Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الشفاء. (شِفَاءً) منصوب بقوله: (اشْفِ) على أنه مفعول مطلق، ويجوز الرفع على
أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو يعني: الشفاء المطلوب. (لَا يُغَادِرُ) بالغين
المعجمة أي: لا يترك، (سَقَمًا) بفتحتين ويجوز ضم ثم إسكان لغتان أي: مرضًا،
والتنكير للتقليل، والجملة صفة لقوله: ((شِفَاءً)) وهو تكميل لقوله: ((اشف))،
والجملتان معترضتان بين الفعل والمفعول المطلق، وفائدة قوله: (لَا يُغَادِرُ) أنه قد
يحصل الشفاء من ذلك المرض، فيخلفه مرض آخر متولد منه، فكان يدعو له
بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء. وفي الحديث: استحباب مسح المريض باليمين
والدعاء له .
قال النووي: وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار،
وهذا المذكور هاهنا من أحسنها، وقد استشكل الدعاء للمريض بالشفاء مع ما في
المرض من كفارة الذنوب والثواب، كما تظافرت الأحاديث بذلك، والجواب:
أن الدعاء عبادة ولا ينافي الثواب والكفارة؛ لأنهما يحصلان بأول مرض وبالصبر
عليه والداعي بين حسنتين، إما أن يحصل له مقصودة، أو يعوض عنه بجلب نفع،
أو دفع ضرر وكل من فضل الله تعالى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المرضى في الطب، ومسلم في الطب، واللفظ
لمسلم، وأخرجه أيضًا النسائي في ((اليوم والليلة))، وابن ماجه في الطب.
١٥٤٤ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ
كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ بِإِصْبَعِهِ: ((بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ
بَعْضِنَا لِيُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا)).
[متفق عليه]
الْشَّرْحُ
١٥٤٤ - قوله: (وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ) إِما زائدة أو فيها ضمير الشأن يفسره ما
بعده. (إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ) بالنصب على المفعولية، أي: شكا وجع
(١٥٤٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٧٤٥)، مسلم (٢١٩٤) عَنْهَا، وأَبُو دَاوُد (٣٨٩٥)، والنَّسَائِي في
الكبرى (١٠٨٦٢)، وابن مَاجَهْ (٣٥٢١).
٣٤١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
العضو. (مِنْهُ) الضمير للإنسان، أي: من جسده. (أَوْ كَانَتْ بِهِ) أي: بالإنسان.
(قَرْحَةٌ) بفتح القاف وضمها ما يخرج من الأعضاء مثل الدمل. (أوْ جُرْحٌ) بالضم
كالجراحة بالسيف وغيره.
(قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ بِإِصْبَعِهِ) أي: أشار بها قائلًا، قاله القاري. قلت: وفي مسلم بعد
قوله: ((بِإِصْبَعِهِ)) هَكَذَا وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا. والمعنى: أنه كان
يأخذ من ريقه على إصبعه شيئًا، ثم يضعها على التراب فيتعلق بها منه شيء، فيمسح
بها على الموضع الجريح، ويقول هذه الكلمات: (بِسْم اللّهِ) أي: أتبرك به. (تُرْبَةُ
أَرْضِنَا) أي: هذه تربة أرضنا .
(بِرِيقَةِ بَعْضِنَا) أي: ممزوجة بريقه. وهذا يدل على أنه كان يتفل عند الرقية،
وفي رواية: (وَرِيقَة) بالواو بدل الموحدة. قال النووي: قال جمهور العلماء:
المراد بأرضنا هاهنا: جملة الأرض، وقيل: أرض المدينة خاصة لبركتها والريقة
أقل من الريق. قيل: وبعضنا رسول اللَّه وَّه؛ لشرف ريقه، فيكون ذلك
مخصوصًا، وفيه نظر .
قال النووي: معنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم
يضعها على التراب، فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل
ويقول هذا الكلام في حال المسح، انتهى. قلت: الظاهر: أن هذا ليس مخصوصًا
بأرض المدينة، ولا بريق النبي ◌َّ، فالمراد بالأرض هاهنا: جملة الأرض
وبالبعض كل من يرقى بذلك، فيجوز هذا بل يستحب فعله عند الرقية في كل
مكان، وأما حكم نقل تراب الحرم المكي أو المدني ونقل حصاهما وأحجارهما
للتبرك أو للدواء، وحكم الاستشفاء بتراب المدينة، فقد بسط القول فيه السمهودي
في ((وفاء الوفاء)) (ص ٦٧ - ٦٨ - ٦٩ - ١١٤ - ١١٥ - ١١٦ - ١١٧) وفي بعض
كلامه خدشات لا تخفى على متبع السنة.
قال القرطبي: فيه: دليل على جواز الرقى من كل الآلام، وإن ذلك كان أمرًا
فاشيًا معلومًا بينهم، قال: ووضع النبي ګ سبابته بالأرض، ووضعها علیه يدل على
استحباب ذلك عند الرقية، ثم قال: وزعم بعض العلماء: أن السر فيه أن تراب
الأرض لبرودته ويبسه يبرى الموضع الذي به الألم، ويمنع انصباب المواد إليه
٣٤٢
ae
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ليبسه مع منفعته في تجفيف الجراح، واندمالها قال: وقال في الريق: إنه يختص
بالتحليل، والإنضاح، وإبراء الجرح والألم، لاسيما من الصائم الجائع.
وتعقبه القرطبي: أن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة
مقدار التراب والريق، وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث، ووضع السبابة على
الأرض، إنما يتعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله
تعالى وآثار رسوله، وأما وضع الإصبع بالأرض، فلعله لخاصية في ذلك أو لحكمة
إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة.
وقال البيضاوي: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلًا في النضح،
وتبديل المزاج وتعديله، ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصلي، ودفع
نكاية المضرات؛ ولذا ذكر في ((تيسير المسافرين))، أنه ينبغي أن يستصحب
المسافر تراب أرضه، إن عجز عن استصحاب مائها حتى إذا ورد ماءً غير ما اعتاده
جعل شيئًا منه في سقاءه، وشرب الماء منها ليأمن من تغير مزاجه، ثم أن الرقى
والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها، انتهى.
