Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) أي: في الجنائز، واللفظ للترمذي أخرجه من طريق
عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه عن ابن عمر عن عائشة به، وقال: إنما
أعرفه من هذا الوجه، انتهى. قال شيخنا: لم يحكم الترمذي عليه بشيء من
الصحة والضعف، والظاهر: أنه حسن، انتهى.
ولفظ النسائي، وقد أخرجه من غير طريق الترمذي: ((مات رسول اللّه وَلِّ، وأنه
لبين حاقنتي وذاقنتي، ولا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد ما رأيت رسول الله
(وَّ)). وقد تقدم في الفصل الأول من رواية البخاري، وسياق الكتاب نسبه النابلسي
في ((ذخائر المواريث)) (ج ٤ ص٢٠٢) للترمذي فقط.
١٥٧٨ - [٤٣] وَعَنْهَا، قَالَتْ: رَأَيْتُ النَِّيَّ نَّهِ وَهُوَ بِالْمَوْتِ وَعِنْدَهُ
قَدَحُ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ
أَعِنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ - أَوْ - سَكَرَاتِ الْمَوْتِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٥٧٨ - قوله: (وَهُوَ بِالْمَوْتِ) أي: مشغول أو ملتبس به، وفي رواية ابن
ماجه: وهو يموت. (وَعِنْدَهُ قَدَحٌ) بفتحتين معروف. (وَهُوَ يُدْخِلُ) وعند ابن ماجه :
((فَيُدْخِلُ)). (ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ) أي: بالماء كما في الترمذي وابن ماجه وسقط لفظ:
بِالْمَاءِ من نسخ ((المشكاة)) و((المصابيح))، وكان ◌َّ يمسح تخفيفًا للحرارة أعنى:
ما سأل دفع تلك المكروهات عنه بل سأل الإعانة على حملها، ففيه: أن ذاك خير
لرفع الدرجات، قاله السندي. وقيل: أو دفعًا للغشیان و کربه.
(اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ أَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ) قال القاري: قيل: أو
للشك، وبه جزم ابن حجر، ويحتمل أن تكون للتنويع، ويراد من منكرات الموت
ما يقع من تقصير في تلك الحال من المريض، أو وساوس الشيطان وخطراته،
(١٥٧٨) التِّرْمِذِي (٩٧٨) في الجنائز عن عائشة ◌َيُّنَا، وَأَصْلُهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٤٠١
وتزيين خطراته، ومن سكرات الموت شدائده التي لا يطيقها المحتضر، فيموت
جزءًا فزعًا، والمطلوب: أنه لا يموت إلا أنه مسلم ومسلم محسن للظن بربه،
وفي هذا تعليم منه عليه الصلاة والسلام لأمته، انتهى.
قلت: هكذا وقع في ((المصابيح)) و((المشكاة)) على منكرات الموت، أو
سكرات الموت، والذي في الترمذي ((علی غمرات الموت وسكرات الموت))،
وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١١ ص ٣٨٥)، قال في ((مجمع البحار)):
غمرات الموت شدائده. وقال في ((القاموس)): غمرة الشيء شدته ومزدحمه
غمرات وغمار، انتهى. وسكرات جمع سكرة بفتح السين وسكون الكاف وهي
شدة الموت. قال سراج أحمد في ((شرح الترمذي)): هو عطف بيان لما قبله،
والظاهر أن يراد بالأولى الشدة وبالأخرى ما يترتب عليها من الدهشة والحيرة
الموجبة للغفلة، وقال القاضي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾.
[ق: ١٩] أن سكرته شدته الذاهبة بالعقل، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز، وأخرجه أيضًا النسائي في ((اليوم
والليلة))، وفي سنده موسى بن سرجس، وهو مستور.
١٥٧٩ - [٤٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ
تَعَالَى بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعَّقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
الْشِّرْحُ
١٥٧٩ - قوله: (عَجَّلَ) بالتشديد أي: أسرع. (لَهُ الْعُقُوبَةَ) أي: الابتلاء
بالمكاره. (فِي الدُّنْيَا) ليخرج منها وليس عليه ذنب، ومن فعل ذلك معه فقد أعظم
اللطف به والمنية عليه. (أَمْسَكَ) أي: أخر. (عَنْهُ) ما يستحقه من العقوبة. (بِذَنْبِهِ)
أي: بسببه.
(١٥٧٩) التِّرْ مِذِي (٢٣٩٦) فِي الزُّهْدِ عَنْ أَنَسٍ.
٤٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(حَتَّى يُوَافِيَهُ) أي: يجازيه جزاءً وافيًا. (بِهِ) أي: بذنبه. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال
الطيبي: الضمير المرفوع راجع إلى الله تعالى. والمنصوب إلى العبد، ويجوز أن
يعكس، انتهى. قال القاري: ولعل الموافاة حينئذ بمعنى الملاقاة قال: والمعنى:
لا يجازيه بذنبه حتى يجيء في الآخرة متوافر الذنوب وافيها، فيستوفي حقه من
العقاب، انتهى. قلت: وفي الترمذي: ((حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ)) أي: بدون الضمير
المنصوب أي: حتى يأتي العبد بذنبه يوم القيامة. ونقله الجزري هكذا: ((حَتَّى
يُوَافِيَ يَوْمَ الْقِيامَةِ)» .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الزهد، وهو حديث حسن، وأخرجه الحاكم في الجنائز
(ج ١ ص٣٤٩) والحدود (ج ٤ ص٣٧٧) من حديث عبد الله بن مغفل وقال: حديث
صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
١٥٨٠ - [٤٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ
عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ رَنَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَّهُ الرِّضَا، وَمَنْ
سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الْشِّرْحُ
١٥٨٠ - قوله: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ) أي: عظمة الأجر، وكثرة الثواب. (مَعَ
عِظَم الْبَلَاءِ) بكسر العين المهملة وفتح الظاء فيهما، ويجوز ضمها مع سكون الظاء
فمنَ كان ابتلاؤه أعظم فجزاؤهِ أعظم. (ابْتَلَاهُمْ) أي: اختبرهم بالمحن والرزايا.
