Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حكمًا؛ فإنه لا مساغ فيها للاجتهاد، فلا تكون رأيًا إلا توقيفًا يجب التسليم لها.
واحتج لأبي حنيفة بحديث سعيد بن العاص الآتي، وهو حديث موقوف لا
مرفوع، كما ستعرف، وبما روى الطحاوي في ((شرح الآثار)) (ج ٢ ص ٤٠٠) من
طريق عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة قال: حدثني الوضين بن عطاء أن
القاسم أبا عبد الرحمن حدثه قال: حدثني بعض أصحاب رسول اللّه وَالّه قال:
صلى بنا النبي ◌َّ يوم عيد، فكبر أربعًا أربعًا، ثم أقبل علينا بوجهه حين انصرف،
فقال: ((لا تَنْسَوُا كَتَكْبِيرِ الْجَنَازَةِ)»، وأشار بأصبعه، وقبض إبهامه، قال الطحاوي :
هذا حديث حسن الإسناد، وعبد الله بن يوسف ويحيى بن حمزة والوضين والقاسم
كلهم أهل رواية معروفون بصحة الرواية. انتهى.
قلت: في كون هذا الحديث حسن الإسناد نظر، بل هو ضعيف، فإن الوضين
ابن عطاء الدمشقي واهي الحديث سيئ الحفظ، وقد تفرد به؟ قال ابن التركماني
في ((الجوهر النقي)) (ج١ ص٢٩): هو واهٍ. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في
الحديث. وقال الجوزجاني: واهي الحديث. وقال ابن قانع: ضعيف. وقال
الحافظ: صدوق سيء الحفظ، والقاسم بن عبد الرحمن أبوعبد الرحمن الشامي
الدمشقي ذكر ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) (ج٢ ص ٢٠) عن ابن حبان أنه
قال: يروي عن أصحاب رسول اللَّه وَ له المعضلات، ويأتي عن الثقات المقلوبات
حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها. انتهى. ولا يغتر بتحسين الطحاوي،
فإنه ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولم يكن له معرفة بالإسناد كمعرفة
أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث فقيهًا عالمًا باختلاف المذاهب.
قال ابن تيمية في ((منهاج السنة)): ليست عادته كنقد الحديث نقد أهل العلم؛
ولهذا روى في ((شرح معاني الآثار)) الأحاديث المختلفة، وإنما يرجح ما يرجحه
منها في الغالب من جهة القياس الذي رآه حجة، ويكون أكثره مجروحًا من جهة
الإسناد ولا يثبت، فإنه لم يكن له معرفة بالإسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان
كثير الحديث فقيهًا عالما به. انتهى. واحتج له أيضًا بما أخرج الطحاوي في
الجنائز بسنده عن إبراهيم النخعي قال: قبض رسول اللّه وَله، والناس مختلفون في
التكبير على الجنازة ... الحديث، وفي آخره: فتراجعوا الأمر بينهم في خلافة
عمر، فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز مثل التكبير في الأضحى
٨١
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
والفطر، أربع تكبيرات، فأجمع أمرهم على ذلك. قال بعض الحنفية: فهذا
كالنص في أن تكبيرهما أربعًا كان مجمعًا عليه، أرجعوا إليها تكبيرات الجنازة.
انتھی .
وقال صاحب ((العرف الشذى)) (ص ٢٤٠): وأعلى ما في الباب لنا ما هو من
إجماعيات عمر، روه إبراهيم النخعي مرسلًا في ((معاني الآثار)) (ص٢٨٦).
قلت: إبراهيم النخعي، قال ابن المديني فيه: إنه لم يلق أحدًا من أصحاب
رسول اللَّه وَله. وقال أبوحاتم: لم يلق أحدًا من الصحابة إلا عائشة، ولم يسمع
منها، وأدرك أنسًا ولم يسمع منه، فالحكاية منقطعة موقوفة لا يجوز الاحتجاج
بها، لاسيما وقد عارضها الأحاديث المرفوعة الموصولة التي ذكرناها، والآثار
المروية عن الصحابة التي أشرنا إليها. واحتج له أيضًا بما روي عن ابن مسعود
وغيره موقوفًا عليهم من فعلهم ولا حجة فيه؛ لأنه رأي منهم للقياس مدخل فيه،
فلعلهم قاسوا ذلك على تكبير الجنائز، كما يشير إليه قوله في رواية الطحاوي
المرفوعة: ((لَا تَنْسَوُا كَتَكْبِيرِ الْجَنَازَةِ» وقوله في حديث سعيد بن العاص الآتي:
((كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز))، بخلاف أقاويل الصحابة في السبع
والخمس، فإنه لا مدخل للقياس فيه، فهي كنقل عدد الركعات، ولو سلم أن أثر
ابن مسعود وغيره مرفوع حكمًا، فهو لا يقاوم الأحاديث المرفوعة حقيقة، ولذلك
قال البيهقي في ((السنن)) (ج٣ ص٢٩١) بعد ذكر أثر ابن مسعود: هذا رأي من جهة
عبد الله، والحديث المسند مع ما عليه من عمل المسلمين أولى أن يتبع، وقال
أيضًا (ج٣ ص٢٩٢): نخالف ابن مسعود في عدد التكبيرات، وتقديمهن على
القراءة في الركعتين جميعًا لحديث رسول اللَّه وَّل، ثم فعل أهل الحرمين وعمل
المسلمين إلى يومنا هذا. انتهى.
G تنبيه:
قال في ((الهداية)): وظهر عمل العامة اليوم بقول ابن عباس لأمر الخلفاء من بني
العباس به، قال في ((الظهيرية)): وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف ومحمد،
فإنهما فعلا ذلك؛ لأن هارون أمرهما أن يكبرا بتكبير جده، ففعلا ذلك امتثالًا له لا
مذهبًا واعتقادًا. انتهى. وقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): وإنما كان عمل
٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المسلمين بقول ابن عباس؛ لأن أولاده الخلفاء أمروهم بذلك، فتابعوهم خشية
الفتنة لا رجوعًا عن مذاهبهم واعتقادًا لصحة رأي ابن عباس في ذلك. انتهى.
