Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ونقل البغوي عن أكثر المفسرين: أن الرعد ملك يسوق السحاب، والمسموع
تسبيحه. وقيل: البرق لمعان سوط الرعد يزجر به السحاب. وأما قول الفلاسفة:
إن الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب، البرق ما يقدح من اصطكاكها، فهو من
حرزهم وتخمينهم فلا يعول عليه، كذا في ((المرقاة)).
وقال الآلوسي: للناس في الرعد والبرق أقوال: والذي عول عليه: أن الأول
صوت زجر الملك الموكل بالسحاب، والثاني: لمعان مخاريقه التي هي من نار،
والذي اشتهر عند الحكماء: أن الشمس إذا أشرقت على الأرض اليابسة حللت منها
أجزاء نارية يخالطها أجزاء أرضية، فيركب منهما دخان ويختلط بالبخار، وهو
الحادث بسبب الحرارة السماوية، إذا أثرت في البلة، ويتصاعدان معًا إلى الطبقة
الباردة، وينعقد ثمة سحاب ويحتقن الدخان فيه، ويطلب الصعود إن بقي على طبعه
الحار، والنزول إن ثقل وبرد وكيف كان يمزق السحاب بعنفه، فيحدث منه الرعد
وقد تشتعل منه لشدة حركته ومحاكته نار لا معة، وهي البرق إن لطفت، والصاعقة
إن غلظت. وربما كان البرق سببًا للرعد، فإن الدخان المشتعل ينطفئ في
السحاب، فيسمع لانطفائه صوت، كما إذا أطفأنا النار بين أيدينا، والرعد والبرق
يكونان معًا إلا أن البرق يرى في الحال، لأن الإبصار لا يحتاج إلا إلى المحاذاة من
غير حجاب، والرعد يسمع بعد، لأن السماع إنما يحصل بوصول تموج الهواء إلى
القوة السامعة، وذلك يستدعي زمانًا، كذا قالوه، وربما يختلج في ذهنك قرب
هذا، ولا تدري ماذا تصنع بما ورد عن حضرة من أسري به ليلاً بلا رعد ولا برق
على ظهر البراق، وعرج إلى ذي المعارج فرجع، وهو أعلم خلق اللَّه على
الإطلاق، فأنا بحول الله تعالى أوفق لك بما يزيل الغين عن العين، وسر جوامع
الكلم التي أوتيها النبي ◌َّله، ثم ذكر الآلوسي توجيهًا لذلك يشبه طريق الصوفية،
من كان له ذوق بذلك، فليرجع إلى ((روح المعاني)) (ج١ ص١٧١).
. (وَالصَّوَاعِقِ) جمع صاعقة. والظاهر: أنها في الأصل صفة من الصعق وهي
الصراخ. وتاؤها للتأنيث إن قدرت صفة لمؤنث، أو للمبالغة إن لم تقدر
كـ((رواية))، أو للنقل من الوصفية إلى الاسمية كحقيقة. وقيل: إنها مصدر كالعافية
والعاقبة، وهي اسم لكل هائل مسموع أو مشاهد. والمشهور أنها الرعد الشديد
معه قطعة من نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه، وقد يكون معه جرم حجري أو

٣٢١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابْ في الرياح
حديدي، كذا قال الآلوسي. وفي ((الجلالين)): الصاعقة: شدة صوت الرعد، فهي
مأخوذة من الصعق، وهي شدة الصوت. وقيل: هي نار تخرج من السحاب فيقدر
له فعل، أي: ورأى الصواعق، فهو من باب ((علفته تبنًا وماءً باردًا)) لمجاورة
الصاعقة غالبًا صوت الرعد مسموعًا. ولعل اعتبار الجمع موافقة للآية المراد فيها
التعدد المحيط بهم زيادة للنكال، قاله القاري في ((شرح الحصن)). وقال في
((المرقاة)): و((الصَواعقَ)) بالنصب، فيكون التقدير: وأحس الصواعق من باب
((علفتها تبنًا وماءً باردًا))، أو أطلق السمع وأريد به الحس من باب إطلاق الجزء
وإرادة الكل، وفي نسخة بالجر عطفًا على الرعد، وهو إنما يصح على بعض
الأقوال في تفسير الصاعقة. قال بعضهم: هي نار تسقط من السماء في رعد شديد،
فعلى هذا لا يصح عطفه على شيء مما قبله.
وقيل: الصاعقة صيحة العذاب أيضًا وتطلق على صوت شديد غاية الشدة يسمع
من الرعد، وعلى هذا يصح عطفه على صوت الرعد أي: صوت السحاب، فالمراد
بالرعد: السحاب بقرينة إضافة الصوت إليه، أو الرعد صوت السحاب ففيه
تجريد. وقال الطيبي: هي قعقعة رعد ينقض معها قطعة من نار يقال: صعقته
الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي: مات إما لشدة الصوت، وإما بالإحراق، انتهى.
(وَعَافِنَا) أي: أمتنا بالعافية. (قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل نزول عذابك.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ ص١٠٠). (والتِّرْمِذِيُّ) في ((الدعوات))، وأخرجه أيضًا
البخاري في ((الأدب المفرد))، والدولابي في ((الكنى))، وابن السني في ((عمل اليوم
والليلة))، والحاكم في ((المستدرك)) (ج٤ ص٢٨٦) والبيهقي (ج٣ ص ٣٦٢) قال
الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال ميرك نقلا عن ((التصحيح)):
إسناده جيد وله طرق. وقال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)): ضعف النووي إسناد
الترمذي، انتھی.
قلت: حديث ابن عمر هذا قد تفرد به أبو مطر عند الجميع. وقال الحافظ في
((التقريب)): أبو مطر شيخ الحجاج بن أرطاة مجهول، وقال في ((التهذيب)) في
ترجمته: ذكره ابن حبان في ((الثقات)).

