال ابنُ قدامة: ولنا ما روي عن زيد بن أرقم،
فذكر حديث الباب وحديث حذيفة وأثر علي وغيره، ثم قال: ومعلوم أن المصلين
مع زید بن أرقم کانوا يتابعونه. انتهى.
وفي المسألة أقوال أخرى، والراجحُ عندي: أنه لا ينبغي أن يُزاد على أربع؛ لأن
فيه خروجًا من الخلاف، ولأن ذلك هو الغالب من فعله وَّر، لكن الإمام إذا كبر
خمسًا تابعه المأموم؛ لأن ثبوت الخمس لا مرد له من حيث الرواية والعمل،
وثبوت نسخ الزيادة على الأربع أو إجماع الصحابة على الأربع منظور فيه كما
تقدم، ولا يجوز النقصان من الأربع؛ لأنه لم يرو شيء في النقص من أربع
مرفوعًا، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص ٣٦٧، ٣٧٢) والترمذي وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والبيهقي والحازمي.
٥٨٨
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٦٨ - [٩] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ
ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٦٦٨- قوله: (وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ) الزهري المدني القاضي
ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، يلقب طلحة الندى، ثقةٌ مُكثرٌ فقيه من أوساط
التابعين، روى عن عمِّه عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وعثمان بن عفان
وغيرهم، وعنه الزهري وسعد بن إبراهيم وغيرهما، مات سنة (٩٧) وهو ابن (٧٢)
سنة .
(صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَقَالَ) أي: إنما قرأت
الفاتحة أو رفعت بها صوتيّ كما في رواية. (لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا) أي: قراءة الفاتحة على
الجنازة. (سَنَةٌ) وفي رواية للنسائي: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجَهَر حتَّى
أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيدِهِ فسألته، فقال: ((سُنة وحق)). وللحاكم من طريق ابن
عجلان: أنه سمع سعيد بن أبي سعيد يقولُ: صلَّى ابن عباس على جنازة، فجهر
بالحمد لله، ثم قال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة.
والمراد بالسنةِ: الطريقةُ المألوفة عنه وَّ لا ما يقابل الفريضة، فإنه اصطلاح
عرفي حادث. قال الأشرف: الضمير المؤنث لقراءة الفاتحة، وليس المرادُ بالسنة
أنها ليست بواجبة بل ما يقابل البدعة، أي: أنها طريقة مروية. وقال القسطلاني:
إنها أي: قراءة الفاتحة في الجنازة سنة. أي: طريقة للشارع، فلا ينافي كونها
واجبة. وقد علم أن قول الصحابي: من السنة كذا، حديث مرفوع عند الأكثر. قال
صََلَى اللّهِ
وَسـ
الشافعي في ((الأم)): وأصحابُ النبي ◌َّ لا يقولون: السنة إلا لسنة رسول اللَّه:
إن شاء الله تعالى، انتهى.
(١٦٦٨) البُخَارِي (١٣٣٥)، وَأَبُو دَاوُد (٣١٩٨)، والترمذي (١٠٢٧)، والنَّسَائِي (٧٤/٤) فِيهِ عَنْهُ.
٥٨٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْي بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
وليس في حديث الباب بيان محل القراءة، وقد وقعَ التصريح به في حديث جابٍ
بلفظ: ((وقرأ بأمِّ القرآن بعد التكبيرة الأولى))، أخرجه الشافعي في ((الأم)). ومن
طريقه الحاكم (ج١ ص٣٥٨)، ومن طريق الحاكم البيهقي في سننه (ج٤ ص٣٩)
وسنده ضعيف، وفي حديثٍ أبي أمامة عند النسائي بإسنادٍ على شرط الشيخين
بلفظ: قال: ((السنة في الصلاة على الجنازة أن يُقرأ في التكبيرة الأولى بأمِّ القرآن
مخافتة)). وفي روايةٍ عزاها الحافظُ في ((الفتح)) لعبد الرزاق والنسائي من حديث
أبي: أُمامة قال: السُّنة في الصلاةِ على الجنازةِ أن يكبِّر، ثم يقرأ بأمِّ القرآنِ، ثُم
يُصلي على النبي ◌َّه، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في الأولى. قال
الحافظ: إسناده صحيح. والحديثُ: دليلٌ على مشروعية قراءة فاتحة الكتاب في
صلاة الجنازة .