قلت: ظاهر كلام هؤلاء يدل على أن الاختلاف بين الأئمة في ذلك اختلاف في
الجواز والصحة، وأن عمل المسلمين بما ذهب إليه مالك ومن وافقه كان خشية
الفتنة، لا اعتقادًا لصحته وجوازه. وفيه نظر ظاهر؛ لكونه دعوى مجردة من غير
برهان، بل الحق أنهم عملوا بذلك اعتقادًا لصحته؛ لكونه موافقًّا للسنة المرفوعة،
ولسنة الخلفاء الراشدين، ولأن الحق أن اختلافهم في ذلك اختلاف في الأولوية
والأفضلية لا في الجواز وعدمه. قال الإمام محمد في ((موطئه)) بعد ما روى عن
مالك عن نافع قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الأولى سبع
تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة بخمس تكبيرات قبل القراءة.
قال صاحب ((التعليق الممجد)): وهذا لا يكون رأيًا إلا توقيفًا يجب التسليم له .
انتھی .
والظاهر: أن هذا كان في إمارة أبي هريرة على المدينة في أيام معاوية أو
مروان، وهو يدل على إجماع المسلمين من الصحابة والتابعين وتبعهم في المدينة
إذ ذاك على كون تكبيرات الزوائد ثنتي عشرة قبل القراءة في الركعتين. قد اختلف
الناس في التكبير في العيدين، فما أخذت به فهو حسن، وأفضل ذلك عندنا ما روي
عن ابن مسعود ... إلخ، قال: وهو قول أبي حنيفة. انتهى.
وقال الشامي في ((رد المحتار)) (ج١ ص ٧٨٠): ومنهم من جزم بأن ذلك رواية
عنهما - أي: عن أبي يوسف ومحمد - بل في ((المجتبى)): وعن أبي يوسف أنه
رجع إلى هذا، ثم ذكر غير واحد من المشايخ أن المختار العمل برواية الزيادة،
أي: زيادة تكبيرة في عيد الفطر، وبرواية النقصان في عيد الأضحى؛ عملًا
بالروايتين وتخفيفًا في الأضحى لاشتغال الناس بالأضاحي، قال: وذكر في
((البحر)) أن الخلاف في الأولوية، ونحوه في ((الحلية))، انتهى. وقال في ((الدر
المختار)): ولو زاد - أي: الإمام - التكبير على الثلاث تابعه، قال الشامي: لأنه تبع
لإمامه، فتعجب عليه متابعته، وترك رأيه برأي الإمام؛ لقوله عليَّلها: (إِنَّمَا جُعِلَ
الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ))، فما لم يظهر خطؤه بيقين؛ كان اتباعه واجبًا،
ولا يظهر الخطأ في المجتهدات، فأما إذا خرج عن أقوال الصحابة، فقد ظهر
٨٣
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
خطؤه بيقين، فلا يلزمه اتباعه، قال: وأشار بقوله: ندبًا - في قوله: ويوالي ندبًا
بين القراءتين - إلى أنه لو كبر في أول كل ركعة جاز؛ لأن الخلاف في الأولوية كما
مر عن ((البحر)). انتهى.
وقال صاحب ((التعليق الممجد)) (ص١٣٨) بعد ذكر الأحاديث والآثار
المختلفة: وهذا الاختلاف الوارد في المرفوع والآثار كلها اختلاف في المباح،
كما أشار إليه محمد بقوله: فما أخذت به فهو حسن، فلا يجوز لأحد أن يعنف على
خلاف ما يراه، واختلاف الأئمة في ذلك إنما هو اختلاف في الراجح، كما أشار
إليه محمد بقوله: وأفضل ذلك ... إلخ، فإن اختار أحد غير ما روي عن ابن
مسعود، فلا بأس به أيضًا انتهى. وقال صاحب (العرف الشذي)) (ص٢٤١): وأما
ثنتا عشرة تكبيرة فجائزة عندنا، فإن في ((الهداية)) أن أبا يوسف أتى بها حين أمره
هارون الرشيد، ولا يتوهم أنه كان من أولي الأمر، فإنه لو كان غير جائز عنده كيف
اتبعه، وإن كان والي الأمر فلابد من أن يقال: إنه قائل بجوازها، وأيضًا في
((الهداية)): لو زاد الإمام التكبيرات على الستة يتبعه إلى ثنتي عشرة تكبيرة، فدل
على الجواز، ولقد صرح محمد في ((موطئه)) بجوازها، فإنه قال: وما أخذت به
فهو حسن. انتهى.
قلت: والأولى للعمل عندنا والأفضل: هو أن يكبر في الأولى سبعًا، وفي
الثانية خمسًا والقراءة بعدهما كلتيهما؛ لوجهين:
الأول: أنه قد جاء فيه أحاديث مرفوعة عديدة. وبعضها صحيح أو حسن،
والباقية مؤيدة له، وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فلم يرد فيه حديث مرفوع غير حديث
أبي موسى الأشعري الآتي، وستعرف أنه لا يصلح للاحتجاج، وغير حديث
الوضين بن عطاء عند الطحاوي، وقد عرفت أنه حديث ضعيف، قال ابن عبد البر:
روي عن النبي ◌ُّ من طرق كثيرة حسان أنه كبر في العيدين: سبعًا في الأولى،
وخمسًا في الثانية، من حديث عبد الله بن عمرو وابن عمر وجابر وعائشة وأبي
واقد وعمرو بن عوف المزني، ولم يرو من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا، وهو
أولى ما عمل به ذكره ابن قدامة.
والوجه الثاني: أنه قد عمل به أبوبكر وعمر وعثمان وعلي ◌ّه، وقد قال الحافظ
٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحازمي في كتاب ((الاعتبار)): الوجه الحادي والثلاثون: أن يكون أحد الحديثين
قد عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني فیکون آكد؛ ولذلك قدم رواية من روى
في تكبيرات العيدين سبعًا وخمسًا على رواية من روى أربعًا كأربع الجنائز؛ لأن
الأول قد عمل به أبوبكر وعمر، فيكون إلى الصحة أقرب والأخذ به أصوب.
انتھی .