وقال التوربشتي: الذي يسبق إلى الفهم من صنيعه ذلك، ومن قوله هذا: ((إن
تربة أرضنا)) إشارة إلى فطرة آدم عليه السلام، والريقة أشارة إلى النطفة التي خلق
منها الإنسان، فكأنه يتضرع بلسان الحال، ويعرض بفحوى المقال، أنك اخترعت
الأصل الأول من طين، ثم أبدعت بنيه من ماء مهين، فهين عليك أن تشفي من كان
هذا شأنه، وتمن بالعافية على من استوى في ملكك حياته ومماته، انتهى. وقد
علم كل أناس مشربهم، و((كل إناء يرشح بما فيه)). قال القاري: وقوله: ((بِإِصْبَعِهِ))
في موضع الحال من فاعل قال: ((وَتُرْبَةُ أَرْضِنَا)) خبر مبتدأ محذوف أي: هذه،
والباء في ((بريقة)) متعلق بمحذوف، وهو خبر ثان أو حال والعامل معنى الإشارة
أي: قال النبي ◌َّ مشيرًا بإصبعه: بسم الله هذه تربة أرضنا معجونة بريقة بعضنا،
قلنا بهذا القول، أو صنعنا هذا الصنيع. (لِيُشْفَى) على بناء المفعول. (سَقِيمُنَا)
بالرفع نائب عن الفاعل. قال الطيبي: فعلى هذا ((بسم اللَّه)) مقول القول صريحًا،
ويجوز أن يكون ((بسم الله)) حالا أخرى متداخلة، أو مترادفة على تقدير: قال
متبركًا: بسم الله، ويلزم منه أن يكون مقولًا والمقول الصريح قوله: (تُرْبَةُ
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٣٤٣
أَرْضِنَا)، انتهى. وقال السندي: ليشفي علة للممزوج. قلت: وفي رواية (يُشْفَى)
بحذف اللام. (بِإِذْنِ رَبِّنَا) متعلق بيشفي أي: بأمره على الحقيقة، سواء كان بسبب
دعاء أو دواء أو بغيره.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أخرجاه في الطب، اللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا أبو داود وابن
ماجه في الطب، والنسائي في ((اليوم والليلة)).
١٥٤٥ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى
نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، ومَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ كُنْتُ
أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ◌َهِ.
[متفق عليه]
- وَفِي رِوَايَةٍ لْمُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ
بِالْمُعَوِّذَاتِ(*).
G O
الشَّرْحُ
١٥٤٥ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ إِذَا اشْتَكَى) أي: مرض وهو لازم، وقد يأتي
متعديًا فيكون التقدير: وجعًا. (نَفَثَ) بالمثلثة من باب ضرب ونصر، أي: أخرج
الريح من فمه مع شيء من ريقه. وقيل: النفث نفخ لطيف بلا ريق.
(عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ) بكسر الواو المشددة، أي: قرأها على نفسه ونفث
الريق على بدنه، والمراد بالمعوذات: سورة ((الفلق)) و((الناس)) و((الإخلاص))،
فيكون من باب التغليب، أو المراد المعوذتان: ((الفلق)) و((الناس))، وكل ما ورد
من التعويذ في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ
٩٧
[المؤمنون: ٩٧]، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وغير ذلك، أو المراد:
(١٥٤٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٧٥١)، ومُسْلِم (٥١٠/ ٢١٩٢) فِي الطِّبِّ عَنْهَا، وأَبُو دَاوُد (٣٩٠٢)،
والنَّسَائِي في الكُبرى (١٠٨٤٧)، وابن مَاجَهْ (٣٥٢٩).
(*) مُسْلِم (٥٠/ ٢١٩٢) فِي الطِّبِّ عَنْهَا.
DeCK
٣٤٤
PEN
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المعوذتان فقط، وجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو أطلق الجمع على التثنية
مجازًا أو الجمع باعتبار الآيات، وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع
الاستعاذة من المكروهات جملة وتفصيلاً من السحر والحسد، وشر الشيطان
ووسوسته وغير ذلك، وقيل: المراد: الكلمات المعوذات بالله من الشيطان،
والأمراض والآفات ونحوها.
(وَمَسَحَ عَنْهُ) أي: عليه وعلى أعضائه. (بِيَدِهِ) وقع عند البخاري في آخر
الحديث بيان كيفية ذلك، ففيه قال معمر: سألت ابن شهاب كيف كان ينفث؟ قال
ينفث على يديه، ثم يمسح بهما وجهه. وفي رواية: كان رسول اللَّه وَلّل، إذا أوى
إلى فراشه نفث في كفيه بـ((قل هو الله أحد)) و((بالمعوذتين)) جميعًا، ثم يمسح بهما
وجهه، وما بلغت يداه من جسده، فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك، وقال
الطيبي: الضمير في عنه راجع إلى ذلك النفث والجار والمجرور حال أي: نفث
على بعض جسده، ثم مسح بيده متجاوزًّا عن ذلك النفث إلى سائر أعضاءه.
قال عياض: فائدة النفث: التبرك بتلك الرطوبة والهواء، والنفث المباشرة
للرقية، والذكر الحسن كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر، وقد يكون على سبيل
التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض كانفصال ذلك عن الراقي، انتهى. (فَلَمَّا
اشْتَكَى) أي: النبيِ وَِّ. (وَجَعَهُ) بالنصب أي: مرضه. (الَّذِي تُوُنِّيَ فِيهِ) وَلِّ .
(كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ) وفي البخاري في هذه الرواية: طفقت أنفث على نفسه،
ولأبي ذر: أنفث عنه. (بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ نَّهِ)؛
لبركتها، وفي الحديث دلالة على أن الرقية والنفث بكلام الله سنة. قال النووي:
فيه : استحباب النفث في الرقية، وقد أجمعوا على جوازه، واستحبه الجمهور من
الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال الحافظ: قد أجمع العلماء على جواز الرقى
عند إجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته،
وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها
بل بذات الله تعالى. وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية؟ فقال: لا بأس أن
يرقي بكتاب الله، وما يعرف من ذكر الله. قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟
قال: نعم، إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله، انتهى.