وقد حكى ابن المنذر ذلك عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير
والمسور بن مخرمة، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، ونقل ابن المنذر أيضًا
عن أبي هريرة وابن عمر أنه ليس فيها قراءة، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه
وسائر الكوفيين، كذا في ((النيل)).
قلتُ: وممن كان يقرأ أيضًا من الصحابة: أبو هريرة وأبو الدرداء وأنس بن
مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومن التابعين: سعيد بن المسيب والحسن
البصري ومجاهد والزهري، كما في ((المحلى)).
قال ابنُ التركماني: ومذهبُ الحنفية أنَّ القراءة في صلاة الجنازة لا تجب ولا
تكره، ذكره القدوري في ((التجريد)). انتهى.
ويكره القراءة عند المالكية إلا أن يقصد الخروج من الخلاف. قال الدسوقي:
إن قصد بقراءة الفاتحة الخروج من خلاف الشافعي فلا كراهة، لكن لا بد من
الدعاء قبلها أو بعدها. انتهى. واستدل مالك بعمل أهل المدينة، إذ قالَ: قراءةُ
فاتحة الكتاب فيها ليست بمعمول بها في بلدنا بحالٍ. وفيه: أن عمل أهل المدينة
ليس بحجة شرعية، وإنما الحجة هو قول الله وقول رسوله، على أنه قد روي عن
أبي هريرة وأبي أمامة وسعيد بن المسيب وغيرهم من علماء المدينة القراءة في
الصلاة على الجنازة، وبما روى هو عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يقرأ في
الصلاة على الجنازةِ. وفيه: أنه معارض بعمل غيره من الصحابة. ويمكن أن يكون
٥٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المراد لا يقرأ أي: شيئًا من القرآن إلا فاتحة الكتاب.
وأيضًا هو نفي يقدم عليه الإثبات، وأيضًا قول الصحابي لا يكون حُجة بالاتفاق
إذا نفاه السنة، وبأن صلاة الجنازة مشابهة للطواف في أنها لا ركوع فيها ولا سجود
فلا تفتقر للقراءة. وفيه: أنه قياس في مقابلة النص، على أنه قد أطلق عليها لفظ
الصلاة، فيكون لها حكم الصلاة في القراءة وغيرها إلا ما خُص.
وأيضًا اتفقوا على أنها تفتقر إلى التكبير والقيام والنية والتسليم واستقبال القبلة
والطهارة، فشبهها بالصلاة أبين وأقوى منه بالطواف.
واستدلَّ الحنفيةُ كما في ((البدائع)) وغيره بما روى أحمد عن ابنِ مسعودٍ قال:
((لم يوقت لنا في الصلاة على الميت قراءة ولا قول)). وفيه: أنه إنما قال: لم يُوقت
أي: لم يقدر، ولا يدلُّ هذا على نفي أصل القراءةِ، وقد روي عنه أنه قرأ على جنازة
بفاتحةِ الكتابِ، ثُمَّ إنه لا يعارض ما روي من الأحاديث المرفوعة في القراءة؛ لأنه
نفي، فيقدم عليه الإثبات، وبأنها لما لم تقرأ بعد التكبيرة الثانية دلَّ على أنها لا تقرأ
فيما قبلها؛ لأنَّ كلَّ تكبيرة قائمة مقام ركعة، ولما لم يتشهد في آخرها؛ دلَّ على أنه
لا قراءة فيها، ذكره الطحاوي. وفيه: أن هذا الاستدلال ليس بشيء؛ لأنه قياس في
مقابلة النص، فلا يلتفت إليه، وبأنها شرعت للدعاء، ومقدمة الدعاء الحمد والثناء
والصلاة على النبي ◌َّه لا القراءة. وفيه: ما تقدم آنفًا أنه تعليل في مقابلة النص،
فهو مردود، على أن فاتحة الكتاب مشتملة على الحمد والثناء، فينبغي أن يكون
افتتاح صلاة الجنازة بالفاتحة أولى وأحسن، فلا وجهَ لإنكارها والمنع عنها.
