Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨٠
**
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
٤٥ - بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
(بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ) أي: خطبة الجمعة وصلاتها، وما يتعلق بصفاتهما،
وكمالاتهما وبيان أوقاتهما. والخطبة بالضم، مصدر خطب يخطب خطابه وخطبة
أي: وعظ. ويطلق على الكلام الذي يخطب به، وهو الكلام المنثور المسجع
ونحوه، كذا في ((القاموس)). وفي عرف الشرع: عبارة عن كلام يشتمل على
الذكر، والتشهد، والصلاة، والوعظ. واختلف هل هي شرط في صحة صلاة
الجمعة، وركن من أركانها أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنها شرط وركن. وقال
أقوام: إنها ليست بفرض، وجمهور أصحاب مالك على أنها فرض إلا ابن
الماجشون، ذكره ابن رشد.
قلت: ذهب داود الظاهري وابن حزم والحسن البصري والجويني إلى أن خطبة
الجمعة ليست فرضًا، بل هي مندوبة، وهو الظاهر؛ لأنه لم ينتهض دليل على
إيجابها لا من كتاب ولا من سنة. وأما قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكِرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]
فليس فيه حجة على ذلك؛ لأن المراد بالذكر المأمور بالسعي إليه هو الصلاة. غاية
الأمر أنه متردد بينها وبين الخطبة، وقد وقع الاتفاق على وجوب الصلاة، والنزاع
في وجوب الخطبة، فلا ينتهض هذا الدليل للوجوب.
قال ابن حزم: قد أقدم بعضهم، فقال: إن قول الله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] إنما مراده إلى الخطبة، وجعل هذا حجة في إيجاب فرضها.
قال ابن حزم: من لهذا المقدم؟ إن الله تعالى أراد بالذكر المذكور فيها الخطبة،
بل أول الآية وآخرها يكذبان ظنه الفاسد؛ لأن الله تعالى إنما قال: ﴿إِذَا نُودِىَ
لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: ٩]، ثم قال رَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
فَأَنتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ
# [الجمعة: ١٠]
فصح أن اللَّه تعالى إنما افترض السعي إلى الصلاة إذا نودي لها، وأمر إذا قضيت
بالانتشار وذكره كثيرًا، فصح يقينًا أن الذكر المأمور بالسعي له هو الصلاة، وذكر
٥٨١
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
اللَّه تعالى فيها بالتكبير، والتسميع، والتمجيد، والقراءة، والتشهد، لا غير ذلك،
فإن قالوا: لم يصلها فَلَّ قط إلا بخطبة. قلنا: ولا صلاها فِالَّلا قط إلا بخطبتين
قائمًا يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضًا لا تصح الجمعة إلا به! ولا صلى عَلَلِ
قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك! انتهى.
٥٨٢
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
*
الفصل الأول
١٤١٤ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ
الشَّمْسُ.
[رَواهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٤١٤ - قوله: (حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) أي: تزول عن كبد السماء وعن
استوائها، يعني: بعد تحقق الزوال. قال الحافظ: في التعبير بـ((كَانَ)) إشعار
بمواظبته وَّلجلال على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس، انتهى. وفيه دليل لما ذهب إليه
الجمهور من أن أول وقت الجمعة إذا زالت الشمس كوقت الظهر، وأنها لا تصلى
إلا بعد الزوال. ويدل له أيضًا ما رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمع
مع رسول اللَّه ◌َ لّ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء.
قال النووي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة
والتابعين فمن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا
إلا أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوزاها قبل الزوال.
وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء إلا ما عليه الجمهور،
انتهى. واستدل لأحمد ومن وافقه بحديث سهل بن سعد الآتي، وسنذكر وجه
الاستدلال مع الجواب عنه، ثم إنه اختلف أصحاب أحمد، فقال بعضهم: وقتها
وقت صلاة العيد، فتجوز في أول النهار.
وقال الخرقي: وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة أجزأتهم.
وظاهره: أنه لا يجوز صلاتها فيما قبل الساعة السادسة، وهو الذي صححه ورجحه
ابن قدامة في ((المغني)) (ج ٢ ص ٣٥٧). والأولى والأفضل عندهم أن لا تصلى إلا
(١٤١٤) البُخَارِي (٩٠٤)، وَأَبُو دَاوُد (١٠٨٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٥٠٣) فِي الجُمُعَةِ عَنْ أَنَسٍ.
كِتّابُ الصَّلَاةِ
COkes *
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
ERBE
٥٨٣
بعد الزوال؛ ليخرج من الخلاف، ويفعلها في الوقت الذي كان النبي وَ ل يفعلها فيه
في أكثر أوقاته.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي
(ج ٣ص ١٩٠).
١٤١٥ - [٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا
بَعْدَ الْجُمُعَةِ.
[متفق عليه]
الْشَّرُْ
١٤١٥ - قوله: (مَا كُنَّا نَقِيلُ) بفتح النون، من قال يقيل قيلولة فهو قائل. قال
في ((النهاية)): المقيل والقيلولة: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم.
(وَلَا نَتَغَدَّى) بالغين المعجمة والدال المهملة من الغداء، وهو الطعام الذي يؤكل
أول النهار. زاد في رواية أحمد ومسلم والترمذي: ((في عهد النبي ◌َّ)). (إِلَّا بَعْدَ
الْجُمُعَةِ) أي: بعد فراغ صلاتها. وفي رواية للبخاري: ((كنا نصلي مع النبي وَل
الجمعة، ثم تكون القائلة)). واستدل به لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل
الزوال؛ لأن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال، وحكي عن ابن قتيبة أنه قال: لا
یسمی غداء ولا قائلة بعد الزوال.