٣٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٥٣٥ - [١٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرََ
الْحَدِيثَ، وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحَ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مَنْ خِيفَتِهِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ]
الْشَّرْحُ
١٥٣٥ - قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) كذا في جميع النسخ، وهو يدل على
أن هذا الأثر موقوف على عبد الله بن الزبير. ورواية البيهقي نصٍ في ذلك حيث
رواه بسنده إلى مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، أنه
كان إذا سمع الرعد ... إلخ. وفي النسخ الهندية من ((الموطأ)): مالك عن عامر بن
عبد الله بن الزبير أنه كان ... إلخ. هكذا وقع في نسخة الزرقاني و((التنوير))
للسيوطي و(المنتقى)) للباجي، ولم يبين الزرقاني والسيوطي مرجع ضمير قوله:
((أَنَّهُ كَانَ)) وقال الباجي: قوله: ((أَنَّ ابن الزبير)) يريد عبد اللَّه كان إذا سمع الرعد ترك
الحديث ... إلخ. وهذا يدل على أن الأثر عنده موقوف على عبد الله بن الزبير،
وعليه يدل ما وقع في ((تفسير ابن كثير)) و(تحفة الذاكرين)) و((حاشية الحصن
الحصين)) وهو الظاهر عندنا، وعامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي
أبوالحارث المدني ثقة عابد تابعي، مات سنة إحدى وعشرين ومائة. (كَانَ إِذَا
سَمِعَ الرَّعْدَ) أي: صوته. (تَرََكَ الْحَدِيثَ) أي: الكلام مع الأنام. قال الباجي: يريد
والله أعلم ارتياعًا منه، وإقبالاً على ذكر اللَّه رمى، والتسبيح والإخبار، بأن الرعد
يسبح بحمده ◌ّك. ويحتمل أن يكون الرعد ملكًا يزجر السحاب، انتهى. قلت:
ويؤيد هذا ما تقدم من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((أَنَّ الرَّعْدَ مَلَ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ
مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَّارٍ)). (يُسَبِّحُ الرَّعْدُ) أي: ينزهه حال كونه متلبسًا. (بِحَمْدِهِ) له
تعالى، وقد تقدم أن الرعد ملك، فنسبة التسبيح إليه حقيقة، وهو الصحيح. وقيل:
(١٥٣٥) مَالِك (٢٦/٩٩٢/٢) عنه.

٣٢٣
باب في الرياح
كِتَابُ الصَّلاةِ
إسناده مجازي؛ لأن الرعد بمعنى: الصوت، سبب لأن يسبحِ اللَّهَ السَّامِعُ حامدًا له
خائفًا راجيًا. (وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) أي: من أجل خوف اللَّه تعالى. وقيل: من
خوف الرعد، فإنه رئيسهم. وبعده في ((الموطأ)): ثم يقول - أي: ابن الزبير: أن
هذا الوعيد لأهل الأرض شديد. وروي ابن جرير عن أبي هريرة مرفوعًا: أنه كان
إذا سمع الرعد قال: ((سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ»، وروى عن عليٍّ أنه كان إذا
سمع الرعد یقول: سبحان من سبحت له، و کذا روي عن ابن عباس وطاوس
والأسود بن يزيد أنهم كانوا يقولون كذلك، وكأنهم يذهبون إلى قوله تعالى:
﴿وَيُسَبِّعُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] وأخرج الطبراني عن ابن
عباس قال: قال رسول اللَّه وَّرَ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ الرَّعْدَ فَاذْكُرُوا اللهَ تعالى، فَإِنَّهُ لَا
يُصِيبُ ذَاكِرًا))، وفي إسناده يحيى بن أبي كثير أبو النضر وهو ضعيف.
(رَوَاهُ مَالِك) في ((الموطأ)) في باب: القول إذا سمعت الرعد من كتاب ((الجامع))
عن عامر بن عبد الله بن الزبير، أنه كان ... إلخ. وقد صحح النووي إسناده،
وأخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب المفرد))، والبيهقي (ج٣ ص ٣٦٢).

٣٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
D
٥ - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
(كِتَابُ الْجَنَائِزِ) بفتح الجيم لا غير، جمع جنازة بالفتح والكسر، والكسر
أفصح، اسم للميت في النعش، أو بالفتح اسم لذلك، وبالكسر اسم للنعش وعليه
المیت. وقيل: عکسه. وقيل: هما لغتان فیهما، فإن لم یکن عليه ميت فهو سرير
ونعش، وهي من جَنَزَهُ پِجْنِزُهُ من باب ضرب إذا ستره، ذكره ابن فارس وغيره.
أورد كتاب الجنائز بعد الصلاة كأكثر المصنفين من المحدثين والفقهاء، لأن الذي
يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك لهمه الصلاة عليه، لما فيها من فائدة
الدعاء له بالنجاة من العذاب لا سيما عذاب القبر الذي سيدفن فيه.
وقيل: لأن للإنسان حالتين: حالة الحياة وحالة الممات، ويتعلق بكل منهما
أحكام العبادات وأحكام المعاملات، وأهم العبادات الصلاة، فلما فرغوا من
أحكامها المتعلقة بالأحياء ذكروا ما يتعلق بالموتى من الصلاة وغيرها. قيل:
شرعت صلاة الجنازة بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة، فمن مات بمكة قبل
الهجرة لم يصل عليه.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
Ex
٣٢٥
١ - بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَثَابِ الْمَرِض
(بَابُ: عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ) أي: وجوبًا وثوابًا. وأصل عيادة عِوادة بالواو، فقلبت
الواو ياء لكسرة ما قبلها، يقال: عُدتُ المريض أعوده عيادًا وعيادةً وعُوادةً، إذا
زرته وسألت عن حاله. (وَثَوَابِ الْمَرِضِ) الذي يصيب الإنسان، إذا صبر عليه.
الفصل الأول
١٥٣٦ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((أَطْعِمُوا
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكِّوا الْعَانِيَ)).
الْشَّرْحُ
G O
١٥٣٦ - قوله: (أَطْعِمُوا الْجَائِعَ) ندبًا أو وجوبًا إن كان مضطرًا. قال في
((اللمعات)): هو سنة إن لم يصل حد الاضطرار، وفرض إن وصل على الكفاية إن
لم يتعين أحد، وعين إن يتعين. (وَعُودُوا) أمر من العيادة (الْمَرِيضَ) وهي سنة إن
كان له متعهد، وواجب إن لم يكن، وجزم البخاري بالوجوب لظاهر الأمر، فقد
ترجم عليه في كتاب المرضى بلفظ: باب وجوب عيادة المريض.
قال الحافظ: قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية
كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل
والألفة. وجزم الداودي بالأول فقال: هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض.
وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون
بعض. وعن الطبري تتأكد في حق من ترجى بركته، وتسن فيمن يراعي حاله،
(١٥٣٦) الْبُخَارِي (٥٦٤٩)، وَأَبُو دَاوُد (٣١٠٥)، وَالنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٨٦٦٦) عَنْهُ فِي الجِهَادِ.