٣٤٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
وفي ((الموطأ)): أن أبابكر قال لليهودية التي كانت ترقي عائشة: أرقيها بكتاب
الله. وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة والملح، وعقد الخيط،
والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم. (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في وفاة النبي ◌ِّ، وفي فضائل القرآن وفي الطب، وأخرجه
مسلم في الطب، واللفظ البخاري في الوفاة النبوية، وأخرجه أيضًا مالك في كتاب
الجامع من ((الموطأ)) وأبو داود وابن ماجه في الطب.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَتْ: كَانَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ
بِالْمُعَوِّذَات) لم يذكر المسح، فيحتمل أنه كان يفعله وتركت ذكره للعلم به من
النفث، ويحتمل أنه كان يتركه أحيانًا؛ اكتفاء بالنفث والأظهر الأول والجمع
أفضل .
١٥٤٦ - [١١] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
لَّهِ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ لَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي
يَأْلَمُ مِنْ جَسَدَِ وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وقُلْ: سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ
وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ، وَأُحَاذِرُ)). قَالَ: فَفَعَلْتُ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَرْجُ
١٥٤٦ - قوله: (أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ لّهِ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ) أي: في
بدنه، ويؤخذ منه: جواز شكاية ما بالإنسان لمن يتبرك به: رجاء لبركة دعاءه.
(ضَعْ) أمر من الوضع. (يَدََكَ) وفي رواية مالك والترمذي وأبي داود: ((امْسَحْهُ
بِيَمِينِكَ))، وعند ابن ماجه: ((اجْعَلْ يَدَ الْيُمْنَى عَلَيْهِ))، وللطبراني وِالحاكم: ((ضَعْ
يَمِينَكَ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَشْتَكِي فَامْسَحْ بِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ)). (عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ) أي:
على الموضع الذي يوجع. (مِنْ جَسَدِك) فيه: استحباب وضع اليد اليمنى على
(١٥٤٦) مُسْلِم (٢٢٠٢)، وَأَبُو دَاوُد (٣٨٩١)، والترمذي (٢٠٨٠)، وابن ماجه (٣٥٢٢)، والنسائي
في الكُبرى (١٠٨٣٩) فِي الطِّبِّ عنه.
٣٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
موضع الألم مع الدعاء. (وَقُلْ: بِسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ: سَبْعَ مَرَّاتٍ)، إلخ. قال
الشوكاني: في الأعداد التي ترد في مثل هذا الحديث سرٌّ من أسرار النبوة، وليس
لنا أن نطلب العلة، والسبب الذي يقتضيه، كما في أعداد الركعات والانصباء
والحدود. (أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ) أي: بعظمته وغلبته. (مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ) أي: من الوضع.
(وَأُحَاذِرُ) أي: أخاف وأحترز، وصيغة المفاعلة للمبالغة. قال الطيبي: تعوذ من
وجع هو فيه ومما يتوقع حصوله في المستقبل من الحزن والخوف، فإن الحزن هو
الاحتراز عن مخوف، وللترمذي في الدعوات وحسنه والحاكم وصححه عن
محمد بن سالم، قال: قالٍ لي ثابت البناني: يا محمد، إذا اشتكيت فضع يدك حيث
تشتكي، ثم قل: بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شَرِّما أجد من وجعي، ثم
ارفع يدك، ثم أعد ذلك وترًا، قال: فإن أنس بن مالك حدثني أن رسول اللّه وَل
حدثه بذلك. (قَالَ) أي: عثمان. (فَفَعَلْتُ) أي: ما قال لي. (فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ
بي) من الوجع والألم ببركة الامتثال، زاد في رواية مالك والترمذي وأبي داود
بعده: فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الطب وأخرجه مالك في
كتاب الجامع والترمذي وأبو داود وابن ماجه في الطب والنسائي في ((اليوم
والليلة)) والحاكم في ((الجنائز)) (ج١: ص ٣٤٣) وابن أبي شيبة في مصنفه.
١٥٤٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى الشَّيَّ
صَلىالله
وَسِلم
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيَكَ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلُّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ
أَرْقِیك.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
W O
الْشِّرْجُ
١٥٤٧ - قوله: (أَشْتَكَيْتَ) ففتح الهمزة للاستفهام، وحذف همزة الوصل.
(١٥٤٧) مُسْلِم (٤٠/ ٢١٨٦) فِي الطِّبِّ، وَالتِّرْمِذِي (٩٧٢)، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٨٤٣)، وَابن
مَاجَهْ (٣٥٢٣) عَنْهُ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٣٤٧
RECE
وقيل: بالمد على إثبات همزة الوصل وإبدالها ألفًا، وقيل: بحذف الاستفهام، قاله
القاري. (فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ) أي: جبرئيل. (بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك) بفتح الهمزة وكسر
القاف مأخوذ من الرقية أي: أعوذك. (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيك) بالهمزة ويبدل أي:
من أنواع المرض.
(مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ) أي: خبيثة. (وَعَيْنِ) بالتنوين فيهما. وقيل: بالإضافة.
وقيل: بالتنوين في الأول، وبالإضافة في الثاني. (حَاسِدٍ) و((أو)) تحتمل الشك
والأظهر أنها للتنويع. قال النووي: قيل: يحتمل أن المراد بالنفس: نفس الآدمي.
وقيل: يحتمل أن المراد بها: العين، فإن النفس تطلق على العين، ويقال: رجل
نفوس، إذا كان يصيب الناس بعينه، كما قال في الرواية الأخرى: ((مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي
عَيْنٍ))، ويكون قوله: ((أَوْعَيْنِ حَاسِدٍ)) من باب التوكيد بلفظ مختلف أو شكّا من
الراوي في لفظه، انتهى.
(اللَّهُ يَشْفِيك) يجوز أن يكون بفتح حرف المضارعة، ويجوز أن يكون بضمه من
أشفاه. (بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ) كرره للمبالغة، وبدأ به، وختم به إشارة إلى أنه لا نافع إلا
هو .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الطب، وأخرجه أيضًا الترمذي في الجنائز، والنسائي في اليوم
والليلة، وابن ماجه في الطب، وروى مسلم من حديث عائشة أنها قالت: كان إذا
اشتكى رسول اللّه ◌َ لَهرقاه جبرئيل علَّ قال: ((بِسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيَ
مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ وَشَرِّ كُلَّ ذِي عَیْنٍ)).
