Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٣ - بَابُ فِي الرِّيَاحِ
(بَابٌ فِي الرِّيَاح) وفي بعض النسخ: ((بابُ الرياح)) - بالإضافة - وفي بعضها:
((بابٌ)) من غير ترَجمة، وهو بالسكون على الوقف أو بالرفع منونًا على أنه خبر
مبتدأ محذوف، وعلى النسختين الأوليين ما ذكر فيه مع الرياح وقع بطريق التبع،
فلذا لم يتعرض له بالترجمة، ووجه ذكر ترجمة الرياح عقب باب الاستسقاء: أن
المطلوب بالاستسقاء نزول المطر، والريح في الغالب تَعْقُبُهُ.
الفصل الأول
١٥٢٤ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قال النَّبِىُّ وَلِّهِ: («نُصِرْتُ بِالصَّبَا،
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] {صحيح}
وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)).
الْشَّرْجُ
١٥٢٤ - قوله: (نُصِرْتُ) بضم النون. (بِالصَّبَا) بفتح المهملة وتخفيف
الموحدة مقصورة هي الريح الشرقية. (وَأَهْلِكَتْ) بضم الهمزة وكسر اللام. (عَادٌ)
قوم هود. (بِالدَّبُورِ) بفتح الدال وتخفيف الموحدة المضمومة، هي الريح الغربية.
قال الطيبي: الصَّبًا: الريح التي تجيء من قبل ظهرك إذا استقبلت القبلة، ويقال
لها: القبول بفتح القاف؛ لأنها تقابل باب الكعبة؛ إذ مهبها من مشرق الشمس
ومطلعها، والدبور هي التي تجيء من قبل وجهك، إذا استقبلت القبلة أيضًا، فهي
تأتي من دبرها ومهبها من مغرب الشمس، قيل: هذا في ديار خراسان وما وراء
النهر، وما في حكمهما من الأماكن التي قبلتها السمت الغربي دون الروم
والعرب .
(١٥٢٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٠٣٥) فِي بدْءِ الخَلْقِ، ومُسْلِم (١٧/ ٩٠٠) في الاستسقاء.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
باب في الرياح
٣٠١
وقال ابن الأعرابي: الصبا مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش، والدبور من
مسقط النسر الطائر إلى سهيل، وفرق بين تفسير الطيبي وتفسير ابن الأعرابي: فإن
الأول يشمل سعة المشرق والمغرب كلها، والثاني الناحية منها، قيل: إن الصبا
هي التي حملت ريح يوسف عليَّا إلى يعقوب قَبْلَ البشير إليه، فإليها يستريح كل
مخزون، والدبور هي الريح العقيم، ونُصْرَتُهُ وَ ل# بالصبا كانت يوم الخندق، الذي
يقال له: غزوة الأحزاب، وكانوا زهاء اثني عشر ألفًا أو أكثر حين حاصروا
المدينة، فأرسل الله عليهم ريح الصبا باردة في ليالي شاتية شديدة البرد، فسفت
التراب والحصى في وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقطعت خيامهم، فانهزموا من
غير قتال: ﴿إِذْ جَآءَ تَكُمْ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَا﴾، الآية [الأحزاب: ٩]. ومع
ذلك فلم يهلك منهم أحد، ولم يتأصلهم لما علم الله من رأفة نبيه عليه الصلاة
والسلام بقومه؛ رجاء أن يسلموا، وأما عاد: فإنه ابن عوص بن أرم بن سام بن نوح
تُالََّ، فتفرعت أولاده، فكانوا ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الأحقاف وبلادها، وكانت
ديارهم بالدهناء وعالج وبثرين ودبار وعمان إلى حضر موت، وكانت أخصب
البلاد وأكثرها جنانًا، فلما سخط الله عليهم جعلها مفاوز، فأرسل الله عليهم
الدبور فأهلكتهم، وكانت عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسومًا، أي: متتابعة،
ابتدأت غدوة الأربعاء، وسكنت في آخر الثامن، واعتزل هو ونبي اللَّه ◌َلَّلا ومن
معه من المؤمنين .
قيل: وكانوا أربعة آلاف في حظيرة لا يصيبهم منها إلا ما يلين الجلود وتلذ
الأعين، وكانت الريح تقلع الشجر وتهدم البيوت، ومن لم يكن في بيته منهم
أهلكته في البراري والجبال، وكان ترفع الظعينة بين السماء والأرض حتى ترى
كأنها جرادة وترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم، قيل: كان طول أحدهم اثني عشرة
ذراعًا، وقيل: كان أكثر من عشرة. وقيل غير ذلك.
وفي التفسير: أن الريح كانت تحمل الرجل فترفعه في الهواء، ثم تلقيه فتشدخ
رأسه فيبقى جثة بلا رأس، فذلك قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، وروى ابن
أبي حاتم من حديث ابن عمر والطبراني من حديث ابن عباس رفعاه «ما فتح الله
على عاد من الريح إلا موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم
وأموالهم بين السماء والأرض، فرآهم الحاضرة، فقالوا: هذا عارض ممطرنا،

٣٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فألقتهم عليهم فهلكوا جميعًا)) والحديث قد استنبط منه ابن بطال: تفضيل بعض
المخلوقات على بعض، يعني: أن المقصود منه: تفضيل الصبا على الدبور من
جهة إضافة النصر للصبا، والإهلاك للدبور. وتعقب: بأن كل واحدة منهما أهلكت
أعداء الله، ونصرت أنبياءه وأولياءه، وقيل المقصود بيان أن الأشياء والعناصر
مُسَخَّرَةٌ تحت أمر الله تعالى وإرادته، ردًّا على الطبيعيين والحكماء المتفلسفين،
فالريح مأمورة تجيء تارة بأمره تعالى لنصرة قوم، وتارة لإهلاك قوم، وفيه أيضًا:
إخبار المرء عن نفسه بما فضله الله تعالى به على سبيل تحديث النعمة لا على
الفخر، ومن الرياح الجنوب، وهي التي مهبها من جهة يمين القبلة والشمال، وهي
التي تهب من جهة شمالها، فهذه الأربع تهب من الجهات الأربع ولكل من الأربعة
طبع؛ فالصبا حارة يابسة، والدبور باردة رطبة، والجنوب حارة رطبة، والشمال
باردة يابسة وهي ريح الجنة التي تهب عليهم، كما في ((صحيح مسلم)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الاستسقاء وبدء الخلق والأنبياء والمغازي
ومسلم في الاستسقاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢٢، ٢٢٨، ٣٢٤، ٣٤١،
٣٥٥، ٣٧٣) والنسائي في التفسير من ((السنن الكبرى)) والبيهقي (ج ٣: ص ٣٦٤).