٣٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وتباح فيما عدا ذلك، وفي الكافر خلاف كما سيأتي في أول الفصل الثالث. ونقل
النووي الإجماع على عدم الوجوب يعني: على الأعيان. واستدل بعموم قوله:
((عُودُوا الْمَرِيْضَ)): على مشروعية العيادة في كل مريض، واستثنى بعضهم
الأرمد؛ لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو .
وتعقب: بأنه قد يتأتى مثله في بقية الأمراض كالمغمى عليه، وقد جاء في عيادة
الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم عند أبي داود وغيره، وقد ذكره المصنف في
الفصل الثاني، وسيأتي الكلام عليه هناك مفصلًا، ويؤخذ من إطلاقه أيضًا عدم
التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه وهو قول الجمهور، وجزم الغزالي في
((الإحياء)) بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أنس الآتي في الفصل
الثالث، وهو حديث ضَعِيف جِدًّا، وسيجيء الكلام عليه هناك، وفي إطلاق
الحديث أيضًا أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها في طرفي
النهار .
ونقل ابن الصلاح عن الفراوي: أن العيادة تستحب في الشتاء ليلًا وفي الصيف
نهارًا وهو غريب ومن آدابها، أن لا يطيل الجلوس حتى يضجر المريض، أو يشق
على أهله، فإن اقتضت ذلك ضرورة، فلا بأس ويلتحق بعيادة المريض تعهده
وتفقد أحواله، والتلطف به، وربما كان ذل في العادة؛ سببًا لوجود نشاطه،
وانتعاش قوته. (وَفُكّوا) بضم الفاء وتشديد الكاف أي: خلِّصوا.
(الْعَانِيَ) بالعين المهملة والنون المكسورة المخففة، وزن القاضي أي:
الأسير، وَفَكَّه تخليصه بالفداء أي: أخلصوا الأسير المسلم في أيدي الكفار، أو
المحبوس ظلمًا بغير حق، قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه
قال الجمهور. وقال إسحاق بن راهويه: من مال بيت المال. وقيل: المعنى:
أعتقوا الأسير، أي: الرقيق، وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنى.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيّ) في الأطعمة والنكاح والأحكام والجهاد والمرضى، وأخرجه
أيضًا أحمد، وأبو داود والبيهقي (ج ٣ ص٣٧٩).

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٣٢٧
١٥٣٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِاثْنَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((حَقُّ
الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌّ : رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، وَاتِبَاعُ الْجَنَائِ،
وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ)).
[متفق عليه]
G O
الْشَّرْجُ
١٥٣٧ - قوله: (حَقُّ الْمُسْلِم عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ) أي: خصال كلهن فروض
على الكفاية، وقال القسطلاني: هذا يعم وجَوَب العين والكفاية والندب. وقال
الشوكاني: المراد بحق المسلم: أنه لا ينبغي تركه، ويكون فعله، إما واجبًا أو
مندوبًا ندبًا مؤكدًا شبيهًا بالواجب، الذي لا ينبغي تركه، ويكون استعماله في
المعنيين من باب: استعمال المشترك في معنييه، فإن الحق يستعمل في معنى
الواجب، كذا ذكره ابن الأعرابي، وكذا يستعمل في معنى الثابت، ومعنى
اللازم، ومعنى الصدق وغير ذلك، انتهى.
قلت: وفي رواية لمسلم، وكذا عند أبي داود: ((وَخَمْسٌ تَجْبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى
أَخِيهِ))، وقد تبين بهذه الرواية أن معنى الحق هنا الوجوب. قال الحافظ: والّظاهر
أن المراد به هنا وجوب الكفاية. ثم العدد قد جاء في الروايات مختلفًا، فيدل على
أنه لا عبرة لمفهوم العدد، ولا يقصد به الحصر. ويؤتى به أحيانًا على حسب ما
يليق بالمخاطب.
(رَدُّ السَّلام) أي: جوابه. وهو فرض عين من الواحد، وفرض كفاية من جماعة
يسلم عليهم. وأما السلام فسنة، فقد نقل ابن عبد البر وغيره إجماع المسلمين على
أن ابتداء السلام سنة، وأن رده فرض وصفة الرد أن يقول: وعليكم السلام، ويأتي
الكلام عليه في باب السلام من كتاب الآداب.
(وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ) أي: المضي معها، والمشي خلفها إلى حين دفنها بعد الصلاة
عليها، وهو من الواجبات على الكفاية. (وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ) بفتح الدال فيه مشروعية
(١٥٣٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٤٠)، ومُسْلِم (٢١٦٢/٤) فِي الاسْتِتْذَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْتَهُ.