٣٤٨
eezn!
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٤٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ يُعَوِّذُ
الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: ((أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اَللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ
كُلِّ عَيْنِ لَامَّةٍ)) وَيَقُولُ: ((إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ)). رَوَاهُ
[وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: (بِهِمَا)) عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ] {صحيح}
الْبُخَارِيُّ.
الْشَّرْجُ
١٥٤٨ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ يُعَوِّذُ) بتشديد الواو المكسورة بعدها ذال
معجمة من التعويذ. (الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ) ابني فاطمة، أي: يرقيهما. وقيل: يدعو
لهما بالحفظ، ويطلب لهما من اللَّه عصمة. (أُعِيذُكُمَا) أي: يقول: (أُعِيذُكُمَا)،
وهو تفسير وبيان ليعوذ، وهذا لفظ أحمد والترمذي وأبي داود والنسائي، ولفظ
البخاري: كان النبي ◌َِّ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيِنَ، ويقول: ((إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا
إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ ... )). (بِكَلِمَاتِ اللَّهِ) قيل: المراد بها: كلامه على
الإطلاق، أو المعوذتان أو القرآن. وقيل: أسماؤه وصفاته. (التَّامَّةِ) صفة لازمة
أي: الكاملة أو النافعة، أو الشافية أو المباركة، أو الوافية في دفع ما يتعوذ منه.
وقال الجزري: إنما وصف كلامه بالتمام؛ لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من
كلامه نقص، أو عيب كما يكون في كلام الناس. وقيل: معنى التمام هاهنا أنها
تنفع المتعوذ بها، وتحفظه من الآفات وتكفیه، انتهى.
قال الخطابي في ((المعالم)): كان أحمد بن حنبل يستدل بقوله: ((بكلمات الله
التامة)) على أن القرآن غير مخلوق، وما من كلامٍ مخلوق إلا وفيه نقص،
فالموصوف منه بالتمام هو غير مخلوق، وهو كلام اللّه سبحانه ويحتج أيضًا بأن
النبي ◌َّ لا يستعيذ بمخلوق.
(مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ) إنسيٍّ وجِنِّيٍّ. (وَهَامَّةٍ) بالتنوين وهي بتشديد الميم واحدة
الهوام التي تدب على الأرض، وتؤذي الناس. وقيل: هي ذوات السموم. قال
(١٥٤٨) البُخَارِي ٣٣٧١)، وَأَبُو دَاوُد (٤٧٣٧)، والترمذي (٢٠٦٠)، والنسائي في الكبرى
(١٠٨٤٤)، وهو عند ابن مَاجَهْ أيضًا (٣٥٢٥) فِي الطِّبِّ عَنْهُ.
٣٤٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
Descy
الشوكاني: والظاهر أنها أعم من ذوات السموم لما ثبت في الحديث من قوله مَاله :
(أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأَسِكَ))، وقال الجزري: الهامة كل ذات سم يقتل، والجمع
الهوام، فأما ما يسم ولا يقتل فهو السامة كالعقرب والزنبور، وقد يقع الهوام على
ما يدب من الحيوان، وإن لم يقتل كالحشرات، انتهى. وقيل: المراد: كل نسمة
تهم بسوء.
(وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ) بالتنوين. (لَامَّةٍ) بتشديد الميم أيضًا أي: ذات لمم، واللمم كل
داء يلم من خبل أو جنون أو نحوهما أي: من كل عين تصيب بسوء، ويجوز أن
تكون على ظاهرها بمعنى جامعة للشر على المعيون من لمه إذا جمعه.
وقال في ((الصحاح)): العين اللامه هي التي تصيب بسوء اللمم طرف من الجنون
ولامة أي: ذات لمم، وأصلها من ألممت بالشيء إذا نزلت به. وقيل: لامه
لازدواج هامة والأصل ملمة؛ لأنها فاعل ألممت، انتهى. وقال الجزري: اللمم
طرف من الجنون يلم بالإنسان أي: يقرب منه ويعتريه، ومنه حديث الدعاء: ((أَعُوذُ
بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّمَّةِ مِنْ شَرِّ كُلِّ سَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ)) أي: ذاتٍ لمم ولذلك لم
يقل: ملمة وأصلها من ألممت بالشيء ليزاوج قوله: ((مِنْ شَرِّ كُلِّ سَامَّةٍ))، أي:
لكونه أخف على اللسان. (وَيَقُولُ) لهما. (إِنَّ أَبَاكُمَا) يريد إبراهيمعَلَّا وسماه أبًا؛
لكونه جدًّا أعلى .
(كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا) أي: بهذه الكلمات. (إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) ابْنَيْهِ. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ)
في الأنبياء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١: ص ٢٣٥ - ٢٦٩) والترمذي في الطب وأبو
داود في باب القرآن من كتاب السنة والنسائي في ((اليوم والليلة)) وابن ماجه في
الطب. (وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِهِمَا عَلَى لَفْظِ التَّْنِيَةِ) قال الطيبي: الظاهر أنه
سهو من الناسخ، انتهى. قلت: قَد وقع في بعض روايات البخاري بهما بالتثنية،
وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥: ص١٣٢) قال القسطلاني: ولأبي
الوقت وابن عساكر بهما بلفظ التثنية، انتهى. وكذا وقع بلفظ التثنية في بعض نسخ
السنن لأبي داود كما في ((عون المعبود))، وتأوله القاري بأن كلمات اللّه مجاز من
معلومات اللَّه، ومما تكلم به سبحانه من الكتب المنزلة أو الأولى جملة المستعاذ
به، والثانية جملة المستعاذ منه، ولا يخفى ما في من التكلف.
