Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال أبو حنيفة: يكره أن يذكر اسم غير اللَّه لقول الله تعالى: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ
﴾ [المائدة: ٣]، ولنا أن النبي ◌َّ- أتي بكبش ليضحي به، فأضجعه، ثم قال: ((اللَّهُمَّ
تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلٍ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ))، ثُمَّ ضَخَّى بِهِ، رواه مسلم. وفي حديث
جابر - عند أبي داود وابن ماجه والبيهقي - أن النبي ◌َّ قال: ((اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ
مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْم اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ))، ثم ذبح، وهذا نص لا يعرج على خلافه انتهى.
قال الخرقي: وليس عليه أن يقول عند الذبح عمن؛ لأن النية تجزئ. قال ابن
قدامة: لا أعلم خلافًا في أن النية تجزئ، وإن ذكر من يضحي عنه فحسن، لما
روينا من الحديث. قال الحسن: يقول: ((بسم الله والله أكبر، هذا منك ولك،
تقبل من فلان))، وكره أهل الرأي هذا، كما ذكرنا. انتهى.
وفيه: دليل على أنه إذا ذبح واحد عن أهل بيته بشاة تأدت السنة لجميعهم.
وبهذا قال أحمد والليث والأوزاعي وإسحاق، وروى ذلك عن ابن عمر وأبي
هريرة، وقال الثوري وأبو حنيفة: لا تجزئ الشاة إلا عن نفس واحدة، والحديث
يرد عليهما، وتأويله بإشراك الآل في الثواب خلاف الظاهر، والقول بالنسخ أو
التخصیص مردود؛ لأنه مجرد دعوى.
قال الخطابي في ((المعالم): قوله: (تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ))
دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل، وعن أهله، وإن كثروا. وروي عن
ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يفعلان ذلك، وأجازه مالك والأوزاعي والشافعي
وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، انتهى. وفي الباب أحاديث ذكرها شيخنا في
((شرح الترمذي)) (ج٢ ص٣٥٧، ٣٥٨)، وبسط الكلام فيه فارجع إليه. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) في الأضاحي، وأخرجه أيضًا أبو داود والبيهقي (ج ٣ ص ٢٦٧، ٢٧٢،
٢٨٦) .

١٢١
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٤٧٠ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَذْبَحُوا إِلَّا
مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَّحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (صحيح}
الْشَوْحُ
١٤٧٠ - قوله: (لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً) - بضم الميم وكسر السين وبالنون
المشددة - اسم فاعل من أسنت، إذا طلع سنها لا من أسن الرجل؛ إذا كبر، قاله
السندي في ((حاشية النسائي))، وقال ابن عابدين في ((رد المحتار)) (ج٢ ص٢٤) -
في شرح قوله: ((وفي أربعين مسن ذو سنتين)) - قوله: ((مُسِنْ)) - بضم الميم وكسر
السين - مأخوذ من الأسنان، وهو طلوع السن في هذه السنة لا الكبر، قهستاني عن
ابن الأثير، انتهى. وقال في (ج٢ ص٣١): سميت بذلك؛ لأن عمرها يعرف بالسن
واحدة الأسنان بخلاف الآدمي، انتهى. وفي ((القاموس)) و(شرحه)) (ج٩ ص٢٤٣)
يقال: أسن البعير، إذا نبت سنه الذي يصير به مسنًا من الدواب وفيهما أيضًا. وفي
((لسان العرب)) (ج١٧ ص٨٦): والبقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن إذا أثنيا،
فإذا سقطت ثنيتهما بعد طلوعها فقد أسنت، وليس في معنى أسنانها كبرها
كالرجل، ولكن معناه طلوع ثنيتها. انتهى.
وقال الجزري في ((النهاية)) (ج٢ ص١١٨) قال الأزهري: البقرة والشاة يقع
عليهما اسم المسنة، إذا أثنيا يثنيان في السنة الثالثة، وليس معنى أسنانها كبرها
كالرجل، ولكن معناه طلوع سنها في السنة الثالثة. انتهى. وقال الفيومي في
((المصباح)) (ج١ ص ١٤٠): أسن الإنسان وغيره إسنانًا إذا كبر فهو مسن، والجمع
مسان، قال الأزهري: ليس معنى إسنان الإبل والشاة كبرها كالرجل، ولكن معناه
طلوع الثنية. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (ج٢٣ ص٣٢٨): حكى ابن التين عن الداودي أن
المسنة التي سقطت أسنانها للبدل، وقال أهل اللغة: المسن الثني الذي يُلْقِي
(١٤٧٠) مُسْلِم (١٩٦٣/١٣) عنه اَثلة فيه