ثم هاهنا مسائل من متعلقات التكبير، نذكرها مختصرًا؛ تتميمًا للفائدة:
إحداها: حكم هذه التكبيرات:
قال ابن قدامة: التكبيرات سنة وليست بواجبة، فإن نسي التكبير وشرع في
القراءة لم يعد إليه، قاله ابن عقيل؛ لأنه سنة فلم يعد إليه بعد الشروع في القراءة
كالاستفتاح. وقال القاضي: فيها وجه آخر أنه يعود إلى التكبير؛ لأنه ذكره في
محله، وهو القيام فيأتي به كما قبل الشروع في القراءة، انتهى مختصرًا. وذهب
الحنفية إلى وجوبها، كما في ((البدائع)) وغيره. قال الحصفكي في الواجبات:
وتكبيرات العيدين وكذا أحدها. قال ابن عابدين: أفاد أن كل تكبير واجب
مستقل، انتهى. وقالت الشافعية: إن كل تكبير سنة مؤكدة، فإذا ترك الإمام أو
المنفرد تكبيرة منها؛ سجد للسهو عنها، ولا شيء على المأموم في ترك السنن ولو
عمدًا إذا أتى بها الإمام. قال الشوكاني: والظاهر عدم الوجوب؛ لعدم وجدان دلیل
يدل عليه .
والثانية: محل دعاء الاستفتاح. قال ابن قدامة: يدعو بدعاء الاستفتاح عقيب
التكبيرة الأولى، ثم يكبر تكبيرات العيد، ثم يتعوذ ثم يقرأ، وهذا مذهب
الشافعي، وإليه ذهب الحنفية كما في فروعهم، وهو الراجح عندنا، وعن أحمد
رواية أخرى: أن الاستفتاح بعد التكبيرات، اختارها الخلال وصاحبه، وهو قول
الأوزاعي؛ لأن الاستفتاح تليه الاستعاذة وهي قبل القراءة، ولنا أن الاستفتاح شُرِعَ
ليستفتح به الصلاة، فكان في أولها كسائر الصلوات، والاستعاذة شرعت للقراءة
فهي تابعة لها، فتكون عند الابتداء بها لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
﴾ [النحل: ٩٨] وقد روى أبوسعيد أن النبي وَالر كان يتعوذ قبل
٩٨
مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ
٨٥
كِتَّابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
AZEE
القراءة، قال: وأيًّا ما فعل؛ كان جائزًا.
والثالثة: رفع اليدين مع التكبيرات الزوائد، قال ابن قدامة: يستحب أن يرفع
يديه في حال تكبيره حسب رفعهما مع تكبيرة الإحرام، وبه قال عطاء والأوزاعي
وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك والثوري: لا يرفعهما فيما عدا تكبيرة الإحرام،
لنا ما روي أن النبي ◌َ ◌ّ كان يرفع يديه مع التكبير. قال أحمد: أما أنا فأرى أن هذا
الحديث يدخل فيه هذا كله. وروي عن عمر أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في
الجنازة وفي العيد، رواه الأثرم. ولا يعرف له مخالف في الصحابة. انتهى.
قلت: أثر عمر رواه البيهقي أيضًا (ج٣ ص٢٩٣) وفيه ابن لهيعة. والحديث
الذي استدل به أحمد على رفع اليدين مع التكبيرات الزوائد قيل: هو محمول على
الصلاة المكتوبة؛ لما روى ابن ماجه بسند ضعيف عن عمير بن حبيب قال: كان
رسول اللَّه وَ ل يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة. انتهى. والحق: أنه
ليس في رفع اليدين مع تكبيرات العيدين حديث صريح مرفوع لا قوي ولا
ضعيف، وأقوى ما استدل به القائلون بالرفع، إنما هو عموم بعض الأحاديث
وإطلاقه، فقد روى أبو داود والدار قطني (ص١٠٨)، والبيهقي (ج ٣ ص ٢٩٣) من
طريق بقية، وقد تابعه في ذلك ابن أخي الزهري عند الدار قطني (ص١٠٨) ثنا
الزبيدي عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر قال: ((كان رسول اللَّه ◌َلِّ، إذا
قام إلى الصلاة؛ رفع يديه ... )) الحديث، وفي آخره: ((ويرفعهما في كل تكبيرة
يكبرها قبل الركوع حتى تنقضي صلاته)).
قال الحافظ في (التلخيص)) (ص١٤٥): احتج به ابن المنذر والبيهقي - أي:
على رفع اليدين في تكبيرات العيدين - بناءً على أن المراد بقوله: ((وَيَرْفَعُهُمَا فِي
كُلِّ تَكْبِيرَةٍ يُكَبِّرُهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ)). العموم في كل تكبيرة تقع قبل الركوع، فيندرج
في ذلك تكبيرات العيدين لا العموم في تكبيرات الركوع، كما توهم ابن
التركماني. والأولى عندي: ترك الرفع؛ لعدم ورود نصٍ صريح في ذلك، ولعدم
ثبوته صریحًا بحديث مرفوع صحیح، ومن رفع مستدلا بعموم حديث ابن عمر
وإطلاقه، وبما روي عن عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت من فعلهم، فلا بأس به،
هذا ما عندي، والله تعالى أعلم.
٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والرابعة: هل يشرع الموالاة بين التكبيرات، أو يشرع الفصل بينها بشيء من
التحميد والتسبيح ونحو ذلك؟ قال ابن قدامة: إذا فرغ من الاستفتاح حمد الله
وأثنى عليه، وصلى على النبي ◌َّ، ثم فعلِ هذا بين كل تكبيرتين، فإن قال: اللَّه
أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً فحسن، وإن قال غيره
نحو أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر أو ما شاء من
الذكر فهو جائز، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي: يكبر
متواليًا لا ذكر بينه؛ لأنه لو كان بينه ذكر مشروع؛ نقل كما نقل التكبير. انتهى.
وقال الرافعي: يقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة، هذا لفظ
الشافعي، وقد روي مثل ذلك عن ابن مسعود قولاً وفعلاً.
قلت: الراجح عندي: ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة؛ لأنه لم يحفظ عن النبي
وَخّ ذكرٌ بين التكبيرات، ولم يرو ذلك في حديث مسند، ولا نقل عن أحد من
السلف إلا ما جاء في حديث جابر المتقدم مع ما فيه من الكلام، وفي ما روي عن
ابن مسعود موقوفًا عند البيهقي بسند فيه من يحتاج إلى كشف حاله، وعند الطبراني
من طريق إبراهيم النخعي أن الوليد بن عقبة دخل المسجد، وابن مسعود
وأبوحذيفة وأبوموسى في عرصة المسجد ... الحديث، قال الهيثمي: وإبراهيم
لم يدرك واحدًا من هؤلاء الصحابة، وهو مرسل، ورجاله ثقات، وعند الأثرم ولم
أقف على سنده.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه، قال: وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي
وَالثّة، وقد أنكر جماعة تحسينه على الترمذي؛ لأن في سنده كثير بن عبد الله، وقد
عرفت حاله، وأجاب النووي في ((الخلاصة)) عن الترمذي في تحسينه، فقال: لعله
اعتضد بشواهد وغيرها، وقال العراقي: والترمذي إنما تبع في ذلك البخاري، فقد
قال في كتاب ((العلل المفردة)): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث،
فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول. انتهى. وقيل: تحسين
الترمذي وتصحيحه توثيق للراوي وذهاب منه إلى أنه لم يرض الكلام فيه، وأما
قول البخاري: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، ففيه أن الظاهر أن حديث
عبد الله بن عمرو أصح شيء الباب والله تعالى أعلم.