١٥٢٥ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ ضَاحِكًا
حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ؛ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، فَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمَا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي
وَجْهِهِ .
[متفق عليه]
الْشَّرْحُ
١٥٢٥ - قوله: (ضَاحِكًا) حال، أو مفعول ثان، وفي رواية للشيخين:
(مستجمعًا ضاحكًا)).
قال الحافظ في رواية الكشمهيني: ((مستجمعًا ضحكًا))، أي: مبالغًا في الضحك
لم يترك منه شيئًا، يقال: استجمع السيل اجتمع من كل موضع، واستجمعت للمرأ
(١٥٢٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي ٤٨٢٨، مُسْلِم (١٦ / ٨٩٩) فِي الاسْتِسْقَاءِ عَنْهَا، وأَبُو دَاوُد (٥٠٩٨).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
باب في الرياح
٣٠٣
أموره اجتمع له ما يحبه، فعلى هذا قوله: ضاحكًا منصوب على التمييز، وإن كان
مشتقًّا مثل لله دره فارسًا، أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك، بحيث
يضحك ضحكًا تامًا مقبلاً بكليته على الضحك. (حَتَّى أَرَى) أي: أبصر.
(مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بفتح اللام والهاء جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى
الحنك. قاله الأصمعي وقيل: هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم
وقيل: هي اللحمات في سقف أقصى الفم. وقيل: اللهاة قعر الفم قريب من أصل
اللسان. (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ) لا ينافي هذا الحديث ما جاء في الحديث الآخر: ((أنه
ضحك حتى بدت نواجذه))؛ لأن ظهور النواجذ وهي الأسنان التي في مقدم الفم أو
الأنياب، لا يستلزم ظهور اللهاة. قاله الحافظ، وقيل: كان التبسم على سبيل
الأغلب، وظهور النواجذ على سبيل الندرة.
(فَكَانَ) وفي ((الصحيحين)) قالت - أَيْ: عَائِشَة - و((كان)). (إِذَا رَأَى غَيْمًا) أي:
سحابًا. (عُرِفَ) بضم العين وكسر الراء مبنيًّا للمفعول، أي: التغيير. (فِي وَجْهِهِ)
قال الطيبي: أي: ظهر أثر الخوف في وجهه؛ مخافة أن يحصل من ذلك السحاب
أو الريح ما فيه ضرر الناس. دلَّ نفيُ الضحك البليغ على أنه عليه الصلاة والسلام
لم يكن فرحًا لاهيًّا بطرًا، ودل إثبات التبسم على طلاقة وجهه، ودل أثر خوفه من
رؤية الغيم أو الريح على رأفته ورحمته على الخلق، وهذا هو الخلق العظيم، كذا
في ((المرقاة)). وهذا القدر المذكور من حديث عائشة طرف من حديث طويل،
أخرجه البخاري في تفسير سورة الأحقاف، ومسلم في الاستسقاء، وبعده قالت : يا
رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاءً، أن يكون فيه المطر، وأراك إذا
رأيته عرف في وجهك الكراهية، فقال: ((يا عائشة)): مَا يُؤَمِّنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؛
عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمُ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا))، وارجع
لشرح هذا إلى ((الفتح)) من سورة الأحقاف.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في التفسير مطولًا وفي ((الأدب)) مختصرًا إلى
قوله: ((إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ))، وأخرجه أيضًا مطولًا أبو داود في ((الأدب))، والبيهقي في
الاستسقاء (ج ٣: ص ٣٦٠).

٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٢٦ - [٣] وَعِنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ بَّهِ إِذَا عَصَفَتِ الرِّبْحُ قَالَ:
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ
شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)) وإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخِرَجَ
وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ، فَسَأَلَتْهُ
فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا نُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ
قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُخْطُِّنَا﴾ [الأحقاف: ٤٦]).
[متفق عليه]
- وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: (رَحْمَةٌ)) (*).
الْشَرْجُ
١٥٢٦ - قوله: (إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ) أي: اشتد هبوبها. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ
خَيْرَهَا) أي: خبر ذاتها. (وَخَيْرَ مَا فِيهَا) أي: من منافعها. (وَخَيْرَ مَا أَرْسِلَتْ بِهِ)
أي: بخصوصها في وقتها، وهو بصيغة المفعول، ويجوز أن يكون بصيغة الفاعل.
قال الطيبي: يحتمل الفتح على الخطاب، ((وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ)) على بناء المفعول؛
ليكون من قبيل: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]،
وقوله وَله: ((الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُ لَيْسَ إِلَيْكَ)) (وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ) أي: تهيأت
السحاب للمطر.
قال الطيبي: السماء هنا بمعنى السحاب، و((تخيلت السماء)) إذا ظهر في السماء
أثر المطر. وقال أبو عبيدة: ((تخيلت)) من المَخِيلة بفتح الميم وكسر المعجمة
بعدها تحتانية ساكنة، وهي سحابة فيها رعد وبرق يخيل إليه أنها ماطرة، يعني:
سحابة يخال فيها المطر، وتكون مظنة للمطر. وقال الجزري: المخيلة: السحابة
التي يظن أن فيها مطرًا، وتخيلت السماء، إذا تغيمت.
(تَغَيََّ لَوْنُهُ) من خشية الله، ومن رأفته على أمته؛ وتعليمًا لهم في متابعته.
(وَخَرَجَ) من البيت تارةً. (وَدَخَلَ) أخرى. (وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ) فلا يستقر في حال من
(١٥٢٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣٢٠٦)، ومُسْلِم (٨٦٦/١٥) عَنْهَا.