١٢٢
*
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سِنَّهُ ... إلخ. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((أشعة اللمعات)) (ج١
ص٦٤٩): وجه تسمیه بمسنة - آن است که وي مي اندازد دو دندان بیش راکه آن
راثنايا كویند درين عمر - وقال الشيخ سلام الله الدهلوي في ((شرح الموطأ)) في
شرح قول نافع: أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا والبدن التي لم تُسِنَّ ما
لفظه - بضم التاء وكسر السين وفتح النون المشدددة -، أي: يتقي التي لم تكن
مسنة، وهي الثنية انتهى.
وحكى الجزري في ((النهاية)) (ج٢ ص١١٨) عن ابن قتيبة؛ أنه قال في معناه:
هي التي لم تَنْبُت أسنانُها كأنها لم تُعْطَ أسنانًا، كما يقال: لم يُلبن فلان، أي: لم
يُعْطَ لبنًا، وأراد ابن عمر أنه لا يُضحى بأضحية لم تُسِنَّ أي: لم تصر ثنية، فإذا أثْنَت
فقد أسَنَّت، وكذا ذكر في ((تاج العروس)) (ج٩ ص٢٤٣)، وفي ((لسان العرب))
(ج١٧ ص٨٦): وقال ابن عبد البر في ((التمهيد))، والزرقاني في ((شرحه)) (ج٣
ص٧٠ - ٧١): قوله: ((لم تُسِنَّ)) روي بكسر السين من السن، وروي بفتح السين
أي: التي لم تنبت أسنانها، كأنها لم تعط أسنانها، كما تقول: لم يُلْبَن ولم يُسْمَن
ولم يُعْسَل، أي: لم يعط ذلك، وقال غيره: معناه لم تبدل أسنانها، وهذ أشبه
بمذهب ابن عمر؛ لأنه يقول في الأضاحي والبدن: الثنيُّ فما فوقه، ولا يجوز عنده
الجذع من الضأن، انتهى.
وقال الزمخشري في ((الفائق)) (ج١ ص٣٠٦): لم تستن أي: لم تثن، وإذا أثنت
فقد أسنت؛ لأن أول الأسنان الإثناء، وهو أن تنبت ثنيتاها، وأقصاه في الإبل
البزول، وفي البقر والغنم الصلوع، ورواه القتبي بفتح النون في ((لم تسنن))،
وقال: أي: لم ينبت أسنانها كأنها لم تعط أسنانًا كقولهم لبن وسمن وعسل، إذا
أُعطي شيئًا منها، والأول - أي: كسر النون - هو الرواية عن الأثبات. انتهى.
وقال المطرزي الحنفي في ((المغرب)) (ج١ ص٢٦٦): والسن هي المعروفة ثم
سمی بها صاحبها كالناب - للمسنة - من النوق، ثم استعیرت لغیرہ کابن المخاض
وابن اللبون، ومن المشتق منها الأسنان وهو في الدواب: أن تنبت السن التي يصير
بها صاحبها مسنًّا أي: كبيرًا وأدناه في الشاة والبقر الثني ... إلخ، ومنه حديث ابن
عمر: يُتَّقى من الضحايا التي لم تسنن، أي: لم تئن. انتهى. وقال النووي: قال
العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها. انتهى.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ فِي الْأَضْحِيَّةِ
١٢٣
وقال الإِمام محمد في كتاب ((الآثار)): المُسِنَّةُ الثنيةُ فصاعدًا. انتهى.
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: يجوز من جميع هذه الأقسام الثني، وهو
المراد من المسنة، وقال السندي: الثني هو المسن، وروى أبوعبيد في ((الأموال))
(ص٣٨٤) عن جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: المسنُ الشنيُّ فما زاد. انتهى.
وقال في (لسان العرب)) (ج١٨ ص١٣٣): والثني من الإبل الذي يلقي ثنيته،
وذلك في السادسة، وإنما سمي البعير ثنيًّا؛ لأنه ألقى ثنيته وأثنى البعير صار ثنيًّا،
وقيل: كل ما سقطت ثنيته من غير الإنسان، ثنى وأثنى أي: ألقى ثنيته، وقال
الجوهري في ((الصحاح)) (ج ٢ ص ٤٥٤): الثني الذي يلقي ثنيته، ويكون ذلك في
الظلف والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السنة السادسة، وقال ابن سيده
في ((المحكم)): الثني من الإبل الذي يلقي ثنيته، وذلك في السادسة، وإنما سمي
البعير ثنيًّا؛ لأنه ألقى ثنيته، وقال الأزهري في ((التهذيب)): إنما سمي البعير ثنيًّا؛
لأنه ألقى ثنيته. وقال الفيومي في ((المصباح)) (ج١ ص٤٣): والثني الذي يلقي ثنيته
يكون من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، ومن ذوات الخف في السنة
السادسة، وهو بعد الجذع، وأثنى إذا ألقى ثنيته فهو ثني، فعيل بمعنى الفاعل،
وقال في ((مختار الصحاح)): الثني الذي يلقي ثنيته. وقال الثعالبي في ((فقه اللغة))
(ص١٠٤): فإذا كان في السادسة وألقى ثنيته فهو ثني.
وقال المطرزي في ((المغرب)) (ج١ ص٦٩ - ٧٠): الثنايا هي الأسنان المقدمة
اثنتان فوق واثنتان أسفل، قال: ومنها الثني من الإبل الذي أثنى، أي: ألقى ثنيته،
وهو ما استكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة، ومن الظلف ما استكمل الثانية
ودخل في الثالثة، ومن الحافر ما استكمل الثالثة ودخل في الرابعة وهو في كلها
بعد الجذع، وقيل: الرباعي والجمع ثنيان وثناء. انتهى.
وقال الدميري في ((حياة الحيوان)) (ج١ ص٢٦٦): الثني الذي يلقي ثنيته، أو قال
في ((الصراح)) (ج٢ ص ٤٣٣) ثني على فعيل دندان بيش افنكنده، ويكون ذلك في
الظلف والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السنة السادسة. وقال أبو داود في
((السنن)) في باب تفسير أسنان الإبل نقلًا عن أهل اللغة: فإذا دخل في السادسة
وألقى ثنيته، فهو حينئذٍ ثني حتى يستكمل سنًّا. انتهى.

١٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الحافظ في ((الفتح)): قال أهل اللغة: المسن الثني الذي يلقي سنه، ويكون
في ذات الخف في السنة السادسة، وفي ذات الظلف والحافر في السنة الثالثة،
وقال في ((الكفاية)) (ج١ ص١٢٤) ((شرح الهداية)): أما تفسير كتب اللغة
كـ((الصحاح)) و((الديوان)) و((المغرب)) وغيرها - الثنيَّ. الذي يلقي ثنيته، ويكون
ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة. وفي الخف في السنة السادسة. وقال
السقاقي في ((النهاية شرح الهداية)): الثني من الإبل الذي أثنى، أي: ألقى سنه،
وهو ما استكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة، ومن الظلف ما استكمل الثانية
ودخل في الثالثة. انتهى.
وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج٨ ص٦٢٣): قال الأصمعي وأبو زيد الكلابي
وأبو زيد الأنصاري: إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة
وألقى ثنيته فهو حينئذٍ ثني، ونرى إنما سمي ثنيًّا؛ لأنه ألقى ثنته، انتهى. وقال
أبو عبيدة: إذا أتت عليه - أي: على الإبل - الخامسة فهو جذع، فإذا ألقى ثنيته في
السادسة فهو ثني، كذا في ((المنتقى)) (ج ٣ ص٨٦) لأبي الوليد الباجي. هذا وقد
تحصل بما ذكرنا من أقوال أهل اللغة - وهم العمدة في ذلك - وأصحاب شروح
الحديث والفقه: أن المسنة والمسن من الأسنان بمعنى طلوع السن واحدة
والأسنان لا بمعنى الكبر؛ لأن عمر الدواب يعرف بالسن التي هي عظم نابت في فم
الحيوان بخلاف الآدمي، فإن عمره يعرف بالسنة والحول، وأن المُسِنَّ والثني
والمُسِنَّة والثنية شيء واحد، وأن المُسِنَّ والثني من البعير والبقر والغنم ما ألقى
ثنيته، وهي أسنان مقدم الفم، وأن العبرة في معنى المُسنَّ والثني وفي سنَّ الأضحية
لإلقاء الثنية، ونبات السن وطلوعها لا للعمر والكبر والسنة، فلا يلتفت إلى
عمرها، ولا يجوز التضحية من البعير والبقر والمعز إلا بما ألقى ثنيته، ولا يجزئ
في الأضحية من هذه الأقسام إلا الذي أنبت أسنانه، وأما الضأن فسيأتي حكمه.
(إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ) أي: يصعب (عَلَيْكُمْ) أي: ذبحها بأن لا تجدوها، أو لا تجدوا
ثمنها. (فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً) بفتحتين، قال في ((القاموس)): الجذع - محركة - قبل
الثني، وهي بهاء: اسم له في زمن وليس بسن تنبت أو تسقط، والشباب: الحدث
جمع جِذاع وجُذعان، ومثل ذلك في عامة كتب اللغة كـ((لسان العرب)) و((تاج