وأجيب عنه: بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال، بل
فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة، ثم بالصلاة، ثم
ينصرفون فيقيلون ويتغدون، فيكون قائلتهم وغداؤهم بعد الجمعة عوضًا عما فاتهم
في وقته من أجل بكورهم. والحاصل: أن قائلتهم وغداءهم بعد الجمعة لما كانا
قائمين مقام القيلولة والغداء، أطلق عليهما ذلك مجازًا، وهذا كما أطلق رسول الله
وَّر على السحور اسم الغداء فقال العرباض بن سارية: ((هلم إلى الغداء المبارك)).
(١٤١٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٤٢٧/٢)، ومُسْلِم (٨٥٩/٣٠) عنه فيها، وأَبُو دَاوُد (١٠٨٦)،
والتّرْمِذِي (٥٢٥).
٥٨٤
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
أخرجه أبو داود والنسائي. فكما أنه لا يصح الاستدلال بقوله وقليل هذا على جواز
السحور وقت الغداء أي: بعد طلوع الفجر إلى الزوال، كذلك لا يصح الاستدلال
بلفظ القيلولة والتغدي على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال. وبالجملة حمل
الجمهور حديث سهل على التبكير، وأنهم كانوا يشتغلون أول النهار بآلة الجمعة،
فيؤخرون الغداء والقيلولة عن وقتهما. والحاصل: أن ما كان غداء في غير يوم
الجمعة يكون بعد صلاة الجمعة، فلا يبقى فيه غداء، وكذا القيلولة.
وقال الأمير اليماني: ليس في حديث سهل دليل على الصلاة قبل الزوال؛ لأنهم
في المدينة ومكة لا يقيلون، ولا يتغدون إلا بعد صلاة الظهر، كما قال تعالى:
﴿وَحِنَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ اُلْقَّهِيَرَةِ﴾ [النور: ٥٨] نعم، كان ◌َّ يسارع بصلاة الجمعة في أول
وقت الزوال بخلاف الظهر، فقد كان يؤخره بعده حتى يجتمع الناس. انتهى.
واستدل لأحمد أيضًا بحديث سلمة: كنا نصلي مع رسول اللّه وَّ الجمعة، ثم
ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به. وفي رواية: وما نجد فيئًا نستظل به. وجه
الاستدلال: أنه قد ثبت أنه وَّ كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، ويقرأ القرآن
في الخطبة مثل سورة ﴿قَ﴾ و﴿تَبَارَكَ﴾، ويذكر الناس، ويقرأ في صلاتها بسورة
الجمعة والمنافقين، ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد
صار للحيطان ظل يستظل به .
وأجيب عنه: بأن خطبته وَ له وصلاته كانتا قصدًا، فلا يزيد شغله في الخطبة
والصلاة على الساعة الواحدة العرفية، ومع مضي الساعة الواحدة لا يمكن أن
يكون لجدران المدينة فيء يستظل به لقصر جدرانها إذ ذاك، قال الشوكاني:
المراد: نفي الظل الذي يستظل به لا نفي أصل الظل، كما هو الأكثر الأغلب من
توجه النفي إلى القيود الزائدة. ويدل على ذلك قوله: ثم نرجع نتبع الفيء. وإنما
كان كذلك؛ لأن الجدران كانت في ذلك العصر قصيرة لا يستظل بظلها إلا بعد
توسط الوقت، فلا دلالة في ذلك على أنهم كانوا يصلون قبل الزوال. انتهى.
واستدل له أيضًا بحديث أنس قال: كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة،
أخرجه البخاري. قال الحافظ: ظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، لكن
طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على
٥٨٥
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
فعل الشيء في أول وقته، أو تقديمه على غيره، وهو المراد هنا. والمعنى: أنهم
كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في
الحر، فإنهم كانوا يقيلون، ثم يصلون لمشروعية الإبراد، واستدل له أيضًا بحديث
جابر: أن النبي ◌َّ كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول
الشمس، أخرجه أحمد ومسلم والنسائي. قيل: المتبادر منه أن صلاتهم كانت قبل
الزوال؛ لأنه قد صرح بأن إراحتهم لنواضحهم بعد الجمعة كانت عند الزوال.
وتعقب بأن قوله: ((حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ)). يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله:
((يُصَلِّي)). فلا يتم الاستدلال به.
واستدل له أيضًا بما روى عبد الله بن أحمد في ((زيادات المسند))، والدار قطني
وأبونعيم في كتاب ((الصلاة))، وابن أبي شيبة من رواية عبد الله بن سيدان قال:
شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها
مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع
عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك
ولا أنكره.
وأجيب عنه: بأن عبد الله بن سيدان - بسين - مهملة مكسورة بعدها تحتية
ساكنة. قيل: سندان بالنون بعد السين المطرودي السلمي غير معروف العدالة؛
قال ابن عدي: شبه المجهول، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه. وقال
اللالكائي: مجهول لا خير فيه. وقال النووي في ((الخلاصة)): اتفقوا على ضعف
ابن سندان، انتهى. بل قد عارضه ما هو أقوى منه؛ فروى ابن أبي شيبة من طريق
سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس.