(*) مُسْلِم (٨٩٩/١٤) عَنْهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابْ في الرياح
٣٠٥
الخوف. (فَإِذَا مَطَرَتْ) أي: السحاب. وفي رواية البخاري: ((فإذا أمطرت السماء))
من الأمطار.
قال الحافظ: فيه رد على من زعم أنه لا يقال: أمطرت إلا في العذاب، وأما
الرحمة فيقال: مطرت، انتهى. ومطر السحاب وأمطرت بمعنى. (سُرِّيَ عَنْهُ) بضم
المهملة وتشديد الراء بلفظ المجهول، أي: كشف عنه الخوف والحزن وأزيل.
(فَعَرَفَتْ ذَلِكَ) أي: التغيير. (فَسَأَلَنْهُ) أي: عن سببه. (لَعَلَّهُ) أي: لعل هذا
المطر. وقيل: لعل هذا السحاب. (كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ) الإضافة للبيان، أي: مثل
الذي قال في حقه قوم عاد: هذا عارض ممطرنا، قال تعالى: (﴿فَلَمَّا رَأَوَهُ﴾) أي :
السحاب (﴿عَارِضًا﴾) أي: سحابًا عرض (﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ﴾) أي: صحاريهم
ومحال مزارعهم. قال الجزري: العارض السحاب الذي يعرض في السماء.
(﴿قَالُواْ﴾) ظنًّا أنه سحاب ينزل منه المطر. (﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾)، أي: سحاب
عرض ليمطر، قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهِءٌ﴾ أي: من العذاب
﴿رِيَعُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْرِى
﴾ [الأحقاف: ٢٥] فظهرت منه ريح فأهلكتهم، فلا يجوز لأحد أن يأمن
٢٥
من عذاب الله تعالى.
الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
قال النووي: في الحديث الاستعداد بالمراقبة لله، والالتجاء إليه عند اختلاف
الأحوال، وحدوث ما يخاف بسببه، وكان خوفه ◌َّر أن يعاقبوا بعصيان العصاة،
وفيه: تذكر ما يذهل المرأ عنه مما وقع للأمم الخالية، والتحذير من السير في
سبيلهم خشيةٍ من وقوع مثل ما أصابهم. وفيه: شفقته وَّر على أمته، ورأفته بهم
كما وصفه اللَّه تعالى. فإن قيل: كيف يخشى النبي وَّل أن يعذب القوم وهو فيهم
مع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣)؟ والجواب: إن في
الآية احتمال التخصيص بالمذكورين، أو بوقت دون وقت أو مقام الخوف يقتضي
غلبة عدم الأمن من مكر الله.
(وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: رَحْمَةً) بالنصب أي: اجعله رحمة لا عذابًا وبالرفع
أي: هذا رحمة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه نظر؛ لأن لفظ الرواية الأولى بالسياق المذكور
من رواية ابن وهب، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة من إفراد مسلم،

٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والرواية الثانية أيضًا من إفراده أخرجها من طريق جعفر بن محمد عن عطاء عن
عائشة قالت: كان رسول اللَّه وَّل إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه
وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرَّ به، وذهب عنه ذلك، قالت عائشة: فسألته فقال:
((إِنِّي خَشِيْتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أَمَّتِي، وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: رَحْمَةً))، وأما
البخاري فأخرجه في أوائل بدء الخلق، عن مكي ابن إبراهيم، عن ابن جريج عن
عطاء عن عائشة مختصرًا بلفظ: كان النبي وَّ إذا رأى مخيلة في السماء أقبل
وأدبر، ودخل وخرج، وتغير وجهه، فإذا مطرت سري عنه، فعرَّفته عائشة ذلك،
فقال النبي وَالَ: ((وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ﴾
الْآيَةَ، فظهر بهذا أن قوله: ((مُتَّفَقَ عَلَيْهِ)) لا يخلو عن نظر، اللهم إلا أن يقال: إن
المراد: اتفاق الشيخين على أصل الحديث ومعناه، وقد أخرجه بسياق ((المشكاة))
البيهقيُّ (ج٣: ص ٣٦٠) وأخرجه الترمذي في ((الدعوات)) مختصرًا، إلى قوله:
((وَشَرِّ مَا أَرْسِلَتْ بِهِ))، وأخرجه ابن ماجه في الدعاء بنحو رواية البخاري.
١٥٢٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: (مَفَاتِحُ
الْغَيْبِ خَمْسٌ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ﴾ الآية)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٥٢٧ - قوله: (مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) بوزن مصابيح، جمع مفتاح، وهو الآلة التي
يفتح بها. (خَمْسٌ) يعني: العلوم التي يتوصل بها إلى الغيب خمس لا يعلمها إلا
الله، وروي ((مفاتح)) بوزن مساجد، وهو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن،
أي: مخازن الغيب، جعل للأمور الغيبية مخازن يخزن فيها على طريق الاستعارة أو
جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح؛ جعل للأمور الغيبية مفاتيح يتوصل بها إلى ما
في المخازن منها على طريق الاستعارة أيضًا، وقد عقد البخاري على هذا الحديث
(١٥٢٧) الْبُخَارِي (٢٩/٨) عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
باب في الرياح
Re
٣٠٧
في تفسير سورة الأنعام باب قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْدِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأنعام: ٥٩]
وأراد بذلك أن يبين أن النبي وَّل قد فسر آية الأنعام بتلك الخمس المذكورة في
سورة لقمان.
قال الحافظ: المفاتح جمع مفتح بكسر الميم: الآلة التي يفتح بها مثل منجل
ومناجل، وهي لغة قليلة في الآلة، والمشهور مفتاح بإثبات الألف وجمعه مفاتيح
بإثبات الياء، وقد قرئ بها في الشواذ، قرأ ابن السميفع ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾
وقيل: بل هو جمع مفتح بفتح الميم وهو المكان، ويؤيده تفسير السدي فيما رواه
الطبري ((مفاتح الغيب)): خزائنة، انتهى.