١٢٥
EexeS
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
العروس)) و((الصحاح)) و((المصباح المنير)) وغيره. (مِنَ الضَّأْنِ) قال في ((القاموس)):
الضائن خلاف الماعز من الغنم جمع ضأن ويحرك وكأمير وهي ضائنة جمع
ضوائن .
وقال في ((المصباح)): الضأن ذوات الصوف من الغنم، والمعز اسم جنس لا
واحد له من لفظه: هي ذوات الشعر من الغنم الواحدة شاة وهي مؤنثة، والغنم
اسم جنس يطلق على الضأن والمعز، انتهى.
وقال في ((الصراح)): ضائن ميش نر خلاف معز، والجمع ضأن مثل راكب
وركب، وضأن بالتحريك أيضًا مثل حارس وحرس، انتهى.
وقال الجزري في ((النهاية)): أصل الجذع من أسنان الدواب، وهو ما كان منها
شابًّا فتيًّا، فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في
السنة الثانية، وقيل: البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها،
ومنهم من يخالف بعض هذا في التقدير. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)) (ج٢٣
ص٣٢٤): جذعة - بفتح الجيم والذال المعجمة - هو وصف لسِن معين من بهيمة
الأنعام، فمن الضأن ما أكمل السنة، وهو قول الجمهور، وقيل: دونها، ثم اختلف
في تقديره، فقيل: ابن ستة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة، وحكى الترمذي
عن وكيع أنه ابن ستة أشهر أو سبعة أشهر، وعن ابن الأعرابي: أن ابن الشابين
يجذع لستة أشهر إلى سبعة، وابن الهرمين يجذع لثمانية إلى عشرة، قال: والضأن
أسرع أجذعًا من المعز، وأما الجذع من المعز فهو ما دخل في السنة الثانية، ومن
البقر ما أكمل الثالثة، ومن الإبل ما دخل في الخامسة. انتهى.
قال في الأزهار: النهي في قوله ◌َّ: (لَا تَذْبَحُوا)) للحرمة في الإجزاء وللتنزيه
في العدول إلى الأدنى، وهو المقصود في الحديث بدليل: ((إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ)
والعسر قد يكون لغلاء ثمنها، وقد يكون لفقدها وعزتها، ومعنى الحديث الحمل
والحث على الأكمل والأفضل، وهو الإبل، ثم البقر، ثم الضأن، وليس المراد
الترتيب والشرط. انتهى.
قلت: الحديث دليل على أنه لا يجوز التضحية بما عدا المسنة مما دونها، ونصٌّ
في أنه لا يجزئ الجذع من الضأن إلا إذا عسر على المضحي المسنة، فذبح

١٢٦
ge
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
الجذعة مقيد بتعسر المسنة، فلا يجوز مع عدم التعسر، وفيه أيضًا: أنه لا يجزئ
الجذع من غير الضأن، لكن ذهب الجمهور مالك والشافعي وأحمد وأصحاب
الرأي وغيرهم: إلى أنه يجوز الجذع من الضأن سواء وجد غيره أم لا، وقال ابن
عمر والزهري: إن الجذع لا يجزئ مطلقًا لا من الضأن ولا من غيره، وبه قال ابن
حزم، وعزاه لجماعة من السلف، وأطنب في الرد على من أجازه، وقال عطاء
والأوزاعي: يجزئ الجذع من جميع الأجناس مطلقًا، والجمهور حملوا الحديث
- كما قال النووي - على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا
تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضأن.
قال النووي: وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، وأنها لا تجزئ بحال، قال:
وقد أجمعت الأمة على أن الحديث ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون
الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود
غيره وعدمه، فيتعين تأويله على ما ذكرنا من الاستحباب. قلت: ويدل للجمهور
على إجزاء جذع الضأن مع وجود غيره وعدمه حديث أبي هريرة الآتي في الفصل
الثاني بلفظ: ((نِعْمَتِ الْأَضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ))، وحديث عقبة بن عامر:
((ضحينا مع رسول اللَّه وَ ليل بجذاع من الضأن)). أخرجه النسائي بسند قوي،
وحديث أم هلال بنت بلال عن أبيها رفعه: ((يَجُوزُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً))،
أخرجه أحمد وابن ماجه وابن جرير الطبري، والطبراني في ((الكبير)) والبيهقي. قال
الشوكاني: رجال إسناده بعضهم ثقة وبعضهم صدوق وبعضهم مقبول. وقال
الهيثمي: رجاله ثقات. وحديث مجاشع الآتي، وغير ذلك من الأحاديث الدالة
على مذهب الجمهور المقتضية للتأويل المذكور.
وهي ترد على ما ذهب إليه ابن عمر والزهري وعطاء وصاحبه الأوزاعي، فالحق
هو ما ذهب إليه الجمهور: من إجزاء الجذع من الضأن، سواء وجد غيره أم لا،
وعدم إجزاء غيره من جذع الإبل والبقر والمعز مطلقًا، والله تعالى أعلم.
قال إبراهيم الحربي: إنما يجزئ الجذع من الضأن؛ لأنه ينزو فيلقح، فإذا كان
من المعز لم يلقح حتى يكون ثنيًّا .
واختلف الجمهور القائلون بإجزاء جذع الضأن في سنه على آراء: أحدها: أنه