(فَمَنْ رَضِيَ) أي: بما ابتلاه اللَّهُ به. (فَلَهُ الرِّضًا) منه تعالى وجزيل الثواب. قال
السندي: قوله: ((فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا)) أي: رضا الله تعالى عنه جزاء لرضاه أو فله
جزاء رضاه، وكذا قوله: ((فَلَهُ السَّخَطُ))، ثم الظاهر أنه تفصيل لمطلق المبتلين لا
لمن أحبهم فابتلاهم؛ إذا الظاهر أنه تعالى يوفقهم للرضا فلا يسخط منهم أحد،
انتھی .
(١٥٨٠) التِّرْمِذِي (٢٣٩٦) فِ الزُّهْدِ، وَابن مَاجَهْ (٤٠٣١) فِي الفِتَنِ عَنْ أَنَسٍ .
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٤٠٣
(وَمَنْ سَخِطَ) بكسر الخاء أي: كره بلاء اللَّه وفزع ولم يرض بقضائه. (فَلَهُ
السَّخَطُ) منه تعالى وأليم العذاب ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾، والمقصود: الحث
على الصبر على البلاء بعد وقوعه لا الترغيب في طلبه للنهي عنه. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)
في الزهد بسند الحديث الذي قبله وقال: حديث حسن غريب. (وابْنُ مَاجَهْ) في
الفتن، وفي الباب عن محمود بن لبيد أن رسول اللّه وَ ل﴿ه قال: ((إِذَا أَحَبَّ اللهُ قَوْمًا
ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ صَبْرَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ»، أخرجه أحمد، قال المنذري
والهيثمي: رواته ثقات، ومحمود بن لبيد رأى النبي وَلّ، واختلف في سماعه منه.
١٥٨١ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِهِ: (لَا
يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى
وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى مَالِكٌ نَحْوَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] (حسن}
الْشَّرْحُ
١٥٨١ - قوله: (لَا يَزَالُ) في الترمذي: ((مَا يَزَالُ))، وكذا وقع في رواية
الحاكم (ج٤ ص٣١٤) وهكذا نقله المنذري في ((الترغيب)) والجزري في ((جامع
الأصول)) (ج ١١ ص٣٥٧) عن الترمذي، نعم وقع في رواية أحمد والحاكم
(ج ١ ص ٣٤٦) وابن أبي شيبة والبيهقي: ((لَا يَزَالُ)).
(الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ) أي: ينزل بالمؤمن الكامل. (أَوِ الْمُؤْمِنَةِ) قال القاري: ((أو))
للتنويع، ووقع في أصل ابن حجر بالواو فقال: الواو بمعنى ((أو)) بدليل إفراد
الضمير أي: في ((نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ))، وهو مخالف للنسخ المصححة والأصول
المعتمدة - يعني: من ((المشكاة). قلت: وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا وقع
بالواو وكذا في ((الترغيب)) للمنذري و((جامع الأصول)) للجزري، وهكذا رواه
البيهقي وابن أبي شيبة ووقع عند أحمد بلفظة: ((أَوْ)). (وَوَلَدِهِ) بفتح الواو واللام
وبضم فسكون أي: أولاده.
(١٥٨١) التِّرْ مِذِي (٢٣٩٩) فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
aex
٤٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(حَتَّى يَلْقَى اللهَ) أي: يموت. (وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) وفي الترمذي: ((وَمَا عَلَيْهِ
خَطِيئَةٍ)) أي: بحذف ((مِنْ))، وهكذا في ((الترغيب)) و(جامع الأصول))، وكذا في
رواية الحاكم (ج٤ ص٣١٤) ووقع عند أحمد والحاكم (ج١ ص٣٤٦) والبيهقي
وابن أبي شيبة: ((من خطيئة)). قال القاري: بالهمز والإدغام أي: وليس عليه سيئة؛
لأنها زالت بسبب البلاء.
وقال الباجي: يحتمل أن يريد أنه يحط لذلك عنه خطاياه حتى لا يبقى له خطيئة،
ويحتمل أن يريد أنه يحصل له على ذلك من الأجر ما يزن جميع ذنوبه، فيلقى الله
تعالى وليس له ذنب يزيد على حسناته، فهو بمنزلة من لا ذنب له، وإنما هذا لمن
صبر واحتسب، وأما من سخط ولم يرض بقدر اللَّه تعالى فإنه أقرب إلى أن يأثم
لتسخطه، فیکثر بذلك سائر آثامه.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الزهد، وأخرجه أيضًا أحمد وابن أبي شيبة (ج٤ ص٧١)
والبزار والحاكم (ج١ ص٣٤٦، ج٤ ص٣١٤، ٣١٥) والبيهقي (ج٣ص ٣٧٤).
(وَرَوَى مَالِك) في الجنائز. (نَحْوَهُ) أي: بمعناه، ولفظه: «مَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصَابُ
فِي وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةً)). (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ صَحِيحٌ) وصححه أيضًا البغوي في ((المصابيح))، وقال الحاكم: صحيح على
شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
١٥٨٢ - [٤٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ،
ابْتَلَهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبَلِّغَهُ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ)).
الْشَّرْجُ
١٥٨٢ - قوله: (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ السُّلَمِيِّ) بضم السين وفتح اللام،
مجهول من طبقة كبار أتباع التابعين. (عَنْ أَبِيهِ) خالد، هو مجهول أيضًا من أوساط
(١٥٨٢) أَبُو دَاوُد (٢١٥٠) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ.