وقوله: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)) يتناولُ بإطلاقه صلاة الجنازة، فيكون لها في
القراءة حكم الصلوات الأخر إلا ما خص منها.
وأجاب الحنفية عن حديث ابن عباس، وما في معناه بأن قراءة الفاتحة في
الصلاة على الميت كانت بنية الدعاء والثناء لا بنية القراءة والتلاوة. قال
الطحاوي: مَن قرأها من الصحابة يحتملُ أن يكون على وجه الدعاء لا التلاوة.
وفيه: أن هذا ادعاء محض لا دليل عليه، واحتمال ناشئ من غير دليل، فلا يلتفت
إليه .
والحقُّ والصوابُ: أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة واجبة، كما ذهب إليه
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٩١
الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم؛ لأنهم أجمعوا على أنها صلاة، وقد ثبت
حديث: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))، فهي داخلة تحت العموم، وإخراجها منه
يحتاج إلى دليل، ولأنها صلاة يجب فيها القيام، فوجبت فيها القراءة كسائر
الصلوات؛ ولأنه وردَ الأمرُ بقراءتها صریحًا، فقد روى ابن ماجه بإسناد فيه ضعف
يسير عن أم شريك قالت: ((أمرنا رسولُ اللهِ وَ لّل أن نقرأً على الجنازةِ بفاتحةٍ
الکتاب)).
وروى الطبراني في ((الكبير)) من حديثٍ أمِّ عفيفٍ قالت: ((أَمَرَنا رسولُ اللَّه ◌َ.
أنْ نقرأً على ميِّنا بفاتحة الكتاب)). قال الهيثمي: وفيه عبد المنعم أبو سعيد وهو
ضعيف. انتهى. والأمرُ من أدلة الوجوب.
وروى الطبراني في ((الكبير)) أيضًا من حديث أسماء بنت يزيد قالتْ: قال
رسول اللَّهِ وَلَّ ((إِذَا صَلَيْتُمْ عَلَى الْجِنَازَةِ، فَاقْرَؤُا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)). قال الهيثمي:
وفيهِ معلى بن حمران ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله موثقون وفي بعضهم كلام،
هذا وقد صنَّف حسن الشرنبلالي من متأخري الحنفية في هذه المسألة رسالة سماها
((النظم المستطاب لحكم القراءة في صلاة الجنازة بأم الكتاب))، وحقق فيها أنَّ
القراءة أولى من ترك القراءة، ولا دليل على الكراهة، وهو الذي اختاره الشيخ عبد
الحي اللكنوي في تصانيفه كـ((عمدة الرعاية)) و((التعليق الممجد)) و((إمام الكلام))،
ثم إنه استدلَّ بحديثٍ ابن عباس على الجهرِ بالقراءة في الصلاة على الجنازة؛ لأنَّه
يدلُّ على أنه جهرَ بها حتى سمع ذلك من صلَّى معه.
وأصرح من ذلك ما ذكرنا من رواية النسائي بلفظٍ : ((صليتُ خلفَ ابن عبّاسٍ
على جنازةٍ فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغَ أخذت بيده
فسألته، فقال: سُنة وحق)). وفي رواية أخرى له أيضًا: ((صليت خلف ابن عباس
على جنازةٍ فسمعتُهُ يقرأ فاتحة الكتاب ... )) إلخ.
ويدلُّ على الجهر بالدعاء حديث عوف بن مالك الآتي، فإنَّ الظاهرَ أنه حفظ
الدعاء المذكور لما جهر به النبي وقّ في الصلاة على الجنازةِ. وأصرح منه حديث
واثلة في الفصل الثاني. واختلفَ العلماءُ في ذلك، فذهب بعضُهم إلى أنه يستحبُ
الجهر بالقراءة والدعاء فيها. واستدلوا بالروايات التي ذكرناها آنفًا .
٥٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وذهب الجمهورُ إلى أنه لا يندب الجهر، بل يندب الإسرار. قال ابنُ قدامة:
ويسر القراءة والدعاء في صلاة الجنازة، لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافًا. انتهى.