قال الحافظ: إسناده قوي. وقد ظهر بما ذكرنا أنه ليس في صلاة الجمعة قبل
الزوال حديث صحيح صريح. فالقول الراجح : هو ما قال به الجمهور. قال شيخنا
في ((شرح الترمذي)): والظاهر المعول عليه هو ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا
تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس. وأما ما ذهب إليه بعضهم من أنها تجوز قبل
الزوال فلیس فیه حديث صحيح صريح، انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي (ج٣
ص ٢٤١).
٥٨٦
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
١٤١٦ - [٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ بَّهِ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ
بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ. يَعْنِي: الْجُمُعَةَ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
5 0
الْشَرْحُ
١٤١٦ - قوله: (إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ) فيه نوع من المشاكلة. والمراد: عدم اشتداد
الحر. (بَكَّرَ) أي: تعجل وأسرع. (بِالصَّلاةِ) أي: صلاها في أول وقتها. (أَبْرَدَ
بِالصَّلاةِ) أي: صلاها بعد أن وقع ظل الجدار في الطريق؛ كيلا يتأذى الناس
بالشمس. كذا قال بعض الشراح من الحنفية.
(يَعْنِي: الْجُمُعَةَ) يعني: أنه ليس الحديث في صلاة الجمعة، وإنما هو في صلاة
الظهر إلا أن أنسًا لما استدل به على صلاة الجمعة قياسًا على الظهر حمله بعض
الرواة عليها فقال: ((يعني: الجمعة))، فليس دليل الإبراد بصلاة الجمعة في شدة
الحر إلا القياس لا الحديث. قال الشوكاني: يحتمل أن يكون قوله: ((يَعْنِي:
الْجُمُعَةَ)) من كلام التابعي أو من دونه أخذه قائله مما فهمه من التسوية بين الظهر
والجمعة عند أنس، حيث استدل لما سئل عن الجمعة بقوله: ((كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ)).
ويؤيده ما عند الإسماعيلي عن أنس من طريق أخرى، وليس فيه قوله: ((يَعْنِي:
الْجُمُعَةَ))، انتهى.
والحاصل: أن الروايات تدل على أن الإبراد بالجمعة عند أنس، إنما هو
بالقياس على الظهر لا النص، لكن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة في الظهر،
وعلى التبكير في الجمعة مطلقًا من غير تفصيل. قال الكرماني: قال الفقهاء: ندب
الإبراد إلا في الجمعة لشدة الخطر في فواتها، ولأن الناس يبكرون إليها، فلا
يؤذون بالحر. وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج٢ ص٢٩٦): ولا فرق في استحباب
إقامة الجمعة عقيب الزوال بين شدة الحر وغيره؛ فإن الجمعة يجتمع لها الناس،
فلو انتظروا الإبراد شق عليهم؛ ولذلك كان النبي ◌َّ يفعلها إذا زالت الشمس في
(١٤١٦) الْبُخَارِي (٩٠٦) عَنْهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
٥٨٧
NIBe
الشتاء والصيف على ميقات واحد، وقال في (ج١ ص ٣٩٠): فأما الجمعة فيسن
تعجيلها في كل وقت بعد الزوال من غير إبراد؛ لأن سلمة بن الأكوع قال: كنا
نجمع مع رسول اللّه ◌َلّله إذا زالت الشمس، متفق عليه. ولم يبلغنا أنه أخرها، بل
كان يعجلها، حتى قال سهل بن سعد: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة،
أخرجه البخاري، ولأن السنة التبكير بالسعي إليها ويجتمع الناس لها، فلو أخرها
لتأذى الناس بتأخير الجمعة. انتهى.
قلت: وقد نحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة، وإليه ميل الحنفية.
والراجح عندنا: التعجيل من غير فرق بين الحر والبرد؛ لعدم النص في الإبراد
بالجمعة. والله تعالى أعلم. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وللحديث قصة، وحاصلها: أن
الحكم بن أبي عقيل الثقفي كان نائبًا على البصرة عن ابن عمه الحجاج بن يوسف،
وكان الحكم على طريقة ابن عمه في تطويل الخطبة يوم الجمعة حتى يكاد الوقت
أن يخرج، فأنكر ذلك على الحكم بعضهم، وسأل الحكم عن أنس: كيف كان
النبي ◌َّ- يصلي الظهر؟ فأجاب أنس بما ذكر من الحديث. والحديث أخرجه
البخاري في ((الأدب المفرد)) أيضًا، وأخرجه أبويعلى في ((مسنده)) مع القصة،
والبيهقي (ج٣ ص ٢٩١، ٢٩٢) معها وبدونها.
١٤١٧ - [٤] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ
إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَلَمَّا
كَانَ عُثْمَانُ، وكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ.
[رَواهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٤١٧ - قوله: (كَانَ النِّدَاءُ) الذي ذكره الله في القرآن. (أَوَّلُهُ) بالرفع بدل
من اسم كان وخبرها: (إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ)، وفي رواية لابن خزيمة: ((كان ابتداء
(١٤١٧) البُخَارِي (٩١٢)، وَأَبُو دَاوُد (١٠٨٨)، والترمذي (٥١٦)، وابن مَاجَهْ (١١٣٥)، والنَّسَائِي
(٣/ ١٠٠) عَنْهُ فِيهَا.
٥٨٨
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة)). (إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) أي:
قبل الخطبة، وثانيه وهو الإقامة، إذا فرغ من الخطبة ونزل. (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
وَ﴾ أي: في زمانه. (وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) يعني: في خلافتهما. وفي رواية لابن
خزيمة: ((كان الأذان على عهد رسول اللّه وَ لَه وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة)).