٤٠٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثْوَابِ الْمَرِض
Desex
التابعين. قال الهيثمي: محمد بن خالد وأبوه لم أعرفهما. (عَنْ جَدٍِّ) أي: جد
محمد بن خالد، زاد في روايات من خرج حديثه هذا وكانت له - أي: لجد محمد
ابن خالد - صحبة، يقال اسمه: اللجلاج بجيمين وفتح اللام الأولى. زِيدَ: ويكنى
أبا خالد. قال الحافظ في الأسماء من ((الإصابة)): اللجلاج بن حكيم السلمي أخو
الجحاف، ذكره ابن منده وقال: له صحبة، عداده في أهل الجزيرة، وقال في
الكنى منه: أبو خالد السلمي جد محمد بن خالد، أورده البغوي في ((الكنى))،
وأورد من طريق أبي المليح عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده، وكانت
له صحبة، فذكر حديثًا. وسماه ابن منده اللجلاج. وقال ابن الأثير: أبو خالد
السلمي له صحبة، سكن الجزيرة، حديثه عند أولاده، روى أبو المليح عن محمد
ابن خالد عن أبيه عن جده - وكانت له صحبة - قال: سمعت رسول اللَّه ◌َله ...
فذكر هذا الحديث. وقال: أخرجه ابن منده وأبو نعيم.
(إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ) أي: في علم الله، أو في قضائه وقدره. (مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ)
أي: مرتبة عالية في الجنة. (لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ) لعجزه عن العمل الموصل إليها. قال
القاري: وفيه: دليل على أن الطاعات سبب للدرجات، قيل: ودخول الجنة بفضل
الله تعالى وإيمان العبد والخلود بالنية. وقال الطيبي: فيه: إشعار بأن للبلاء خاصية
في نيل الثواب ليس للطاعة، ولذا كان الأمثل فالأمثل أشد بلاء.
(ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ) ((أو)) في الموضعين للتنويع باعتبار
الأوقات أو باختلاف الأشخاص. (ثُمَّ صَبَّرَهُ) بالتشديد أي: رزقه الصبر. (حَتَّى
يُبَلِّغَهُ) اللّه بالتشديد، وقيل بالتخفيف. قال الطيبي: ((حَتَّى)) هذه إما للغاية وإما
بمعنى كي، والمعنى حتى يوصله اللَّه تعالى. (الْمَنْزِلَةَ) أي: المرتبة العليا. (الَّتِي
سَبَقَتْ لَهُ) أي: إرادتها. (مِنَ اللَّهِ) تعالى شأنه.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) في الجنائز وسكت عنه، قال في ((عون المعبود)):
والحديث ليس من رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكره المنذري في ((مختصره)). وقال
المزي في ((الأطراف)): هذا الحديث في رواية ابن العبد وابن داسة، ولم يذكره
أبو القاسم، انتهى. وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٣ ص ٣٧٤) من طريق أبي داود، وأبو
يعلى والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)).
٤٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال المنذري في ((الترغيب)): محمد بن خالد لم يرو عنه غير أبي المليح الرقي،
ولم يرو عن خالد إلا ابنه محمد، انتهى. وله شاهد جيد من حديث أبي هريرة
بلفظ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللهِ الْمَنْزِلَةُ فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ، فَمَا يَزَالُ اللهُ يَبْتَلِيهِ بِمَا
يَكْرَهُ حَتَّى يَبْلُغَهَا))، وفي رواية: ((يَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللهِ الْمَنْزِلَةُ الرَّفِيْعَةُ))، أخرجه أبو
يعلى. قال الهيثمي: ورجاله ثقات، وابن حبان في (صحيحه)) من طريقه وغيرهما.
١٥٨٣ - [٤٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ:
(مُثَّلَ ابْنُ آدَمَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ مَّنِيَّةً، إِنْ أَخْطَأَتَّهُ الْمَنَايَا وَقَعَ فِي الْهَرَمِ
حَتَّى يَمُوتَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {حسن}
الْشِّرْجُ
١٥٨٣ - قوله: (مُثِّلَ) بضم الميم وتشديد المثلثة أي: صُوِّر وخُلِقٍ. (ابْنُ
آدَمَ) بالرفع نائب الفاعل ، وقيل: ((مَثَلُ ابْنِ آدَمَ)) بفتحتين وتخفيف المثلثة، ويريد به
صفته وحاله العجيبة الشأن، وهو مبتدأ خبره الجملة التي بعده أي: الظرف،
وتسعة وتسعون مرتفع به، أي: حال ابن آدم أن تسعة وتسعين منية متوجهة إلى
نحوه منتهية إلى جانبه، وقيل: خبره محذوف والتقدير: مثل ابن آدم مثل الذي
يكون إلى جنبه تسعة وتسعون منية، ولعل الحذف من بعض الرواة.
(وَإِلَى جَنْبِهِ) الواو للحال أي: بقربه. (تِسْعٌ) وفي ((المصابيح)): (تِسْعَةٌ))، وكذا
في ((جامع الترمذي)). (وَتِسْعُونَ) أراد به الكثرة لا الحصر. (مَنِيَّةً) بفتح الميم أي:
بلية مهلكة. وقال بعضهم: أي: سبب موت. (إِنْ أَخْطَأَتَّهُ الْمَنَايَا) قال الطيبي:
المنايا جمع منية، وهي الموت؛ لأنها مقدرة بوقت مخصوص من المنى، وهو
التقدير سمى كل بلية من البلايا منية؛ لأنها طلائعها ومقدماتها، انتهى. أي:
أسباب الموت كثيرة متعددة كالأمراض والجوع والغرق والحرق والهدم وغير
ذلك، فإن جاوزه واحد وقع في الآخر، فإن جاوزه فرضًا الجميع مرة بعد أخرى.