واستدلوا لذلك بما ذكرنا من حديث أبي أمامة قال: ((السنة في الصلاة على
الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ... )). الحديث أخرجه
النسائي، ومن طريقه ابن حزم في ((المحلى)) (ج٥ص١٢٩). قال النووي في ((شرح
المهذب)): رواه النسائي بإسناد على شرط الصحيحين، وقال: أبو أمامة هذا
صحابي. انتهى.
وبما روى الشافعي في ((الأم)) (ج١ ص٢٣٩)، والبيهقي (ج٤ ص٣٩ من طريقه)
عن مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل أنه أخبره
رجل من أصحاب النبي ◌ّ أن ((السنة في الصلاة على الجنازةِ أن يكبر الإمامُ، ثم
يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه ... )) الحديث. وضعفت
هذه الرواية بمطرف، لكن قوَّاها البيهقي بما رواه في ((المعرفة والسنن)) من طريق
عبيدالله ابن أبي زياد الرصافي عن الزهري بمعنى رواية مطرف، وبما روى الحاكم
(ج ١ ص ٣٥٩)، والبيهقي من طريقه (ج٤ ص ٤٢) عن شرحبيل بن سعد قال:
حضرتُ عبدَالله بن عباس صلى على جنازةٍ بالأبواءِ فكبَّر ثم قرأَ بأمِّ القرآن رافعًا
صوته بها ثم، صلى على النبي وَّه، ثم قال: ((اللَّهُمَّ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَِ ... ))
الحديث. وفي آخره: ثُمَّ انْصَرَفَ، فقالَ: ((يا أيها النَّاسُ إِنِّي لَمْ أَقْرَأْ عَلَنًا - أي:
جهرًا - إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ)). قال الحافظ في ((الفتح)): وشرحبيل مختلف في
توثيقه. انتهى .
وأخرج ابنُ الجارود في ((المنتقى)) من طريق زيد بن طلحة التيمي قال: سمعتُ
ابنَ عبَّاس قرأَ على جنازةٍ فاتحة الكتابِ وسورة وجهر بالقراءةِ، وقال: إِنَّما جهرْتُ
لأعلمكم أنَّها سُنَّة. وذهب بعضُهم إلى: أنه يخيَّر بين الجهر والإسرار. وقال بعضُ
أصحاب الشافعي: إنه يجهرُ بالليل كالليلية ويسر بالنهار. قال شيخُنا في ((شرح
الترمذي)): قول ابن عبّاس: ((إنما جهرتُ لتعلموا أنها سُنة))، يدلَّ على أن جهره؛
كان للتعليم أي: لا لبيان أن الجهر بالقراءة سُنة، قال: وأما قولُ بعض أصحاب
الشافعي: يجهرُ بالليل كالليلية، فلم أقف على رواية تدل على هذا. انتهى.
كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٩٣
وهذا يدلُّ على أن الشيخ مال إلى قول الجمهور: أنَّ الإسرار بالقراءة مندوب،
هذا ورواية ابن عباس عند النسائي بلفظ: ((فقرأَ بفاتحة الكتابِ وسورة)). تدل على
مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في الجنازة. قال الشوكاني: لا محيص عن
المصير إلى ذلك؛ لأنها زيادة خارجة من مخرج صحيح.
قلتُ: ويدل عليه أيضًا ما ذكره ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٥ص١٢٩) معلقًا عن
محمد بن عمرو بن عطاء أن المسور بن مخرمة صلى على الجنازةٍ، فقرأ في
التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة رفع بهما صوته، فلما فرغ؛ قال: لا
أجهل أن تكون هذه الصلاة عجماء، ولكن أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي والشافعي وابن
حبان والحاكم والبيهقي وابن الجارود.
١٦٦٩ - [١٠] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَ عَلَى
جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ
عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ
الْخَطَايَا كَمَّا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ،
وَأَهْلَّا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَقِّهْ فَتْئَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ)).
قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٦٦٩ - قوله: (فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ) وفي رواية لمسلم: ((سمعتُ
النبيِ وَّل﴾ وصلى على جنازة يقول)). وفي رواية النسائي: ((سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَل
يصلي على ميت، فسمعت في دعائه وهو يقول)). قال الشوكاني: جميع ذلك يدلّ
على أن النبي وَّ جهر بالدعاء، وهو خلاف ما صرح به جماعة من استحباب
(١٦٦٩) مُسْلِم (٩٦٣/١٥)، وَالنَّسَائِي (٧٣/٤) فِيهِ عَنْهُ.