٣٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إجابة الدعوة، وهذا إذا لم يكن هناك مانع شرعي أو عرفي، وهي أعم من الوليمة .
ويأتي الكلام عليها في باب: الوليمة من كتاب النكاح.
(وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) أي: جوابه: بـ((يَرْحَمَُكَ اللَّهُ))، إذا قال: الحمد لله. قال في
النهاية: التشميت بالشين المعجمة والسين المهملة الدعاء للعاطس بالخير
والبركة، والمعجمة أعلاهما. واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعاء
للعاطس بالثبات على طاعة الله، وقيل: الأصل فيه المهملة فقلبت معجمة.
وقال صاحب ((المحكم)): تشميت العاطس معناه: الدعاء له بالهداية إلى
السمت الحسن. وفيه: دليل على مشروعية تشميت العاطس. ويأتي الكلام عليه
في باب العطاس والتثاؤب من كتاب الآداب.
قال في ((شرح السنة)): هذه الخصال كلها في حق الإسلام يستوي فيها جميع
المسلمين، برهم وفاجرهم، غير أن يخص البر بالبشاشة والمسألة والمصافحة
دون الفاجر المظهر لفجوره.
قال المظهر: إذا دعا المسلم المسلم إلى الضيافة والمعاونة يجب عليه طاعته،
إذا لم يكن ثمة ما يتضرر به في دينه من الملاهي، ومفارش الحرير، ورد السلام،
واتباع الجنائز فرض على الكفاية. وأما تشميت العاطس إذا حمد الله، وعيادة
المريض فسنة، إذا كان له متعهد، وإلا فواجب. ويجوز أن يعطف السنة على
الواجب، إن دل عليه القرينة كما يقال: صم رمضان وستة من شوال، ذكره
الطيبي .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجنائز ومسلم في كتاب الآداب، وأخرجه
أيضًا أبو داود في ((الأدب)) والنسائي في ((اليوم والليلة))، وأخرجه ابن ماجه في
الجنائز بغير هذا السياق.

٣٢٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
١٥٣٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،وَلِهِ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى
الْمُسْلِمِ سِتٌّ)). قَيْل: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا
دَعَالَكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا أَسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا
مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٥٣٨ - قوله: (حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ) من الخصال. ومفهوم العدد
لا يفيد الحصر، فللمسلم حقوقَ أخر. (إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلَّمْ عَلَيْهِ) ندبًا. ويلزمه رد
السلام، واكتفى بذكره في الحديث الأول. (وَإِذَا دَعَاكَ) أي: للإعانة أو الدعوة.
(فَأَجِبْهُ) وجوبًا إن كانت للإعانة، أو وليمة العرس، وندبًا إن كانت لغيرها. (وَإِذَا
اسْتَنْصَحَك) أي: طلب منك النصيحة.
(فَانْصَحْ لَهُ) وجوبًا، وكذا يجب النصح وإن لم يستنصحه. وقال في
((اللمعات)): هي سنة، وعند الاستنصاح واجبة، والنصيحة إرادة الخير للمنصوح
له. وقال الراغب: النصح تحري قول أو فعل فيه إصلاح صاحبه. وفي رواية
الترمذي والنسائي: وينصح له إذا غاب أو شهد أي: يريد له الخير في جميع
أحواله، وهو المراد بقوله: إذا غاب أو شهد؛ إذ الأحوال لا تخلوا عن غيبة
وحضور. والمقصود: أنه لا يقصر النصح على الحضور كحال من يراعي الوجه،
بل ينصح لأجل الإيمان، فيسوى بين السر والإعلان.
(وَإِذَا عَطَسَ) بفتح الطاء ويكسر. (فَحَمِدَ اللَّهَ) فيه: أنه لا يشرع تشميت
. العاطس، إذا لم يحمد الله، فالمطلق في الحديث المتقدم محمول على هذا
المقيد. (فَشَمِّتْهُ) أي: قل له: يرحمك الله. (وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ) أمر من العيادة أي:
زره واسأل عن حاله. (وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ) حتى تصلي ويدفن. قال السيد: هذا
الحديث لا يناقض الأول في العدد، فإن هذا زائد، والزيادة مقبولة، والظاهر: أن
(١٥٣٨) مُسْلِم (٢١٦٢/٥) عَنْهُ.