قال ابن خزيمة: قوله: ((أَذَانَينٍ)). يريد الأذان والإقامة، يعني: تغليبًا أو
لاشتراكهما في الإعلام.
(فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ) أي: زمن خلافته. قال الطيبي: ((كَانَ)) تامة أي: حصل عهده.
وقيل: يصح كونها ناقصة، والخبر محذوف أي: خليفة. (وَكَثُرَ النَّاسُ) أي:
المؤمنون بالمدينة عن أن يسمعوا الأذان عند باب المسجد. (زَادَ) أي: عثمان بعد
مضي مدة من خلافته. (النِّدَاءَ الثَّالِثَ) أول الوقت عند الزوال قبل خروجه
وصعوده على المنبر، ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت، وإنما سماه ثالثًا بالنسبة
إلى إحداثه؛ لأنه زيد على النداءين الذين كانا على عهد رسول الله وال وزمن
الشيخين، وهما الأذان بعد صعود الإمام على المنبر قبل قراءة الخطبة، وهو المراد
بالنداء الأول والإقامة بعد فراغه من الخطبة عند نزوله، وهو المراد بالنداء الثاني.
وفي بعض روايات الحديث: ((فأمر عثمان بالأذان الأول))، وهو الموافق للواقع
فعلًا؛ لأنه يبدأ به قبل خروج الإمام. وفي بعض رواياته أيضًا تسميته الثاني باعتبار
أنه زيد على الأذان الذي كان قبل، وعدم اعتبار الإقامة في العدد؛ لأنها ليست أذانًا
وإن كانت من النداء للصلاة، والحاصل: أنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا،
وباعتبار كونه جعل مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولًا، وبالنظر إلى الأذان
الحقيقي دون الإقامة يسمى ثانیًا.
قال الطيبي: إنما زاد عثمان ذلك؛ لكثرة الناس فرأى هو أن يؤذن المؤذن قبل
الوقت - يعني المعتاد، وهو صعوده على المنبر بعد الزوال - لينتهي الصوت إلى
نواحي المدينة، ويجتمع الناس قبل خروج الإمام؛ لئلا يفوت عنهم أوائل
الخطبة. (عَلَى الزَّوْرَاءِ) بفتح الزاي وسكون الواو بعدها راء ممددة موضع بالسوق
بالمدينة، قاله البخاري في ((جامعه الصحيح)). وفي رواية ابن خزيمة وابن ماجه:
((زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها: الزوراء))، وزاد في رواية للبخاري
وغيره: ((فثبت الأمر على ذلك)).
THE
٥٨٩
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
*
قال الحافظ: والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك؛
لكونه خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهاني: أن أول من أحدث الأذان الأول
بمكة الحجاج، وبالبصرة زياد، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين
عندهم سوى مرة. وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: الأذان الأول يوم
الجمعة بدعة، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار. ويحتمل أنه يريد أنه
لم يكن في زمن النبي ◌َّله، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما
يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك، وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام
الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها، وأبقى
خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب. انتهى كلام الحافظ .
وقد ذكر الشيخ أحمد محمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)) (ج٢ ص ٣٩٣) هنا
كلامًا حسنًا أحببنا إيراده لعل الله ينفع بها الطالبين، قال: فائدة في رواية عند أبي
داود في هذا الحديث: كان يؤذن بين يدي رسول اللَّه وَّ إذا جلس على المنبر يوم
الجمعة على باب المسجد، فظن العوام بل كثير من أهل العلم أن هذا الأذان يكون
أمام الخطيب مواجهة، فجعلوا مقام المؤذن في مواجهة الخطيب قَريبًا مِن المثْبرِ
على كرسي أو غيره، وصار هذا الأذان تقليدًا صرفًا لا فائدة له في دعوة الناس إلى
الصلاة، وإعلامهم حضورها، كما هو الأصل في الأذان والشأن فيه، وحرصوا
على ذلك، حتى لينكرون على من يفعل غيره، واتباع السنة أن يكون على المنارة
عند باب المسجد؛ ليكون إعلامًا لمن لم يحضر، وحرصوا على إبقاء الأذان قبل
خروج الإمام، وقد زالت الحاجة إليه؛ لأن المدينة لم يكن بها مسجد جامع إلا
المسجد النبوي، وكان الناس كلهم يجمعون فيه، وكثروا عن أن يسمعوا الأذان
عند باب المسجد، فزاد عثمان الأذان الأول ليعلم من بالسوق ومن حوله حضور
الصلاة، أما الآن وقد كثرت المساجد، وبنيت فيها المنارات، وصار الناس
يعرفون وقت الصلاة بأذان المؤذن على المنارة، فإنا نرى أن يكتفى بهذا الأذان،
وأن يكون عند خروج الإمام؛ اتباعًا للسنة، أو يؤمر المؤذنون عند خروج الإمام أن
يؤذنوا على أبواب المساجد. انتهى.