٨٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
a
(وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، والظاهر أن قوله:
(وَالدَّارِمِيُّ) خطأ من الناسخ، والصحيح الدار قطني، فإني لم أجد هذا الحديث في
سنن الدارمي، ولم يعزه أحد المخرجين إليه، واللَّه - تعالى - أعلم، وأخرجه
أيضًا ابن خزيمة والبيهقي والطحاوي وابن عدي.
١٤٥٦ - [١٧] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا: أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ، وَأَبَا
بَكْرِ، وَعُمَرَ، كَبَّرُوا فِي الْعِيدَينِ، وَالاِسْتِسْقَاءِ سَبْعًا، وَخَمْسًا، وصَلَّوا قَبْلَ
الْخَّطْبَةِ، وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ.
[رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ] {ضعيف جِدًّا)
5 0
الْشِّرْحُ
١٤٥٦ - قوله: (وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو جعفر بن محمد بن علي بن
الحسين ابن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبوعبد الله المدني المعروف بالصادق،
وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت أبي بكر، فلذلك
كان يقول: ولدني أبوبكر مرتين، وروي عنه أنه قال: والله إني لأرجو أن ينفعني
اللَّه بقرابة أبي بكر، روى عن أبيه محمد الباقر وغيره، وروى عنه الأئمة الأعلام
نحو يحيى بن سعيد الأنصاري، وشعبة، وسفيانان، ومالك، وأبو حنيفة.
قال الحافظ: صدوق فقيه إمام، ووثقه الشافعي وابن معين وأبوحاتم وابن عدي
والنسائي، قال مالك: اختلفت إليه زمانًا، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال، إما
مصلٍّ، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدِّث إلا على طهارة، ولد سنة
(٨٠)، ومات سنة (١٤٨)، وهو ابن (٦٨) سنة، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه
محمد الباقر وجده علي زين العابدين .
(مُرْسَلًا) أي: منقطعًا. (كَبَّرُوا فِي الْعِيدَينِ وَالِاسْتِسْقَاءِ) أي: في صلاة عيد
الفطر، وصلاة الأضحى، وصلاة الاستسقاء. (سَبْعًا) أي: سبع تكبيرات، يعني:
في الركعة الأولى. (خَمْسًا) في الثانية، وبه قال الشافعي، وسيأتي الكلام في
التكبير في صلاة الاستسقاء في موضعه. (وصَلَّوا قَبْلَ الْخُطْبَةِ) أي: في العيد
(١٤٥٦) الشَّافِعِي رِفْتَهُ (٤٥٧) مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبُوهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ ◌َهُ.
٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والاستسقاء، وتقدم أن في صلاة العيد قبل الخطبة إجماع، وأنه لا عبرة بمن خالف
فيه من بني أمية.
(وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ) أي: فيهما، وهو اتفاق، بل حكي فيه الإجماع. قال ابن
قدامة: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنه يسن الجهر بالقراءة في صلاة العيدين،
إلا أنه روي عن علي رَنْتَهُ أنه كان إذا قرأ في العيدين أسمع من يليه ولم يجهر ذلك
الجهر. وقال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة، وفي أخبار من
أخبر بقراءة النبي ◌ّل # دليل على أنه كان يجهر، ولأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة.
انتهى. والحديث دليل لمن قال: إن التكبيرات الزوائد في العيدين سبع في الركعة
الأولى، وخمس في الثانية، لكنه منقطع وهو من أقسام الضعيف.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في كتاب ((الأم)) (ج١ ص٢٠٩) وفي ((مسنده)) (ج٦ ص١٠٩)
قال: أنا إبراهيم، قال: حدثني جعفر بن محمد أن النبي وَله ... إلخ، فالحديث
منقطع، بل معضل، فالمراد بالمرسل في قول المصنف المنقطع، وروى الشافعي
أيضًا في ((الأم)) (ج١ ص٢٠٩) وفي ((المسند)) (ج ٦ ص ١٠٩) عن إبراهيم عن جعفر
عن أبيه عن علي رَيَِّهُ أنه كبر في العيدين والاستسقاء سبعًا وخمسًا وجهر بالقراءة.
انتهى. ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) قال: أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى عن جعفر
بن محمد عن أبيه قال: كان علي يكبر في الأضحى والفطر والاستسقاء سبعًا في
الأولى، وخمسًا في الأخرى، ويصلي قبل الخطبة، ويجهر بالقراءة، قال: وكان
رسول اللَّه ◌َّليل وأبوبكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك. انتهى. كذا في ((نصب الراية))
(ج٢ ص٢١٩)، وذكره ابن حزم في ((المحلى)) (ج ٥ ص٨٣)، وقال: إلا أن في
الطريق إبراهيم بن أبي يحيى، وهو أيضًا منقطع، انتهى.
قلت: محمد الباقر والد جعفر لم ير هو ولا أبوه علي بن أبي طالب رَضِ فَلَهُ.
٨٩
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلاةِ
١٤٥٧ - [١٨] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا مُوسَى
وَحُذَيْفَةَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ يُكَّبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو
مُوسَى: كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجَنَائِزِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ.
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٤٥٧ - قوله: (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) كذا قال المصنف تبعًا للجزري،
والأولى أن يقول: وعن أبي عائشة جليس أبي هريرة أنه حضر سعيد بن العاص
سأل أباموسى الأشعري وحذيفة بن اليمان كيف كان ... إلخ، أو يقول: وعن أبي
موسى وحذيفة أن سعيد بن العاص سألهما كيف كان، الخ، وسعيد هذا هو سعيد
ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ولد عام الهجرة، قتل أبوه يوم
بدر كافرًا، ومات جده أبو أُحيحة قبل بدر مشركًا، وكان سعيد من أشراف قريش
وفصحائهم، ولذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة القرآن، وكان حليمًا وقورًا.