٣٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الخمس مقدم في الصدور، قال: والأمر للتسليم، والعيادة للندب والاستحباب،
ولاِم فانصح له زائدة، ولو لم يحمد الله لم يستحب التشميت، ولذلك قال: فحمد
اللَّه فشمته، كذا قاله في الأزهار.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الآداب، وأخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب المفرد))، وأخرجه
الترمذي في ((الآداب))، والنسائي في ((الجنائز)) بلفظ: ((لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُ
خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ ، وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُسَلَّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ،
وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ))، وفي الباب عن علي عند أحمد
والترمذي وابن ماجه وأبي مسعود عند أحمد وابن ماجه.
١٥٣٩ - [٤] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ بِسَبْعِ،
وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتُبَّاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِّ،
وَرَدِّ السَّلَامِ، وَّإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمَ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ. ونَهَانَا عَنْ:
خَاتَمِ الذَّهَبِ، وَعَنِ الْحَرِيرِ، وَالْإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيْبَاجِ، وَالْمِيثَّرَةِ الْحَمْرَاءِ،
وَالْقَسِّيِّ، وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ.
- وَفِي رِوَايَةٍ : وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ
يَشْرَبْ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ(*).
[متفق عليه]
الْشَّرْحُ
١٥٣٩ - قوله: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَلّهِ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْع) بحذف مميز
العدد في الموضعين أي: خصال. (وَرَدِّ السَّلَام) وَّفي رواية مسلم،ً وكذا في رواية
البخاري: ((وَإِفْشَاءِ السَّلام))، وهو يحتمل الإبتداء بالسلام ورده. (وَإِبْرَارَ الْمُقْسِم)
بكسر همزة إبرار إفعال من البر خلاف الحنث، والمقسم بضم الميم وسكون
(١٥٣٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٢٣٩)، ومُسْلِم (٣/ ٢٠٦٦) عَنْهُ، والنَّسَائِي (٤/ ٥٤) والبُخَارِي في
مَواضِعَ مِنْهَا فِي الجَنَائِزِ (١٢٣٩)، وفِي الأَطْعِمَةِ (٥٦٣٥)، والتِّرْمِذِي (١٧٦٠) فِي الاسْتِثْذَانِ،
وَفِي الكفارات (٢٨٠٩).
(*) مُسْلِم (٢٠٦٦/٣) كَذَلِكَ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٣٣١
القاف وكسر السين، اسم فاعل من الأقسام أي: تصديق من أقسم عليه، وهو أن
يفعل ما سأله الملتمس وأقسم عليه أن يفعله، يقال: بر وأبر القسم إذا صدقه.
وقال الطيبي: المراد من المقسم: الحالف، وإبراره جعله بارًّا صادقًا في يمينه،
أو جعل يمينه صادقه. والمعنى: أنه لو حلف أحد على أمر مستقبل، وأنت تقدر
على تصديق يمينه ولم يكن فيه معصية، كما لو أقسم أن لا يفارقك حتى تفعل كذا،
وأنت تستطيع فعله، فافعل كيلا يحنث، انتهى. وفي رواية القسم بفتحات. قال
السندي: إبرار القسم جعل الحالف بارًّا في حلفه، إذا أمكن كما إذا حلف واللَّه
زيد يدخل الدار اليوم، فإذا علم به زيد وهو قادر عليه ولا مانع منه ينبغي له أن
يدخل؛ لئلا يحنث القائل، انتهى.
قال القسطلاني: وهو خاص فيما يحمل من مكارم الأخلاق، فإن ترتب على
تركه مصلحة فلا، ولذا قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكر في قصة تعبير الرؤيا:
(لَا تُقْسِمْ)) حين قال: أقسمت عليك يا رسول اللَّه لتخبرني بالذي أصبت، انتهى.
وقال النووي: إبرار القسم سنة مستحبة متأكدة، وإنما يندب إليه، إذا لم يكن فيه
مفسدة، أو خوف وضرر أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لم يبر قسمه، كما
ثبت أنه رَّ قال لأبي بكر في قصة تعبير الرؤيا: ((لَا تُقْسِمْ)) ولم يخبر.
وفي رواية لمسلم: (وَإِنْشَادِ الضَّوَالِّ)) مكان قوله: ((وَإِبْرَارَ الْمُقْسِم))،
والضوال: جمع الضالة، وهي الضائعة، وإنشادها تعريفها طريقها، أو تعريف
صاحبها بها. (وَنَصْرِ الْمَظْلُوم) مسلمًا كان أو ذميًّا بالقول أو بالفعل. قال في ((شرح
السنة)): هو واجب يدخل فيه المسلم والذمي، وقد يكون ذلك بالقول، وقد يكون
بالفعل وبكف الظالم عن الظلم، انتهى.
وقال النووي: نصر المظلوم من فروض الكفاية، وهو من جملة الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما يتوجه الأمر به على من قدر عليه ولم يخف
ضررًا. (وَنَهَانَا عَنْ خَاتَم الذَّهَبِ) بفتح التاء ويكسر أي: عن لبسة للرجال. (وَعَنِ
الْحَرِيرِ) أي: لبس الثوبَ المنسوج من الأبريسم للرجال. (وَالِإِسْتَبْرَقِ) بهمزة قطع
مكسورة، وهو الديباج الغليظ على الأشهر، وقيل: الرقيق، وهو تعريب استبرك.

٣٣٢
se
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَالدِّيَاج) بكسر الدال وتفتح، عجمي معرب الديبا، جمعه دبابيج ودباییج
بالباء وبالیاءَ، لأن أصله دباج.
وقيل: جمعه ديابيج، وهو الثوب الذي سداه ولحمته حرير، يعني: الثوب
المتخذ من الأبريسم. وذكر الإستبرق والديباج بعد الحرير مع تناوله لهما من باب
ذكر الخاص بعد العام؛ اهتمامًا بحكمهما، أو دفعًا لتوهم أن اختصاصهما باسم
يخرجهما عن حكم العام، أو أن العرف فرق أسماءها؛ لاختلاف مسمياتهما، فربما
توهم متوهم أنهما غير الحرير. وقال القاري: الديباج هو الرقيق. وقيل: الحرير
المركب من الأبريسم وغيره مع غلبة الأبريسم، والمراد بها: الأنواع والتفصيل؛
لتأكيد التحریم.
(وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ) بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المثلثة بلا همز، فهي
مفعلة من الوثار، يقال: وثر يوثر بضم الثاء فيهما وثارة بفتح الواو فهو وثير أي:
وطيء لين وأصلها مٍوثرة، فقلبت الواو الكسرة الميم، جمعها مواثر ومياثر، وهي
من مراكب العجم تعمل من حرير، أو ديباج وتتخذ كالفراش الصغير، وتحشى
بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته على الرحال والسروج، كذا في ((النهاية)).
وقيل: هي وطاء كانت النساء يصنعنه لأزواجهن على السروج، وكان من مراكب
العجم، وتكون من الحرير، وتكون من الصوف وغير ذلك. وقيل: أغشية
للسروج تتخذ من الحرير. وقيل: هي سروج من الديباج.
قال الطيبي: وصفها بالحمراء؛ لأنها كانت الأغلب في مراكب الأعاجم
يتخذونها رعونة، انتهى. والميثرة إن كانت من الحرير، كما هو الغالب فيما كان
من عادتهم، فهي حرام؛ لأنه جلوس على الحرير، واستعمال له وهو حرام على
الرجال، سواء كان على رحل أو سرج أو غيرهما، وإن كانت ميثرة من غير
الحرير، فليست بحرام، ويكون النهي فيها للزجر عن التشبه بالأعاجم، أو
للسرف، أو التزين لا للحمرة، لأن الثوب الأحمر لا كراهة فيه وقد ثبتت
الأحاديث الصحيحة، أن النبي ◌َّ لبس حلة حمراء، وبحسب ذلك تفصيل النهي
بين التحريم والتنزيه .