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
١٢٧
ما أكمل سنة ودخل في الثانية، وهو الأصح عند الشافعية، وهو الأشهر عند أهل
اللغة .
ثانيها: نصف سنة، وهو قول الحنفية والحنابلة.
ثالثها: سبعة أشهر، وحكاه صاحب ((الهداية)) عن الزعفراني.
رابعها: ستة أو سبعة، حكاه الترمذي عن وكيع .
خامسها: التفرقة بين ما تولد بين شابين فيكون له نصف سنة أو بين هرمين
فيكون ابن ثمانية .
سادسها: ابن عشر.
سابعها: لا يجزئ حتى يكون عظيمًا .
قال صاحب ((الهداية)): إنه إذا كانت عظيمة بحيث لو اختلطت بالثنيات اشتبهت
على الناظر من بعيد أجزأت، كذا في ((الفتح)) (ج٢٣ ص٣٢٩).
واعلم: أنه لا يجزئ في الأضحية غير بهيمة الأنعام؛ لقوله تعالى: ﴿لَّيَذْكُرُواْ
اسْمَ اَللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ﴾ [الحج: ٣٤]، وهي الإبل والبقر والغنم صنفان:
المعز والضأن؛ ولأنه لم ينقل عن النبي وّل، ولا عن الصحابة وه التضحية بغير
الإبل والبقر والغنم الأهلية.
وأما الجاموس فمذهب الحنفية وغيرهم: جواز التضحية به، قالوا: لأن
الجاموس نوع من البقر، ويؤيد ذلك أن الجاموس في الزكاة كالبقرة، فيكون في
الأضحية أيضًا مثلها، ويذكرون في ذلك حديثًا صريحًا أورده المناوي في ((كنوز
الحقائق)) بلفظ: ((الجاموس في الأضحية عن سبعة))، وعزاه الديلمي في ((مسند
الفردوس))، والأمر عندي ليس واضحًا كما زعموا، فإنهم قد اعترفوا بأن
الجاموس في ما يتعارف الناس نوع آخر غير البقر، لما بينهما من الاختلاف العظيم
في الظاهر والمخبر، ولذلك صرحوا بأن من حلف أن لا يأكل لحم البقر فأكل لحم
الجاموس لا يكون حائثًا، وإن حلف بالطلاق لم تطلق زوجته بأكل لحم
الجاموس.

١٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأما ما ينسب إلى بعض أهل اللغة أنه قال: إن الجاموس نوع أو ضرب من
البقر.
فالظاهر: أنه وقع منه التساهل في ذلك، والأصل فيه أن يقال: الجاموس
كالبقرة أو بمنزلة البقرة كما روى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال: الجاموس
بمنزلة البقر، وعلى هذا، فليس الجاموس من البقر، ولعله لما رأى الفقهاء - مالكًا
والحسن وعمر بن عبد العزيز وأبا يوسف وابن مهدي ونحوهم - أنهم جعلوا
الجاموس في الزكاة كالبقر فَهِمَ من ذلك أن الجاموس ضرب من البقر، فعبر عن
ذلك بأنه نوع منه، ولا يلزم من كون الجاموس في الزكاة كالبقر أن يكون في
الأضحية مثلها، كما لا يخفى. وأما الحديث المذكور فليس مما يعرج عليه لما لا
یعرف حاله.
والأحوط عندي: أن يقتصر الرجل في الأضحية على ما ثبت بالسنة الصحيحة
عملًا وقولًا وتقريرًا، ولا يلتفت إلى ما لم ينقل عن النبي وَّ ولا الصحابة والتابعين
رُّ، ومن اطمأن قلبه بما ذكره القائلون باستنان التضحية بالجاموس ذهب
مذهبهم ولا لوم عليه في ذلك. هذا ما عندي، والله أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٩
ص٢٦٩، ٢٧٩)، وكان مقتضى عادة المصنف أن يجمع بينه وبين الحديث الأول
ويقول: رواهما مسلم.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ فِي الْأَضْحِيَّةِ
١٢٩
١٤٧١ - [٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ أَعْطَاهُ غَنَمَا يَقْسِمُهَا
عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكَرَهُ لِّرَسُولِ اللَّهِ بِ لِهِ فَقَالَ: ((ضَحِّ بِهِ أَنْتَ))
[متفق عليه]
- وَفِي رِوَايَةٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي جَذَعٌ، قَالَ: ((ضَحِّ بِهِ))(*).
%
13 4 1
١٤٧١ - قوله: (غَنَمًا) يشمل الضأن والمعز. (عَلَى صَحَابَتِهِ) ويروى: ((على
أصحابه))، قيل: الضمير فيه يحتمل أن يكون للنبي وَّه ويحتمل أن يكون لعقبة.
قلت: الظاهر أنه عائد إلى النبي وَّل. ثم إنه قيل: يحتمل أن يكون الغنم ملكًا
للنبي وَله، وأمر بقسمتها بينهم تبرعًا، ويحتمل أن يكون من الفيء، وإليه مال
القرطبي حيث قال في الحديث: إن الإمام ينبغي له أن يفرق الضحايا على من لم
يقدر عليها من بيت مال المسلمين. وقال ابن بطال: إن كان قسمها بين الأغنياء،
فهي من الفيء، وإن كان خص بها الفقراء فهي من الزكاة.
(ضَحَايَا) حال من الضمير المنصوب في ((يقسمها)). (فَبَقِيَ) أي: بعد قسمتها.
(عَتُودٌ) بفتح العين المهملة وضم المثناة الفوقية الخفيفة، وهو من أولاد المعز
خاصة، وهو ما قوي ورعى وأتى عليه حول، كذا في ((النهاية)) وغيرها من كتب
اللغة، وجمعه أعتدة وعتدان، وتدغم التاء في الدال، فيقال: عُدَّان. وقال ابن
بطال: العتود الجذع من المعز ابن خمسة أشهر، وهذا يبين المراد بقوله في الرواية
الأخرى: جذعة، وأنها كانت من المعز، وزعم ابن حزم أن العتود لا يقال إلا
للجذع من المعز، وتعقب: بما وقع في كلام صاحب ((المحكم)) أن العتود الجدي
- بفتح الجيم وسكون الدال المهملة ذكر ولد المعز - الذي استكرش - أي: عظم
بطنه وأخذ في الأكل - وقيل: الذي بلغ السفاد، وقيل: هو الذي أجذع. انتهى.
(١٤٧١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٥٥٥)، ومُسْلِم (١٩٦٥/١٥) فِيهِ عَنْهُ.
( ** ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٥٤٧)، ومُسْلِم (١٩٦٥ / ١٦) أيضًا، وأَبُو دَاوُد (٢٧٩٨) نحوه، والنَّسَائِي
(٢١٨/٧).