قال القسطلاني: وعلى الأول قد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة؛ لأن
المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالإغلاق، فمن
علم كيف يفتح بها ويتوصل إلى ما فيها فهو عالم، وكذلك هاهنا لما كان اللَّه تعالى
عالمًا بجميع المعلومات، ما غاب منها وما لم يغب، عبر عنه بهذه العبارة؛ إشارة
إلى أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره، وهذا هو الفائدة في
التعبير بـ((عند))، انتهى.
وقال في ((النهاية)): المفاتيح والمفاتح، جمع مفتاح ومفتح وهما في الأصل كل
ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها، والمعنى: لا يعلم
كلياتها غير الله، وقد يطلع بعض أصفيائه على جزئيات منهن، والغيب ما غاب عن
الخلق، وسواء كان محصلًا في القلوب أو غير محصل ولا غيب عند الله من ذكره
العيني. وقال البيضاوي: الغيب هو الأمر الخفي الذي لا يدركه الحس، ولا
يقتضيه بداهة العقل، وهو قسمان: قسم لا دليل عليه، وهو المَعْنِي بقوله تعالى:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام:٥٩]، وقسم نصب عليه دليل عقلي أو
نقلي كالصانع وصفاته، واليوم الآخر وأحواله، وهو المراد في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، انتهى.
(ثُمَّ قَرَأَ) أي: بيانًا لتلك الخمس. (﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾﴾ أي: لا عند غيره. (عِلِمُ
السَّاعَةِ﴾) أي: علم وقت قيامها فلا يعلم ذلك نبي مرسل ولا ملك مقرب، لا
يجليها لوقتها إلا هو. (﴿وَيُنْزِّكُ﴾) بالتشديد. (﴿اَلْغَيْثَ﴾) أي: يرسل المطر

٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الذي يغيث البلاد والعباد في وقته المقدر له، والمحل المعين له في علمه وبالكمية
والكيفية المقررتين عنده، لا يعلم ذلك إلا هو. (الآيَةَ) بالنصب أي: اقرأ، أو اذكر
بقية الآية، وبالجر أي: إلى آخر الآية وهو ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَامِ﴾ مما يريد أن
يخلقه من ذكر أو أنثى، تام أو ناقص، أبيض أو أسود، طويل أو قصير، سعيد أو
شقي، وغير ذلك مما لا يعلم تفصيله إلا هو. قال القاري: ولا يعلم مجمله بحسب
خرق العادة إلا من قِبَلِهِ تعالى. وقال القسطلاني: لكن إذا أمر به عَلِمَته ملائكته
الموكلون به. ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ في الدنيا من الخير والشر
والطاعة والمعصية، وفي الآخرة من الثواب والعقاب. ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضِ
تَمُونٌ﴾ أي: في بلدها أم في غيرها، فليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من
الأرض أفي بَرٍّ أو بحر، سهل أو جبل. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ﴾ أي: بما ذكر وغيره من
الكليات والجزئيات ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]. ﴿خَبِيرٌ﴾ أي: مطلع على خفايا
الأمور، فإن قيل: الغيوب التي لا يعلمها إلا الله كثيرة ولا يعلم مبلغها إلا الله
تعالى، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] فما وجه التخصيص
بالخمس؟
قلت: أجیب عنه بوجوه:
الأول: أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد.
والثاني: أن ذكر هذا العدد في مقابلة ما كان القوم يعتقدون أنهم يعرفون من
الغيب هذه الخمس.
والثالث: أنهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس.
والرابع: أن أمهات الأمور هذه؛ لأنها إما أن تتعلق بالآخرة، وهو علم الساعة،
وإما بالدنيا، وذلك إما متعلق بالجماد أو بالحيوان، والثاني: إما بحسب مبدأ
وجوده، أو بحسب معاده، أو بحسب معاشه.
قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا
الحديث، يعني: حديث أبي هريرة في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام، وفيه:
((خمس لا يعلمهن إلا الله ... ))، ثم تلا النبيُّ وَّهِ: ((﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ السَّاعَةِ﴾)»
الآية [لقمان: ٣٤] وقد فسر النبي وَل قول الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا

كِتَابُ الصَّلَاةِ
ecke
باب في الرياح
٣٠٩
هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] بهذه الخمس، وهو في ((الصحيح)) قال: فمن ادعى علم شيء منها غير
مسنده إلى رسول اللَّه وَ ليل كان كاذبًا في دعواه، قال: وأما ظن الغيب، فقد يجوز
من المنجم وغيره، إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم، كذا في ((الفتح)).
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ) أي: هكذا مختصرًا في تفسير سورة الأنعام على رواية أبي ذر،
وفي تفسير سورة لقمان، وأخرجه أيضًا في الاستسقاء وتفسير سورة الرعد
والتوحيد بألفاظ، وقد بسط الشيخ أبو محمد بن جمرة في شرح هذا الحديث
وأجاد، ولخص كلامه الحافظ في ((الفتح)) في شرح باب قوله: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا
﴾ (الجن: ٢٦] ... إلخ. من كتاب التوحيد من أحب الوقوف
(٢٦)
عليه رجع إلى الفتح، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٤، ٥٨ - ٨٥ -
١٢٢) والطبري (ج٢: ص٥٦) وأخرجه ابن حبان (ج ١: ص٢٢٨ - ٢٢٩) وأحمد
أيضًا (ج٢: ص٥٢) بتفصيل الأنواع الخمسة بدل تلاوة الآية.
١٥٢٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَةِ: ((لَيْسَتِ
السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا، وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ
شَيْئًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٥٢٨ - قوله: (لَيْسَتِ السَّنَةُ) بفتح السين: الجدب والقحط، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] قال في ((النهاية)): السَّنَةُ:
الجدب، وهي من الأسماء الغالبة، ويقال: أسنتوا إذا أجدبوا، قلبوا لامها تاء.
(بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا) أي: لا ينزل عليكم المطر، يعني: عدم المطر، فالباء زائدة.
(وَلَكِنٍ) بالتخفيف. (السَّنَةُ) أي: قد تكون. (أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا) التكرير للتأكيد
والتكثير أي: تمطروا المرة بعد الأخرى مطرًا كثيرًا.
(وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا) أي: الإمساكه تعالى لها من الإنبات، والمعنى: لا
(١٥٢٨) مُسْلِم (٤٤ /٢٩٠٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

BEASE
٣١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
تظنوا أن الرزق والبركة من المطر بل الرزق من الله تعالى فرب مطر لا ينبت منه
شيء، فالقحط الشديد ليس بأن لا يمطر، بل بأن يمطر ولا ينبت؛ لأن حصول
الشدة بعد توقع الرخاء وظهور مخائله وأسبابه أفظع مما إذا كان اليأس حاصلًا من
أول الأمر.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الفتن، وأشراط الساعة، وأخرجه أيضًا أحمد والشافعي
والبيهقي (ج ٣ : ص ٣٦٣).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
باب في الرياحِ
٣١١
الفصل الثاني
١٥٢٩ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ:
((الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وبِالْعَذَابِ فَلَا تَسُبُّوهَا وسَلُوا اللَّهَ مِنْ
خَيْرِهَا وَعَوِّذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا)).
[رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الكَبِيرِ))] (صحيح}
G O
الْشَّرْحُ
١٥٢٩ - قوله: (الرِّيحُ) أي: الهواء المسخر بين السماء والأرض. (مِنْ رَوْح
اللَّهِ) قيل: الروح بفتح الراء النفس والفرج والرحمة أي: من رحمته تعالى يريح بها
عباده، ومنه قوله تعالى ﴿فَرَوْعُ وَرَتِجَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] وقوله: ﴿وَلَا تَأْيْشَسُواْ مِن زَّوْجِ اللَّهِ﴾
[يوسف: ٨٧] فإن قيل: كيف يكون الريح من رحمته مع أنها تجيء بالعذاب؟ قلت: إذا
كان عذابًا للظلمة، فيكون رحمة للمؤمنين حيث يتخلصون من الكفار الفجار،
وأيضًا الروح بمعنى الرائح أي: الجائي من حضرة الله بأمره، تارة للكرامة
وأخرى للعذاب، فلا يعيب فإنه تأديب والتأديب حسن.
(تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ) من إنشاء سحاب ماطر مثلا لمن أراد الله تعالى أن يرحمه.
(وَبِالْعَذَابِ) لمن أراد أن يهلكه. (فَلَا تَسُبُّوهَا) أي: بلحوق ضرر منها، فإنها
مأمورة مقهورة مسخرة. (وَسَلُوا اللَّهَ) وروي و((اسألوا)). (مِنْ خَيْرِهَا) أي: خير ما
أرسلت به. (وَعَوِّذُوا بِهِ) بفتح العين وتشديد الواو من التعويذ، يقال: عَوَّذَ الرَّجُلَ
إذا دعا له بالحفظ، وقال له: أعيذك بالله، ولفظ أبي داود ((استعيذوا))، وابن ماجه
((تعوذوا)) يقال: تَعَوَّذَ وَاسْتَعَاذَ بالله، فأعاذه وعَوَّذَهُ أي: حفظه.
(مِنْ شَرِّهَا) أي: من شر ما أرسلت به. قال المظهر: فإن قيل: كيف تكون الريح
من روح الله أي: رحمته مع أنها تجيء بالعذاب؟ فجوابه من وجهين: الأول: أنه
(١٥٢٩) أَبُو دَاوُد (٥٠٩٧)، والتَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٧٦٧)، وَابن مَاجَهْ (٣٧٢٧) عَنْهُ.

٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
MOH
عذاب لقوم ظالمينٍ رحمة لقوم مؤمنين. قال الطيبي: يؤيده قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ
[الأنعام:٤٥] (الکشاف))، فیه: إیذان
٤٥
دَائِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
بوجوب الحمد عند إهلاك الظلمة، وهو من أجل النعم، الثاني: بأن الروح مصدر
بمعنى الفاعل أي: الرائح. فالمعنى أن الريح من روائح اللّه تعالى أي: من الأشياء
التي تجيء من حضرته بأمره ليس لأحد مدخل في مجيئها، فتارة تجيء بالرحمة
وأخرى بالعذاب، فلا يجوز سبها بل تجب التوبة عند التضرر بها، وهو تأديب من
الله تعالى وتأديبه رحمة للعباد، انتهى.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في الأم (ج١: ص٢٢٤) وفي ((المسند)) (ج٦: ص١١٤). (وَأَبُو
دَاوُد) في الأدب وسكت عليه هو والمنذري. (وَابْنُ مَاجَه) في الدعاء وأخرجه أيضًا
أحمد (ج٢: ص ٢٥٠ - ٢٦٨) والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ص١٣٢) والحاكم
في ((المستدرك)) (ج٤: ص ٢٨٥) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وعزاه
المنذري في ((تلخيص السنن)) للنسائي والشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) لابن حبان
أيضًا، ولعل النسائي أخرجه في ((السنن الكبرى)).
١٥٣٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ عِنْدَ النَّبِيِّ
فَقَالَ: ((لَا تَلْعَنُوا الرِّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَ إِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلِ رَجَعَتِ
اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ)).
صَلى الله
وَسلم
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٥٣٠ - قوله: (أَنَّ رَجُلًّا لَعَنَ الرِّيحَ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌ََِّّ) الحديث. رواه أبو داود
أيضًا ولفظه في رواية: ((إِنَّ رَجُلًّا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ وَِّ فَلَعَنَهَا)). (لَا
تَلْعَنُوا الرِّيحَ) لفظ الترمذي وأبي داود: (لَا تَلْعَنِ الرِّيحَ)). (فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ) إما
بالرحمة أو بالنقمة، وقيل: أي: بأمر منا والمنازعة من خاصيتها ولوازم وجودها
عادة، أو فإنها مأمورة حتى بهذه المنازعة أيضًا؛ ابتلاء لعباده. (وَإِنَّهُ) أي: الشأن.
(١٥٣٠) التِّرْ مِذِي (١٩٧٨) عَنْهُ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
باب في الرياح
٣١٣
(مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ) أي: ذلك الشيء. (لَهُ) أي: اللعن. (بِأَهْلِ) أي: بمستحق.
(رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ) أي: على اللاعن؛ لأن اللعنة - وكذا الرحمة - تعرف طريق
صاحبها، قال الطيبي: ليس له صفة شيئًا واسمه ضمير راجع إليه والضمير في (لَهُ)
راجع إلى مصدر لعن، وفي عليه إلى من على تضمين رجعت معنى استقلت،
يعني: استقلت اللعنة عليه راجعة؛ لأن اللعن طرد عن رحمة الله، فمن طرد ما هو
أهل لرحمة الله عن رحمته جعل مطرودًا.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في باب: اللعنة من أبواب البر والصلة. (وَقَالَ هَذَا: حَدِيثٌ
غَرِيب) وفي بعض نسخ الترمذي: حديث حسن غريب، وبعده لا نعلم أحدًا أسنده
غير بشر بن عمر، انتهى. والحديث أخرجه أبو داود في الأدب وسكت عنه، وقال
المنذري بعد نقل كلام الترمذي المذكور ما لفظه: وبشر بن عمر هذا هو الزهراني
احتج به البخاري ومسلم، انتهى.
١٥٣١ - [٨] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَا تَسْبُّوا
الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا:َ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ
وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا
وَشْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ».
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٥٣١ - قوله: (لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ) فإن المأمور معذور. (فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ)
أي: ريحًا تكرهونها؛ لشدة حرارتها، أو برودتها، أو تأذيتم لشدة هبوبها.
(فَقُولُوا) أي: راجعين إلى خالقها وآمرها. (اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ)
أي: باعتبار ذاتها. (وَخَيْرِ مَا فِيهَا) أي: باعتبار صفاتها. (وَخَيْرِ مَا أَمِرَتْ بِهِ) عَلَى
بناء المفعول أي: من خالقها لطفًّا وجمالًا.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيّ) في الفتن وصححه، وأخرجه أيضًا ابن السني في ((عمل اليوم
والليلة)) (ص٩٨).
(١٥٣١) التِّرْ مِذِي (٢٢٥٢)، وَالنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٧٧٠) عَنْهُ.

٣١٤
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٠٠٠
١٥٣٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطَّ إِلَّا جَثَا النَّبِيُّ ◌َه
عَلَى رُكْبَتَيْهِ وقَالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَّحْمَةً، وْلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا
رِيَاحًا ولَا تَجْعَلْهَا رِيحًّا)). قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، و﴿أَرْسَلْنَا عَلَتِهِمُ الْرِيحَّ الْعَقِيمَ﴾ و﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾،
و﴿أَنْ يُرْسِلَ الْرِيَحَ مُبَشِّرَتٍ﴾.
[رَواهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيِ)] {ضَعِيف جِدًّا)
الْشَّرْجُ
١٥٣٢ - قوله: (مَا هَبَّتْ رِيحٌ) أي: ثارت وهاجت، يعني: اشتدت. (إِلَّا
جَثَا) بالألف من الجثو، بمعنى: القعود على الركب، فقوله: (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) تأكيد
أو تجريد، وكان هذا منه وّ تواضعًا لله تعالى وخوفًا على أمته، وتعليمًا لهم في
تبعيته. قال الأمير اليماني: أي: برك على ركبتيه وهي قعدة المخافة لا يفعلها في
الأغلب إلا الخائف، ورواه الطبراني بلفظ: كان رسول اللّه وَلغيره، إذا هاجت ريح
استقبلها بوجهه، وجثا على ركبتيه، ومد يديه، وقال: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ
هَذْهِ الرِّيحِ، وَخَيْرِ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ، اللَّهُمَّ
اجْعَلْهَا رَّحْمَةً ... )) إلخ. (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا) وجه هذا: أن
العرب تقول: لا تلقح الشجر إلا من الرياح المختلفة، ولا تلقح من ريح واحدة،
فهو وَليه دعاء، بأن يجعلها رياحًا تلقح، ولا يجعلها ريحًا لا تلقح.
قال الخطابي: إن الرياح إذا كثرت جلبت السحاب، وكثرت الأمطار فزكت
الزروع والأشجار، وإذا لم تكثر وكانت ريحًا واحدة، فإنها تكون عقيمة، والعرب
تقول: لا تلقح السحاب إلا من رياح. وقيل: إن الرياح هي المذكورة في آيات
الرحمة والريح هي المذكورة في آيات العذاب، كقوله رَّت: ﴿الرِّيحَ اُلْعَقِيمَ﴾ ،
رِيحًا صَرْصَرًا﴾ لكن قد عرف - مما تقدم من حديث عائشة وأبي هريرة وأبي بن
كعب، ومن رواية الطبراني لهذا الحديث - أن الريح قد تأتي بالخير وقد تأتي
(١٥٣٢) الشَّافِعِى (٥٠٢) عَنْهُ.

٣١٥
بَاب في الرياح
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بالشر، فلعل وجه قوله في هذا الحديث: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا، وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا))
أن الرياح لا تأتي إلا بالخير، والريح تأتي تارة بهذا وتارة بهذا، فسأل الله أن
يجعلها رياحًا؛ لأنها خير محض ولا يجعلها ريحًا تحتمل الخير والشر، وسيأتي
مزيد الكلام في ذلك. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) أورد المؤلف قول ابن
عباس تأييدًا لقوله عليه الصلاة والسلام: ((رِيَاحًا)) و((رِيحًا))، فقوله: ((فِي كِتَابِ اللهِ»
خبر مقدم وقوله : (﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾) مبتدأ بتقدير هذه الآيات الدالة على أن الرياح
للخير، والريح بالإفراد للشر، والجملة مقول القول. (﴿رِيَحًا صَرْصَرًا﴾) أي: شديدة
البرد والهبوب، والآية من سورة القمر.
(﴿أَرْسَلْنَا عَلَّهِمُ الْرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾) أي: ما ليس فيه خير، سميت عقيمًا؛ لأنها أهلكت
قوم عاد، وقطعت دابرهم، والمرأة العقيم التي لا تلد، ولا تلقح، والآية من سورة
الذاريات. (﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِيَعَ لَوَقِحَ﴾) يعني: تُلقِح الأشجار، وتجعلها حاملة
بالأثمار، قيل: أصله مَلاقح، جمع مُلقِحة، فحذفت الميم تخفيفًا وزيدت الواو
بعد اللام وهو من النوادر، وهذا قول أبي عبيدة يقال: أَلقَحَ الفَحلُ الناقة: أحبلها
وأَلقَحتِ الريحُ الشجر، أو السحاب: أَحمَلَتها، وقيل: هي جمع لاقحة بمعنى
حاملة. قال البغوي في ((تفسيره)): لواقح أي: حوامل؛ لأنها تحمل الماء إلى
السحاب، وهي جمع اللاقحة، انتهى.