قلت: إذا وقعت اليوم الحاجة إلى النداء العثماني في بلد كما وقعت بالمدينة
في عهد عثمان رَوُلَهُ، فلا بأس بأن يؤذن على موضع مرتفع كالمنار، أو سطح البيت
٥٩٠
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
خارج المسجد قبل خروج الإمام كما كان في زمن عثمان رَضِوتَهُ. وأما بغير الحاجة
وعند عدم الضرورة، فالاكتفاء بالأذان عند خروج الإمام هو المتعين عندي. وأما
كون هذا الأذان أمام الخطيب مواجهة قريبًا من المنبر، فليس في شيء من السنة؛
فإن السنة أن يؤذن عند باب المسجد ليحصل فائدة الأذان لا داخل المسجد عند
المنبر، والله تعالى أعلم. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) بألفاظ وأسانيد. وأخرجه أيضًا أحمد
والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ص ١٩٢، ٢٠٥).
١٤١٨ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ◌َةِ خُطْبَتَانِ
يَجْلِسُ بَينَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَّكِّرُ النَّاسَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وخُطْبَتُهُ
قَصْدًا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٤١٨ - قوله: (كَانَتْ لِلنَّبِيِّ وَ خُطْبَتَانِ) فيه: أن المشروع خطبتان، وقد
ذهب إلى وجوبهما الشافعي وأحمد. قال ابن قدامة: يشترط للجمعة خطبتان،
وهذا مذهب الشافعي. وقال مالك والأوزاعي وإسحاق وأبوثور وابن المنذر
وأصحاب الرأي: يجزيه خطبة واحدة، وقد روي عن أحمد ما يدل عليه؛ فإنه قال:
لا تكون الخطبة إلا كما خطب النبي وَّله، أو خطبة تامة. انتهى.
وقال الشوكاني: قد ذهب إلى وجوبهما العترة والشافعي. وحكى العراقي في
((شرح الترمذي)) عن مالك وأبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأبي ثور
وابن المنذر وأحمد بن حنبل في رواية: أن الواجب خطبة واحدة، قال: وإليه
ذهب جمهور العلماء، ولم يستدل من قال بالوجوب إلا بمجرد الفعل مع قوله:
((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ... )) الحديث. وقد عرفت أن ذلك ينتهض لإثبات
الوجوب، يعني؛ لأن مجرد الفعل لا يفيد الوجوب. وأما قوله: ((صَلُّوا كَمَا
رَأَيْتُمُونِ أُصَلِّي)» فهو - مع كونه غير صالح للاستدلال به على الوجوب - ليس فيه
(١٤١٨) مُسْلِم (٣٤/ ٨٦٢) (٨٦٦/٤١) عَنْهُ فِيهَا.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
CHINESE
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
٥٩١
إلا الأمر بإيقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليها، والخطبة ليست بصلاة.
(يَجْلِسُ بَيْتَهُمَا) أي: بين الخطبتين. وفيه: إشارة إلى أن خطبته كانت حالة القيام،
وقد ورد ذلك مصرحًا عن جابر نفسه، وعن ابن عمر وكعب بن عجرة، كما
سيأتي.
قال الشوكاني في شرح حديث ابن عمر وجابر: فيه: أن القيام حال الخطبة
المشروع. قال ابن المنذر: وهو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار.
واختلف في وجوبه، فذهب مالك والشافعي: إلى الوجوب، غير أن مالكًا قال: إنه
واجب لو تركه أساء، وصحت الجمعة. وقال الشافعي: إنه شرط في صحة
الخطبة، وإنه متى خطب قاعدًا لغير عذر لم تصح. قال ابن قدامة: ويحتمله كلام
أحمد.
وذهب أبو حنيفة: إلى أن القيام سنة وليس بواجب. قال ابن قدامة: قال
القاضي: يجزيه الخطبة قاعدًا، وقد نص عليه أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة.
واستدل الأولون بحديث جابر وابن عمر وبغيرهما من الأحاديث الصحيحة: قال
الشوكاني: لاشك أن الثابت عنه ◌ّ وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال الخطبة،
ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب.
وفي الحديث: مشروعية الجلوس بين الخطبتين. واختلف في وجوبه، فذهب
الشافعي: إلى أنه فرض وشرط لصحة الخطبة.
وذهب الجمهور مالك وأحمد وأبو حنيفة: إلى أنه غير واجب. استدل من
أوجب ذلك بفعله وَله، وقوله: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي)»، وقد تقدم الجواب عن مثل
هذا الاستدلال. قال ابن المنذر: لم أجد للشافعي دليلًا، والفعل - وإن اقتضى
الوجوب عند الشافعي - لا يدل على بطلان الجمعة بتر که، وأي فرق بين الجلوس
قبلهما وبينهما، مع أن كلَّا منهما ثابت عنه عليه الصلاة والسلام. قال جمع من
الشافعية: وهو كما قال، والعجب إيجاب هذا دون الاستقبال، قاله القاري.
(يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) تفسير الخطبة. وقال القاضي: هو صفة ثانية للخطبتين. والراجح
محذوف، والتقدير: يقرأ فيهما. وقوله: (وَيُذَكِّرُ النَّاسَ) عطف عليه داخل في
حكمه انتهى. والتذكير هو الوعظ والنصيحة، وذكر ما يوجب الخوف والرجاء،
٥٩٢
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
من الترهيب والترغيب. واستدل به: على مشروعية القراءة والوعظ في الخطبة،
ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف في الوجوب، فذهب الشافعي: إلى أنه يشترط في
الخطبة الوعظ والقراءة، قال النووي: قال الشافعي: لا تصح الخطبتان إلا بحمد
الله تعالى والصلاة على رسول اللَّه ◌َله فيهما والوعظ، وهذه الثلاثة واجبات في
الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء
للمؤمنين في الثانية على الأصح. وقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: يكفي من
الخطبة ما يقع عليه الاسم.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في رواية عنه: يكفي تحميدة أو تسبيحة أو
تهليلة، وهذا ضعيف؛ لأنه لا يسمى خطبة ولا يحصل به مقصودها مع مخالفته ما
ثبت عنه قَال. انتهى.