٣٥٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٤٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَهِ: ((مَنْ
يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح}
الشَّرْجُ
١٥٤٩- قوله: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ) بضم التحتية وكسر الصاد
المهملة، وعليه عامة المحدثين، والفاعل: الله، أي: ينل اللَّه تعالى. (مِنْهُ) أي:
من ذلك الشخص المعبر عنه بـ((من))، فالضمير المجرور لمن أي: يبتليه الله تعالى
بالمصائب ليثيبه عليها. وقيل: الفاعل الضمير الراجع لمن، وضمير منه راجع
للخير أي: يحصل له من ذلك الخير، فهذا علامة إرادة الله له الخير. وقيل:
الفاعل اللّه وقوله ((منه)) بمعنى لأجله، وضميره عائد إلى الخير أي: يجعله الله ذا
مصيبة لأجل ذلك الخير، وروى بفتح الصاد. قال ابن الخشاب: وهو أحسن
وأليق.
وقال الطيبي: أنه أليق الأدب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ
يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] والمعنى: يصير ذا مصيبة، أي: يوصل له المصائب عن
الله، فضمير (يُصِبْ)) حينئذ راجع لمن، وضمير منه راجع لله. وقال ميرك:
((يصب)) مجزوم؛ لأنه جواب الشرط أي: من يرد الله به خيرًا أوصل إليه مصيبة
فمن للتعدية، يقال: أصاب زيد من عمرو أي: أوصل إليه مصيبة ليطهره بها من
الذنوب، ولیرفع درجته.
قال الحافظ: ویشهد للکسر ما أخرجه أحمد من حديث محمود بن لبيد رفعه:
((إِذَا أَحَبَّ اللهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمَنْ جَزَعَ، فَلَهُ الْجَزَعُ)) ورواته ثقات
إلا أن محمود بن لبيد، اختلف في سماعه من النبي وَ لّ. وقد رآه وهو صغير، وله
شاهد من حديث أنس عند الترمذي وحسنه. (رَوَاهُ البُخَارِيّ) في المرضى وأخرجه
أيضًا مالك (ج٢: ٢٣٧) وأحمد والنسائي في ((الكبرى)).
(١٥٤٩) البُخَارِي (٥٦٤٥)، وَالنَّسَائِي في الكبرى (٧٤٧٨) فِي الطِّبِّ عَنْهُ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٣٥١
١٥٥٠، ١٥٥١ - [١٥، ١٦] وَعَنْهُ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ
وَ قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذَى
وَلَا غَمّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَّ اللَّهُ بِهَا مِنَّ خَطَايَاهُ)).
[متفق عليه]
الْشِّرْحُ
١٥٥٠، ١٥٥١ - قوله: (وَعَنْهُ) أي: عن أبي هريرة. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ)
أي: الخدري. (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ) ((ما) نافية و ((مِنْ)) زائدة للاستغراق في قوله:
(مِنْ نَصَبِ وَلَا وَصَبٍ) بفتحتين فيهما والأول التعب والألم الذي يصيب البدن من
جراحة وغيرها، والثاني الوجع اللازم والمرض الدائم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ
عَذَابٌ وَاصِبُ﴾ [الصافات: ٩] أي: لازم ثابت. (وَلَا هَمُّ) بفتح الهاء وتشديد الميم.
(وَلَا حُزْنٍ) بضم الحاء وسكون الزاى وبفتحهما. قال الحافظ: هما من أمراض
الباطن، ولذلك ساغ عطفهما على الوصب، وقيل: الهم يختص بما هو آت
والحزن بما مضى، وقيل: الهم: الحزن الذي يهم الرجل أي: يذيبه من هممت
الشحم، إذا أذبته فَانْهَمَّ، ويقال: هَمَّ السقمُ جِسْمَهُ أذابه، وأذهب لحمه، والحزن
هو الذي يظهر منه في القلب حزونة، أي: خشونة وضيق، يقال: مكان حزن أي:
خشن وبهذا الاعتبار قيل: خشنت صدره أي: حزنته، وعلى هذا، فالهم أخص
وأبلغ في المعنى من الحزن.
(وَلَا أَذَّى) هو أعم مما تقدم، وقيل: هو خاص بما يلحق الشخص من تعدي غيره
عليه. (وَلَا غَمِّ) بالغين المعجمة ولا لتأكيد النفي في كلها، وهو أيضًا من أمراض
الباطن، وهو ما يضيق على القلب. وقيل: هو الحزن الذي يغم الرجل أي: يصيره
بحيث يقرب أن يغمى عليه، والحزن أسهل منه.
قال الحافظ: وقيل في هذه الأشياء الثلاثة، وهي الهم والغم والحزن: أن الهم
ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغم كرب يحصل للقلب بسبب
(١٥٥٠)، (١٥٥١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْتَهُ: البُخَارِي (٥٦٤٢٥٦٤١) فِي الطِّبِّ، مُسْلِم (٥٢/
٢٥٧٣) فِي الأدَبِ.
٣٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ما حصل، والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرأ فقده. وقيل: الهم والغم بمعنى
واحد، قال الترمذي: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: إنه لم يسمع في
الهم أنه كفارة إلا في هذا الحديث.
(حَتَّى الشَّوْكَةُ) بالرفع فـ((حتى)) ابتدائية، والجملة بعد الشوكة خبرها، وبالجر
فـ(حتى) عاطفة أو بمعنى إلى فما بعدها حال، وقال الزركشي: بالنصب على أنه
مفعول فعل مقدر أي: حتى يجد الشوكة. (يُشَاكُهَا) بضم أوله أي: يشوكه غيره
بها، ففيه وصل الفعل؛ لأن الأصل يشاك بها. قال في ((الكشاف)): شكت الرجل
شو کة أدخلت في جسده شو کة وشیك علی ما لم یسم فاعله یشاك شوکًا، انتهى.
وقال السفاقسي: حقيقة قوله: ((يُشَاكُهَا)) أن يدخلها غيره في جسده يقال: شكته
أشوكه. قال الأصمعي: يقال: شاكتني تشوكني، إذا دخلت هي ولو كان المراد
هذا لقيل: تشوكه، ولكن جعلها مفعولة، وهذا يرده ما في مسلم من رواية هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة: ((ولا يصيب المؤمن شوكة)) فأصاب الفعل إليها، وهو
الحقيقة ولكنه لا يمنع إرادة المعنى الأعم، وهو أن تدخل هي بغير إدخال أحد أو
بفعل أحد، قاله القسطلاني، وقيل: فيه، أي: في ((يشاكها)) ضمير المسلم أقيم
مقام فاعله و(هَا) ضمير الشوكة أي: حتى الشوكة يشاك المسلم تلك الشوكة أي :
تُجْرَحُ أعضاؤه بشوكة، والشوكة هاهنا للمرة من شاكة ولو أراد واحدة النبات
لقال: يشاك بها والدليل على أنها المرة من المصدر جعلها غاية للمعاني.