٥٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإسرار بالدعاء، وقد قيلَ: إن جهره وَّه بالدعاء لقصد تعليمهم، قال: والظاهرُ:
أن الجهر والإسرار بالدعاء جائزان. انتهى. وتأوَّل النووي قوله: «حَفِظْتُ مِنْ
دُعَائِهِ)) أي: علمنيه بعد الصلاة فحفظته. انتهى. ويرد هذا التأويل قوله في رواية
أخرى: ((سمعتُهُ صلَّى على جنازةٍ يقول)). قال الشوكاني: ليس في هذا الحديث
تعيين الموضع الذي يقال فيه هذا الدعاء وغيره من الأدعية المأثورة، فيقوله
المصلي على الجنازة بعد أي تكبيرة أراده انتهى. وإلى مشروعية الدعاء بعد كل
تكبيرة ذهب المالكية وعند الحنابلة والشافعية والحنفية الدعاء بعد التكبيرة الثالثة .
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) بمحو السيئات. (وَارْحَمْهُ) بقبول الطاعات. وقال ابنُ حجر:
تأكيد أو أعم. (وَعَافِهِ) أمر من المعافاة، والهاء ضمير. وقيل: للسكت، والمعنى
خلصه من المكروهات. وقال الطيبي: أي: سلمه من العذاب والبلايا. (وَاعْفُ
عَنْهُ) أي: عما وقع منه من التقصيرات. وقال ابن حجر: عافه أي: سلمه من كل
مؤذ واعف عنه تأكيدًا وأخص أي: سلمه من خطر الذنوب. (وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ) بضمتين
وقد يسكن الزاي أي: أحسن نصيبه من الجنة، وهو في الأصل قرى الضيف يعني
ما يعد ويقدم للضيف من طعام وشراب، والمراد هنا: الأجر والثواب والرحمة
والمغفرة. (وَوَسِّعْ) بكسر السين المشددة. (مَدْخَلَهُ) بفتح الميمِ أي: موضع
دخوله الذي يدخل فيه، وهو قبره. قالَ مَيْرَك: بفتح الميم، كذا في المسموع من
أفواه المشائخ، والمضبوطُ في أصل سماعنا، وضبط الشيخ الجزري في ((مفتاح
الحصن)): بضم الميم، وكلاهما صحيح بحسب المعنى - انتهى؛ لأن معناه مكان
الدخول أو الإدخال، وإنما اختار الشيخ الضم؛ لأن الجمهور من القراء قرؤوا
بالضم في قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ تُدْخَلَا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] وانفرد الإِمام نافع
بالفتح، والضم أيضًا بحسب المعنى أنسب؛ لأن دخوله ليس بنفسه، بل بإدخال
غيره .
(وَاغْسِلْهُ) بهمزة وصل أي: اغسل ذنوبَهُ. (بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) بفتحتين:
وهو حب الغمام، أي: طهره من الذنوب والمعاصي أنواع الرحمة، كما أن هذه
الأشياء أنواع المطهرات من الوسخ والدنس، فالغرض منه تعميم أنواع الرحمة
والمغفرة في مقابلة أصناف المعصية والغفلة. (وَنَقِّهِ) بتشديد القاف المكسورة أمر
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
ese
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٩٥
من التقنية بمعنى التطهير، والهاء ضمير للميت أو للسكت. (مِنَ الْخَطَايَا كَمَا
نَقَّيْتَ) وفي رواية لمسلم: ((يُنَقَّى)) (الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ) بفتحتين: الوسخ
تشبيه للمعقول بالمحسوس، وهو تأكيد لما قبله أراد به المبالغة في التطهير من
الخطايا والذنوب.
