Indexed OCR Text
Pages 161-180
Beexx
١٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤٨٤ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّه فِي سَفَرِ،
فَحَضَرَ الْأَضْحَى، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَةِّ سَبْعَةً، وَفِي الْبَعِيرِ عَشَرَةً.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٤٨٤ - قوله: (فَحَضَرَ الْأَضْحَى) أي: يوم عيده. (فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَقَرَةِ سَبْعَةً)
أي: سبعة أشخاص بالنصب على تقدير أعني: بيانًا لضمير الجمع، قاله الطيبي.
وقيل: نصب على الحال، وقيل: مرفوع بدلًا من ضمير (اشْتَرَكْنَا). والظاهر أنه
منصوب على الحال .
(وَفِي الْبَعِيرِ عَشَرَةً) فيه: دليل على أنه يجوز اشتراك عشرة أشخاص في البعير في
الأضحية، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة، وهو الحق خلافًا للجمهور،
قالوا: إنه منسوخ، ولا يخفى ما فيه. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه
أيضًا أحمد (ج١ ص ٢٧٥) وابن حبان في (صحيحه))، والحاكم (ج٤ ص ٢٣٠)
وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. ويشهد له ما روي عن عبد الله
ابن مسعود مرفوعًا: ((الْجَزُورُ فِي الْأَضْحَى عَنْ عَشَرَةٍ).
قال الهيثمي: رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط،
ويشهد له أيضًا ما روى الطبراني في ((الكبير))، والحاكم (ج٤ ص ٢٣٠ - ٢٣١) من
طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد عن الليث عن إسحاق بن بزرج عن
زيد بن الحسن بن علي عن أبيه عن الحسن بن علي قال: أمرنا رسول اللَّه ◌َ لاله أن
نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد، البقرة
عن سبعة والجزور عن عشرة، الحديث، قال الهيثمي: عبد الله بن صالح قال
عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون، وضعفه أحمد وجماعة. انتهى.
(١٤٨٤) التِّرْ مِذِي (١٥٠١)، وَالنَّسَائِي (٢٢٢/٧)، وَابن مَاجَهْ (٢١٣١) فِيهِ عَنْهُ.
١٦١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٍ فِي الْأُضْحِيَّةِ
وقال الحاكم: لو لا جهالة إسحاق بن بزرج لحكمت للحديث بالصحة. انتهى.
قلت: ليس بمجهول، فقد ضعفه الأزدي، ووثقه ابن حبان، ذكره في التلخيص
(ص١٤٣) وذكره ابن أبي حاتم بروايته عن الحسن ورواية الليث عنه فلم يذكر فيه
جرحًا، كذا في ((اللسان)) (ج١ ص٣٥٣).
١٤٨٥ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((مَا عَمِلَ ابْنُ
آدَمَ مِنْ عَمَلِ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّم، وَإِنَّهُ لَيَأْتِيَ بَوْمَ الْقِيَامَةِ
بِقُرُونِهَا، وَأَشْعَارِهَا، وَأَظْلَافِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ
بِالأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا)».
[رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيحٍ}
الشَّرْجُ
١٤٨٥ - قوله: (مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ) وفي رواية الترمذي: ((مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ)). (مِنْ
عَمِل) ((من)) زائدة لتأكيد الاستغراق، أي: عملًا. (يَوْمَ النَّحْرِ) بالنصب على
الظَّرفية. (أَحَبَّ) بالنصب صفة ((عَمِلَ))، وقيل: بالرفع، وتقديره: هو أحب. وفي
رواية الحاكم: ما تقرب إلى الله تعالى يوم النحر بشيء هو أحب. (مِنْ إِهْرَاقِ الدَّم)
أي: صبه. قال ابن العربي: لأن قربة كل وقت أخص به من غيرها وأولى؛ ولأجل
ذلك أضيف إليه، أي: فيقال: يوم النحر وهو محمول على غير فرض الأعيان
كالصلاة. (وَإِنَّهُ) أي: الشأن. وقال الطيبي: الضمير راجع إلى ما دل عليه إهراق
الدم يعني: المهراق دمه، وقال ابن الملك: إنه أي: المضحى به. (بِقُرُونِهَا) جمع
قرن. (وَأَشْعَارِهَا) جمع شعر. (وَأَظْلَافِهَا) جمع ظلف، وضمير التأنيث باعتبار أن
المهراق دمه أضحية، قال زين العرب: يعني أفضل العبادات يوم النحر إراقة دم
القربان، وإنه يأتي يوم القيامة كما كان في الدنيا من غير نقصان شيء منه؛ ليكون
بكل عضو منه أجر، ويصير مركبه على الصراط. ذكره القاري.
(١٤٨٥) التِّرْمِذِي (١٤٣٩)، وَابن مَاجَهْ (٣١٢٦) فِيهَا عَنْهَا
١٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال ابن العربي: يريد أنها تأتي بذلك، فتوضع في ميزانه كما صرح به في
حديث علي رَوَّهُ. انتهى. ولعله أراد بذلك ما رواه أبو القاسم الأصبهاني عن علي
بلفظ: إن رسول اللّهِ وَ ل﴿ قال: ((يَا فَاطِمَةُ قُوْمِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكِ، فَإِنَّ لَكِ بَأَوَّلِ
قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا مَغْفِرَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ، أَمَا إِنَّهُ يُجَاءُ بِدَمِهَا وَلَحْمِهَا فَيُوضَعُ فِي مِيزَانِك
سَبْعِينَ ضِعْفًا ... )) الحديث. قال المنذري في ((الترغيب)): قد حسن بعض مشايخنا
حديث علي هذا والله أعلم.
(وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ) أي: من رضاهِ. (بِمَكَانٍ) أي: بموضع قبول. (قَبْلَ أَنْ
يَقَعَ بِالأَرْضِ) في رواية الترمذي: ((مِنَ الأَرْضِ))، وفي ابن ماجه والحاكم: ((عَلَى
الأَرْضِ))، وفي البيهقي: ((فِي الأَرْضِ))، يعني: يقبله تعالى عند قصد الذبح قبل أن
يقع دمه على الأرض، وقال العراقي في ((شرح الترمذي)): أراد أن الدم، وإن شاهده
الحاضرون يقع على الأرض، فيذهب ولا ينتفع به، فإنه محفوظ عند الله لا يضيع،
كما في حديث عائشة: ((إِنَّ الدَّمَ وَإِنْ وَقَعَ فِي التُّرَابِ، فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي حِرْزِ اللهِ بِرُمَّتِهِ،
يُوَافِيهِ صَاحِبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب ((الصحابة)). انتهى.
قلت: ويؤيد ذلك أيضًا ما روى الطبراني في ((الأوسط)) عن علي مرفوعًا: ((إِنَّ
الدَّمَ وَإِنْ وَقَعَ فِي الأَرْضِ فَإِنَّهُ یَقَعُ فِي حِرْزِ اللهِ ﴾)»، ذكره المنذري في ((الترغيب))،
وصدَّره بلفظة: (رَوَى))، وأهمل الكلام عليه في آخره. وقال الهيثمي (ج٣
ص١٧): فيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك الحديث.
(فَطِيبُوا بِهَا) أي: بالأضحية (نَفْسًا) منصوب على التمييز وجعله من طيب،
ونصب ((نفسًا)) على المفعول بعيد. قال ابن الملك: الفاء جواب شرط مقدر أي :
إذا علمتم أنه تعالى يقبله يجزيكم بها ثوابًا كثيرًا، فلتكن أنفسكم بالتضحية طيبة غير
کارهة لها. انتهى.
قال العراقي: الظاهر أن هذه الجملة مدرجة من قول عائشة وليست مرفوعة؛
لما في رواية أبي الشيخ عن عائشة أنها قالت: ياأيها الناس، ضحوا وطيبوا بها
نفسًا، فإني سمعت رسول اللّه وَ له يقول: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يُوَجِّهُ أُضْحِيَّتَهُ .. )) الحديث.
انتهى. والحديث: دليل على أن التضحية أحب الأعمال إلى الله يوم النحر. (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا الحاكم (ج٤ ص٢٢١ - ٢٢٢) والبيهقي (ج٩
ص٢٦١) كلهم من طريق أبي المثنى، واسمه سليمان بن يزيد عن هشام بن عروة
١٦٣
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
عن أبيه عنها. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد،
قلت: قال الذهبي: سليمان واوٍ وبعضهم تركه، وقال المنذري بعد نقل تحسين
الترمذي وتصحيح الحاكم: سليمان واوٍ وقد وثق. وقال البيهقي : قال البخاري فيما
حكى أبوعيسى عنه: هو حديث مرسل؛ لم يسمع أبوالمثنى من هشام بن عروة.
قال الشيخ أحمد رواه ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن أبي
المثنى عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن هشام عن أبيه عن عائشة أو عن عمه
موسى بن عقبة - هكذا بالشك - أن رسول اللَّه وَّل قال ... إلخ. انتهى.
فلعل الترمذي حسنه لشواهده، وقد ذكرها المنذري في ((الترغيب)) والهيثمي في
((مجمع الزوائد»، لكن لا يخلو واحد منها عن كلام ويشد بعضها بعضًا، ويبلغ
بمجموعها إلى درجة الحسن، ولا شك أنه يقبل مثلها في فضائل الأعمال، قال ابن
العربي في ((شرح الترمذي)): ليس في فضل الأضحية حديث صحيح. انتهى.
قلت: الأمر كما قال ابن العربي. والله تعالى أعلم.
١٤٨٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ
أَيَّامِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْم
مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ: التِّرْمِذِيُّ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٤٨٦ - قوله: (مَا مِنْ أَيَّام) ((من)) زائدة وما بمعنى ليس و((أيام)) اسمها.
(أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ) بالنصب على أنَّه خبرها، وبالفتح صفتها وخبرها ثابتة، وقيل:
بالرفع على أنه صفة أيام على المحل، والفتح على أنها صفتها على اللفظ، وقوله :
((أَنْ يُتَعَبَّدَ)) في محل رفع بتأويل المصدر على أنه فاعل ((أحب))، وقيل: التقدير:
لأن يتعبد، أي: يفعل العبادة (لَهُ) أي: لله (فِيهَا) أي: في الأيام.
(١٤٨٦) التِّرْمِذِي (٧٥٨)، وَابن مَاجَهْ (١٧٢٨) فِي الَّذِي قِيْلَهُ، وَفِي سَنَدِهِ النَّاسُ بْنُ قَهْمٍ، وَهُوَ
مْرُوك.
١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) قال الطيبي: قيل: لو قيل: ((أن يتعبد)) مبتدأ و((أحب))
خبره و ((من)) متعلق بأحب يلزم الفصل بين أحب ومعموله بأجنبي، فالوجه أن يقرأ
((أحب)) بالفتح ليكون صفة ((أيام))، و((أن يتعبد)) فاعله ومن متعلق بـ((أحب))،
والفصل ليس بأجنبي، وهو كقوله: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل من عين
زيد، وخبر ((ما)) محذوف، أقول: لو جعل ((أحب)) خبر ((ما))، و((أن يتعبد)) متعلقًا
بـ((أحب)) بحذف الجار أي: ما من أيام أحب إلى الله لأن يتعبد له فيها من عشر ذي
الحجة، لكان أقرب لفظًا ومعنى؛ أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأن سوق الكلام
لتعظيم الأيام، والعبادة تابعة لها لا عكسه، وعلى ما ذهب إليه القائل يلزم العكس
مع ارتكاب ذلك التعسف. (يَعْدِلُ) بالمعلوم، وقيل: بالمجهول أي: يسوي.
(صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا) أي: ما عدا العاشر. وقال ابن الملك: أي: من أول ذي
الحجة إلى يوم عرفة (بِصِيَام سَنَّةٍ) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا نقله
الجزري في ((جامع الأصولَ)) (ج٤ ص١٦٧) عن الترمذي، ولكن في نسخ
الترمذي وابن ماجه صيام سنة أي: بدون حرف الجر، يعني: لم يكن فيها عشر ذي
الحجة، كذا قيل، والمراد: صيام التطوع، فلا يحتاج إلى أن يقال: لم يكن فيها
أيام رمضان.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) كلاهما في الصوم، وقال الترمذي: إسناده ضعيف،
وفي نسخ الترمذي الحاضرة عندنا. قال أبوعيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا
من حديث مسعود بن واصل عن النهاس بن قهم، وسألت محمدًا عن هذا
الحديث، فلم يعرفه من غير هذا الوجه مثل هذا، وقال: قد روي عن قتادة عن
سعيد بن المسيب عن النبي ◌َّ مرسل شيء من هذا. انتهى.
قلت: مسعود بن واصل لين الحديث، قال أبو داود: مسعود ليس بذاك ونهاس
ابن قهم ضعيف، كما في ((التقريب))، ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما،
فالحدیث ضعيف .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
١٦٥
الفصل الثالث
١٤٨٧ - [٢٠] عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى يَوْمَ
النَّحْرِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى، وفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ
يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: (مَنْ كَانَ ذَبَحَ
قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ - أَوْ نُصَلِّيَ - فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى)). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: صَلَّى
النَّبِيُّ ◌َّهِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: ((مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ،
[متفق عليه]
فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللّهِ).
الشرْخُ
١٤٨٧ - قوله: (شَهِدْتُ) أي: حضرت. (الْأَضْحَى) أي: عيده، وقيل: أي:
مصلاه. (فَلَمْ يَعْدُ) بفتح الياء وسكون العين وضم الدال من عدا يعدو أي: لم
يتجاوز. (وَسَلّمَ) عطف تفسيري. (فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ) بتشديد الياء ويخفف
أي: لم يتجاوز عن الصلاة إلى الخطبة، ففاجأ لحم الأضاحي. (فَقَالَ) أي: في
خطبته. (مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَّ) بكسر اللام أي: هو .
(أَوْ نُصَلِّيَ) أي: نحن، شك من الراوي، والمآل واحد؛ إذ لم يكن هناك مصلى
متعدد، قاله القاري، وقال الشوكاني: الأولى بالياء التحتية، والثانية بالنون، وهو
شك من الراوي، ورواية النون موافقة لقوله في أول الحديث: (ذُبِحَتْ قبل أن
يصلي))، فإن المراد: صلاة النبي وَّل، وموافقة أيضًا لقوله في آخر الحديث:
((وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ حَتَّى صَلَّيْنَا))، وقد تقدمت هذه الرواية في آخر الفصل الأول من
صلاة العيدين، وهذا يدل على أن وقت الأضحية بعد صلاة الإمام لا بعد صلاة
غيره، فيكون المراد بقوله في حديث أنس المتقدم، وكذا في رواية جندب
السابقة: ((مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ)): الصلاة المعهودة، وهي صلاة النبي ◌ََّ،
وصلاة الأئمة بعد انقضاء عصر النبوة، ويؤيد هذا ما أخرجه الطحاوي من حديث
(١٤٨٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٩٨٥)، ومُسْلِم (١٩٦٠) فِيه عنه.
١٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
جابر، وصححه ابن حبان أن رجلًا ذبح قبل أن يصلي رسول اللَّه وَ له فنهى أن
يذبح أحد قبل الصلاة. انتهى. وقد تقدم البسط في ذلك وبيان ما هو الراجح فيه.
(فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا) أي: بدلِ تلك الذبيحة. (أُخْرَى) أي: أضحية أخرى أو ذبيحة
أخرى، (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيَّ ◌َّهِ يَوْمَ النَّحْرِ) صلاة العيد. (وَقَالَ) أي: في
خطبته ((مَنْ كَانَ ذَبَحَ)) وفي بعض النسخ: من ذبح، وهكذا نقله الجزري (ج٤
ص١٤٥)، قال الحافظ: قوله: (وَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ) هو من جملة الخطبة، وليس
معطوفًا على قوله: (ثُمَّ ذَبَحَ)؛ لئلا يلزم تخلل الذبح بين الخطبة، وهذا القول قَبْلَ
أَنْ يُصَلِّيَ العید.
(فَلْيَذْبَحْ) ذبيحة. (أُخْرَى مَكَانَها، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ الله)، قال
النووي: قال الكتاب من أهل العربية: إذا قيل ((باسم الله)) تعين كتبه بالألف، وإنما
تحذف الألف، إذا كتب ﴿يِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَيَةِ﴾ بكمالها.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أي: على أصل الحديث، ولفظ الرواية الأولى لمسلم في
الأضاحي، والثانية للبخاري في باب كلام الإمام والناس في خطبة العيدين من
كتاب العيدين، وللحديث ألفاظ منها ما ذكره المؤلف في العيدين، وقد تقدم هناك
تخريجه .
١٤٨٨ - [٢١] وَعَنْ نَافِعِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: الْأَضْحَى يَوْمَانٍ بَعْدَ يَوْم
[رَوَاهُ مَالِكٌ، وَقَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ] (صحيح}
الْأَضْحَى.
الْشَرْحُ
١٤٨٨ - قوله: (الْأَضْحَى) قال الطيبي: هذا جمع أضحاة، وهي الأضحية
كأرطى وأرطاة، أي: وقت الأضاحي. (يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمَ الأَضْحَى) وهو اليوم الأول
من أيام النحر، وبه أخذ أبو حنيفة ومالك وأحمد والثوري، وقالوا: ينتهي وقت
الذبح بغروب ثاني أيام التشريق، فآخر وقت الذبح عندهم آخر اليوم الثاني من أيام
(١٤٨٨) مَالِك (٣٠١) عن نافع عنه.
١٦٧
بَابْ فِي الْأَضْحِيَّةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة أيام فقط يوم العيد ويومان بعده، وروي هذا عن
علي وعمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس، كما في ((المحلى)) (ج٧ ص٣٧٧).