وقال البيضاوي: أي: حوامل، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب
ماطر بالحامل، كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم، وقيل: اللواقح بمعنى
الملقحات للشجر، أو السحاب، ونظيره: الطوائح بمعنى المطيحات، انتهى.
وإطلاق اللواقح على الملقحات، إما على الإسناد المجازي بأن يوصف الرياح
بصفة ما هي أسباب له أو المجاز اللغوي باعتبار السببية؛ لأن لقح الرياح سبب
لإلقاحها، أو بإعتبار ما كان، فإن الملقح كان أولًا لاقحًا، أو من باب النسبة، أي :
ذات اللقاح. كـ(لَا بِنٍ)) وتَامِرٍ على حذف الزوائد نحو أثقل فهو ثاقل، كذا قيل،
ذكره في ((اللمعات))، وقيل: اللواقح من الرياح التي تحمل اللقاح ما تلقح به
النخلة إلى الشجر والتي تحمل الندى، ثم تمجه في السحاب، فإذا اجتمع في
السحاب صار مطرًا والآية من سورة الحجر. (و﴿أَنْ يُرْسِلَ الْرِّيَاحَ مُبَشِّرَتٍ﴾) بالمطر،
كقوله سبحانه وتعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] والآية من سورة الروم.

٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
قال الأمير اليماني: قول ابن عباس بيان أنها جاءت مجموعة في الرحمة ومفردة
في العذاب، فاستشكل ما في الحديث من طلب، أن تكون رحمة، وأجيب: بأن
المراد: لا تهلكنا بهذه الريح؛ لأنهم لو هلكوا بهذه الريح لم تهب ريح أخرى،
فتکون ریحًا لا رياحًا، انتھی.
قال الطيبي: معظم الشارحين على أن تأويل ابن عباس غير موافق للحديث،
نقل التوربشتي عن أبي جعفر الطحاوي أنه ضعف هذا الحديث جدًّا وأبى أن يكون
له أصل في ((السنن)) وأنكر على أبي عبيدة تفسيره كما فسره ابن عباس، ثم استشهد
- أي: الطحاوي - بقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَنِّبَةٍ وَفَرِجُواْ بِهَا جَءَتُهَا رِبِمُ
عَاصِفٌ﴾ الآية [يونس: ٢٢] وبالأحاديث الواردة في هذا الباب، فإن جُلَّ استعمال
الريح المفردة في الباب في الخير والشر، ثم قال التوربشتي: والذي قاله أبو جعفر
وإن كان قولاً متينًا، فإنا نرى أن لا نتسارع إلى رد هذا الحديث، وقد تيسر لنا تأويله
على وجه لا يكون مخالفًا للنصوص المذكورة، ثم ذكره بنحو ما تقدم عن الأمير
اليماني، من شاء الوقوف عليه رجع إلى ((شرح المصابيح)) للتوربشتي و((شرح
المشكاة)) للقاري.
وقال الطيبي: معنىٍ كلام ابن عباس: ((في كتاب اللَّه)) معناه: إن هذا الحديث
مطابق لما في كتاب الله تعالى فإن استعمال التنزيل دون أصحاب اللغة، إذا حكم
على الريح والرياح مطلقين كان إطلاق الريح غالبًا في العذاب والرياح في
الرحمة، فعلى هذا لا ترد تلك الآية على ابن عباس؛ لأنها مقيدة بالوصف ولا تلك
الأحاديث؛ لأنها ليست من كتاب الله، وإنما قيدت الآية بالوصف ووحدت؛
لأنها في حديث الفلك وجريانها في البحر، فلو جمعت لأوهمت اختلاف الرياح،
وهو موجب للعطب أو الاحتباس ولو أفردت ولم تقيد بالوصف لآذنت بالعذاب
والدمار؛ ولأنها أفردت وكررت ليناط به مرة طيبة وأخرى عاصف ولو جمعت لم
يستقم التعلق، انتهى.
وقال السيوطي في ((الإتقان)) (ج١ ص١٩٢): ذكرت الريح مجموعة ومفردة،
فحيث ذكرت في سياق الرحمة جمعت، أو في سياق العذاب أفردت. أخرج ابن
أبي حاتم وغيره عن أبي بن كعب قال: كل شيء في القرآن من الرياح، فهي

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابْ في الرياح
٣١٧
BASE
رحمة، وكل شيء فيه من الريح فهو عذاب، ولهذا ورد في الحديث: ((اللّهُمَّ
اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا))، وذكر في حكمة ذلك. أن رياح الرحمة مختلفة
الصفات والهيئات والمنافع، وإذا هاجت منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر
سورتها، فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات، فكانت في الرحمة
رياحًا، وأما في العذاب، فإنها تأتي من وجه واحد ولا معارض لها ولا دافع، وقد
أخرج عن هذه القاعدة قوله تعالى في سورة يونس : ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيج طَبِّبَةٍ﴾ وذلك
لوجهين: لفظي وهو المقابلة في قوله: ﴿جَءَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ﴾، ورب شيء يجوز
في المقابلة، ولا يجوز استقلالًا، نحو ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللَّهُ﴾. ومعنوي وهو
أن تمام الرحمة هناك إنما يحصل بوحدة الريح لا باختلافها، فإن السفينة لا تسير إلا
بريح واحدة من وجه واحد، فإذا اختلف عليها الرياح كانت سبب الهلاك،
فالمطلوب هناك ريح واحدة، ولهذا أكد هذا المعنى بوصفها بالطيب، وعلى ذلك
أيضًا جرى قوله: ﴿إِن يَشَأَ يُسْكِنِ الْرِيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾ [الشورى: ٣٣] وقال ابن المنير: إنه
على القاعدة؛ لأن سكون الريح عذاب وشدة على أصحاب السفن، انتهى.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في ((الأم)) (ج١ ص٢٢٤) وفي ((المسند)) (ج ٦ ص١١٤) قال:
أخبرني من لا أتهم، عن العلاء بن راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس، وأخرجه أبو
يعلى والطبراني في ((الدعاء)) وفي ((الكبير)) من طريق حسين بن قيس الرحبي
الواسطي، عن عكرمة وعزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ ص ١٣٥، ١٣٦)
للطبراني فقط وقال: فيه حسين بن قيس الرحبي الملقب بحنش، وهو متروك، وقد
وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح، انتهى. وفي ((تهذيب التهذيب))
(ج ٢ ص ٣٦٥): زعم أبو محصن حصين بن نمير أنه أي: حصين بن قيس شيخ
صدوق، انتهى. وقد ضعفه جمیع من عداه.

٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٣٣ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّّهِ إِذَا أَبْصَرَنَا شَيْئًا مِنَ
السَّمَاءِ - تَعْنِي: السَّحَابَ - تَرَكَ عَمَلَهُ وَاَسْتَقْبَلَهُ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ
مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ)) فَإِنْ كَشَفَهُ حَمِدَ اللَّهَ وَإِنْ مَطَرَتْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ سُقْيًّا نَافِعًا)).
[رَواهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ] (صحيح}
الْشِّرْحُ
١٥٣٣- قوله: (كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا أَبْصَرَ نَاشِئًا) أي: سحابًا خارجًا يعني:
حادثًا مرتفعًا ظاهرًا. (مِنَ السَّمَاءِ) قال التوربشتي: سمي السحاب ناشئًا؛ لأنه ينشأ
من الأفق، يقال: نشأ أي: خرج، أو ينشأ في الهواء أي: يظهر، أو لأنه ينشأ من
الأبخرة المتصاعدة من البحار والأراضي النزه ونحو ذلك. وقال الجزري: الناشئ
من السحاب هو الذي لم يتكامل اجتماعه واصطحابه، فهو في أول أمره. (تَعْنِي)
أي: تريد عائشة بقولها: ((نَاشِئًا)). (السَّحَابَ) جملة معترضة لتفسير اللغة بين
الشرط وجزائه وهو قولها: ((ترك)). ولفظ أبي داود: ((كان إذا رأى ناشئًا في أفق
السماء)). ولفظ النسائي وابن ماجه: ((كان إذا رأى سحابًا مقبلًا من أفق من الآفاق))
أي: من ناحية من النواحي. (تَرََكَ) أي: النبي ◌َِّ. (عَمَلُهُ) المشتغل به من الأمور
المباحة، قاله القاري. وفي رواية أبي داود: ((ترك العمل، وإن كان في صلاة).
ولفظ النسائي وابن ماجه: ((ترك ما هو فيه، وإن كان في صلاته)). (وَاسْتَقْبَلَهُ) أي:
السحاب. وفي رواية النسائي وابن ماجه: ((حتى يستقبله)). وليس عند أبي داود
شيء منهما. (مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ) وعند النسائي وابن ماجه: ((من شر ما أرسل به)) وانتهت
رواية النسائي إلى هذا. (فَإِنْ كَشَفَهُ) أي: أذهب الله ذلك السحاب ولم يمطر.
(حَمِدَ اللَّهَ) أي: على النجاة مما كان يخاف من العذاب. وقيل: أي: من حيث
أن الخير فيما اختاره الله، ولعل الشر كان في ذلك السحاب فيجب الحمد على دفع
الشر، كأنه وَله تذكر قوله تعالى في قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوَهُ عَارِضًا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٤]
(١٥٣٣) الشَّافِعِي (٥٠١) وَاللفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُد (٥٠٩٩)، وَالنَّسَائِي (١٦٤/٣)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٨٩)
عَنْهَا .

٣١٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
باب في الرياح
وليست هذه الجملة عند أبي داود. (وَإِنْ مَطَرَتْ قَالَ: اللَّهُمَّ سُقْيًّا نَافِعًا) قال القاري:
بفتح السين وضمها أي: اسقنا سقيًا، أو أسألك سقيًّا، فهو مفعول مطلق أو مفعول
به ولفظ ابن ماجه: إن أمطر قال: ((اللَّهُمَّ سَيْبًا نَافِعًا)) مرتين أو ثلاثة. وعند أبي
داود: إن مطر قال: ((اللَّهُمَّ صَيْبًا هَنِيْئًا)) ودعا بذلك خوفًا من الضرر الذي قد يكون
في المطر .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) في الأدب وسكت عنه هو والمنذري. (وَالنَّسَائِيّ) في ((عمل
اليوم والليلة)). (وابْنُ مَاجَهْ) في ((الدعاء)). (وَالشَّافِعِيُّ) في ((الأم)) (ج١ ص٢٢٤)
و((المسند)) (ج٦ ص١١٤). (واللّفْظُ لَه) أي: لفظ الحديث للشافعي، وللباقين
معناه .
١٥٣٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ
الرَّعْدِ، وَالصَّوَاعِقِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ،
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ)).
G O
الشَّرْحُ
١٥٣٤ - قوله: (كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ) بإضافة العام إلى الخاص للبيان،
فإن الرعد هو الصوت الذي يسمع من السحاب، كذا قاله ابن الملك. والصحيح:
أن الرعد ملك موكل بالسحاب، فقد رُوي عن ابن عباس أن اليهود سألوا النبي وَّل
عن الرعد، فقال: ((مَلَكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ
بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ اللهُ))، وسألوا عن الصوت الذي يسمع من السحاب،
فقال: ((زَجْرُة بِالسَّحَابِ، إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ أُمِرَ))، أخرجه الترمذي
وصححه. ونقل الشافعي عن الثقة عن مجاهد أن الرعد ملك والبرق أجنحته يسوق
السحاب بها، ثم قال: وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن. قال بعضهم: وعليه فيكون
المسموع صوته أو صوت سوقه على اختلاف فيه.
(١٥٣٤) أحْمَد (٢/ ١٠٠، ١٠١)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٥٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.