(١٥٨٣) التِّرْ مِذِي (٢٤٥٦) فِي الزُّهْدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشَّخِيرِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
*
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٤٠٧
a
(وَقَعَ فِي الْهَرَم) قال في ((القاموس)): الهرم محركة: أقصى الكبر. (حَتَّى يَمُوتَ)
أي: وقع في السبب الذي يفضي إلى الموت ولا محالة وهو الهرم. وقال بعضهم:
يريد أن أصل خلقة الإنسان من شأنه أن لا تفارقه المصائب والبلايا والأمراض
والأدواء، كما قيل: البرايا أهداف البلايا، وكما قال صاحب الحكم بن عطاء: ما
دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار، فإن أخطأته تلك النوائب على سبيل
الندرة، أدركه من الأدواء الداء الذي لا دواء له وهو الهَرَمُ، وحاصله: أن الدنيا
سجن المؤمن وجنة الكافر، والمصائب كفارة لذنوبه، فينبغي للمؤمن أن يكون
صابرًا على حكم اللَّهِ راضيًا بما قدره الله تعالى وقضاه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر القدر وقال: حديث حسن غريب، وأعاده في أواخر
الزهد سندًا ومتنًا، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ولعله صححه هاهنا لشواهد
رويت في ذلك، والله أعلم. والحديث أخرجه أيضًا الضياء المقدسي في
((المختارة))، كما في ((الجامع الصغير)).
١٥٨٤ - [٤٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَةِ: ((يَوَدُّ أَهْلُ
الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ
قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ)). [رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] (حسن}
الشَّرْحُ
١٥٨٤ - قوله: (يَوَدُّ) أي: يتمنى. (أَهْلُ الْعَافِيَةِ) أي: في الدنيا. (يَوْمَ
الْقِيَامَةِ) ظرف ((يَوَدُّ). (حِينَ يُعْطَى) بالبناء للمفعول. (الثَّوَابَ) مفعول ثان أي:
كثيرًا وبلا حساب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنََّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
(قُرِضَتْ) بالتخفيف، ويحتمل التشديد للمبالغة والتأكيد أي: قطعت. (فِي الدُّنْيَا)
قطعة قطعة. (بِالْمَقَارِيضِ) جمع المقراض ليجدوا ثوابًا كما وجد أهل البلاء.
(١٥٨٤) التِّرْ مِذِي (٢٤٠٢) فِي الزُّهْدِ عَنْ جَابِرٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
SCENE
٤٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
se
قال الطيبي: الود محبة الشيء وتمني كونه له، ويستعمل في كل واحد من
المعنيين من المحبة والتمني، وفي الحديث هو من المودة التي هي بمعنى التمني
وقوله: ((لَوْ أَنَّ ... )) إلخ. منزلة مفعول يود كأنه قيل: يود أهل العافية ما يلازم لو أن
جلودهم كانت مقرضة في الدنيا، وهو الثواب المعطي. قال مَيْرَك: ويحتمل أن
مفعول يود ((الثواب)) على طريق التنازع وقوله: ((لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ)) حال أي: متمنين
أن جلودهم ... إلخ، أو قائلين: ((لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ)) على طريقة الالتفات من التكلم
إلى الغيبة، انتهى.
قلت: ورواه البيهقي بلفظ: ((يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ جُلُودَهُمْ قُرِضَتْ
بِالْمَقَارِيضِ؛ مِمَّا يَرَونَ مِنْ ثَوَابٍ أَهْلِ الْبَلَاءِ».
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الزهد، وأخرجه أيضًا ابن أبي الدنيا والبيهقي (ج ٣ ص ٣٧٥)
كلهم من طريق عبد الرحمن بن مغراء عن الأعمش عن أبي الزبير عن جابر، وابن
مغراء هذا صدوق تكلم في حديثه عن الأعمش.
وقال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي وابن أبي
الدنيا من رواية عبد الرحمن بن مغراء، وبقية رجاله ثقات. وقال الترمذي: حديث
غريب، ورواه الطبراني في ((الكبير)) عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وفيه رجل لم
يسم. قال الهيثمي: وبقية رجاله ثقات، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه الطبراني
في ((الكبير))، وفيه مجاعة بن الزبير. قال الهيثمي (ج٢ ص ٣٠٥): وثقة أحمد
وضعفه الدار قطني .
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
Bese:
٤٠٩
١٥٨٥ - [٥٠] وَعَنْ عَامِرِ الرَّامِ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ الْأَسْقَامَ
فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ الَّسُّقَمُ ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ وَ مِنْهُ، كَانَ كَفَّارَةً لِمَا
مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ
كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرِسَلُوهُ، فَلَمْ بَدْرٍ لِمَ عَقَلُوهُ وَلِمَ أَرْسَلُوهُ)). فَقَالَّ
رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْأَسْقَامُ؟ وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطَّ، فَقَالَ: (قُمْ عَنَّا
فَلَسْتَ مِنَّا)».
[رواهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٥٨٥ - قوله: (وَعَنْ عَامِرِ الرَّام) بحذف الياء تخفيفًا كما في ((المتعال))،
ويقال: الرامي؛ لأنه كان أرمى العربَ، صحابي، روى له أبو داود وحده. قال
الحافظ في ((تهذيبه)): عامر الرام، وقيل: الرامي أخو الخضر بن محارب عداده في
الصحابة، روى عن النبي ◌َّه: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا ابْتُليَ ثُمَّ عَافَاهُ اللهُ كَانَ كَفَّارَةً
لِذُنُوبِهِ ... )) الحديث. وقال في ((الإصابة)): عامر الرامي أخو الخضر بضم الخاء
وسكون الضاد المعجمتين المحاربي من ولد مالك بن مطرف بن خلف بن
محارب، وكان يقال لولد مالك الخضر؛ لأنه كان شديد الأدمة، و کان عامر راميًا
حسن الرمي، فلذلك قيل له: الرامي.
(ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الْأَسْقَامَ) جمع سقم، أي: الأمراضِ وثوابها. (إِذَا أَصَابَهُ
السُّقْمُ) بضم فسكون وبفتحتين أي: المرض. (ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ) من المعافاة، وفي
أبي داود: ((أَعْفَاهُ اللهُ)) أي: من الإعفاء، وكذا في ((الترغيب)) للمنذري و((جامع
الأصول)) للجزري (ج ٥ ص٢٧٧) يقال: أعفا الله فلانًا أي: عافاه وأعفاه من الأمر
برأه. (مِنْهُ) أي: من ذلك السقم. (كَانَ) أي: السقم .
(وَمَوْعِظَةً لَهُ) أي: تنبيهًا للمؤمن فيتوب ويتقي. (فِيمَا يَسْتَقْبِلُ) من الزمان. قال
الطيبي: أي: إذا مرض المؤمن ثم عوفي تنبه وعلم أن مرضه كان مسببًا عن
(١٥٨٥) أَبُو دَاوُد (٣٠٨٩) فِي الجَنَائِزِ عَنْهُ.
٤١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الذنوب الماضية، فيندم ولا يقدم على ما مضى فيكون كفارة لها. (وَإِنَّ الْمُنَافِقَ)
وفي معناه الفاسق المصر. (إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أَعْفِيَ) بمعنى عوفي كما تقدم، والاسم
منه العافية. (كَانَ) أي: المنافق في غفلته .
(كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ) أي: شدوه وقيدوه، يقال: عقل البعير أي: ثَنَّى وَظِفَه مع
ذراعه فشدهما معًا بحبل هو العِقَالُ، وهو كناية عن المرض استئناف مبين لوجه
الشبه. (ثُمَّ أَرْسَلُوهُ) أي: أطلقوه من عقاله، وهو كناية عن العافية. (فَلَمْ يَدْرِ) أي:
لم يعلم. (لِمَ) أي: لأي سبب. (عَقَلُوهُ وَلِمَ أَرْسَلُوهُ) يعني: أن المنافق لا يتعظ بما
حصل له، ولا يستيقظ من غفلته ولا يتوب فلا يفيد مرضه، لا فيما مضى ولا فيما
يستقبل. (وَمَا الأَسْقَامُ) قال الطيبي: عطف على مقدر أي: عرفنا ما يترتب على
الأسقام وما الأسقام؟ (قُمْ عَنَّا) أي: تنح وأبعد. (فَلَسْتَ مِنَّا) أي: لست من أهل
طريقتنا حيث لم تبتل بيلية ومصيبة، وشأن المؤمن أن يبتلى بالبلايا حتى يطهر من
الذنوب في الدنيا، وقيل: الظاهر أن هذا الرجل كان منافقًا .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أول الجنائز، وأخرجه أيضًا أحمد وابن السكن وابن أبي
شيبة وغيرهم كلهم من طريق ابن إسحاق، عن أبي منظور، عن عمه عن عامر
الرامي، وأبو منظور وعمه مجهولان. قال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمة عامر
الرامي : صحابي له حدیث یروی بإسناد مجهول.
١٥٨٦ - [٥١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((إِذَا دَخَلْتُمْ
عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيَطِيبُ بِنَفْسِهِ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٥٨٦ - قوله: (إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ) أي: لعيادته. (فَتَقِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ)
من التنفيس، وأصله التفريج، يقال: نفس الله عنه كربته أي: فرجها، وتعديته
(١٥٨٦) التِّرْ مِذِي (٢٠٨٧)، وَابن مَاجَهْ (١٤٣٨) فِي الجَنَائِزِ عَنْهُ.
٤١١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
بـ(في)) لتضمين معنى التطمع، أي: طمعوه في طول عمره، واللام بمعنى ((عن))
وقال الطيبي: اللام للتأكيد، وهذا التنفيس إما أن يكون بالدعاء بطول العمر أو
بنحو يشفيك الله، وأما الجزم فلا يمكن.
وقال القاري: أي: أذهبوا حزنه فيما يتعلق بأجله بأن تقولوا: لا بأس طهورٌ،
ويطول اللَّه عمرك، ويشفيك ويعافيك، أو وسعوا له في أجله فينفس عنه الكرب،
والتنفيس التفريج. وقال الجزري: نفست عن المريض، إذا منيته طول الأجل
وسألت الله أن يطيل عمره. وقال في ((اللمعات)): التنفيس التفريج أي: فرجوا له
وأذهبوا كربه فيما يتعلق بأجله، بأن تدعوا له بطول العمر وذهاب المرض، وأن
تقولوا: لا بأس طهور ولا تخف سيشفيك الله، وليس مرضك صعبًا، وما أشبه
ذلك فإنه وإن لم يرد شيئًا من الموت المقدر، ولا يطول عمره لكن يطيب نفسه
ويفرحه، ويصير ذلك سببًا لانتعاش طبيعته، وتقويتها فيضعف المرض، انتهى.
(فَإِنَّ ذَلِك) أي: تنفيسكم له. (لَا يَرُدُّ شَيْئًا) أي: من القدر والقضاء، قيل: قوله:
((فإن ذلك)) تعليل لما يفهم من المقام، كأنه قيل: هل يزيد بذلك العمر، أو ماذا
فائدته؟ فقال: لا؛ فإن التنفيس لا يرد شيئًا مما أريد بالمريض. (وَيَطِيبُ) من طاب
يطيب والباء في قوله: (بِنَفْسِهِ) للتعدية أو زائدة على الفاعل، كما قيل ويحتمل أنه
من طيّب بالتشديد والباء زائدة. وفي الترمذي: (وَيَطِيبُ نَفْسُهُ)) أي: بدون الباء،
وهكذا نقله الجزري (ج٧: ص٤٠٢) ولفظ ابن ماجه: ((وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ
المرِيضِ)). قال المناوي: يعني: لا بأس عليكم بتنفيسكم له، فإن ذلك التنفيس لا
أثر له إلا في تطيب نفسه، فلا يضركم ذلك، ومن ثم عدوا من آداب العيادة تشجيع
العليل بلطيف المقال، وحسن الحال، انتهى. وارجع لمزيد الكلام إلى ((زاد
المعاد)» (ج ٢ : ص٩٤).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الطب. (وَابْنُ مَاجَهْ) في أول الجنائز، وأخرجه أيضًا ابن
السني في ((اليوم والليلة)) وابن أبي شيبة (ج٤: ص٧٤). (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ) لم يحكم الترمذي عليه بشيء من الصحة والضعف، وفي إسناده
موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني. قال البخاري وأبو زرعة
والنسائي وأبوحاتم وأبو أحمد الحاكم: منكر الحديث، فالحديث ضعيف.