وحكى ابن القيم وابن قدامة عن أحمد أنه قال: هو قول غير واحد من أصحاب
رسول اللَّه ◌َله، وذكره الأثرم عن ابن عباس، واستدل لذلك بما روي من النهي عن
ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. قال ابن قدامة: ولا يجوز الذبح في وقت لا
يجوز ادخار الأضحية إليه، ونسخ تحريم الادخار لا يستلزم نسخ وقت الذبح.
وقال الشافعي: يمتد وقت الأضحية إلى غروب الشمس آخر أيام التشريق،
فالأضحى عنده ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وإليه ذهب عطاء والحسن البصري وعمر
ابن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام، ومكحول، وهو قول
ابن عباس، روى ذلك عنهم البيهقي في السنن (ج٩ ص٢٩٦ - ٢٩٧)، وابن حزم
في ((المحلى)) (ج ٧ ص ٣٧٧ - ٣٧٨).
وذكر ابن القيم في ((الهَدْي)) عن علي أنه قال: أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام
بعده، وكذا حكاه النووي عنه في ((شرح مسلم))، وحكاه أيضًا عن جبير بن مطعم
وابن عباس وغيرهما، وحكاه ابن القيم عن الأوزاعي وابن المنذر، وبهذا يظهر
خطأ من زعم تفرد الشافعي به، واستدل له بما روى جبير بن مطعم عن النبي ◌َّ أنه
قال: ((كُلَّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحُ))، أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) والبيهقي (ج٩
ص٢٩٦) من رواية عبد الرحمن بن حسين عنه، وأخرجه البزار من هذا الوجه،
وقال: ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم، فهو منقطع، وأخرجه البيهقي في
((المعرفة)) وفي ((السنن))، ولم يذكر فيه انقطاعًا.
قلت: عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم، هكذا وقع في ((صحيح
ابن حبان))، كما في ((موارد الظمآن)) و((السنن)) للبيهقي، وكذا نقله الزيلعي (ج ٣
ص٦١، وج ٤ ص٢١٢)، وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢١٦) بعد عزوه إلى
ابن حبان والطبراني والبيهقي والبزار ما لفظه: وفي سنده انقطاع؛ فإنه من رواية
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم، ولم يلقه، قاله البزار،
قيل: هو الصواب كما في ((تهذيب التهذيب)) (ج١٢ ص٢٩٠)، وعبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي حسين هذا هو ابن الحارث بن عامر بن نوفل المكي القرشي
١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النوفلي، من رجال الستة، ثقة عالم بالمناسك، روى عن نافع بن جبير وغيره،
وروى عنه: مالك والسفيانان وغيرهم، من الخامسة، أي: من صغار التابعين،
وهم الذي رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من
الصحابة كالأعمش، وأما عبد الرحمن بن أبي حسين فذكره ابن حبان في كتاب
(الثقات)) في التابعین (ص ١٦٠)، قال: عبد الرحمن بن أبي حسین یروي عن جبير
ابن مطعم، روى عنه سليمان بن موسى، أحسبه والد عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي حسين المدني. انتهى.
قلت: وصنیع ابن حبان وشرطه في ((صحيحه)) ومسلكه في كتاب ((الثقات)) على
ما صرح به في آخره (ص٣٠٨) يدل على أن حديث جبير بن مطعم، من طريق
سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن جبير بن مطعم - صحيح
متصل غير منقطع خلافًا لما قاله البزار. قلت: حديث جبير بن مطعم هذا أخرجه
الدار قطني (ص ٥٤٤) والبيهقي (ج٩ ص٢٩٦) أيضًا من وجهين آخرين موصولين
فيهما ضعف، أخرج أحدهما البزار، وأخرجه أحمد (ج٤ ص ٨٢)، والبيهقي (ج ٩
ص٢٩٥) من طريق سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم عن النبي وَّ وهي أيضًا
منقطعة. قال البيهقي: سليمان لم يدرك جبير بن مطعم، وكذا قال ابن كثير كما في
نصب الراية (ج ٣ ص٦١)، وأخرجه ابن عدي في ((الكامل))، والبيهقي في ((السنن))
(ج٩ ص٢٩٦) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وضعفاه بمعاوية بن يحيى
الصدفي.
قال ابن عدي: هذا جميعًا غير محفوظين لا يرويهما غير الصدفي، والصدفي
ضعيف لا يحتج به، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه موضوع بهذا الإسناد، قال ابنٍ
القيم: روي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي وَلّ أنه قال: ((كُلّ
أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ))، وروي من حديث جبير بن مطعم، وفيه انقطاع، ومن حديث
أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر، قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل
المدينة ثقة مأمون. انتهى.
وقال ابن حجر الهيثمي: والحاصل: أن للحديث طرقًا يقوي بعضها بعضًا، فهو
حسن يحتج به، وبذلك قال ابن عباس وجبير بن مطعم، ونقل عن علي أيضًا، وبه
قال كثير من التابعين، فمن زعم تفرد الشافعي به فقد أخطأ. انتهى. وقال ابن
١٦٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
سيرين وحميد بن عبد الرحمن: لا تجوز الأضحية إلا في يوم النحر خاصة، وهو
قول داود الظاهري؛ لأنها وظيفة عيد، فلا تجوز إلا في يوم واحد كأداء الفطرة يوم
الفطر، ولأن هذا اليوم اختص بهذه التسمية، فدل على اختصاص حکمها به، ولو
جاز في الثلاثة لقيل لها: أيام النحر كما قيل لها: أيام الرمي وأيام منى وأيام
التشريق، وأجيب عنه: بأن المراد النحر الكامل، واللام يستعمل كثيرًا للكمال.
وقال القرطبي: التمسكِ بإضافة اليوم إلى النحر ضعيف مع قوله تعالى:
﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ [الحج: ٢٨]،
وقال ابن بطال: ليس استدلال من استدل بقوله الثلا بشيء؛ لأن النحر في أيام منى
فعل الخلف والسلف، وجرى عليه العمل في جميع الأمصار. انتهى.
وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد: إن وقته يوم النحر فقط لأهل الأمصار،
وثلاثة أيام في منى؛ لأنها هناك من أيام أعمال المناسك من الرمي والطواف
والحلق، فكانت أيامًا للذبح بخلاف أهل الأمصار. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن
ابن عوف وسليمان بن يسار: الأضحى إلى هلال المحرم لمن استأنى بذلك، وبه
قال ابن حزم. روى البيهقي (ج٩ ص٢٩٧) وابن حزم في ((المحلی)) (ج٧ ص٣٧٨
- ٣٧٩) وابن أبي شيبة والدارقطني وأبو داود في ((المراسيل)) عن أبي سلمة
وسليمان بن يسار قالا جميعًا: بلغنا أن رسول اللَّه ◌َلَه قال: ((الْأَضْحَى إِلَى هِلَالٍ
الْمُحَرَّم لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِيَ بِذَلِك)) وهذا مرسل ضعيف، وروى أحمد وأبونعيم في
((مستخرجه)) من طريقه، والبيهقي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف يقول: إن كان
المسلمون ليشتري أحدهم الأضحية فيسمنها فيذبحها بعد الأضحى آخر ذي
الحجة. قال أحمد: هذا الحديث عجيب، يشير إلى أن زيادة قوله: ((فيذبحها بعد
الأضحى آخر ذي الحجة))، مستنكرة. قال البيهقي: حديث أبي سلمة وسليمان
مرسل، وحديث أبي أمامة حكاية عمن لم يسم. انتهى.
قلت: حديث أبي أمامة ليس من قسم الحديث المرفوع ولا الموقوف، بل هو
من قسم المقطوع الذي ليس بحجة بالاتفاق. والقول الراجح من هذه الأقوال
الخمسة عندي هو ما ذهب إليه الشافعي؛ للأحاديث التي ذكرناها، وهي يقوي
بعضها بعضًا، وقد أجاب عنه بعض من اختار القول الأول بجواب هو في غاية
١٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السقوط، وهو أنه لم يعمل بحديث جبير بن مطعم أحد من الصحابة، وقد عرفت
أنه قول جماعة من الصحابة على أن مجرد ترك الصحابة من غير تصريح منهم بعدم
الجواز لا يعد قادحًا، أما النهي عن ادخار لحوم لأضاحي فوق ثلاث، فلا يدل على
أن أيام الذبح ثلاثة فقط. قال ابن القيم: لأن الحديث دليل على نهي الذابح أن
يدخر شيئًا فوق ثلاثة أيام من يوم ذبحه، فلو أخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له
الادخار ما بينه وبين ثلاثة أيام، والذين حددوه بالثلاث فهموا من نهيه عن الادخار
فوق ثلاث أن أولها من يوم النحر، قالوا: وغير جائز أن يكون الذبح مشروعًا في
وقت يحرم فيه الأكل، قالوا: ثم نسخ تحريم الأكل، فبقي وقت الذبح بحاله،
فيقال لهم: إن النبي ◌َّ لم ينه إلا عن الادخار فوق ثلاث لم ينه عن التضحية بعد
ثلاث، فأين أحدهما من الآخر، ولا تلازم بين ما نهي عنه وبین اختصاص الذبح
بثلاث لوجهين: أحدهما: أنه يسوغ الذبح في اليوم الثاني والثالث، فيجوز له
الادخار إلى تمام الثلاث من يوم الذبح، ولا يتم لكم الاستدلال حتى يثبت النهي
عن الذبح بعد يوم النحر، ولا سبيل لكم إلى هذا. الثاني: لو ذبح في آخر جزء من
يوم النحر لساغ له حينئذٍ الادخار ثلاثة أيام بعده بمقتضى الحديث. انتهى كلام ابن
القيم.
هذا، وقد ذهب بعض علمائنا إلى جواز التضحية إلى آخر ذي الحجة معتمدًا
على أثر أبي سلمة وسليمان بن يسار وأثر أبي أمامة المذكورين في معرض
الاستدلال للقول الخامس، وقد رد عليه شيخ مشايخنا الشيخ الإمام الرحلة حسين
بن محسن الأنصاري ردًّا مشبعًا في رسالة مستقلة سماها: ((إقامة الحجة في الرد
على من ادعى جواز التضحية إلى آخر ذي الحجة))، وهي ملحقة بفتاواه المطبوعة،
فعليك أن تطالعها .
(رَوَاهُ مَالِك) وأخرجه أيضًا البيهقي وابن حزم. (وَقَالَ) أي: مالك. (وَبَلَغَنِي)
وفي بعض النسخ: ((بلغني)) أي: بغير الواو، ولفظ ((الموطأ)): ((مالك أنه بلغه)) (عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلَهُ) بالرفع، أي: مثل مروي ابن عمر، ولم أقف على من روى
أثر علي موصولًا، نعم، قال ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٣ ص٣٧٧): روينا من
طريق ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمر وعن زر عن علي قال: النحر ثلاثة أيام،
١٧١
بَابْ فِي الْأَضْحِيَّةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
أفضلها أولها. قال ابن حزم: ابن أبي ليلى سيئ الحفظ، والمنهال متكلم فيه.
انتهى. وعزاه علي المتقي في ((الكنز)) (ج ٣ ص٤٦) إلى ابن أبي الدنيا، وأخرج ابن
عبد البر في ((التمهيد))، وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا عن علي قال: الأيام
المعدودات ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها
أولها .
واعلم: أنه وقع الخلاف في جواز التضحية في ليالي أيام الذبح:
فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور والجمهور: إنه يجوز مع
كراهة. قال ابن قدامة: وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وقال مالك في المشهور
عنه، وعامة أصحابه، ورواية عن أحمد، واختارها الخرقي: أنه لا يجزئ، بل يكون
شاة لحم. قال الشوكاني: ولا يخفى أن القول بعدم الإجزاء وبالكراهة يحتاج إلى
دليل، ومجرد ذكر الأيام في حديث جبير بن مطعم، وإن دل على إخراج الليالي
بمفهوم اللقب لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي والعكس مشهور
متداول بين أهل اللغة، لايكاد يتبادر غيره عند الإطلاق. انتهى.