قال ابن سعد: قبض النبي ◌َّ ولسعيد تسع سنين، وذكر في الصحابة؛ لأن له
رؤية، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وكان ممن اعتزل الجمل وصفين وولي
إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، وغزا طبرستان ففتحها، وغزا
جرجان، وكان في عسكره حذيفة وغيره من كبار الصحابة، مات في قصره
بالعرصة على ثلاثة أميال من المدينة، ودفن بالبقيع سنة (٥٨)، وقيل غير ذلك.
(فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ) أي: في صلاتهما.
(كَانَ يُكَبِّرُ) قال القاري: أي: في كل ركعة. (أَرْبَعًا) أي: مع تكبير الإحرام في
الأولى ومع تكبير الركوع في الثانية، قاله القاري. (تَكْبِيرَهُ) أي: مثل عدد تكبيره،
قاله القاري، وقال ابن حجر: أي: مثل تكبيره على الجنائز. (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) بن
اليمان (صَدَقَ) أي: أبو موسى، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حيث
(١٤٥٧) أَبُو دَاوُد (١١٥٣) عَنْهُ فِيهَا .
٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
=======**** *
كنت أميرًا عليهم. وقد استدل به الحنفية لمذهبهم، لكن الحديث ضعيف، كما
ستعرف .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص٤١٦)، والطحاوي (ص ٤٠٠)،
والبيهقي، من طريق أبي داود (ج٣ ص٢٨٩ - ٢٩٠)، وسكت عنه أبو داود
والمنذري.
قلت: في سنده أبوعائشة الأموي مولاهم، جليس أبي هريرة، وهو مجهول
الحال. قال الذهبي: أبوعائشة جليس لأبي هريرة غير معروف، وقال الزيلعي نقلًا
عن ((التنقيح)): ولكن أبوعائشة قال ابن حزم فيه: مجهول.
وقال ابن القطان: لا أعرف حاله، انتهى. وقال ابن حزم في ((المحلی)) (ج٥
ص٨٤): أبو عائشة مجهول لا يدرى من هو، ولا يعرفه أحد، ولا تصح عنه رواية
لأحد، انتهى. وقد تفرد أبوعائشة هذا برفع هذا الحديث، ورواه جماعة من
الثقات وهم علقمة والأسود عند عبد الرزاق، كما في ((نصب الراية)) (ص٢١٣)،
وعبد الله بن قيس عند الطحاوي في ((شرح الآثار))، وكردوس عند ابن أبي شيبة،
كما في ((الجوهر النقي))، فوقفوه على ابن مسعود، وعلى هذا فزيادة الرفع منكرة،
والموقوف هو المحفوظ، وزيادة الرفع إنما تقبل إذا كان راويها ثقة حافظًا ثبتًا،
والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، وبشرط أن لا تكون شاذة، والأمر هاهنا
ليس كذلك، كما لا يخفى على المنصف الغير المتعسف، وأيضًا في سنده
عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الدمشقي الزاهد الصالح، وهو متكلم فيه، فكان
علي بن المديني ودحيم وأبو داود حسن الرأي فيه: وقال أحمد: لم يكن بالقوي في
الحديث، وأحاديثه مناكير، وقال العجلي وأبو زرعة الرازي: لين، وقال النسائي:
ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس بثقة.
وقال ابن معین: ضعيف، یکتب حديثه على ضعفه، و کذا قال ابن عدي، ومع
هذا، فقد تغير عقله في آخر عمره، كما قال أبوحاتم، ولم يتابعه أحد على رفع هذا
الحديث. قال البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج ٣ ص ٢٩٠): قد خولف راوي هذا
الحديث في موضعين: أحدهما: في رفعه، والآخر: في جواب أبي موسى،
والمشهور في هذه القصة أنهم أسندوا أمرهم إلى ابن مسعود، فأفتاه ابن مسعود
٩١
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بذلك، ولم يسنده إلى النبي ◌َّ، كذلك رواه أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله بن
موسى أو ابن أبي موسى أن سعيد بن العاص أرسل ... إلخ.
وعبد الرحمن بن ثوبان ضعفه ابن معين، انتهى. وقال في ((معرفة السنن)) بعد
نقل تضعيف عبد الرحمن عن ابن معين: والمشهور من هذه القصة أنهم أسندوا
أمرهم إلى ابن مسعود، فأفتاه ابن مسعود بأربع في الأولى قبل القراءة وأربع في
الثانية بعد القراءة، ويركع برابعة، ولم يسنده إلى النبي وَّر، كذلك رواه
أبو إسحاق السبيعي وغيره عن شيوخهم، ولو كان عند أبي موسى فيه علم عن
النبي ◌َّلّ لما كان يسأله عن ابن مسعود، وروي عن علقمة عن عبد الله أنه قال:
خمس في الأولى، وأربع في الثانية، وهذا يخالف الرواية الأولى. انتهى. وقد
ظهر بهذا أن هذا الحديث لا يصلح للاستدلال، وإن سكت عنه أبو داود
والمنذري، وقد تقدم الكلام في سكوتهما فتذكر، ولشيخنا رسالة مستقلة بالأردية
في مسألة التكبيرات الزوائد وما يتعلق بها، سماها: ((القول السديد فيما يتعلق
بتكبيرات العيد)»، فعليك أن تطالعها .
١٤٥٨ - [١٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ نَلِهِ نُووِلَ يَوْمَ الْعِيدِ قَوْسًا فَخَطَبَ
عَلَيْهِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الْشَرْجُ
١٤٥٨ - قوله: (نُووِلَ) بواوين على وزن نودي صيغة ماضٍ مجهول من
المناولة أي: أُعطي، كذا وقع في جميع نسخ ((المشكاة))، وفي بعض نسخ ((أبي
داود))، وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص٩٥)، ووقع في أكثر
((نسخ أبي داود)): نُوِّل. بواو واحد على بناء المجهول الماضي، من باب التفعيل،
قال في القاموس: أنلته إياه ونوَّلته ونَوَّلت عليه وله: أعطيته .
(يَوْمَ الْعِيدِ) أي: الأضحى، كما في رواية أحمد والبيهقي.