٤١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٨٧ - [٥٢] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنْ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {حسن}
قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ يُعَذِّبْ فِي قَبْرِهِ)).
الْشَرْجُ
١٥٨٧ - قوله: (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ) بضم المهملة وفتح الراء، ابن الجون
الخزاعي أبو مطرف الكوفي، صحابي. قال ابن عبد البر: كان خَيِّرًا فاضاًا، وكان
اسمه في الجاهلية يسار، فسماه النبي وَل﴾- سليمان، سكن الكوفة، وكان له سن
عالية وشرف وقدر وكلمة في قومه، وشهد مع عليٍّ صفين وهو الذي قتل حوشب
ذا ظليم الألهاني بصفين مبارزة، وكان فيمن كتب إلى الحسين يسأله القدوم إلى
الكوفة، فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قتل الحسين ندم هو والمسيب ابن نجية
الفزاري في آخرين؛ إذ لم يقاتل معه، ثم قالوا: مالنا من توبة مما فعلنا إلا أن نقتل
أنفسنا في الطلب بدمه، فخرجوا فعسكروا بالنخيلة، وولوا أمرهم سليمان بن صرد
وسموه أمير التوابين، ثم ساروا فالتقوا بمقدمة عبيد الله بن زياد في أربعة آلاف
بموضع يقال له: عين الوردة، فقتل سليمان والمسيب في ربيع الآخر سنة (٦٥)
وقيل: رماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقلته، وحمل رأسه ورأس المسيب إلى
مروان بن الحكم وكان سليمان يوم قتل ابن (٩٣) سنة.
(مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ) إسناده مجازي، أي: من مات من مرض بطنه، وهو يحتمل
الإسهال والاستسقاء والنفاس. (لَمْ يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ) وفي رواية لأحمد: ((فَلَنْ يُعَذَّبَ
فِي قَبْرِهِ))؛ لأنه لشدته كان كفارة لسيئته. قال المناوي: وإذا لم يعذب في قبره لم
يعذب في غيره؛ لأنه أول منازل الآخرة، فإن كان سهلاً فما بعده أسهل. وصح في
مسلم وغيره: ((أَنَّ الشَّهِيدَ يُغْفَرُ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّينُ)) أي: إلا حقوق الآدميين.
(١٥٨٧) أَحْمَد (٤/ ٢٦٢)، وَالتِّرْ مِذِي (١٠٦٤)، وَالنَّسَائِي (٩٨/٤) فِي الجَنَائِ، وَابْنُ حِبَّانَ (٢٩٣٣)
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ لِخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ، أَوْ خَالِدٌ لِسُلَيْمَانَ ... وَقَالَ: غَرِيبٌ.
٤١٣
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
se
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص ٢٦٢) (والتِّرْمِذِيُّ) في الجنائز وأخرجه أيضًا النسائي في
الجنائز، وابن حبان. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وفي نسخ الترمذي الموجودة
عندنا: هذا حديث حسن غريب في هذا الباب، وقد روي من غير هذا الوجه،
انتهى. قلت: روى أحمد والنسائي من غير طريق الترمذي. والحديث لا ينحط عن
درجة الحسن .
٤١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٥٨٨ - [٥٣] عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِّ يَخْدِمُ النَّبِيَّ ◌َ
فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌ِ يَعُودُهُ فَعَّدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: ((أَسْلِمْ))، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ
وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَّهِ وَهُوَ يَقُولُ:
((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَرْحُ
١٥٨٨ - قوله: (كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ) لم يقف الحافظ على اسمه، نعم نقل عن
ابن بشكوال أن صاحب ((العتبية)) حكى عن زياد أن اسمه: عبد القدوس قال: وهو
غريب ما وجدته عند غيره. (يُخْدَمُ النَّبِيَّ نَّهِ) بكسر الدال وضمها. (فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌ََّ).
حال كونه. (يَعُودُهُ فَقَعَدَ) النبي وَرِ (عِنْدَ رَأْسِهِ) أي: رأس الغلام وهو من
مستحبات العيادة.
(فَقَالَ) النبيِ وَِّ (لَّهُ) أي: للغلام. (أَسْلِمْ) بكسر اللام فعل أمر من الإسلام،
والظاهر: أن الغلام كان عاقلاً. (فَنَظَرَ) أي: الغلام. (إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ) أي:
أبو الغلام. (عِنْدَهُ) وفي رواية أبي داود: عند رأسه. (فَقَالَ) له أبوه. (أَطِعْ أَبَا
الْقَاسِمِ) وَثِهِ. (ِفَأَسْلَمَ) بفتح اللام أي: الغلام، وفي رواية النسائي: فقال: ((أشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول اللَّهُ وَ)).
(فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهِ) من عنده. (وَهُوَ) أي: النَّبِيَّ. (يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ)
بالذال المعجمة أي: خلصه ونجاه. (مِنَ النَّارِ) أي: لو مات كافرًا، في رواية أبي
داود: ((أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ)) أي: أنقذه اللَّه بسببي من النار.
قال الحافظ في ((الفتح)): وفي الحديث جواز استخدام المشرك وعيادته إذا
مرض، وفيه: حسن العهد، واستخدام الصغير، وعرض الإسلام على الصبي ولو
(١٥٨٨) البُخَارِي (١٣٥٦) في الجنائز عنه.