(وَأَبْدِلْهُ) أمر من الإبدال أي: عوضه. (دَارًا) أي: من القصور أو من سعة
القبور. (خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) أي: في الدنيا الفانية. (وَأَهْلَا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) يشملُ الزوجة
والخدم. (وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) هذا من عطف الخاصِّ على العام. وقيل: المرادُ
بالأهل: الخدم خاصة. قال القاري: (زَوْجًا) أي: زوجة من الحور العين، أو من
نساء الدنيا في الجنة. (خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) أي: من الحور؛ العين، ونساء الدنيا أيضًا،
فلا يشكل أن نساء الدنيا يكن في الجنة أفضل من الحور لصلاتهن وصيامهن، كما
ورد في الحديث. وأما قول ابن حجر: ((وَخَيْرًا)) ليست على بابها من كونها أفعل
تفضيل؛ إذ لا خيرية في الدنيا بالنسبة للآخرة، فليس على بابه؛ إذ الكلام في النسبة
الحقيقية لا في النسبة الإضافية. قال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَ
﴾ [الأعلى: ١٧]
وقال: ﴿وَآَلَآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]. انتهى.
قال السيوطي: قال طائفة من الفقهاء: هذا خاص بالرجل، ولا يقال في الصلاة
على المرأة: أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها، لجوازٍ أن تكون لزوجها في الجنة، فإن
المرأة لا يمكن الاشتراك فيها والرجل يقبل ذلك، كذا ذكر السندي في ((حاشية
النسائي)). وقال الشامي: المراد بالإبدال في الأهل والزوجة إبدال الأوصاف لا
الذوات؛ لقوله: ﴿اَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] ولخبر الطبراني وغيره: ((أن نساء
الجنة من نساء الدنيا أفضل من الحور العين))، وفيمن لا زوجة له على تقديرها له أن
لو كانت، ولأنه صحَّ الخبرُ بـ((أنَّ المرأة لآخر أزواجها)» أي: إذا مات، وهي في
عصمته. وفي حديث رواه جمع، لكنه ضعيف: الْمَرْأَة مِنَّا رُبما يكونُ لها زَوْجان
في الدُّنيا فتموتُ ويموتَان ويَدخُلان الجنة، لأيهما هِي؟ قال: ((لأحْسَنهما خُلُقًا كانَ
عندها في الدُّنيا))، وتمامه في تحفة ابن حجر المكي. انتهى.
(وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ) أي: ابتداء. (وَأَعِذْهُ) أمر من الإعاذة أي: أجره وخلصه. (وَفِي
رِوَايَةٍ: وَقِهِ) بهاء الضمير أو السكت أمر من ((وقى يقي)) أي: احفظه. (فِتْتَةَ الْقَبْرِ)
أي: التحير في جواب الملكين المؤدي إلى عذاب القبر. (قَالَ) أي: عوف.
٥٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَنَا) تأكيد للضمير المتصل. (ذَلِكَ الْمَيِّتَ) بالنصب على الخبرية أي: لدعاء
رسول اللَّهُ وَّليل على ذلك الميت.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا النسائي، وابن ماجه والبيهقي، وابن أبي شيبة،
وأخرجه الترمذي مختصرًا، ونقل عن البخاري أنه قال: أصحُّ شيءٍ في هذا الباب
هذا الحدیث .
١٦٧٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا تُوُنِّيَ
سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتْ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأَنْكِرَ ذَلِكَ
عَلَيْهَا، فَقَالَّتْ: وَّاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللّهِ بَلَ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِى
الْمَسْجِدِ : سُهَيْلِ وَأَخِيهِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيحٍ}
الْشَّرْجُ
١٦٧٠ - قوله: (لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍٍ) أي: في قصره بالعقيق على
عشرة أميال من المدينة سنة (٥٥) على المشهور، وحمل إلى المدينة على أعناق
الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في خلافة معاوية وعلى المدينة مروان. (ادْخُلُوا بِهِ
الْمَسْجِدَ) قال الباجي: إنما أمرتْ بذلك؛ لا متناعها هي وسائر أزواج النبي ◌َّ من
الخروج مع الناس إلى جنازته؛ لكراهية خروجهن إلى الجنائز. (حَتَّى أَصَلِّيَ عَلَيْهِ)
فيه: دليل على جواز صلاة النساء على الجنائز. قال الباجي: وهذا الذي يقتضيه
مذهب مالك. وقال الشافعي: لا يصلي النساء على الجنائز، والدليل على صحّة
ذلك أن هذه صلاة يصحُّ أن يفعلها الرجال، فصحَّ أن يفعلها النساء كصلاة الجمعة.