٣٣٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابٍ الْمَرِضِ
(وَالْقَسِّيِّ) بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، فسرت في كتاب اللباس
من ((صحيح البخاري))، بأنها ثياب يؤتى بها من الشام أو مصر، مضلعة فيها حرير
فيها أمثال الأترج. وقال الجزري: هو ثياب منسوجة من كتان مخلوط بحرير يؤتى
بها من مصر، نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريبًا من تنيس يقال لها: القس
بفتح القاف، وبعض أهل الحديث يكسرها. وقيل: أصل الْقَسِّ: القزى بالزاي،
منسوب إلى القز، وهو ضرب من الأبريسم. وقيل: هو ردي الحرير فأبدلت الزاي
سینًا .
قال العيني: القس والتنيس وفرما كانت مُدُنًّا على ساحل بحر دمياط، غلب
عليها البحر فاندثرت، فكانت يخرج منها ثياب مفتخرة، ويتاجر بها في البلاد،
انتهى، وهذا القسي إن كان من حرير، أو كان حريره أكثر من الكتان، فالنهي عنه
للتحريم وإلا فلكراهة التنزيه. قال ميرك: فإن قلت: ما الفرق بين هذه الأربعة؟
قلت: الحرير اسم عام، والديباج نوع منه، والاستبرق نوع من الديباج، والقسي
ما يخالطه الحرير أو ردى الحرير، وفائدة ذكر الخاص بعد العام: بيان الاهتمام
بحكمه ودفع توهم أن تخصيصه باسم مستقل ينافي دخوله تحت الحكم العام
والإشعار، بأن هذه الثلاثة غير الحرير نظرًا إلى العرف، وكونها ذوات أسماء
مختلفة مقتضية لاختلاف مسمياتها .
(وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ) والذهب أولى مع أنه صرح به في حديث آخر، وهي حرام على
العموم للسرف والخيلاء، قال الخطابي: وهذه الخصال مختلفة المراتب في حكم
العموم والخصوص والوجوب، فتحريم خاتم الذهب وما ذكر معه من لبس
الحرير والديباج خاص للرجال، وتحريم آنية الفضة عام للرجال والنساء؛ لأنه من
باب السرف والمخيلة. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: لمسلم. (وَعَنِ الشَّرْبِ) بضم الشين وفي
معناه الأكل. (فِي الْفِضَّةِ) والذهب بالطريق الأولى. (فَإِنَّه) أي: الشأن .
(مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا) أي: ثم مات ولم يتب. (لَمْ يَشْرَبْ فِيْهَا فِي الْآخِرَةِ)
قال المظهر: أي: من اعتقد حلها ومات عليه، فإنه كافر، وحكم من لم يعتقد ذلك
خلاف ذلك، فإنه ذنب صغير غلظ وشدد للرد والارتداع، انتهى. قال الطيبي:
قوله: (لَمْ يَشْرَبْ فِيْهَا) كناية تلويحية عن كونه جهنميًّا، فإن الشرب من أواني

٣٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفضة من دأب أهل الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿قَوَارِيِرَاً مِن فِضَّةٍ﴾ [الدهر: ١٦] فمن لم يكن هذا
دأبه لم يكن من أهل الجنة، فيكون جهنميًّا فهو كقوله: ((إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ
جَهَنَّمَ))، انتهى. وقيل: الأولى أن يقال: إنه لم يشرب فيها في الجنة، وإن دخلها
فيحرم من الشرب فيها في الجنة لشربه فيها في الدنيا، وظاهر الحديث: تأييد
التحريم، فإن دخل الجنة شرب في جميع أوانيها إلا في آنية الفضة والذهب، ومع
ذلك لا يتألم؛ لعدم الشرب فيها، ولا يحسد من يشرب فيها، ویکون حاله كحال
أصحاب المنازل في الخفض والرفعة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجنائز، والمظالم، والنكاح، والأشربة،
والمرضى، واللباس، والأدب، والاستيذان والنذور، ومسلم في اللباس، واللفظ
للبخاري، وأخرجه أيضًا الترمذي في الاستيذان والأدب مطولًا، وفي اللباس
مختصرًا، والنسائي في الجنائز والإِيمان والنذور والزينة وابن ماجه في الكفارات
واللباس مختصرًا، ثم قوله: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) يشعر بأن قوله: (وَعَنِ الشَّرْبِ فِي
الْفِضَّةِ ... )، إلخ. اتفق الشيخان على إخراجه والأمر ليس كذلك، فإنه قد تفرد
مسلم به ولم يخرجه البخاري .
١٥٤٠ - [٥] وَعَنْ ثَوْبَان قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا
عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَرْجُ
١٥٤٠ - قوله: (إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) أي: زاره في مرضه. (لَمْ
يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ) بضم المعجمة وسكون الراء وفتح الفاء بعدها هاء هي الثمرة
إذا نضجت، وقيل: ما يخترف ويجتنى من ثمار النخل إذا أدركت أي: لم يزل في
التقاط فواكه الجنة، واختراف مجتناها أو لم يزل في مواضع خرفتها أي: في
بساتينها شبه # ما يحوزه ويحرزہ عائد المريض من الثواب بما يحرزه المجتنى،
والمخترف من الثمر، وقيل: المراد بها هنا: الطريق، والمعنى أن العائد يمشي في
(١٥٤٠) مُسْلِم (٤١ /٢٥٦٨) فِي الأَدَبِ، والتِّرْمِذِي (٩٦٧) فِ الجَنَائِزِ عَنْ ثَوْبَانَ .

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَاب الْمَرض
٣٣٥
BASE
طريق تؤديه إلى الجنة. قال الحافظ في ((الفتح)): والتفسير الأول أولى، فقد أخرجه
البخاري في الأدب المفرد من هذا الوجه، وفيه: قلت لأبي قلابة: ما خرفة الجنة؟
قال: ((جَنَاهَا))، وهو عند مسلم من جملة المرفوع، انتهى. وفي رواية لمسلم:
((عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ)) بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة
ساكنة، أي: في بستانها. قال الشوكاني: بالخاء المعجمة على زنة مرحلة، وهي
البستان، ويطلق على طريق اللاحب، أي: الواضح أي: عائد المريض في بساتين
الجنة وثمارها. (حَتَّى يَرْجِعَ) أي: الثواب حاصل للعائد من حين يذهب للعيادة
حتى يرجع إلى محله، ويعلم منه أن من كان طريقه أطول كان أكثر ثوابًا، وليس
المراد المكث الكثير عند المريض لما علم أنه يطلب التخفيف في المكث عنده.
(رَوَاهُ مُسْلِم) في البر والصلة والأدب، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في
الجنائز، والبخاري في ((الأدب المفرد)) والبيهقي (ج ٣ ص ٣٨٠) وابن أبي شيبة.
١٥٤١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ
تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا بْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ
أَعُودَُ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَّا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ
تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا بْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ
تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ
أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ
ذَلِكَ عِنْدِي يَا بْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيَكَ وَأَنْتَ
رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ
وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٥٤١ - قوله: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) على لسان ملك أو بلا واسطة
بلسان القال معاتبًا لابن آدم بما قصر في حق أوليائه. (يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي)
(١٥٤١) مُسْلِم (٢٥٦٩/٤٣) في الأدبِ.