٤١۵
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
لا صحته منه ما عرضه عليه، وفي قوله: ((أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ)) دلالة على أنه صح
إسلامه، وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب، انتهى. قيل: هذا
يحمل على أنه كان قبل أن يُعْلِمَهُ اللَّه تعالى أن أطفال المشركين في الجنة، كما هو
مذهب الأكثرين، وعلى تقدير تسليم أن هذا الحديث وقع بعد تقرر أن الأطفال في
الجنة، فالمراد من قوله: (مِنَ النَّارِ) الكفر المسمى نارًا؛ لأنه سببها أو يؤول إليها.
والله تعالى أعلم.
قيل: إنما تشرع عيادة غير المسلم لِيُدْعى إلى الإسلام، إذا رجى أن يجيب إلى
الدخول في الإسلام؛ ألا ترى أن اليهودي أسلم حين عرض عليه النبي وَله
الإسلام، فأما إذا لم يطمع في إسلام الكافر ولا يرجى إنابته، فلا ينبغي عيادته. قال
الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة
أخرى. قال الماوردي: عيادة الذمي جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن
بها من جوار أو قرابة، انتهى.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الجنائز، وفي المرضى، وأخرجه أيضًا أبو داود في
الجنائز، والنسائي والبيهقي (ج٣: ص ٣٨٣).
١٥٨٩ - [٥٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ عَادَ
مَرِيضًا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: طِيْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٥٨٩ - قوله: (مَنْ عَادَ مَرِيضًا) أي: محتسبًا. (نَادَى مُنَادٍ) أي: ملك (طِيْتَ)
بكسر الطاء أي: طاب حَالُكَ. (وَطَابَ مَمْشَاَكَ) مصدر أي: كثر ثواب مشيك إلى
هذه العبادة، وقيل: مكان أو زمان مبالغة. (وَتَبَوَّأْتَ) أي: تهيأت. (مِنَ الْجَنَّةِ)
أي: من منازلها العالية.
(١٥٨٩) ابن مَاجَهْ (١٤٤٣) في الطب عنه.
٤١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مَنْزِلًا) أي: منزلة عظيمة بما فعلت. وقيل: أي: ثبت وتحقق دخولك الجنة
بسبب هذه العيادة. وقال الطيبي: ((طبت)) دعاء له بأن يطيب عيشه في الدنيا، وطيب
الممشى كناية عن سيره وسلوكه طريق الآخرة بالتعري عن رذائل الأخلاق،
والتحلي بمكارمها، وقوله: ((تَبَوَّأْتَ)) دعاء له بطيب العيش في الآخرة، وإنما
أخرجت الأدعية في صورة الإخبار؛ إظهارًا للحرص على وقوعها كأنها حاصلة،
وهو يخبر عنها كما تقول: رحمك اللَّه وعصمك اللَّه من الآفات.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز، وأخرجه أيضًا الترمذي في باب: زيارة الإخوان
من أبواب البر والصلة بلفظ: ((مَا عَادَ مَرِيْضًا أَوْ زَارَ أَخَّا لَهُ فِي اللـهِ نَادَاهُ مُنَادٍ ... )) الخ.
وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه) بلفظ: ((إِذَا عَادَ الرَّجُلُ أَخَاهُ أَوْ زَارَهُ قَالَ اللهُ تعالى:
طِيْتَ ... )) إلخ. ذكر المنذري في ((الترغيب)): إن الترمذي حسنه، وفيه: أنه ليس في
نسخ الترمذي الموجودة عندنا لفظ: حسن، بل فيها حديث غريب، وفي سنده
عندهم أبوسنان عيسى بن سنان القسملي، وهو لين الحديث.
١٥٩٠ - [٥٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِّ ◌َه
فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُنِّيَ فِيَهِ، فَقَالَ الَّنَّاسُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، كَيْفَ أَصْبَحَ
رَسُولُ اللّهِ وَِّ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٥٩٠ - قوله: (فِي وَجَعِهِ) أي: في زمن مرضه. (الَّذِي تُوُنِّيَ فِهِ) أي: قبض
روحه فيه. (فَقَالَ النَّاسُ) أي: لعليٍّ. (يَا أَبَا الْحَسَنِ) كنية عليٍّ. (أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ)
أي: مقرونًا بحمده، أو متلبسًا بموجب حمده وشكره. (بَارِئًا) بالهمزة اسم فاعل
من برأ المريض، إذا أفاق من المرض.
قال القاري: خبر بعد خبر أو حال من ضمير أصبح، والمعنى: قريبًا من البرء
بحسب ظنه، أو للتفاؤل أو بارئًا من كل ما يعتري المريض من القلق والغفلة.
(١٥٩٠) البُخَارِي (٦٢٦٦) عنه.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثْوَابِ الْمَرِضِ
Besey
٤١٧
BASE
وفي الحديث: استحباب السؤال عن حال المريض بلفظ: ((كَيْفَ أَصْبَحَ))،
والجواب عنه بقوله: ((أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا)).
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) مطولًا في باب: مرض النبي وَله ووفاته من أواخر المغازي،
وفي باب: المعانقة من الاستيذان، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٦٣ - ٣٢٥).
١٥٩١ - [٥٦] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا
أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ
وَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ. فَادْعُ اللَّهَ، فَقَالَ: ((إِنْ
شِئْتِ صَبَرْتٍ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ)) فَقَالَتْ: أَصْبِرُ،
فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.
[متفق عليه]
الْشَّرْجُ
١٥٩١ - قوله: (أَلَا) بتخفيف اللام قبلها همزة مفتوحة. (أُرِيك) بضم الهمزة
وكسر الراء. (هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ) اسمها سعيرة - بالمهملات مصغرًا - الأسدية،
كما في رواية جعفر المستغفري في كتاب ((الصحابة))، وأخرجه أبوموسى في
الذيل من طريقه، ووقع في رواية ابن منده بقاف بدل العين، وفي أخرى
للمستغفري بالكاف، وذكر ابن سعد وعبد الغني في ((المبهمات)) من طريق الزبير
أن هذه المرأة هي ماشطة خديجة التي كانت تتعاهد النبي ◌ُّ بالزيارة.