قلت: الراجح عندي: أنه لا يجب في خطبة الجمعة شيء سوى حمد الله
والموعظة؛ لأن ذلك يسمى خطبة ويحصل به المقصود فأجزأ، وما عداه من
الصلاة على النبي وَله، وقراءة القرآن والدعاء لإنسان ليس على اشتراطه ووجوبه
في الخطبة دليل، ولا يجب أن يخطب على صفة خطبة النبي وَلّ بالاتفاق؛ لأنه قد
روي أنه كان يقرأ آيات، ولا يجب قراءة آيات، ولكن يستحب أن يقرأ آيات
كذلك، ولما روت أم هشام قالت: ما أخذت ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴾﴾ إلا من في
رسول اللَّه وَ له، يخطب بها في كل جمعة. وفي حديث الشعبي: أن النبي وَّ كان
يقرأ سورة.
وقوله: (يُذَكِّرُ النَّاسَ) دليل صريح على أن الخطبة وعظ وتذكير للناس، وأنه ◌َّه
كان يعلم أصحابه في خطبة الجمعة قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم، وينهاهم
في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي، وكان يأمرهم بمقتضى الحال، فلا بد للخطيب
من أن يعظ الناس، ويذكرهم ويبين لهم ما يحتاجون إليه، فإن كان السامعون من
غير العرب وعظهم بلغتهم؛ فإن التذكير والوعظ في بلاد العجم لا يفيد ولا يحصل
أثره إلا إذا كان بلغتهم. وحديث جابر هذا هو أول دليل على هذا.
(فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا) أي: متوسطة بين الإفراط والتفريط، من التقصير
والتطويل بفتح القاف وسكون الصاد، وآخره دال، وهو الوسط بين الطرفين، وهو
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلاةِ
٥٩٣
المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط. (وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا) قال
الطيبي: أصل القصد: الاستقامة في الطريق، استعير للتوسط في الأمور والتباعد
عن الإفراط، ثم للتوسط بين الطرفين كالوسط، أي: كانت صلاته وَّه متوسطة،
لم تكن في غاية الطول، ولا في غاية القصر، وكذلك الخطبة. وذلك لا يقتضي
مساواة الخطبة للصلاة؛ إذ توسط كل يعتبر في بابه، فلا يخالف حديث عمار
الآتي.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هما حديثان عند مسلم رواهما عن جابر بن سمرة، تم الأول على
قوله: (وَيُذَكِّرُ النَّاسَ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(ج ٣ص ٢١٠) ولفظ الثاني: قال جابر: كنت أصلي مع رسول اللّهُ وَ، (فَكَانَتْ
صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا). ونسب المجد هذا في ((المنتقى)) للجماعة إلا
البخاري وأبا داود. قلت: وأخرجه البيهقي (ج٣ص٢٠٧) أيضًا.
١٤١٩ - [٦] وَعَنْ عَمَّارِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ
طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِلُوا الصَّلَاةَ، وَأَقْصِرُوا
الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٤١٩ - قوله: (إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ) أي: إطالتها. (وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ) بكسر
القاف وفتح الصاد أي: تقصيرها. (مَئِنَّةٌ) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون
مشددة. (مِنْ فِقْهِهِ) أي: علامة يتحقق بها فقهه، مفعلة بنيت من إن المكسورة
المشددة وحقيقتها مظنة ومكان لقول القائل: إنه فقيه؛ لأن الصلاة مقصودة
بالذات، والخطبة توطئة لها، فتصرف العناية إلى الأهم، كذا قيل، أو لأن حال
الخطبة توجهه إلى الخلق وحال الصلاة مقصده الخالق. فمن فقاهة قلبه إطالة
معراج ربه، أو لأن الصلاة هي الأصل، والخطبة هي الفرع، ومن القضايا الفقهية
أن يؤثر الأصل على الفرع بزيادة.
(١٤١٩) مُسْلِم (٨٦٩/٤٧) عَنْهُ فِيهَا .
٥٩٤
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
وقال الطيبي: قوله: (مِنْ فِقْهِهِ) صفة (مَئِنَّةٌ) أي: مئنة ناشئة من فقهه في
((النهاية)): أي: ذلك مما يعرف به فقه الرجل، فكل شيء دل على شيء فهو مئنة
له. وحقيقتها أنها مفعلة من معنى (أن)) التي للتحقيق غير مشتقة من لفظها؛ لأن
الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمن حروفها دلالة على أن معناها فيها. قال
النووي: قال الأزهري والأكثرون: الميم فيها زائدة، وهي مفعلة، قال الأزهري:
غلط أبوعبيد في جعله الميم أصلية. وقال القاضي عياض: قال شيخنا ابن سراج:
هي أصلية، انتهى.
قال الشوكاني: وإنما كان اقتصار الخطبة علامة من فقه الرجل؛ لأن الفقيه هو
المطلع على جوامع الألفاظ، فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن
المعاني الكثيرة.
(فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ) قال النووي: الهمزة في ((اقصروا)) همزة
وصل، وليس هذا الحديث مخالفًا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف
الصلاة، ولقوله في الرواية المتقدمة: ((كَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا))؛ لأن
المراد بحديث عمار أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلًا يشق على
المأمومين، وهي حينئذٍ قصد أي: معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها.