٣٣٦
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بفتح المثناة الفوقية وضم العين وسكون الدال أي: مرض عبدي الكامل الشديد
القرب مِنِّي قرب مكانة؛ إذ إسناد وصف العبد له تعالى دليل على ذلك، قاله
الحفني، وقال القاري: أراد مرض عبده، وإنما أضاف إلى نفسه تشريفًا لذلك
العبد، فنزله منزلة ذاته، والحاصل: أن من عاد مريضًا لله تعالى فكأنه زار الله،
انتھی .
وقال النووي: قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى، والمراد:
العبد تشريفًا للعبد وتقريبًا له، (كَيْفَ أَعُودُكَ) أي: كيف تمرض حتى أعودك؟
(وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) والربُّ: المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والمنعم،
وهذه الأوصاف تنافي المرض والنقصان والاحتياج والهلاك. قال القاري: حال
مقررة لجهة الإشكال الذي يتضمنه كيف أي: المرض إنما يكون للمريض العاجز،
وأنت القاهر القوي المالك، فإن قيل: إن الظاهر أن يقال: كيف تمرض مكان
((كيف أعودك؟)) قلنا: عدل عنه معتذرًا إلى ما عوتب عليه وهو مستلزم لنفي
المرض. (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ) أي: لوجدت رضائي وثوابي
وكرامتي. ويدل على هذا المعنى: قوله تعالى في تمام الحديث: (لَوْ أَطْعَمْتَهُ
لَوَ جَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) أي: ثوابه، قال الطيبي: في العبارة إشارة إلى أن العيادة أكثر
ثوابًا من الإطعام والإِسقاء الآتيين، حيث خص الأول بقوله: ((لوجدتني عنده))،
فإن فيه إيماء إلى أن اللَّه تعالى أقرب إلى المنكسر المسكين، انتهى. (اسْتَطْعَمْتُكَ)
أي: طلبت منك الطعام. (كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟) أي: والحال أنك
تطعم ولا تطعم. (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ) أي: الشأن؟ (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ
ذَلِكَ) أي: ثواب إطعامه. (اسْتَسْقَيْتُكَ) أي: طلبتِ منك الماء. (فَلَمْ تَسْقِنِي) بالفتح
والضم في أوله. (كَيْفَ أَسْقِيكَ) بالوجهين، (وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟) أي: مربيهم
غير محتاج إلى شيء من الأشياء، فضلًا عن الطعام والماء. (لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ) بلا
لام هنا إشارة على جواز حذفها لكن وقع في ((صحيح مسلم)) باللام كأخواته، وكذا
نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ١٠ : ص ٣٥٠).
(ذَلِكَ عِنْدِي) فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وفي الحديث: بيان أن اللَّه
تعالى عالم بالكائنات يستوي في علمه الجزئيات والكليات، وأنه مبتل عباده بما
شاء من أنواع الرياضات؛ ليكون كفارة للذنوب، ورفعًا للدرجات العاليات. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) في البر والصلة والأدب.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٣٣٧
BASE
١٥٤٢ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيِّ يَعُودُهُ،
وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودَهُ قَالَّ: (لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) فَقَالَ لَهُ:
(لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)). قَالَ: كَلَّا بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخِ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ
الْقُبُورَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: «فَنَعَمْ إِذَنْ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشِّرْجُ
١٥٤٢ - قوله: (أَنَّ النَِّيَّ ◌ََّهِ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٌّ) بفتح الهمزة أي: واحد من
سكان البادية، قيل: اسمه قيس بن أبي حازم، كما في ((ربيع الأبرار)) للزمخشري،
فقال في باب الأمراض والعلل: دخل النبي ◌َّل على قيس بن أبي حازم يعوده،
فذكر القصة .
قال الحافظ: إن كان هذا محفوظًا فهو غير قيس بن أبي حازم أحد
المخضرمين، لأن صاحب القصة مات في زمن النبي ◌ِّ، وقيس لم ير النبي ◌َّه
في حال إسلامه، فلا صحبة له، ولكن أسلم في حياته ولأبيه صحبة، عاش بعده
دهرًا طويلًا. (يَعُودُهُ) جملة حالية، قال ابن عباس. (وَكَانَ) النَّبِيُّ ◌َةِ، (إِذَا دَخَلَ
عَلَى مَرِيضٍ) حال كونه. (يَعُودُهُ قَالَ) له. (لَا بَأْسَ) أي: لا مشقة، ولا تعب عليك
من هذا المرض بالحقيقة. قال الحافظ: أي: إن المرض يكفر الخطايا، فإن
حصلت العافية فقد حصلت الفائدتان، وإلا حصل ربح التكفير. (طَهُورٌ) خبر مبتدأ
محذوف أي: هو طهور لك من ذنوبك أي: مطهرة. (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) يدل على أن
قوله: (طَهُورٌ) دعاء لا خبر. (فَقَالَ) أي: النَّبِيُّ ◌َلـ (لَهُ) أي: للأعرابي. (لَا بَأْسَ)
عليك هو. (طَهُورٌ) لك من ذنوبك أي: مطهر لك. (قَالَ) أي: الأعرابي مخاطبًا
للنبي وَلّهِ أقلت: طهور؟ (كَلَّا) أي: ليس بطهور، وقال القاري: أي: ليس الأمر
كما قلت أو لا تقل هذا، فإن قوله: (كَلَّا) محتمل للكفر وعدمه، ويؤيده كونه
أعرابيًّا جلفًّا، فلم يقصد حقيقة الرد والتكذيب، ولا بلغ حد اليأس والقنوط. (بَلْ
(١٥٤٢) البُخَارِي (٥٦٦٢)، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٨٧٨) فِي الطِّبِّ عَنْهُ.

٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حُمَّى) وفي البخاري: بل هي حمى، وهكذا نقله الجزري (ج ٧: ص٤٠٣). (تَفُورُ)
بالفاء أي: يظهر حرها ووهجها وغليانها .
(عَلَى شَيْخِ كَبِيرٍ) أي: تغلي في بدنه كغلي القدور. (تُزِيرُهُ) بضم الفوقية وكسر
الزاي من أزاره إذاً حمله على الزيارة. (الْقُبُورَ) نصب مفعول ثان، والهاء في تزيره
أول والمعنى تبعثه إلى القبور. (فَنَعَمْ) بفتح العين. (إِذَا) بالتنوين، وفي بعض
النسخ: ((إِذَنْ)) كما في البخاري في باب: عيادة الأعراب. قال القسطلاني: الفاء
مرتبة على محذوف و((إذا)) جواب وجزاء. و((نعم)) تقرير لما قال الأعرابي أي: إذا
أبيت فنعم أي: كان كما ظننت.
وقال الطيبي: يعني: أرشدتِك بقولي: ((لَا بَأَسَ عَلَيْكَ)) إلى أن الحمى تطهرك
من ذنوبك، فاصبر واشكر اللَّه عليها، فأبيت إلا اليأس والكفران، فكان كما
زعمت، وما اكتفيت بذلك بل رددت نعمة الله وأنت مسجع به، قاله غضبًا عليه،
انتھی .
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون ذلك دعاء عليه، ويحتمل أن يكون خبرًا عما
يؤول إليه أمره. وقال غيره: يحتمل أن يكون النبي وَلّ علم أنه سيموت من ذلك
المرض، فدعا له بأن تكون الحمى له طهرة لذنوبه فأصبح ميتًا، ويحتمل أن يكون
أعلم بذلك لما أجابه الأعرابي بما أجابه، وزاد الطبراني من حديث شرحبيل والد
عبد الرحمن، أن النَّبِيَّ رَّةٍ قال للأعرابي: ((إِذَا أَبِيْتَ فَهِيَ كَمَا تَقُولُ: قَضَاءُ اللهِ
كَائِنٌ)) فَمَا أَمْسَى مِنَ الْغَدِّ إِلَّا مَيِّتًا، وأخرجه الدولابي في ((الكنى)) وابن السكن في
((الصحابة))، ولفظه: فقال النبي وَالَ: ((مَا قَضَى اللهُ فَهُو كَائِنٌ)) فأصبح الأعرابي
ميتًا .
وفائدة الحديث: أنه لا نقص على الإمام في عيادة مريض من رعيته، ولو كان
أعرابيًّا جافيًا، ولا على العالم في عيادة الجاهل؛ ليعلمه ويذكره بما ينفعه، ويأمره
بالصبر؛ لئلا يتسخط قدر الله فيسخط عليه ويسليه عن ألمه، بل يغبطه بسقمه إلى
غير ذلك من جبر خاطره، وخاطر أهله، وفيه: أنه ينبغي للمريض أن يتلقى موعظة
العائد بالقبول، ويحسن جواب من يذكره بذلك.
(رَوَاهُ البُخَارِيّ) في علامات النبوة والمرضى والتوحيد. وأخرجه أيضًا النسائي
في ((اليوم والليلة))، والبيهقي (ج٣: ص ٣٨٢ - ٣٨٣).

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٣٣٩
١٥٤٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا
إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفٍ أَنْتَ الشَّافِي،
لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُلَكَ، شِفَاءَ لَا يُغَادِرُ سَقَمًا)).
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٥٤٣- قوله: (إِذَا اشْتَكَى) أي: مرض، (مَسَحَهُ) أي: النبي ◌َُّ ذلك
المريض، وقيل: موضع الوجع تفاؤلًا لزوال ذلك الوجع. (بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ) أي :
داعيًا. (أَذْهِبِ الْبَاسَ) أي: أزل شدة المرض، و((الباس)) بغير همز للمواخاة
والازدواج، فإن أصله الهمزة، وقيل: سهلت الهمزة بقلبها ألفًا لانفتاح ما قبلها،
وهي لغة لقريش، (رَبَّ النَّاسِ) نصبًا بحذف حرف النداء.
(وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي) وفي رواية البخاري: ((وَاشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي))، قال
الحافظ: في رواية الكشمهيني بحذف الواو، والضمير في ((اشفه)) للعليل، أو هي
هاء السكت، ويؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن
بشرطين: أحدهما: أن لا يكون في ذلك ما يوهم نقصًا، والثاني: أن يكون
له أصل في القرآن، وهذا من ذاك، فإن في القرآن: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
[الشعراء: ٨٠]. (لَا شِفَاءَ) بالمد مبنى على الفتح والخبر محذوف، والتقدير:
(٨٠
حاصل لنا أو للمريض.
(إِلَّا شِفَاؤُكَ) بالرفع على أنه بدل من موضع لا شفاء، وفي حديث أنس عند
البخاري لا شافي إلا أنت، وفيه: إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي لا
ينجع، إن لم يصادف تقدير اللَّه تعالى. وقال الطيبي: قوله: (لَا شِفَاءَ) خرج مخرج
الحصر؛ تأكيدًا لقوله: ((أنت الشافي))، لأن خبر المبتدأ إذا كان معرفًا باللام أفاد
الحصر؛ لأن تدبير الطبيب ونفع الدواء لا ينجع في المريض، إذا لم يقدر الله
(١٥٤٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٦٧٥)، ومُسْلِم (٤٦/ ٢١٩١) فِي الطِّبِّ عَنْهَا، والنَّسَائِي في الكبرى
(١٠٨٤٨)، وابن مَاجَهْ (١٦١٩).