وهل يجوز أن يفعلها النساء دون الرجال؟ قال ابنُ القاسم وأشهب: يجوز ذلك
وإن اختلفا في صفتهما. انتهى. وقال ابنُ قدامة: يصلي النساء جماعة إما متهن في
وسطهن. نص عليه أحمد، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يصلين مفردات لا
يسبق بعضهنَّ بعضًا، وإن صلين جماعة، جاز، ولنا أنهنَّ من أهل الجماعة فيصلين
(١٦٧٠) مُسْلِم (١٠١ / ٩٧٣)، وَأَبُو دَاوُد (٣١٩٠) فِيهِ عَنْهُ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
ac*
٥٩٧
جماعة كالرجالِ، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهن بعضًا تَحَكِّمٌ لا
يصار إليه إلا بنص أو إجماع، وقد صلَّى أزواج النبي ◌َّ على سعد بن أبي وقاص.
انتھی .
قلتُ: ويدلُّ على صلاة النساء مع الرجال جماعة ما رواه الحاكم: ((أنَّ أبا طلحة
دعا رسولُ اللهِ وَ لَه إلى عُمير بن أبي طلحة حين توفي، فأتاهم رسول اللَّه ◌َل،
فصلى عليه في منزلهم، فتقدم رسول اللّه وَله، وكان أبو طلحة وراءه وأم سليم وراء
أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم)). قال الحاكم: حديث صحيح على شرط
الشيخين، وسنة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز، ووافقه الذهبي.
(فَأَنْكِرَ ذَلِكَ) أي: إدخاله في المسجد. (عَلَيْهَا) أي: على عائشة. وفي رواية
لمسلم: لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ◌َّر أن يمروا بجنازته في
المسجد، فيصلين عليه ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه. ثُم أخرجَ به
من بابِ الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهنَّ أنَّ الناس عابوا ذلك وقالوا: ما
كانت الجنائز يدخلُ بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إِلى أن
يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد إلخ. (وَاللَّهِ لَقَدْ
صَلَّى رَسُولُ اللهِ لّهِ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ) لقب للأم، واسمها دعد بفتح الدال وسكون
العين المهملتين بنت الجحدم الفهرية. (فِي الْمَسْجِدِ) وفي رواية لمسلم: في
جوف المسجد. (سُهَيْلٍ) بالتصغير. (وَأَخِيهِ) سهل. وقيل: صفوان.
واعلم أن المعروفين ببني البيضاء ثلاثة إخوة: سهل وسهيل وصفوان، وأمهم
البيضاء اسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري.
كان سهل ممن قام في نقضِ الصحيفةِ التي كتبتها قريش على بني هاشم. قال أبو
حاتم: كانَ ممن أظهر إسلامه بمكة. وقال ابنُ عبد البر: أسلم سهل بمكة، وأخفى
إسلامه فأخرجته قريش معهم إلى بدرٍ، فأسر يومئذٍ مع المشركين، فشهد له
عبد الله بن مسعود أنه رآه بمكة يصلي، فخلى عنه، ومات بالمدينة، وبها مات
أخوه سهيل، وصلى عليهما رسول اللّه وَ لّ في المسجد، فيما رواه ابن أبي فديك
عن الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: واللهِ ما صلى
رسول اللّه وَلّه على ابني بيضاء إلا في المسجد سهل وسهيل.
وزعم الواقدي: أنَّ سهل بن بيضاء مات بعد النبي ◌َّر، وأما سهيل فكان قديم
٥٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإسلام هاجر إلى الحبشة ثم قدم على رسول اللَّه ◌َال بمكة فأقام معه حتى هاجر
وهاجر سهيل، فجمع الهجرتين جميعًا، ثم شهد بدرًا والمشاهد كلها، ومات
بالمدينة في حياة النبي ◌َّ بعد رجوعه من تبوك سنة تسع، ولا عقب له.
وأما صفوان فقد شهد بدرًا مع رسول اللَّه وَله، وقتل يومئذٍ ببدر شهيدًا، قتله
طعيمة بن عدي فيما قاله ابن إسحاق وموسى بن عقبة وابن سعد وأبو حاتم، وجزم
ابن حبان بأنه مات سنة (٣٠)، وقيل: في شهر رمضان سنة (٣٨) وبه جزم الحاكم
أبو أحمد تبعًا للواقدي.