وقال العراقي: أو حيث احتيج إلى التطويل لإدراك بعض من تخلف، قال: وعلى
تقدير تعذر الجمع بين الحديثين يكون الأخذ في حقنا بقوله؛ لأنه أدل بفعله
لاحتمال التخصيص.
وقال القاري: لا تنافي بينهما، فإن الأول - أي: حديث جابر - دل على
الاقتصار فيهما، والثاني - أي: حديث عمار - على اختيار المزية في الثانية
منهما، ثم لا ينافي هذا ما ورد في مسلم من حديث أبي زيد، قال: ((صلى بنا رسول
اللّه وَلِ الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد
المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى
غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن. انتهى؛ لوردوه نادرًا اقتضاه
الوقت، ولكونه بيانًا للجواز، وكأنه كان واعظًا، والكلام في الخطب المتعارفة.
انتھی .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
٥٩٥
(وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا) أي: من البيان ما يصرف قلوب المستمعين إلى قبول ما
يستمعون، فشبه الكلام العامل في القلوب الجاذب للعقول بالسحر لأجل ما
اشتمل عليه من الجزالة وتناسق الدلالة، وإفادة المعاني الكثيرة. والظاهر أنه من
عطف الجمل، ذكره استطرادًا. وقال الطيبي: الجملة حال من ((اقصروا)) أي:
اقصروا الخطبة وأنتم تأتون بها معاني جمة في ألفاظ يسيرة، وهي من أعلى طبقات
البيان؛ ولذلك قال رَ له: ((أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِم))، قال النووي: قال القاضي: فيه
تأويلان: أحدهما: أنه ذم؛ لأنه إمالة للقلوب، وصرفها بمقاطع الكلام إليه، حتى
يكتسب من الإثم به كما يكتسب بالسحر، وأدخله مالك في ((الموطأ)) في باب: ما
يكره من الكلام، وهو مذهبه في تأويل الحديث.
والثاني: أنه مدح؛ لأن الله تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان. وشُبِّهَ
بالسحر لميل القلوب إليه. وأصل السحر الصرف، فالبيان يصرف القلب ويميله
إلى ما يدعو إليه. قال النووي: وهذا التأويل الثاني هو الصحيح.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص٢٦٣) والبيهقي (ج ٣ ص٢٠٨).
١٤٢٠ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِلّهِ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ
عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبَّهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، وَيَقُولُ: ((صَبَّحَكُمْ
وَمَسَّاكُمْ)) وَيَقُولُ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَينٍ)) وَيَقْرُنُ بِّينَ إِصْبَعَيْهِ: السََّّابَةِ
وَالْوُسْطَى.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٤٢٠ - قوله: (وَعَنْ جَابِرٍ) أي: ابن عبد الله. (إِذَا خَطَبَ) أي: للجمعة كما
في رواية لمسلم. (احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ) بالرفع أي: ارتفع صوته. (وَاشْتَدَّ
غَضَبُهُ) يفعل ذلك لإزالة الغفلة من قلوب الناس ليتمكن فيها كلامه وَل فضل
تمكن، أو لأنه يتوجه فكره إلى الموعظة، فيظهر عليه آثار الهيبة الإلهية. واستدل
(١٤٢٠) مُسْلِم (٤٣ / ٨٦٧) عَنْهُ فِيهَا .
٥٩٦
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته وكلامه، ليكون
مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب. ولعل اشتداد غضبه وَلّ كان
عند إنذاره أمرًا عظيمًا.
(كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ) هو الذي يجيء مخبرًا للقوم بما قد دهمهم من عدو أو غيره،
أي: كمن ينذر قومًا من قرب جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم. (يَقُولُ) ضميره
عائد لـ((منذر))، والجملة صفته (صَبَّحَكُمْ) بتشديد الباء، وفاعله ضمير يعود إلى
العدو المنذر منه، ومفعوله يعود إلى ((المنذرين))، أي: نزل بكم العدو صباحًا.
والمراد سينزل، وصيغة الماضي للتحقق مثل حال الرسول وَله في خطبته، وإنذاره
بمجيء القيامة، وقرب وقوعها، وتهالك الناس فيما يرديهم بحال من ينذر قومه
عند غفلتهم بجيش قريب منهم، يقصد الإحاطة بهم بغتة من كل جانب. فكما أن
المنذر يرفع صوته، وتحمر عيناه، ويشتد غضبه على تغافلهم، كذلك حال رسول
اللّهِ وَّهِ. وإلى قرب المجيء أشار بإصبعيه. ونظيره ما روي أنه لما نزل: ﴿وَأَنذِرْ
﴾﴾ صعد الصفا، فجعل ينادي: ((يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٌّ ... »
(١٤)
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
الحدیث.
(مَسَّاكُمْ) بتشديد السين مثل ((صَبَّحَكُمْ)) ويحتمل أن ضمير ((يقول)) للنبي ◌َّ،
والجملة حال. وضمير ((صَبَّحَكُمْ)) للعذاب. والمراد به: قرب منكم إن لم
تطيعوني. (وَيَقُولُ) أي: النبيِ نََّ عطف على ((احمرت)). (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ)
روي برفعها ونصبها، والمشهور نصبها على المفعول معه، والرفع عطفًا على
الضمير، وأكد بالضمير المنفصل ليصح العطف، أي: بعثني قريبًا من القيامة.