كذا قال القاري: (إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَایَاهُ) ظاهره تعمیم جمیع الذنوب، لکن
الجمهور خصوا ذلك بالصغائر؛ لحديث: ((الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى
الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْتَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ)) فحملوا
المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد، كذا في ((الفتح)) ولابن حبان من
حديث عائشة: ((إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)) وهذا يقتضي حصول
الأمرين معًا، حصول الثواب، ورفع العقاب، وشاهده عند الطبراني في ((الأوسط))
من وجه آخر عن عائشة بلفظ: ((مَا ضُرِبَ عَلَى مُؤْمِنِ عِرْقٌ قَطَّ إِلَّا حَطَّ اللهُ بِهِ عَنْهُ
خَطِيْئَةً وَكَتَبَ لَهُ حَسَنَةً، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً)) وسنده جيد.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المرضى، ومسلم في الأدب، واللفظ
للبخاري، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (ج٤: ص ٧٠) والبيهقي (ج٣: ص ٣٧٣)
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
SE
٣٥٣
وأخرجه الترمذي في الجنائز عن أبي سعيد متفردًا نحوه. وقال: قد روى بعضهم
هذا الحديث عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي وَّ وصرح الجزري في
((جامع الأصول)) (ج ١٠ ص٣٥٤) بإخراج البخاري، ومسلم والترمذي عنهما
جميعًا، ثم قال: وذكره الحميدي في مسند أبي هريرة.
١٥٥٢ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌ِلـ
وَهُوَ يُوعَكْ فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكَ وَعْكًا شَدِيدًا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَجَلْ إِنِّي أُوعَك كَمَا يُوعَكْ رَجُلَانِ مِنْكُمْ))، قَالَ: فَقُلْتُ:
ذَلِكَ لِأَنَّ لَكَ أَجْرَيِنِ؟ فَقَالَ: ((أجَلْ)). ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذِّى مِنْ
مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّاَ حَطَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطَّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا)).
[متفق عليه]
الْشَرْجُ
١٥٥٢ - قوله: (دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَهُوَ يُوعَك) الواو للحال، ويوعك
بفتح العين المهملة من وعكته الحمى أي: اشتدت عليه وآذته، والوعك بفتح الواو
وسكون العين المهملة، وقد تفتح وهي الحمى. وقيل: ألمها، وقيل: تعبها.
وقيل: إرعادها الموعوك. وقيل: حرارتها. (فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي) في ((الصحاح)):
مَسِسْت الشيء بالكسر أُمَسَّه هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد: مَسَسْت بالفتح
أَمَسُّه بالضم. (إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًّا شَدِيدًا) قال القاري: هو بيان للواقع.
(فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: أَجَلْ) أي: نعم، وزنًا ومعنى ((إني)). (أُوعَُك) على بناء
المجهول أي: يأخذني الوعك. (كَمَا يُوعَك) يعني: أحم كما يحم. (رَجُلَانِ
مِنْكُمْ) قال ابن مسعود: (فَقُلْتُ ذَلِكَ) أي: تضاعف الحمى. (لِأَنَّ) وفي البخاري:
بأن، وكذا نقله الجزري (ج١٠: ص ٣٥٥) وفي مسلم: إن بغير الموحدة أو اللام.
(لَكَ أَجْرَيْنِ) قال القاري: يحتمل أن يكون المراد بالتثنية التكثير.
(١٥٥٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٦٤٧)، ومُسْلِم (٢٥٧١) فِيهِمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
٣٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَقَالَ) النبيِ وَّ. (أَجَلْ) أي: نعم، وفي البخاري بعد هذا: ((ذَلِكَ كَذَلِكَ))
وذلك إشارة إلى مضاعفة الأجر بشدة الحمى، وتضاعفها. (مَا مِنْ مُسْلِم يُصِيْئُهُ
الْأَذَى) أي: ما يؤذيه ويتعبه. (مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ) أي: فما دونه أو غيره ممَّا تتأذى
به النفس. وفي رواية للبخاري: ((مَا مِّنْ مُسْلِم يُصِيْبُهُ أَذَّى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا))، قال
الحافظ: شوكة بالتنكير للتقليل ليصح ترتب قَّوله: ((فَمَا فَوْقَهَا)) وَدُوْنَهَا فِي الْعِظَمِ
وَالْحَقَارَةِ عليه بالفاء، وهو يحتمل وجهين فوقها في العظم، ودونها في الحقارة
وعكس ذلك.
(إِلَّا حَطَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا) بالنصب على المفعولية
وتحط بفتح أوله وضم المهملة وتشديد الطاء المهملة أي: تلقيه الشجرة منتشرًا.
قال الحافظ: والحاصل: أنه أثبت أن المرض إذا اشتد ضاعف الأجر، ثم زاد عليه
بعد ذلك، أن المضاعفة تنتهي إلى أن تحط السيئات كلها، أو المعنى: قال: نعم
شدة المرض ترفع الدرجات، وتحط الخطيئات أيضًا، حتى لا يبقى منها شيء
ويشير إلى ذلك حديث سعد عند الدارمي والنسائي في ((الكبرى))، وصححه
الترمذي وابن حبان: ((حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئه))، انتهى.
قال الطيبي : شبه حالة المريض وإصابة المرض جسده، ثم محو السيئات عنه
سريعًا بحالة الشجر وهبوب الرياح الخريفية، وتناثر الأوراق منها وتجردها عنها،
فهو تشبيه تمثيل؛ لانتزاع الأمور المتوهمة في المشبه من المشبه به، فوجه التشبيه
الإزالة الكلية على سبيل السرعة لا الكمال والنقصان، لأن إزالة الذنوب عن
الإنسان سبب كماله، وإزالة الأوراق عن الشجر سبب نقصانها، انتهى كلام
الطيبي .