(١٤٥٨) أَبُو دَاوُد (١١٤٥) فِيهَا عَنْهُ.
٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَوْسًا فَخَطَبَ) أي: مُتوكئًا. (عَلَيْهِ) وفي رواية أحمد والبيهقي: أعطي قوسًا أو
عصًا فاتكأ عليه، فحمد الله وأثنى عليه ... إلخ، وفي الحديث: مشروعية
الاعتماد على قوس أو عصا حال الخطبة، قيل: والحكمة في ذلك الاشتغال عن
العبث، وقيل: إنه أربط للجأش.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. وأخرجه أيضًا أحمد وطوله،
والبيهقي (ج٣ ص ٣٠٠)، والطبراني، وصححه ابن السكن، وله شواهد من
حديث الحكم بن حزن الكلفي عند أبي داود والبيهقي في حديث أوله: وفدت إلى
رسول اللَّه وَالي سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه ... الحديث، وفيه: شهدنا
الجمعة معه، فقام متوكثًا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه.
قال الحافظ: إسناده حسن، فيه شهاب بن خراش، وقد اختلف فيه، والأكثر
وثقوه، وقد صححه ابن السكن وابن خزيمة، انتهى. ومن حديث ابن الزبير عند
الطبراني في ((الكبير)) والبزار: أن النبي وَليل كان يخطب بمخصرة، وفيه ابن لهيعة،
ومن حديث ابن عباس عند الطبراني في ((الكبير)): أن رسول اللَّه وَل كان يخطبهم
في السفر متوكثًا على قوس، وفيه أبوشيبة وهو ضعيف، ومن حديث سعد القرظ
عند الطبراني أيضًا: أن النبي وَلّ كان إذا خطب في الجمعة خطب على عصا، قال
الهيثمي: ذكر هذا في أثناء حديث طويل، وإسناده ضعيف. انتهى.
قلت: وروى البيهقي (ج ٣ ص ٢٠٦) من طريق عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن
سعد حدثني أبي عن آبائه: أن رسول اللَّه وَ لهل كان إذا خطب في الحرب؛ خطب
على قوس، وإذا خطب في الجمعة؛ خطب على عصا، وقال الحافظ في
((التلخيص)) (ص ١٣٧) بعد ذكر حديث الحكم والبراء: وفي الباب عن ابن عباس
وابن الزبير رواهما أبوالشيخ ابن حبان في كتاب ((أخلاق النبي ◌َّ)) له، انتهى.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
٩٣
35E
١٤٥٩ - [٢٠] وَعَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ إِذَا خَطَبَ يَعْتَمِدُ
عَلَى عَنَزَتِهِ اعْتِمَادًا.
[رواهُ الشَّافِعِيُّ ] {ضعيف}
G O
الشَّرْخُ
١٤٥٩ - قوله: (وَعَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن يسار، قاله القاري، وهو تابعي مشهور
كان كثير الرواية عن ابن عباس، قاله المؤلف، والظاهر: أن المراد به هنا عطاء بن
أبي رباح. (عَلَى عَنَزَتِهِ) بفتح المهملة والنون بعدها زاي معجمة، رمح قصير في
طرفها زُجٌّ أي: نصل. قال الحافظ في ((الفتح)): العنزة - بفتح النون - عصا أقصر
من الرمح لها سنان. وقيل: هي الحربة القصيرة، وقيل: عصا عليه زج، أي:
سنان. (اعْتِمَادًا) مفعول مطلق أي: اعتمادًا كليًّا.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في كتاب ((الأم)) (ج١ ص٢١١)، وفي ((مسنده)) (ج٦ ص ١١٠)
عن إبراهيم عن ليث بن أبي سليم عن عطاء مرسلًا، وليث ضعيف، وأخرج البيهقي
في ((السنن الكبرى)) (ج ٣ ص٢٠٦) من طريق جعفر بن عون عن ابن جريج، قال:
قلت لعطاء: أكان رسول اللَّه ◌َ له يقوم إذا خطب على عصا؟ قال: نعم، وكان يعتمد
عليها اعتمادًا .
(١٤٥٩) الشَّافِعِي (٤٢٢) عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا.
٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤٦٠ - [٢١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: شَهِدْتُ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ وَلِّ فِي يَوْم
عِيدٍ، فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَّ
مُتَكِنًا عَلَى بِلَالٍ فَحَمِدَ اللَّهَ، وأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، وَحَثَّهُمْ عَلَى
طَاعَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: ومَضَى إِلَى النِّسَاءِ، ومَعَهُ بِلَالْ فَأَمَرَهُنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ،
ووَعَظَهُنَّ، وذَكَّرَهُنَّ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٤٦٠ - قوله: (شَهِدْتُ) أي: حضرت. (الصَّلَاةَ) أي: صلاة العيد. (فِي
يَوْمٍ عِيدٍ) أي: يوم عيد الفطر كما هو مصرح في رواية للشيخين. (فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ
الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ) فيه: تقديم العيد على الخطبة، وترك الأذان والإقامة
لصلاة العيد، وقد تقدم البسط في ذلك.
(قَامَ مُتَّكِئًا) كذا في جميع النسخ الموجودة للمشكاة، من الاتكاء، والظاهر: أنه
خطأ من النساخ، والصحيح متوكئًا أي: من التوكأ، كما في ((المصابيح))، وهكذا
في مسلم والنسائي والبيهقي (ج٣ ص٢٩٦)، وهكذا ذكره المجد بن تيمية في
((المنتقى))، وعزاه إلى مسلم والنسائي، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول))
(ج ٧ ص٨٩)، وعزاه للنسائي
(عَلَى بِلَالٍ) أي: متحاملًا عليه، ومنه التوكؤ على العصا، وهو التحامل عليها،
والمراد: أنه كان معتمدًا على يد بلال، كما يفيده رواية الشيخين وأبي داود، وفيه:
أن الخطيب ينبغي أن يعتمد على شيء كالقوس والعصا والعنزة، أو يتكئ على
إنسان (وَوَعَظَ النَّاسَ) قال الراغب: الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل:
هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، فقوله: (وَذَكَّرَهُمْ) بالتشديد عطف تفسيري،
قاله القاري، وقال ابن حجر: (ذَكَّرَهُمْ) أي: العواقب يدل مما قبله، وقيل: معنى
وعظهم: نصحهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكرهم بأحوال القيامة
والنار والجنة.