وأما ما أخرجه الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عباس أن النبي وَلّ نهى أن يضحى
ليلًا، ففي إسناده سليمان بن سلمة الخبايري، وهو متروك، كذا في ((مجمع
الزوائد» (ج٤ ص٢٣)، واستدل بعضهم لذلك بقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ
فِىّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ قالوا: فلم يذكر الليل، قال ابن
حزم في الرد عليه: إن الله تعالى لم يذكر في هذه ذبحًا، ولا تضحية، ولا نحرًا، لا
في نهار ولا في ليل، وإنما أمر الله تعالى بذكره في تلك الأيام المعلومات، أفترى
يحرم ذكره في لياليهن؟ إن هذا لعجب، وليس هذا النص بمانع من ذكره تعالى
وحمده على ما رزقنا من بهيمة الأنعام في ليل أو نهار في العام كله، ولا يختلفون
فيمن حلف أن لا يكلم زيدًا ثلاثة أيام، أن الليل يدخل في ذلك مع النهار، قال:
وذكروا حديثًا لا يصح، رويناه من طريق بقية بن الوليد عن مبشر بن عبيد الحلبي
عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، أن رسول اللَّه وَ لا نهى عن الذبح بالليل.
قال ابن حزم: بقيةٌ ليس بالقوي، ومبشر بن عبيد مذكور بوضع الحديث عمدًا،
ثم هو مرسل، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة؛ لأنهم يجيزون الذبح بالليل
١٧٢
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيخالفونه فيما فيه ويحتجون به فيما ليس فيه، وقال قائل منهم: لما كانت ليلة النحر
لا تجوز التضحية فيها وكان يومه تجوز التضحية فيه، كانت ليالي سائر أيام
التضحية كذلك. قال ابن حزم: هذا القياس باطل؛ لأن يوم النحر هو مبدأ دخول
وقت التضحية، وما قبله ليس وقتًا للتضحية، ولا يختلفون معنا في أن من طلوع
الشمس إلى أن يمضي بعد ابيضاضها وارتفاع وقت واسع من يوم النحر لا تجوز فيه
التضحية، فيلزمهم أن يقيسوا على ذلك اليوم ما بعده من أيام التضحية، فلا
يجيزون التضحية فيها إلا بعد مضي مثل ذلك الوقت، وإلا فقد تناقضوا وظهر فساد
قولهم. انتهى.
وروى البيهقي (ج٩ ص ٢٩٠) عن الحسن البصري قال: نهى عن جداد الليل،
وحصاد الليل، والأضحى بالليل، وهو - وإن كانت الصيغة مقتضية للرفع -
مرسل، وأيضًا في آخره: وإنما كان ذلك من شدة حال الناس، كان الرجل يفعله
ليلًا فنهي عنه ثم رخص في ذلك، وهذا خلاف ما ذهب إليه مالك وأصحابه.
١٤٨٩ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ
سِنِينَ يُضَحِّي.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الْشَّرْجُ
١٤٨٩ - قوله: (أَقَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِالْمَدِينَةِ عَشْرِ سِنِينَ يُضَخِّي) أي: كل
سنة، واستدل به على وجوب الأضحية.
قال القاري: مواظبته دليل الوجوب، وتعقب: بأن مجرد مواظبته وح له على فعل
لیس دلیل الوجوب، كما لا يخفى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٣٨) قال الترمذي : حديث حسن،
قلت: في إسناده حجاج بن أرطاة، وهو كثير الخطأ والتدليس، ورواه عن نافع
بالعنعنة .
(١٤٨٩) التِّرْ مِذِي (١٥٠٧) فيه عن ابن عمر رَضِلْنَهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابْ فِي الْأُضْحِيَّةِ
******** exese <<<<<<< prees ***** * 3cxxxx
Deses
١٧٣
١٤٩٠ - [٢٣] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ :
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ؟ قَالَ: ((سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ◌َِّ)) قَالَوا: فَمَا
لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَّةٌ)) قَالُوا: فَالصُوفُ يَا رَسُولَ
اللَّهِ؟ قَالَ: ((بِكُلِّ شَعَرَةٍ مِنَ الصُوفِ حَسَنَةٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٤٩٠ - قوله: (مَا هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ) أي: من خصائص شريعتنا، أو سبقتنا بها
بعض الشرائع. (قَالَ: سُنَّةُ أَبِيكُمْ) أي: طريقته التي أُمِرْنَا باتباعها فهي من الشرائع
القديمة، التي قررتها شريعتنا. (إِبْرَاهِيمَ الَّلا) وفي بعض النسخ: وَّرَ. وليس في
((مسند الإمام أحمد)) و((السنن)) لابن ماجه جملة الدعاء. (فَمَا لَنَا) وفي ((المسند)):
((مَا لَنَا))، أي: بغير الفاء (فِيهَا) أي: في الأضاحي من الثواب يا رسول الله.
(بِكُلِّ شَعَرَةٍ) بالسكون والفتح. (حَسَنَةٌ) أي: فضلًا عن اللحم والشحم والجلد،
والباء للبدلية أو للسببية، قال الطيبي: الباء في ((بِكُلِّ شَعْرَةٍ)) بمعنى ((في)) ليطابق
السؤال؛ أي: أيَّ شيء لنا من الثواب في الأضاحي؟ فأجاب: في كل شعرة منها
حسنة، ولما كان الشعر كناية عن المعز كنوا عن الضأن بالصوف.
(قَالُوا: فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللهِ) أي: فالضأن ما لنا فيه؟ فإن الشعر مختص
بالمعز، كما أن الوبر مختص بالإبل. قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا
أَثَثَّا وَمَتَعَا إِلَى حِينٍ﴾ (النحل: ٨٠] ولكن قد يتوسع بالشعر فيعم، قال: (بِكُلِّ شَعَرَةٍ) أي:
طافة. (مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ) فكذا بكل وبرة حسنة. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤ ص٣٨٦)
(وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٩ ص٢٦١)، وذكره المنذري في
((الترغيب))، وقال: رواه ابن ماجه والحاكم وغيرهما، كلهم عن عائذ اللّه عن أبي
داود عن زيد ابن أرقم.