وفي الحديث بشارة عظيمة؛ لأن كل مسلم لا يخلو عن كونه متأذيًا. (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المرضى، ومسلم في الأدب، واللفظ له، وأخرجه أيضًا
أحمد (ج١: ص٣٨١ - ٤٤١ - ٤٤٥) والبيهقي (ج٣: ص ٣٧٢) وابن أبي شيبة
(ج٤ : ص ٧٠).
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٣٥٥
١٥٥٣ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا الْوَجَعُ عَلَيْهِ أَشَدُّ
مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ .
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٥٥٣- قوله: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا الْوَجَعُ) بالرفع، قال العلماء: الوجع هاهنا
المرض، والعرب تسمى كل مرض وجعًا، ذكره النووي. (عَلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
وَالتّر) أي: من وجعه.
قال الطيبي: الوجع مبتدأ وأشد خبره، والجملة بمنزلة المفعول الثاني لرأيت
أي: ما رأيت أحدًا أشد وجعًا من رسول اللّه ◌َّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في
المرضى، ومسلم في الأدب، واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضًا الترمذي في الزهد
وابن ماجه في الجنائز.
١٥٥٤ - [١٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَاتَ النَّبِيُّ وَّ بَيْنَ حَاقِنَتِي، وَذَاقِنَتِي،
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
صلىالله
فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ
وسلم .
الْشَّرْجُ
١٥٥٤- قوله: (مَاتَ النَّبِيُّ وَ ◌ّهِ بَيْنَ حَاقِنَتِي) بالحاء المهملة والقاف
المكسورة والنون المفتوحة: الوهدة المنخفضة بين الترقوتين. وقيل: النقرة بين
الترقوة وحبل العاتق. وقيل: ما دون الترقوة من الصدر. (وَذَاقِنَتِي) بالذال
المعجمة والقاف المكسورة: الذقن. وقيل: طرف الحلقوم. وقيل: ما يناله الذقن
من الصدر.
(١٥٥٣) البُخَارِي (٥٦٤٦)، ومُسْلِم (٤٤ /٢٥٧٠) فِيهِمَا عَنْهَا، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٧٤٨٤)، وابن
مَاجَهْ (١٦٢٢).
(١٥٥٤) الْبُخَارِي (٤٤٤٦) فِي الوَفَاةِ الَّبَوِيَّةِ، عَنْهَا.
٣٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ١١: ص ٤٨٢): الحاقنة: ما سفل من
البطن والذاقنة: طرف الحلقوم الناتئ. وقيل: الحاقنة: المطمئن من الترقوة
والحلق، والذاقنة: نقرة الذقن، انتهى. وفي رواية للبخاري: ((توفى في بيتي وفي
يومي وبين سحري ونحرى))، والسحر بفتح المهملة وسكون الحاء المهملة هو
الصدر، وفي الأصل الرئة والنحر بفتح النون وسكون المهملة، والمراد به:
موضع النحر، والحاصل: أن ما بين الحاقنة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر،
والمراد: أنه مات ورأسه بين حنكها وصدرها وَّ ورضي عنها، وهذا لا يعارض
حديثها: ((أن رأسه كان على فخذها)) لاحتمال أنها رفعته عن فخذها إلى صدرها.
وأما ما رواه الحاكم وابن سعد من طرق، أنه وَ ليل مات ورأسه في حجر علي، ففي
كل طريق من طرقه شيعي، فلا يحتج به، وقد بين حالها الحافظ في ((الفتح)) من
أحب الاطلاع عليه رجع إليه.
(فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ وَّهِ) يعني: ظننت شدة الموت لكثرة
الذنوب، وظننتها من علامة الشقاوة، وسوء حال الرجل عند الله، وهذا قبل موت
رسول اللَّهُ وَله، فلما رأيت شدة موت رسول اللّه وَ ل علمت أن شدة الموت ليست
بعلامة الشقاوة، ولا بعلامة سوء حال الرجل، ولا من المنذرات بسوء العاقبة؛
لأنه لو كان كذلك لم يكن لرسول اللَّه ◌َ ل شدة الموت بل شدة الموت لرفع
الدرجة، وتضعيف الأجر؛ ولتطهير الرجل من الذنوب، فإذا كان كذلك، فلا
أكره شدة الموت لأحد بعد ما علمت هذا.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في مواضع بألفاظ، واللفظ المذكور له في باب: مرض
النبي ◌َّ في أواخر المغازي وأخرجه أيضًا النسائي في الجنائز.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
best *
٣٥٧
١٥٥٥ - [٢٠] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَثَلُ
الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعَ تُفَيَُّهَا الرِّيَاحُ تَصْرَعُهَا مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى
حَتَّى يَأْتِيَ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ
حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً)).
[متفق عليه]
G O
الْشِّرْجُ
١٥٥٥ - قوله: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ) وفي مسلم: ((مَثَلِ الْخَامَةِ))،
وهي بالخاء المعجمة والميم المخففة الطاقة الغضة الطرية اللينة. (مِنَ الزَّرْع)
وألفها منقلبة عن الواو. قال الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١: ص٣٠٧): الخامة
من النبات الغضة الرطبة اللينة، انتهى. وقيل: الخامة هي الزرع أول ما ينبت على
ساق واحدٍ، ووقع عند أحمد في حديث جابر: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ السُّنْلَةِ تَسْتَقِيمُ
مَرَّةً وَتَخِرُّ أُخْرَى))، وله في حديث لأبي بن كعب: ((مَثَلُ الْمَؤْمِنِ مَثَلُ الْخَامَةِ تَحْمَرُّ
مَرَّةً وَتَصْفَرُّ أُخْرَى)).
(تُفَيِّئُهَا) بتشديد الياء المكسورة وهمزة بعدها، وقيل: بكسر الفاء وسكون الياء
أي: تميلها وتحركها. (الرِّيَاحُ) يعني: تميلها كذا وكذا حتى ترجع من جانب إلى
جانب. قال النووي: تميلها وتفيئها بمعنى واحد، ومعناه: تقلبها الريح يمينًا
وشمالاً ، انتهى. قال التوربشتي: وذلك أن الريح إذا هبت شمالًا أمالت الخامة إلى
الجنوب، فصار فيئها في الجانب الجنوبي، وإذا هبت جنوبًا صار فيئها في الجانب
الشمالي.