(أَتَتِ النَّبِيَّ وَّ) استئناف بيان لكونها من أهل الجنة. (إِنِّي أَصْرَعُ) بصيغة
المجهول، قيل: الصرع علة تمنع الأعضاء الرئيسة عن انفعالها منعًا غير تام، وسببه
ريح غليظ يحتبس في منافذ الدماغ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء،
وقد يتبعه تشنج في الأعضاء، فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف
بالزبد لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة
منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية، وإما لإيقاع الأذية به، وأنكر ذلك
(١٥٩١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٦٥٢)، ومُسْلِم (٢٥٧٦) في الطبَّ عنهُ.
٤١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كثير من الأطباء، وقد رد عليهم ابن القيم في ((زاد المعاد)) ردًّا حسنًا، فعليك أن
تراجعه .
(وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ) بفتح المثناة الفوقية والشين المعجمة المشددة من التكشف.
قال الحافظ: وبالنون الساكنة بدل الفوقية وكسر المعجمة مخففًا من الانكشاف،
والمراد: أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر. (فَادْعُ اللَّهَ) لي، أي: يشفيني
من ذلك الصرع. (فَقَالَ) بَّهَ مخبرًا لها. (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ) على ذلك. (وَلَكِ
الْجَنَّةُ) فيه إيماء إلى جواز ترك الدواء بالصبر على البلاء، والرضاء بالقضاء، بل
ظاهره: أن إدامة الصبر مع المرض أفضل من العافية، لكن بالنسبة إلى بعض
الأفراد، وأن ترك التداوي أفضل، وإن کان یسن التداوي.
(فَقَالَتْ: أَصْبِرُ) على الصَّرَع. قال ابن القيم: من حدث له الصرع، وله خمس
وعشرون سنة وخصوصًا بسبب دماغي أيس من بُرئه، وكذلك إذا استمر به إلى هذا
السن، قال: فهذه المرأة التي جاء في الحديث أنها كانت تصرع وتنكشف، يجوز
أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها تَّ بصبرها على هذا المرض بالجنة، ودعا
لها أن تنكشف وخيرها بين الصبر والجنة وبين الدعاء لها بالشفاء من غَيْرِ ضَمَان،
فاختارت الصبر والجنة، انتهى.
قال الحافظ: وفي الحديث: فضل من يصرع، وأن الصبر على بلايا الدنيا
يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه
الطاقة، ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه: دليل على جواز ترك التداوى، وفيه :
أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج
بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن
إنما ينجع بأمرين: أحدهما: من جهة العليل، وهو صدق القصد، والآخر: من
جهة المداوي، وهو قوة توجهه، وقوة قلبه بالتقوي والتوكل، والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المرضى ومسلم في ((الأدب)) وأخرجه أيضًا
أحمد (ج ١ ص٣٤٦ - ٣٤٧) والنسائي في ((الكبرى)) في الطب.
٤١٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثْوَابِ الْمَرِضِ
١٥٩٢ - [٥٧] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي
زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ فَقَالَ رَجُلٌ: هَنِيئًا لَهُ، مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍٍ، فَقَالَّ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((وَيْحَكَ! وَمَا يُدْرِيِكِ لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ فَكَفَّرَّ عَنْهُ مِنْ
سَبِّئَاتِهِ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا] (صحيح}
G O
9
13 **
١٥٩٢ - قوله: (وَعَنْ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ) هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري
المدني أبوسعيد القاضي، ثقة ثبت، من صغار التابعين، سمع أنس بن مالك
والسائب بن يزيد وخلقًا سواهما، روى عنه هشام بن عروة ومالك بن أنس، وشعبة
والثوري وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم، كان يتولى القضاء بالمدينة زمن بني
أمية، وأقدمه منصور العراق وولاه القضاء بالهاشمية، مات سنة (١٤٣) وقيل:
(١٤٤) وقيل: بعدها. قال المؤلف: كان إمامًا من أئمة الحديث والفقه، عالمًا
ورعًا زاهدًا صالحًا مشهورًا بالفقه والدين. (إِنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ) أي: فجأة من
غير مرض. (هَنِيئًا لَهُ) مصدر لفعل محذوف. (مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ) استئناف مبين
لموجب التهنئة، والواو حالية. (وَيْحَك) كلمة ترحم وتوجع، تقال لمنٍ وقع في
هلكة لا يستحقها، وهي منصوبة بإضمار فعل، كأنه قيل: ألزمك اللّه ويحًا،
يعني: لا تمدح عدم المرض، وإنما ترحم عليه لعذره في ظنه أن عدم المرض
مكرمة. (مَا يُدْرِيك) أي: أي شيء يعلمك أن عدم المرض خير ومكرمة. (لَوْ أَنَّ
اللَّهِ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ) قال الطيبي: ((لو)) للتمني؛ لأن الامتناعية لا تجاب بالفاء أي: لا
تقل: هنيئًا له، لَيْت أن الله ابتلاه بمرض، ويجوز أن يقدر: لو ابتلاه الله لكان خيرًا
له فکفر .
قال القاري: وعلى الأول: ((ما يدريك)) معترضة وعلى الثاني متصلة بما بعدها.
(فَكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ) وفي نسخ ((الموطأ)) الموجودة عندنا: ((يُكَفِّرُ بِهِ عَنْهُ مِنْ
سَيِّئَاتِهِ))، قال في ((المحلى): (لَوْ أَنَّ اللهَ ... )) إلخ. جملة شرطية والجزاء قوله:
(١٥٩٢) مَالِك (٢/ ٨/٩٤٢) مرسل.