(١٤٩٠) أَحْمَد (٣٦٨/٤)، وابن مَاجَهْ (٣١٢٧) فيه عنه.
١٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، قال المنذري: بل واهية، عائذ اللَّه هو
المجاشعي، وأبو داود هو نفيع بن الحارث الأعمى، وكلاهما ساقط. انتهى.
وقال البوصيري في ((الزوائد)): في إسناده أبو داود نفيع بن الحارث، وهو متروك
واتهم بوضع الحديث، وحكى البيهقي عن البخاري أنه قال: عائذ اللَّه المجاشعي
عن أبي داود لا يصح حديثه، وقال ابن التركماني: أبو داود نفيع متروك، ذكره
الذهبي في كتابيه ((الكاشف)) و((الضعفاء)).
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْعَتِيرَةِ
١٧٥
٤٩ - بَابُ الْعَتِيرَةِ
(بَابُ الْعَتِيرَةِ) بفتح العين المهملة وكسر الفوقية وسكون التحتية بعدها راء فهاء
تأنيث، بوزن عظيمة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي النسيكة أي: الذبيحة التي تعتر
أي: تذبح، وكانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب ويسمونها الرجبية، كما
في حديث مخنف الآتي، ونقل النووي اتفاق العلماء على تفسير العتيرة بهذا. وفيه
نظر؛ فقد قال أبو عبيد: العتيرة ذبيحة كانوا يذبحونها في الجاهلية في رجب
يتقربون بها لأصنامهم. وقال غيره: العتيرة نذر كانوا ينذرونه من بلغ ماله كذا أن
يذبح من كل عشرة منها رأسًا في رجب. وذكر ابن سيده: أن العتيرة أن الرجل كان
يقول في الجاهلية: إن بلغ إبلي مائة عترت منها عتيرة. زاد في ((الصحاح)): في
رجب .
وقال الترمذي: العتيرة ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب يعظمون شهر رجب؛
لأنه أول شهر من أشهر الحرم.
وأما الفرع المذكور في الحديث، وهو بفتح الفاء والراء بعدها عين مهملة.
ويقال فيه: الفرعة - بالهاء - فاختلف في تفسيره أيضًا: فقيل: هو أول نتاج البهيمة
الناقة أو الشاة، كان أهل الجاهلية يذبحونه يطلبون به البركة في أموالهم، ولا
يملكونه رجاء البركة فيما يأتي بعده، أي: في كثرة نسلها، هكذا فسره كثيرون من
أهل اللغة، وجماعة من أهل العلم. منهم الشافعي كما في ((السنن الكبرى)) (ج٩
ص٣١٣) للبيهقي.
وقيل: هو أول النتاج كانوا يذبحونه لآلهتهم، وهي طواغيتهم، هكذا جاء
تفسيره في آخر حديث أبي هريرة الآتي. وقيل: هو أول النتاج لمن بلغت إبله مائة
يذبحونه، قال شمر: قال مالك: كان الرجل إذا بلغت إيله مائة قدم بكرًا فنحره
لصنمه، ويسمونه الفرع.
EEcK
١٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٤٩١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: (لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ)).
قَالَ: وَالْفَرَعُ: أَوَّلُ نِتَاجِ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَواغِيتِهِمْ،
وَالْعَتِرَةُ: فِي رَجَبٍ.
[متفق عليه]
G O
الْشِّرْجُ
١٤٩١ - قوله: (لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ) هكذا جاء بلفظ النفي، والمراد به النهي،
وقد ورد بصيغة النهي في رواية للنسائي، وللإسماعيلي بلفظ: نهى رسول الله
وََّ، ووقع في رواية لأحمد: ((لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ فِي الْإِسْلَام))، كذا في ((الفتح))،
وقيل: لعل صيغة النهي في رواية النسائي والإسماعيلي من بعض الرواة لزعمه أن
المراد بالنفي النهي على أنه من قبيل قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فعبر
بالنهي لقصد النقل بالمعنى، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: وَالْفَرَعُ) قيل: هذا التفسير من سعيد بن المسيب، ففي ((سنن أبي داود))
من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: ((الْفَرَعُ أَوَّلُ
النَّتَاجُ ... )) الحديث. جعله موقوفًا على سعيد بن المسيب، وقال الخطابي: أحسب
التفسير فيه من قول الزهري. قال الحافظ: قد صرح عبد المجيد بن أبي رواد عن
معمر فيما أخرجه أبوقرة موسى بن طارق في ((السنن)) له، بأن تفسير الفرع والعتيرة
من قول الزهري.
(أَوَّلُ نِتَاج) بكسر النون بعدها مثناة خفيفة وآخره جيم .
(كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ) بضم أوله وفتح ثالثه، يقال: نتجتِ الناقة - بضم النون وكسر
التاء الفوقية، ولا يستعمل هذا الفعل إلا هكذا وإن كان مبنيًّا للفاعل. (كَانُوا) في
(١٤٩١) البُخَارِي (٥٤٧٣)، ومُسْلِم (٣٨/ ١٩٧٦)، وأَبُو دَاوُد (٢٨٣١)، والترمِذِي (١٥١٢)، وابن
ماجه (٣١٦٨)، والنَّسَائِي (٧/ ١٦٧) فِي الأَضَاحِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
١٧٧
بَابُ الْعَتِيرَةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الجاهلية. (يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ) أي: لأصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله،
جمع طاغوت. وقيل: جمع طاغية؛ ما كانوا يعبدونه من الأصنام وغيرها، زاد أبو
داود عن بعضهم: ((ثم يأكلونه ويلقى جلده على الشجر))، وفيه إشارة إلى علة
النهي، واستنبط منه الجواز، إذا كان الذبح لله؛ جمعًا بينه وبين أحاديث جواز
الفرع. (وَالْعَتِيرَةُ) بالرفعِ. (فِي رَجَبٍ) أي: شاة كانت تذبح في رجب.