(١٤٦٠) أَبُو دَاوُد (١١٤١)، وَابن مَاجَهْ عنه فِيهَا .
٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
BADE
(وَحَثَّهُمْ) أي: رغبهم وحضهم. (عَلَى طَاعَتِهِ) أي: طاعة اللَّه تعالى، ومنها
طاعته الثّل، وهذا تعميم بعد تخصيص؛ لأنه يشمل مكارم الأخلاق، أو المراد
عبادته النافلة، قاله القاري. قلت: ولفظ مسلم بعد قوله: (عَلَى بِلَالٍ): ثم أَمَرَ
بِتَقْوَى اللَّهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُم. (وَمَضَى إِلَى النِّسَاءِ) ولفظ
النسائي: ثم مال إلى النساء، والمراد: أنه أتاهن بعد فراغ خطبة الرجال، كما
صرح بذلك في رواية للشيخين، وفيه إشعار بأن النساء كن على حدة من الرجال
غير مختلطات بهم. (فَأَمَرَهُنَّ) أي: النبي ◌َّ. (بِتَقْوَى اللَّهِ) أي: الجامعة لامتثال
المأمورات، واجتناب المنهيات.
(وَوَعَظَهُنَّ) بتخويف العقاب. (وَذَكَّرَهُنَّ) بتحصيل الثواب، وهو تفسير
((وَعَظَهُنَّ) أو تأكيد له. ولفظ مسلم: ((ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن
وذكرهن))، واكتفى في رواية لمسلم بالتذكير، وكذا في رواية البخاري وأبي داود،
فيه: أنه يستحب للإمام إذا لم يسمع النساء الخطبة أن يأتيهن بعد فراغه ويعظهن
ويذكرهن، إذا لم يترتب عليه مفسدة، وفيه: أيضًا تمييز مجلس النساء، إذا حضرن
مجامع الرجال؛ لأن الاختلاط ربما كان سببًا للفتنة الناشئة عن النظر أو غيره، وبعد
ذلك في رواية النسائي ومسلم: وحمد الله وأثنى عليه، ثم حثهن على طاعته، ثم
قال: ((تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ))، فقالت امرأة من سفلة النساء، سفعاء
الخدين: لِمَ يا رسول الله؟ قال: ((تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ))، فجعلن ينزعن
قلائدهن، أقراطهن، وخواتيمهن يقذفنه في ثوب بلال يتصدقن به. لفظ النسائي.
(رَوَاهُ النَّسَائِيّ) وأخرجه أيضًا مسلم والبيهقي (ج٣ ص٢٩٦)، فكان من حقه أن
يذكر في الصحاح أي: الفصل الأول، وذهل المصنف فعزاه للنسائي، وترك
مسلمًا، وأصل الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في باب: المشي والركوب
إلى العيد والصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وفي باب: موعظة الإمام
النساء يوم العيد، وأخرجه أيضًا أبو داود في باب الخطبة يوم العيد، وذهل المنذري
في مختصره فعزاه للنسائي، وترك البخاري ومسلمًا.
٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤٦١ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَأَنَّ النَّبِيُّ وَّهَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح }
الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ.
G O
الْشَرْحُ
١٤٦١ - قوله: (إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ) ذاهبًا. (فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ) أي: في
طريق غيره. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه وابن حبان
والحاكم (ج١ ص٢٩٦)، والبيهقي (ج٣ ص٣٠٨)، وحسنه الترمذي، وصححه
الحاكم والذهبي على شرط الشيخين، وأخرجه البخاري والبيهقي من حديث
جابر، قال الترمذي تبعًا للبخاري: وحديث جابر كأنه أصح، وتقدم الكلام في
هذا .
١٤٦٢ - [٢٣] وَعَنْهُ: أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
وَّهِ صَلَةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ.
الْشَّرْجُ
١٤٦٢ - قوله: (وَعَنْهُ) أي: عن أبي هريرة. (أَنَّهُ) أي: الشأن. (أَصَابَهُمْ)
أي: الصحابة. (مَطَرٌ فِي يَوْم عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمُ النَِّيُّ ◌َّهِ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ)
أي: مسجد المدينة. قال ابن الملك: يعني: كان نَّل يصلي صلاة العيد في
الصحراء إلا إذا أصابهم مطر، فيصلي في المسجد، فالأفضل أداؤها في الصحراء
في سائر البلدان، وفي مكة خلاف. انتهى.
قلت: الحديث: يدل على أن ترك الخروج إلى الجبانة وفعل الصلاة في
المسجد عند عروض عذر المطر غير مكروه، وقد اختلف هل الأفضل في صلاة
(١٤٦١) التِّرْمِذِي (٥٤١)، وَالدَّارِمِي (٣٧٨/١) عَنْهُ.
(١٤٦٢) أَبُو دَاوُد (١١٦٠)، وَابن مَاجَهْ (١٣١٣) فِيهَا عَنْهُ.
٩٧
بَابُ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ers
العيد الخروج إلى الجبانة أي: الصحراء أو الصلاة في مسجد البلد، إذا كان
واسعًا؟ الثاني: قول الشافعي: إنه إذا كان مسجد البلد واسعًا صلوا فيه ولا
يخرجون، فكلامه يقضي بأن العلة في الخروج طلب الاجتماع؛ ولذا أمر وَلَّه
بإخراج العواتق وذوات الخدور، فإذا حصل ذلك في المسجد فهو أفضل، ولذلك
فإن أهل مكة لا يخرجون لسعة مسجدها، وضيق أطرافها، والقول الأول لمالك
وأحمد وأبي حنيفة: إن الخروج إلى الجبانة أفضل ولو اتسع المسجد للناس،
وحجتهم محافظته وَّيّ على ذلك، ولم يصل في المسجد إلا لعذر المطر، ولا
يحافظ وَّيّ إلا على الأفضل، وتقدم أن هذا القول هو الراجح عندنا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١ ص٢٩٥) والبيهقي (ج٣
ص٣١٠) وسكت عنه أبو داود والمنذري. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرطهما. وقال الحافظ في ((التلخيص)):
إسناده ضعيف، انتھی.
قلت: في سنده رجل مجهول، وهو عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة الأموي
مولاهم، قال فيه الحافظ في ((التقريب)): مجهول. وقال الذهبي في ((الميزان)): لا
يكاد يعرف، وقال: هذا حديث منكر، قال ابن القطان: لا أعلم عيسى هذا مذكورًا
في شيء من كتب الرجال ولا في غير هذا الإسناد. انتهى.