(تَصْرَعُهَا) بفتح الراء بيان لما قبله، أي: تسقطها. قال الجزري: أي: ترميها
وتلقيها من المصارعة، وقال النووي: أي: تخفضها. (وَتَعْدِلُهَا) بفتح التاء وسكون
المهملة وكسر الدال المخففة وبضم التاء أيضًا وفتح المهملة وتشديد الدال
المكسورة أي: ترفعها وتقيمها وتسويها. (أُخْرَى) أي: تارة أخرى، وعند مسلم
في هذه الرواية: ((مَرَّةً))، قال الحافظ: وكان ذلك باختلاف الريح، فإن كانت
(١٥٥٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٦٤٣)، ومُسْلِم (٢٨١٠) في الطب عن كعب بن مَالِك.
٣٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شديدة حركتها فمالت يمينًا وشمالًا حتى تقارب السقوط، وإن كانت ساكنة أو إلى
السكون أقرب أقامتها، ووقع في رواية لمسلم: ((حتى تهيج)). قال الحافظ: أي:
حتى تستوي ويكمل نضجها.
وقال النووي: أي: تيبس. وقال الجزري: هاج النبات يهيج هيجًا، إذا أخذ في
الجفاف والاصفرار بعد الغضاضة والاخضرار. قال المهلب: ووجه التشبيه أن
المؤمن من حيث أنه جاءه أمر الله إن طاع له ورضي به، فإن وقع له خير فرح به
وشكر، وإن وقع له مكروه صبر ورجا فيه الخير والأجر، فإذا اندفع عنه اعتدل
شاكرًا، قال أبوالفرج ابن الجوزي:
والناس في ذلك على أقسام:
منهم: من ينظر إلى أجر البلاء، فيهون عليه البلاء.
ومنهم: من يرى أن هذا من تصرف المالك في ملكه فيسلم ولا يعترض.
ومنهم: من تشغله المحبة عن طلب رفع البلاء، وهذا أرفع من سابقه.
ومنهم: من يتلذذ به وهذا أرفع الأقسام، لأنه عن اختياره نشأ.
وقال الزمخشري في ((الفائق)): قوله: ((من الزرع)) صفة للخامة؛ لأن التعريف
في الخامة للجنس، و(تفيئها)) يجوز أن يكون صفة أخرى للخامة، وأن يكون حالًا
من الضمير المتحول إلى الجار والمجرور، وهذا التشبيه يجوز أن يكون تمثيليًّا،
فيتوهم للمشبه ما للمشبه به، وأن يكون معقولًا بأن تؤخذ الزبدة من المجموع.
وفيه: إشارة إلى أن المؤمن ينبغي له أن يرى نفسه في الدنيا عارية معزولة عن
استيفاء اللذات والشهوات، معروضة للحوادث والمصيبات مخلوقة للآخرة؛
لأنها جنته ودار خلوده.
(حَتَّى يَأْتِيَ) وفي بعض النسخ: ((يَأْتِيَهُ)) كما في ((صحيح مسلم)). (أَجَلُهُ) أي:
يموت. (وَمَثَّلُ الْمُنَافِقِ) وفي رواية لمسلم: ((وَمَثَلُ الْكَافِرِ))، وبهذا يظهر أن المراد
بالمنافق في رواية الكتاب نفاق الكفر. (كَمَثَلِ الأَرْزَةِ) بفتح الهمزة والزاى بينهما
راء ساكنة، هذا هو المشهور في ضبطها وهو المعروف في الروايات وكتب
الغريب. وذكر الجوهري وصاحب ((نهاية الغريب)): أنها تقال أيضًا: بفتح الراء،
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَتَوَابِ الْمَرِضِ
٣٥٩
قال في ((النهاية)): وقال بعضهم: يعني: أباعبيدة إنما هو الآرزة بالمد وكسر الراء
على وزن فاعلة، ومعناها: الثابتة في الأرض، ورده أبوعبيد بأن الرواة اتفقوا على
عدم المد، وإنما اختلفوا في سكون الراء وتحريكها والأكثر على السكون، قيل:
هي واحدة شجر الأرز وهو شجر معروف يقال له: الأرزن، يشبه شجر الصنوبر
وليس به، يكون بالشام وبلاد الأرمن وهو الشجر الذي يعمر طويلًا، ويكثر وجوده
في جبال لبنان .
وقيل: هو شجر الصنوبر والصنوبر ثمرته وهو شجر صلب شديد الثبات في
الأرض. وقيل: هو شجر الصنوبر الذكر خاصة، وقيل: هو شجر العرعر.
(الْمُجْذِيَةِ) بميم مضمومة ثم جيم ساكنة ثم ذال معجمة مكسورة ثم ياء تحتية أي :
الثابتة المنتصبة القائمة من جذا يجذو وأجذى يجذى، لغتان أي: ثبت قائمًا
والجذاة أصول الشجر العظام. (الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ) أي: من الميلان باختلاف
الرياح. وفي رواية لمسلم: ((الْمُجْذِيةُ عَلَى أَصْلِهَا لَا يُفِيتُهَا شَيْءٌ)).
(حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا) بسكون النون وکسر الجيم بعدها عين ثم ألف ثم فاء أي :
انقطاعها وانقلاعها. وقيل: انكسارها من وسطها أو أسفلها وهو مطاوع جعف
تقول: جعفته فانجعف، مثل قلعته فانقلع. (مَرَّةً وَاحِدَةً) وجه التشبيه: أن المنافق
لا يتفقده اللَّه باختياره بل يحصل له التيسير في الدنيا ليتعسر عليه الحال في المعاد
حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه، فيكون موته أشد عذابًا وعليه أكثر ألمًا في خروج
نفسه .
وقيل: المعنى: أن المؤمن يتلقى الأعراض الواقعة عليه؛ لضعف حظه من
الدنيا، فهو كأوائل الزرع شديد الميلان لضعف ساقه والمنافق بخلاف ذلك، وهذا
في الغالب من حال الاثنين.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المرضى، ومسلم في التوبة، واللفظ له،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص٣٨٦) والنسائي في ((الكبرى)).