واعلم: أنه اختلفت الأحاديث في حكم الفرع والعتيرة؛ فبعضها يدل على
المنع، وهو حديث أبي هريرة هذا، وحديث ابن عمر عند ابن ماجه، وبعضها يدل
على تأكد أمرهما، وهو حديث مخنف الآتي، وحديث نبيشة الهذلي عند أحمد
وأبي داود والنسائي وابن ماجه والحاكم (ج٤ ص٢٣٦) والبيهقي (ج٩ ص٣١٢)،
وحديث عائشة عند أبي داود والحاكم والبيهقي وعبد الرزاق، وحديث أنس وابن
عمر عند الطبراني في ((الأوسط))، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند
أبي داود والنسائي والحاكم والبيهقي. وبعضها يدل على مجرد الجواز والإباحة
من غير تأكد، وهو حديث الحارث بن عمرو عند أحمد والنسائي والحاكم
والبيهقي، وحديث أبي رزين العقيلي عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان،
وحديث يزيد بن عبد الله المزني عن أبيه عند الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))،
وحديث سمرة عند الطبراني في ((الكبير))، وحديث ابن عباس عند الطبراني أيضًا،
ذكر أكثر هذه الأحاديث الشوكاني في ((النيل))، والعيني والحافظ في ((شرحيهما.
للبخاري))، والنووي في (شرح مسلم))، واختلف العلماء في الجمع بين هذه
الأحاديث والروايات القاضية بالمنع :
فقيل: إنه يجمع بينها بحمل أحاديث الجواز على الندب، وأحاديث المنع على
نفي الوجوب. قال الشافعي بعد تفسير الفرع بما حكينا عنه: فسألوا النبي وَّعما
كانوا يصنعون في الجاهلية؛ خوفًا أن يكره في الإسلام، فأعلمهم أنه لا كراهة
عليهم فيه، وأمرهم اختيارًا واستحبابًا أن يتركوه حتى يحمل عليه في سبيل الله،
وقوله: ((الْفَرَعُ حَقٌّ)) في حديث عبد الله بن عمرو، أي: ليس بباطل، وهو كلام
عربي خرج على جواب السائل ولا مخالفة بينه وبين حديث: ((لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ))؛
فإن معناه: لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة.
١٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقيل: النهي موجه إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم، فيكون المنع غير متناول
لما ذبح من الفرع والعتيرة لغير ذلك مما فيه وجه قربة. وقيل: المراد بالنفي
المذكور أنهما ليسا كالأضحية في تأكد الاستحباب، أو في ثواب إراقة الدم، فأما
تفرقة اللحم على المساكين فبر وصدقة، والجمع الأول أولى. وقال النووي: نص
الشافعي في حرملة على أن الفرع والعتيرة مستحبان، ويؤيده حديث نبيشة قال:
نادى رجل رسول اللّه وَ له: إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟
قال: ((اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرِ كَانَ))، قال: إنا نفرع في الجاهلية. قال: ((فِي كُلِّ
سَائِمَةٍ فَرَعْ تَغْذُوهُ مَاشِيَتُكَ، حَتَّى إِذَا اسْتَحْمَلَ ذَبَحْتَهُ فَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ
خَيْرٌ))، وفي رواية: ((السَّائِمَةُ مِائَة))، ففي هذا الحديث أنه فعلَّا لم يبطل الفرع
والعتيرة من أصلهما، وإنما أبطل صفة من كل منهما، فمن الفرع كونه يذبح أول ما
یولد ومن العتيرة خصوص الذبح في شهر رجب.
وقال ابن قدامة: المراد بحديث أبي هريرة: نفي كونها سنة لا تحريم فعلها ولا
كراهته، فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك، أو
للصدقة به وإطعامه لم يكن ذلك مكروهًا. وذهب جماعة إلى أن أحاديث الجواز
منسوخة بأحاديث المنع. قال ابن المنذر: النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان
يفعل، وما قال أحمد أنه كان ينهى عنهما، ثم أذن في فعلهما. وقال ابن قدامة:
حديث أبي هريرة في النهي متأخر عن الأمر بها، فيكون ناسخًّا، ودليل تأخره
أمران :
أحدهما: أن راويه أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام فإنه أسلم عند فتح خيبر سنة
سبع من الهجرة.
والثاني: أن فعل الفرع والعتيرة كان أمرًا متقدمًا على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم
إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له، ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر
بها لكانت قد نسخت، ثم نسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر. انتهى. هكذا قرر
النسخ ولا يخفى ما فيه، وادعى عياض أن جماهير العلماء على النسخ، وبه جزم
الحازمي، وما تقدم نقله عن الشافعي يرد عليهم، وقد كان ابن سيرين يذبح العتيرة
في رجب، وقال وكيع بن عدس - راوي حديث أبي رزين: لا أدعه، وجزم أبوعبيد
كِتَابُ الصَّلَاةِ
THERE
بَابُ الْعَتِيرَةِ
١٧٩
DACE
بأن العتيرة تستحب، ونقل الطحاوي عن ابن عون أنه كان يفعله، وفي هذا تعقب
على من قال: إن ابن سيرين تفرد بذلك، وقال في ((شرح السنة)): كانوا يذبحون
الفرع لآلهتهم في الجاهلية، وقد كان المسلمون يفعلونه في بدء الإسلام، أي: لله
سبحانه ثم نسخ ونهي عنه أي: للتشبه. وقال القاري: الظاهر أن حديث نبيشة كان
في صدر الإسلام، ثم وقع النهي العام للتشبه بأهل الأصنام. انتهى.
قلت: أعدل الأقوال عندي: هو الجمع بين الأحاديث بما ذكره الشافعي ومن
وافقه؛ لأن الجزم بالنسخ لا يجوز إلا بعد ثبوت أن أحاديث المنع متأخرة، ولم
يثبت هذا العدم العلم بالتاريخ، ولأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا
يجوز، وقد تأيد ما ذكره الشافعي من وجه الجمع بأحاديث نبيشة وعائشة وعبد الله
ابن عمرو وغيرهم، والله تعالى أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج٩ ص٣١٣) وغيرهم.