وروى البيهقي (ج٣ ص ٣١٠) من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة: إن الناس
مطروا على عهد عمر بن الخطاب، فامتنع الناس من المصلى فجمع عمرِ الناس في
المسجد فصلى بهم، ثم قام على المنبر فقال: يا أيها الناس إن رسول اللّه ◌َله كان
يخرج بالناس إلى المصلى يصلي بهم؛ لأنه أرفق بهم وأوسع عليهم، وأن المسجد
كان لا يسعهم، فإذا كان هذا المطر فالمسجد أرفق.
٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤٦٣ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ كَتَبَ إِلَى
عَمْرِو بْنِ حَزْمِ، وهُوَ بِنَجْرَانَ: ((عَجِّلِ الأَضْحَى، وأَخِّرِ الْفِطْرَ، وذَكِّر النَّاسَ)).
[رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٤٦٣ - قوله: (وَعَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ) بالتصغير، اسمه عبد الرحمن بن
معاوية بن الحُوَيرث الأنصاري، الزرقي، المدني، مشهور بكنيتة. قال الحافظ في
((التقريب)): صدوق سيئ الحفظ من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لهم لقاء
أحد من الصحابة، فأبو الحويرث هذا من أتباع التابعين، والحديث مرسل كما قال
الحافظ في ((التلخيص))، والمجد ابن تيمية في ((المنتقى))، والبيهقي في ((السنن
الكبرى))، واختلف فيه قول ابن معين، فقال الدوري عنه: ليس يحتج بحديثه.
وقال عثمان الدارمي وغيره عنه: ثقة، وقال أبوحاتم: ليس بقوي يكتب حديثه ولا
يحتج به، وقال مالك والنسائي: ليس بثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ولم
يتكلم فيه البخاري بشيء.
(كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْم) الأنصاري، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق،
وله خمس عشرة سنة، استعَّمله النبي ◌َّة على نجران سنة عشر، وقد تقدم ترجمته.
(وَهُوَ بِنَجْرَانَ) بفتح النون وسكون الجيم، فراء، فألف، فنون على وزن سلمان،
بلد باليمن، كان عمرو واليًا فيه. (عَجِّلِ الأَضْحَى) أي: صلاته ليشتغل الناس بذبح
الأضاحي. (وَأَخِّرِ الْفِطْرَ) أي: صلاته؛ لتوسع على الناس إخراج زكاة الفطر قبل
الصلاة، قاله ابن الملك.
(وَذَكِّرِ النَّاسَ) أي: بالموعظة في خطبتي العيدين. قال الشوكاني: الحديث
يدل على مشروعية تعجيل الأضحى، وتأخير الفطر، ولعل الحكمة في ذلك ما
تقدم من استحباب الإمساك في صلاة الأضحى، حتى يفرغ من الصلاة، فإنه ربما
(١٤٦٣) الشَّافِعِي (٤٤٢) (١ / ٢٣٢) عَنْ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِهِ، عَنْ أَبِي الحُوَيْرِثِ مُرْسَلًا، قَالَ البَيْهَقِي: طَلَبْتُهُ
فِي الرِّوَايَاتِ بِكِتَابٍ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَلَمْ أَجِدْهُ فِيهَا.
٩٩
بَابٌ صَلاَةِ الْعِيدَين
كِتَابُ الصَّلَاةِ
كان ترك التعجيل لصلاة الأضحى مما يتأذى به منتظر الصلاة لذلك، وأيضًا، فإنه
يعود إلى الاشتغال بالذبح لأضحيته بخلاف عيد الفطر، فإنه لا إمساك ولا ذبيحة،
وأحسن ما ورد من الأحاديث في تعيين وقت صلاة العيدين حديث جندب قال :
كان النبي ◌ّله يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين، والأضحى قيد رمح.
أخرجه الحسن بن أحمد البناء في كتاب ((الأضاحي)) له من طريق وكيع عن المعلى
ابن هلال عن الأسود بن قيس عن جندب، ذكره الحافظ في ((التلخيص)) ولم يتكلم
عليه، قلت: معلى بن هلال المذكور في سنده من رجال ابن ماجه، وقد اتفق النقاد
على تكذيبه، فالحديث ضَعِيف جِدًّا، قال الشوكاني: قال في (البحر)): وهي من
بعد انبساط الشمس إلى الزوال، ولا أعرف فيه خلافًا. انتهى.
قلت: دعوى عدم الخلاف خطأ؛ فإنهم اختلفوا في أول وقت صلاة العيد
وآخره، فعند الشافعية وقتها بين ابتداء طلوع الشمس ولو للبعض، ولا يعتبر تمام
الطلوع وزوالها، ولا نظر لوقت الكراهة؛ لأن هذه صلاة لها سبب متقدم، ويسن
تأخيرها لترتفع الشمس قيد رمح خروجًا من الخلاف، وعند المالكية والحنابلة
والحنفية: أول وقتها وقت حل النافلة، وهو من ارتفاع الشمس قدر رمح من رماح
العرب إلى قبيل الزوال، وهذا هو الراجح عندنا، ويدل على مشروعية التعجيل
لصلاة العيد، وكراهة تأخيرها عن وقتها المجمع عليه - وهو انبساط الشمس،
وارتفاعها قدر رمح أو رمحين، وهو وقت حل صلاة النافلة - ما روى أحمد وأبو
داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن يزيد بن خمير قال: خرج عبد الله بن بُسر
صاحب النبي وَّل مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال:
إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح.
قال الحافظ: أي: وقت صلاة السبحة، وذلك إذا مضى وقت الكراهة، وفي
رواية صحيحة للطبراني: ((وذلك حين تسبيح الضحى))، وقال الكرماني: حين
التسبيح أي: حين صلاة الضحى، أو حين صلاة العيد؛ لأن صلاة العيد سبحة ذلك
اليوم، انتهى. وروى البيهقي من طريق الشافعي: أنبأ الثقة أن الحسن كان يقول:
إن النبي ◌ّ# كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس، فيتتام طلوعها.
قال البيهقي: هذا مرسل، وشاهده عمل المسلمين بذلك، أو بما يقرب منه مؤخرًا
عنه انتهى. (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في كتاب ((الأم)) (ج١ ص٢٠٥)، وفي ((مسنده)) (ج٦