واختلف في المراد بالأخ المذكور في الحديث، فقيل: سهل جزم به ابن
عبد البر، وقيل: صفوان. قال أبو نعيم: اسم أخي سهيل صفوان، ووهم من سماه
سهلًا، ولم يزد مالك في روايته على ذكر سهيل. والحديث: يدلّ على جواز إدخال
الميت في المسجد والصلاة عليه فيه، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق،
والجمهور؛ خلافًا لمالك في المشهور عنه وأبي حنيفة.
وأجابَ بعض من كَره ذلك عن الحديث بأن الأمر استقر على ترك ذلك؛ لأن
الذين أنكروا على عائشة كانوا من الصحابة، ورد: بأن عائشة لما أنكرت ذلك
الإنكار سلموا لها. فدلَّ على أنها حفظت ما نسوه وأن الأمر استقرَّ على الجوازٍ،
ويدلُّ على ذلك الصلاة على أبي بكر وعمر في المسجد، كما تقدم، قاله
الشوكاني .
وقال السندي في ((حاشيةِ النسائي)): الحديثُ ظاهر في الجوازِ في المسجد، نعم
كانت عادته وَلّ خارج المسجد، فالأقربُ أن يقالَ: الأولى: أن تكون خارج
المسجد مع الجواز فيه، والله تعالى أعلم. انتهى. وقد تقدَّم بسط الكلام فيه في
شرح حديث قصة النجاشي.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي،
وابن ماجه، والبيهقي، والطحاوي.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا
٥٩٩
١٦٧١ - [١٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
وَ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِى نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسْطَّهَا.
G O
الشَّرْحُ
١٦٧١ - قوله: (صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ) هي أم كعب
الأنصارية، كما في مسلم. (مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا) بكسر النون أي: حين ولادتها. وقال
القسطلاني: (فِي) هنا للتعليل، كما في قوله ◌َّه: ((إِنَّ امْرَأَةَ دَخَلْتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ)»،
أي: ماتت بسبب نفاسها. (فَقَامَ) أي: وقف للصلاة. (وَسْطَهَا) أي: حذاء
وسطها، وهو بسكون السين وفتحها بمعنى؛ فلذا جوز الوجهان، وقد فرق بعضهم
بينهما، قاله السندي. وقال الطيبي: الوسط بالسكون يقالُ فيما كان متفرق الأجزاء
كالناس والدواب وغير ذلك، وما كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح.
وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، وكأنه أشبه .
وقال صاحب ((المغرب)): الوسط بالفتح كالمركز للدائرة، وبالسكون داخل
الدائرة، وقيل: كلٍ ما يصلح فيه بين، فبالفتح وما لا فبالسكون. انتهى. وقال
القسطلاني: مَنْ سَكّن السين؛ جعله ظرفًا، ومن فتح؛ جعله اسمًا، والمراد على
الوجهين عجيزتها، وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر، وإنما هو حكاية
أمر وقع، وأما كونها امرأة، فالظاهر أنه معتبر، كما يدلَّ عليه حديث أنس الآتي
في آخر الفصل الثاني. والحديثُ فيه: دليل على أن السنة أن يقوم الإمام، وكذا
المنفرد في صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة، أي: عند عجيزتها. قال الأمير
اليماني: وهذا مندوب، وأما الواجبُ، فإنما هو استقبال جزء من الميت رجلًا أو
امرأة.
واختلف العلماء في حكم الاستقبال في حقِّ الرجل والمرأة، فقال أبو حنيفةً في
المشهور عنه: إنَّهما سواء، فيقوم الإمام بحذاء صدرهما. وقال مالك: يقوم حذاء
(١٦٧١) البُخَارِي (١٣٣٢)، ومُسْلِم (٩٦٤/٨٧)، وأَبُو دَاوُد (٣١٩٥)، والترمذي (١٠٣٥)، والنَّسَائِي
(٤/ ٧٠)، وابنُ ماجه (١٤٩٣) فِيهِ عَنْهُ.