١٣٠
*cese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَذَكَرَهُ) أي: عقبة بقاء العتود. (فَقَالَ) أي: رسول اللَّه وَِّ. (ضَحِّ بِهِ أَنْتَ) قال
القاري: فيه دليل على جواز التضحية بالمعز إذا كان له سنة، وهو مذهبنا، وقال
صاحب ((اللمعات)): العتود إن كان ما تم عليه الحول، فهو جائز عندنا مطلقًا، وإن
كان ما تم عليه أكثر الحول، فأجزأه عنه خصوصية له، كما جاء في حديث أبي بردة
في جذع المعز: ((اذْبَحْهَا وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدََكَ)). انتهى.
قلت: روى البيهقي (ج٩ ص ٢٧٠) حديث عقبة من طريق عبد الله البوشنجي -
أحد الأئمة الكبار في الحفظ والفقه وسائر فنون العلم - رواها عن يحيى بن بكير
عن الليث بالسند الذي ساقه البخاري، وزاد فيها: ((وَلَا رُخْصَةَ فِيْهَا لِأَحَدٍ بَعْدَََ))،
وهذه الزيادة صريحة في أن إجزاء العتود عنه خصوصية له، سواء كان المراد من
العتود والجذع في حديث عقبة ما تم عليه الحول كما عليه عامة أهل اللغة، أو كان
المراد ما تم عليه أكثر الحول، وفيه دليل لقول الجمهور: إن الجذع من المعز لا
يجزئ، وَرَدُّ على الحنفية على تفسير أهل اللغة في قولهم بجواز التضحية بالمعز،
إذا كانت له سنة .
والحق: أنه لا يجوز الجذع من المعز، وإنما يجوز منها الثني، وهو الذي ألقى
ثنيته كما تقدم.
واعلم: أن بين قوله وَله لعقبة: (وَلَا رُخْصَةَ فِيهَا لِأَحَدٍ بَعْدََكَ)) وبين قوله لأبي
بردة بن نيار: ((ضَحِّ بِالْجَذَعِ مِنَ الْمَعْزِ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدََكَ)) منافاة ظاهرة،
فإن في كل منهما صيغة عموم، فأيهما يقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع
للثاني، فقيل: يحتمل أن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون
خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع
في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا، وذكر بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة
أربعة لكن ليس التصريح بالنفي إلا في قصة أبي بردة في ((الصحيحين)) وفي قصة
عقبة بن عامر في ((البيهقي))، ولم يشاركهما أحد في ذلك.
نعم، وقعت المشاركة في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير لزيد بن
خالد، رواه أبو داود وأحمد، وصححه ابن حبان، ولسعد بن أبي وقاص، رواه
الطبراني في ((الأوسط)) من حديث ابن عباس، وأخرجه الحاكم من حديث عائشة،

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ فِي الْأَضْحِيَّةِ
١٣١
**********************< DResooN*
ولأبي يعلى والحاكم من حديث أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله هذا جذع
من الضأن مهزول، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما أفأضحي به؟ قال:
((ضَحِّ بِهِ فَإِنَّ للهِ الْخَيْرَ))، وفي سنده ضعف.
قال الحافظ: لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين حديثي أبي بردة وعقبة؛ لاحتمال
أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع، بأن الجذع من المعز لا يجزئ،
واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك، قال: والمشاركة إنما وقعت في مطلق
الإجزاء لا في خصوص منع الغير، قال: وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي
زيد الأنصاري: أن رسول اللّه وَ لَه قال لرجل من الأنصار: ((اذْبَحْهَا، وَلَنْ تُجْزِئَ
جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدََ)) فهذا يحمل على أنه أبو بردة بن نيار، فإنه من الأنصار، وكذا
ما أخرجه أبو يعلى والطبراني: أن رجلًا ذبح قبل الصلاة، فقال رسول اللَّه ◌َل :
((لَا تُجْزِئُ عَنْكَ))، قال: إن عندي جذعة، فقال: ((تُجْزِئُ عَنْكَ وَلَا تُجْزِئُ بَعْدُ)) فلم
يثبت الإجزاء لأحد، ونفيه عن الغير إلا لأبي بردة وعقبة، وإن تعذر الجمع الذي
تقدم، فحديث أبي بردة أصح مخرجًا، والله أعلم، انتهى كلام الحافظ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٩
ص٢٦٩ - ٢٧٠).
١٤٧٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَأَنَّ النَّبِيُّ وَهِ يَذْبَحُ، وَيَنْحَرُ
بِالْمُصَلَّى.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٤٧٢ - قوله: (يَذْبَحُ) أي: الشاة أو البقرة (وَيَنْحَرُ) أي: الإبل (بِالْمُصَلَّى)
أي: بعد أن يصلي العيد، فيه: دليل على أنه و جير كان يضحي بالإبل والبقر؛ لأن
النحر لا يجوز في الغنم، وإنما هو في الإبل وعلى تكرُّهٍ في البقر، فيكون ذلك
قرينة واضحة على أن قول أنس: كان رسول اللَّه ◌َ ل يضحي بكبشين ليس للدوام.
(١٤٧٢) البُخَارِي (٩٨٢) وَفِيهِ عَنْهُ.

١٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
ويؤيد ذلك ما وقع في بعض الروايات قول أنس بلفظ: ضحى رسول اللّه وَئله ،
وعلى هذا، فليس فيه دليل على كون الضأن أفضل في الأضحية، وحديث ابن عمر
هذا قد تقدم في آخر الفصل الأول من باب: صلاة العيد، ذكره هنا؛ لبيان مكان
الذبح؛ إذ الذبح في المصلى مستحب؛ لإظهار الشعار، وذكره ثمة لبيان وقت
الذبح؛ لأنه إذا ذبح بالمصلى، علم أن الذبح بعد الصلاة لا قبلها.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) تقدم ذكر من أخرجه غيره.
وَرِ قَالَ: ((الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ،
١٤٧٣ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ
وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٤٧٣ - قوله: (الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ) أي: تجزئ عن سبعة أشخاص (وَالْجَزُروُ)
بفتح الجيم، وهو ما يجزر أي: ينحر من الإبل خاصة ذكرًا كان أو أنثى. (عَنْ
سَبْعَةٍ) أي: يجزئ عن سبعة أنفس، أو يضحى عن سبعة أشخاصٍ، والحديث رواه
مسلم وغيره بألفاظ، ففي رواية لمسلم: ((نحرنا مع رسول اللّه وَالر عام الحديبية
البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة))، وفي رواية قال: ((خرجنا مع رسول اللّه وَال
مهلين بالحج، فأمرنا رسول اللَّه ◌َله أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في
بدنة))، وفي رواية قال: ((اشتركنا مع النبي ◌ُّر في الحج والعمرة كل سبعة منا في
بدنة، فقال رجل لجابر: أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا
من البدن))، وفي لفظ رواه البرقاني على شرط الشيخين: ((اشتركوا في الإبل والبقر
كل سبعة في بدنة))، وفي هذه الروايات دلالة على أن الحديث الذي ذكره البغوي،
إنما هو في الهدي لا في الأضحية، وظاهر هذه الروايات جواز الاشتراك في
الهدي، وهو قول الشافعي وأحمد، وبهذا قال أكثر أهل العلم من غير فرق بين أن
يكون المشتركون مفترضين، أو متطوعين، أو بعضهم مفترضًا، وبعضهم متنفلاً،
أو مريدًا للحم.
(١٤٧٣) مُسْلِم (١٣١٨/٣٥٢)، وَالنَّسَائِي في الكبرى (٤١٢١)، وَابن مَاجَهْ (٣١٣٢) فِيهِ عَنْهُ وَهُ.

١٣٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
SE
٥
بَابٌ فِى الأضْحِيَّةِ
وقال أبو حنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين، وعن داود
وبعض المالكية يجوز الاشتراك في هدي التطوع دون الواجب، وقال مالك: لا
يجوز مطلقًا، وروي عن ابن عمر نحو ذلك، ولکنه روی عنه أحمد ما يدل على
الرجوع، واتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة، إلا إحدى
الروايتين عن سعيد بن المسيب فقال: يجزئ الجزور عن عشرة، وبه قال إسحاق
ابن راهويه، وإليه ذهب ابن خزيمة، واحتج له في ((صحيحه)) وقواه، واحتج له
بحديث رافع بن خديج أنه وَّ قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير، وفيه: أن هذا
قياس فاسد؛ لأن هذا التعديل كان في القسمة وهي غير محل النزاع، ويؤيد كون
الجزور عن سبعة فقط ما روي عن ابن عباس أن النبي وَجّ أتاه رجل فقال: إنَّ عليَّ
بدنة وأنا موسر، ولا أجدها فأشتريها، فأمره وال ير أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن،
أخرجه أحمد وابن ماجه، فإنه لو كانت البدنة تعدل عشرًا لأمره بإخراج عشر
شياه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وأما الأضحية: فقال الجمهور: بجواز الاشتراك فيها كالهدي، سواء كان
المشتركون من البيت الواحد أو من أبيات شتى، أقارب كانوا أو أباعد، واشترط
أبو حنيفة: أن يكون المشتركون كلهم متقربين، وقال مالك: لا يجوز الاشتراك فيها
في الذات، بأن يحصل الاشتراك في الثمن، نعم يجوز الاشتراك لأهل البيت
الواحد في الأجر، بأن ينحر الرجل عنه، وعن أهل بيته، وإن كانوا أكثر من السبع
البدنة، ويذبح البقرة هو يملكها، ويذبحها عنهم، ويشركهم فيها، فإما أن يشتري
البدنة أو البقرة، ويشتركون فيها فيخرج كل إنسان منهم حصته من ثمنها، ويكون
له حصته من لحمها، فإن ذلك يكره عنده، قال ابن حزم: قال مالك: يجزئ الرأس
الواحد من الإبل أو البقر أو الغنم عن واحد وعن أهل البيت، وإن كثر عددهم
وكانوا أكثر من سبعة، إذا أشركهم فيها تطوعًا، ولا تجزئ إذا اشتروها بينهم
بالشركة ولا عن أجنبيين فصاعدًا، واختلف القائلون بالاشتراك في البدنة :
فقال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة: إنها تجزئ عن سبعة كالهدي، وقال إسحاق
وابن خزيمة وابن المسيب: إنها تجزئ عن عشرة. قال الشوكاني: وهذا هو الحق
هنا، أي: في الأضحية؛ لحديث ابن عباس يعني: الذي يأتي في الفصل الثاني،

١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
asse
والأول هو الحق في الهدي للأحاديث المتقدمة، يعني بها: الروايات التي ذكرناها
من حديث جابر. وأما البقرة فتجزئ عن سبعة فقط في الهدي والأضحية. انتهى.
وأورد البغوي حديث جابر في باب الأضحية مع أنه في الهدي لا في الأضحية كما
تدل عليه الروايات الأخر، إما نظرًا إلى إطلاق اللفظ، أو ليثبت الاشتراك في
الأضحية. وأن البدنة والبقرة كليهما عن سبعة بالقياس على الهدي، ولا حاجة إلى
القياس مع وجود النص في الأضحية وهو حديث ابن عباس الآتي.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وابن ماجه
والبيهقي (ج٩ ص٢٧٩، ٢٩٤). (وَاللَّفْظُ لَهُ) أي: لفظ الحديث لأبي داود ولمسلم
معناه، وهذا هو الداعي للمصنف إلى ذكر أبي داود مع أن ما في الفصل الأول لا
يسنده لغير ((الصحيحين))، لكن البغوي لما أخذ لفظ أبي داود الثابت معناه في
(صحيح مسلم)) وجعله في الفصل الأول أوهم أن اللفظ لأحد ((الصحيحين))، فبين
المصنف أن الذي في مسلم هو المعنى، ولأبي داود اللفظ، قاله القاري.
وقيل: فيه تعريض بالاعتراض على البغوي حيث أورده في الفصل الأول اعتبارًا
بمعناه، وكان الأولى أن يورده في الفصل الثاني، وأخرجه الدار قطني (ص ٢٦٥)
بلفظ: سنَّ رسول اللّه وَلِّ البقرة والجزور عن سبعة، وأخرجه الطبراني في الثلاثة
من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا: ((الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ فِي
الْأَضَاحِي)»، قال الهيثمي (ج٤ ص٢٠): وفيه حفص بن جمیع، وهو ضعيف،
انتھی .

كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
١٣٥
١٤٧٤ - [٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا دَخَلَ
الْعَشْرُ، وَأَرَادَ بَعْضُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ، وَبَشَرِهِ شَيْئًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، ولَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا))(*).
-وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ
شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ) ( ** ).
الْشِّرْجُ
١٤٧٤ - قوله: (إِذَا دَخَلَ) وفي مسلم: ((إِذَا دَخَلَتْ)). (الْعَشْرُ) أي: أول عشر
ذي الحجة. (وَأَرَادَ بَعْضُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ) قال في ((شرح السنة)): في الحديث دلالة
على أن الأضحية غير واجبة؛ لأنه فوض إلى إرادته حيث قال: ((وَأَرَادَ)) ولو كانت
واجبة لم يفوض. انتهى. وقيل: لا حجة فيه؛ لأن الواجب قد يفوض إلى الإرادة
ويعلق عليها، فالوصية قد علقت على الإرادة في قوله الثّ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ لَهُ شَيْءٌ
يُرِيدُ أَنْ يُؤْصِيَ فِيهِ ... )) الحديث. وليس هذا اللفظ دليلاً على عدم وجوب الوصية
عند الظاهرية القائلين بافتراض الوصية. وأجاب عن هذا ابن حزم: بأن الوصية
عندنا فرض؛ لأنه قد جاء نص آخر بإيجاب الوصية في القرآن والسنة، قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]، فأخذنا
بهذا ولم يأت نص بإيجاب الأضحية، ولو جاء لأخذنا به. انتهى.
وأجاب السندي عن الحديث: بأن هذا لو قلنا بالوجوب على الكل، وأما إذا قلنا
بالوجوب على من يملك النصاب وبالندب في حق غيره، فلا دلالة. (فَلَا يَمَسَّ)
بفتح السين المهملة أي: بالقطع والإزالة. (مِنْ شَعَرِهِ) بفتح العين وتسكن.
(١٤٧٤) مُسْلِم (٣٩/ ١٩٧٧) فِي الأَضَاحِي عَنْ أُمّ سَلَمَةَ.
(*) مُسْلِم (١٩٧٧ / ٤٠) أَيْضًا عَنْهَا.
( ** ) مُسْلِمٍ (١٩٧٧ /٤٢) أَيْضًا فِيهِ عَنْهَا.

١٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَبَشَرِهِ) بفتحتين. (شَيْئًا - وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا يَأَخُذَنَّ) بنون التأكيد، أي: لا يزيلن.
(وَلَا يَقْلِمَنَّ) بكسر اللام مع فتح الياء، وقيل: بالتثقيل أي: لا يقطعن، قال السندي:
يقال: قلم الظفر كضرب وقلم بالتشديد أي: قطعه، والتشديد للمبالغة، فالتخفيف
هاهنا أولى فافهم. (ظَفُرًا) بضمتين (وَفِي رِوَايَةٍ) هذه الرواية عند النسائي
والترمذي، وليست عند مسلم.
(مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ) أي: أبصره أو علمه. (وأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذُ)
كذا في رواية للنسائي بغير نون التأكيد، وعند الترمذي: ((فَلَا يَأْخُذَنَّ)) أي: بنون
التأكيد. (مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ) زاد النسائي: ((حَتَّى يُضَحِّيَ))، قال أصحاب
الشافعي: المراد بالنهي عن أخذ الظفر والشعر: النهي عن إزالة الظفر بقلم أو كسر
أو غيره، والمنع من إزالة الشعر بحلق، أو تقصير، أو نتف، أو إحراق، أو أخذه
بنورة، أو غير ذلك من شعور بدنه.
قال إبراهيم المروزي وغيره من أصحاب الشافعي : حكم أجزاء البدن كلها حكم
الشعر والظفر، ودليله الرواية السابقة: (فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا)، وفي
الحديث: دليل على مشروعية ترك أخذ الشعر والأظفار بعد دخول عشر ذي الحجة
لمن أراد أن يضحي، وقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب سعيد بن المسيب
وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي: إلى أنه يحرم عليه أخذ
شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية، واحتج هؤلاء بحديث أم
سلمة؛ لأن النهي ظاهر في التحريم، وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهة
تنزيه، ليس بحرام، وحكي عنه أن ترك الحلق والتقصير والقلم لمن أراد التضحية
مستحب .
وقال أبو حنيفة: هو مباح لا يكره ولا يستحب، والحديث يرد عليه، وقال مالك
في رواية: لا يكره، وفي رواية: يكره، وفي رواية: يحرم في التطوع دون
الواجب، واحتج الشافعي بحديث عائشة: أن النبي وَّر كان يبعث بهديه، ولا
يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر هديه أخرجه الشيخان. قال الشافعي: البعث
بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك. انتهى. فجعل هذا
الحديث مقتضيًا لحمل حديث الباب على كراهة التنزيه، قال الشوكاني: ولا

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ في الأَضْحِيَّةِ
ses
١٣٧
يخفى أن حديث أم سلمة أخص منه مطلقًا، فيبنى العام على الخاص، ويكون
الظاهر مع من قال بالتحريم، ولكن على من أراد التضحية. انتهى. وقال ابن قدامة
في ((المغني)) (ج٨ ص٦١٩): حديث عائشة عام، وحديث أم سلمة خاص يجب
تقديمه بتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص، ولأنه يجب حمل
حديث عائشة على غير محل النزاع لوجوه فذكرها، ثم قال: ولأن عائشة تخبر عن
فعله، وأم سلمة عن قوله، والقول يقدم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصًّا
له. انتھی.
وأجاب الطحاوي عن حديث أم سلمة: بأنه موقوف، وقد أعله الدار قطني أيضًا
بالوقف، قال الطحاوي في ((شرح الآثار)) بعد رواية حديث أم سلمة موقوفًا ما لفظه:
فهذا هو أصل الحديث عن أم سلمة ◌ّا، انتهى. وتعقب: بأنه لا شك في أن بعض
الرواة روى حديث أم سلمة موقوفًا، لكن أكثرهم رووه بأسانيد صحيحة مرفوعًا،
وقد بسط هذه الأسانيد مسلم والنسائي، وتلك الطرق المرفوعة كلها صحيحة،
فكيف يصح القول بأن حديث أم سلمة الموقوف هو أصل الحديث؟ بل الظاهر أن
المرفوع هو أصل الحديث، وأفتت أم سلمة على وفق حديثها المرفوع، فروى
بعضهم موقوفًا عليها من قولها. والحاصل: أن حديث أم سلمة مرفوعًا صحيح،
وهو حديث قولي ولم يجئ ما يعارضه، فالأخذ به متعين، ومقتضى النهي
التحريم، فالراجح عندنا: ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه، والله تعالى أعلم.
واختلفوا في بيان حكمة النهي: فقيل: للتشبه بالمحرم.
قال التوربشتي: وهذا قول إذا أطلق لم يستقم؛ لأن هذا الحكم لو شرع للتشبه
بهم، لشاع ذلك في سائر محظورات الإحرام، ولما خص بما يؤخذ من أجزاء
البدن كالشعر والظفر والبشر، وقال النووي: قال أصحابنا: هذا الوجه غلط؛ لأنه
لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم، وتعقب:
بأن التشبه لا يلزم من جميع الوجوه.
وقيل: الحكمة أن يبقى كامل الأجزاء للعتق من النار، قال التوربشتي: إن
المضحي يجعل أضحيته فدية يفتدي بها نفسه من عذاب يوم القيامة ويرتاد بها
القربة لوجه الله الكريم، فكأنه لما اكتسب عن السيئات، وأتى به من التقصير في

١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حقوق اللَّه رأى نفسه مستوجبة أن يعاقبه بأعظم العقوبات وهو القتل، غير أنه
أحجم عن الإقدام علیه إذ لم يؤذن له فيه، فجعل قربانه فداء لنفسه، فصار كل جزء
منه فداء كل جزء منها، وعمت ببركته أجزاء البدن، فلم تخل منها ذرة، ولم تحرم
عنها شعرة، وإذا كانت هذه الفضيلة ملحقة بالأجزاء المتصلة بالمتقرب دون
المنفصلة عنه، رأى النبي ◌َّليل أن لا يمس شيئًا من شعره وبشره؛ لئلا يُفقد من ذلك
قسط ما عند تنزل الرحمة وفيضان النور الإلهي؛ ليتم له الفضائل ويتنزه عن
النقائص، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والدار قطني والطحاوي والبيهقي (ج٩ ص٢٦٦) وغيرهم، واستدركه الحاكم
فَوَهِمَ .
١٤٧٥ - [٨] وَعَن ابْن عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ عِ: ((مَا مِنْ أَيَّامِ
الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَّى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ)) قَالَوا: يَا رَسُولٌ
اللَّهِ، ولَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّ رَجُلٌ
خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح)
الْشَّرْجُ
١٤٧٥ - قوله: (مَا مِنْ أَيَّامِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ) بالرفع مبتدأ يشمل أنواع
العبادات، كالصلاة، والتكبير، وأَلذكر والصوم وغيرها. (فِيهِنَّ) متعلق بالعمل
(أَحَبُّ) بالرفع. (إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ) أي: الأول من ذي الحجة، ففي
رواية أبي داود الطيالسي في ((مسنده)): ((مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي عَشْرِ ذِي
الْحِجَّةِ))، وكذا في رواية الدارمي. ووقع في رواية أخرىًّ له: «مَا مِنْ عَمَلِ أَزْكَى
عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرِ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى)»، وفي حديث جابر في
صحيحي أبي عوانة وابن حبانً: (مَا مِنْ أَيَّامَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي
(١٤٧٥) البُخَارِي (٩٦٩)، وَأَبُو دَاوُد (٢٤٣٨)، وَالتِّرْ مِذِي (٧٥٧)، وَابن مَاجَهْ (١٧٢٧) فِيهِ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ.

١٣٩
بَابٍ فِي الْأَضْحِيَّةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الْحِجَّةِ))، قال السندي: كلمة ((مِنْ)) في قوله: ((مَا مِنْ أَيَّام)) زائدة لاستغراق النفي،
وجملة: ((العمل الصالح)) ... إلخ، صفة أيام، والخبر محذوف أي: موجودة أو
خير، وهو الأوجه، وقوله: ((مِنْ هَذِهِ الْأَيَّام)) متعلقة بـ((أحب))، والمعنى على حذف
المضاف أي: من عمل هذه الأيام ليكون المفضل والمفضل عليه من جنس واحد.
انتھی .
وقال الطيبي: ((العمل)) مبتدأ و((فيهن)) متعلق به والخبر ((أحب))، والجملة خبر
((ما))، أي: واسمها أيام و((من)) الأولى زائدة والثانية متعلقة بأفعل وفيه حذف، كأنه
قيل: ليس العمل في أيام سوى العشر أحب إلى الله من العمل في هذه العشر.
انتهى. وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في أيام غيره من السنة، لزم
منه أن تكون أيام العشر أفضل من غيرها من أيام السنة، حتى يوم الجمعة منه أفضل
منه في غيره لجمعه الفضيلتين.
قال السندي: المتبادر من هذا الكلام عرفًا أن كل عمل صالح، إذا وقع فيها فهو
أحب إلى الله تعالى من نفسه إذا وقع في غيرها، وهذا من باب تفضيل الشيء على
نفسه باعتبارين وهو شائع، وأصل اللغة في مثل هذا الكلام لا يفيد الأحبية، بل
يكفي فيه المساواة؛ لأن نفي الأحبية يصدق بالمساواة، وهذا واضح وعلى
الوجهين لا يظهر لاستبعادهم المذكور بلفظ: ((وَلَا الْجِهَادُ)) مَعني؛ إذ لا يستبعد أن
يكون الجهاد في هذه الأيام أحب منه في غيرها، أو مساويًّا للجهاد في غيرها، نعم
لو كان المراد أن العمل الصالح في هذه الأيام مطلقًا أي عمل كان أحب من العمل
في غيرها مطلقًا. أي عمل كان حتى أن أدنى الأعمال في هذه الأيام أحب من أعظم
الأعمال في غيرها، لكان الاستبعاد موجهًا، لكن كون ذلك مرادًا بعيد لفظًا
ومعنى، فلعل وجه استبعادهم أن الجهاد في هذه الأيام يخل بالحج، فينبغي أن
يكون في غيرها أحب منه فيها، وحينئذٍ قوله وَالَ: ((إِلَّا رَجُلٌ)) أي: جهاد رجل بيان
لفخامة جهاده، وتعظيم له، بأنه قد بلغ مبلغًا لا يكاد يتفاوت بشرف الزمان
وعدمه. انتهى كلام السندي.
وذكر السيد: أنه اختلف العلماء في أن هذه العشرة أفضل أم عشرة رمضان؟
فقال بعضهم: هذا العشر أفضل لهذا الحديث. وقال بعضهم: عشر رمضان أفضل