(وَيَقْرُنُ) بضم الراء على المشهور الفصيح، وحكي كسرها. (السَّبَّابَةِ) بالجر على
البدلية وجوز الرفع أي: المسبحة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الجمعة، وكذا البيهقي (ج ٣ص ٢٠٦، ٢١٣) وأخرجه أيضًا
أحمد وابن ماجه في السنة، وهذا طرف من حديث طويل عندهم.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
٥٩٧
١٤٢١ - [٨] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلِ يَقْرَأُ عَلَى
الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَفْضِ عَلَيْنَا رَبٌّ﴾
[متفق عليه]
W O
الشَّرْجُ
١٤٢١ - قوله: (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد
التحتية. (وَنَادَوْا) أي: أهل النار الداخلون فيها، وهم الكفار. (يَا مَالِك) بإثبات
الكاف، وهي قراءة الجمهور. وقرأ الأعمش: ﴿وَنَادَوْاْ يَامَالٍ لِيَقْضِ عَلَيَّنَا رَبُّكٌ﴾
بالترخيم، ورويت عن علي، وهي قراءة ابن مسعود، وفيه إشعار بأنهم لضعفهم لا
يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام، فإن قلت: كيف قال: ونادوا يا مالك بعد ما وصفهم
بالإبلاس؟
أجيب: بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون
أوقاتًا لغلبة اليأس عليهم، ويستغيثون أوقاتًا لشدة ما بهم. (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) أي :
بالموت، قال الطيبي: من قضي عليه؛ أماته. ومنه قوله: ﴿فَوَّكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى
عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أي: أماته. ومعنى الآية يقول الكفار لمالك خازن النار: سل ربك
أن يقضي علينا، يقولون هذا لشدة ما بهم، فيجابون بقوله: ﴿إِنَّكُم مَّكِّتُونَ﴾ أي:
خالدون. وفيه نوع استهزاء بهم دل هذا الحديث وما قبله، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ
»، وقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾، وقوله تعالى:
إِلَّا نَذِيرُ
﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ - على أن الناس إلى الإنذار والتخويف أحوج منهم إلى
التبشير؛ لتماديهم في الغفلة؛ وانهماكهم في الشهوات.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في ذكر الملائكة وصفة النار من بدء الخلق، وفي
تفسير سورة الزخرف، ومسلم في الصلاة وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص٢٢٣)
والترمذي في الصلاة وأبو داود في القراءات والنسائي في ((السنن الكبرى))
والبيهقي (ج٣ص٢١١).
(١٤٢١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٨١٩) فِي بَدْءِ الخَلْقِ، مُسْلِم (٨٧١/٤٩) فِي الجُمُعَةِ، وَأَبُو دَاوُد
(٣٩٩٢) فِي الحُرُوفِ، والنَّسَائِي في الكبرى (١١٤٧٩) فِي التَّفْسِيرِ .
SOME
٥٩٨
*
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
١٤٢٢ - [٩] وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ
﴿قَّ وَاَلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَأَنِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى
الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٤٢٢ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ الثَّعْمَانِ) هي أخت عمرة بنت
عبد الرحمن لأمها، الأنصارية النجَّارية. قال أحمد بن زهير: سمعت أبي يقول:
أم هشام بنت حارثة بايعت بيعة الرضوان، ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب))، ولم
يذكر اسمها. وذكرها الحافظ في ((الإصابة)) و((التهذيب)) و((التقريب))، ولم يسمها
أيضًا، وقال في ((التقريب)): صحابية مشهورة.
(قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ) أي: ما حفظت (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) أي: هذه السورة.
(يَقْرَؤُهَا) قال الطيبي نقلًا عن المظهر، وتبعه ابن الملك: إن المراد أول السورة لا
جميعها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأها جميعها في الخطبة. وقال ابن حجر:
أي: كلها وحملها على أول السورة صرف للنص عن ظاهره. انتهى. وقال القاري:
الظاهر أنه كان يقرأ في كل جمعة بعضها، فحفظت الكل في الكل. قلت: الظاهر
عندي ما قاله ابن حجر. والله - تعالى - أعلم.
(كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ) فيه: دليل على مشروعية قراءة سورة
((ق)) في الخطبة كل جمعة. قال العلماء: وسبب اختياره وَل هذه السورة؛ لما
اشتملت عليه من ذكر البعث والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة.
وفيه دلالة لقراءة شيء من القرآن في الخطبة كما سبق، وقد قام الإجماع على عدم
وجوب قراءة السورة المذكورة، ولا بعضها في الخطبة، وكانت محافظته على
هذه السورة اختيارًا منه لما هو الأحسن في الوعظ والتذكير. وفيه دلالة على ترديد
الوعظ، كذا في ((السبل)). قاله الشوكاني بعد ذكر أحاديث ورد فيها ذكر قراءة
القرآن في الخطبة .
(١٤٢٢) مُسْلِم (٨٧٣/٥١)، وَأَبُو دَاوُد (١١٠٠).
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
NICE
٥٩٩
وقد استدل بحديث الباب وما ذكرناه من الأحاديث: على مشروعية قراءة شيء
من القرآن في الخطبة، ولا خلاف في الاستحباب، وإنما الخلاف في الوجوب،
كما تقدم، قال: والظاهر من أحاديث الباب أن النبي ◌َّ- كان لا يلازم قراءة سورة
أو آية مخصوصة في الخطبة، بل كان يقرأ مرة هذه السورة ومرة هذه، ومرة هذه
الآية ومرة هذه. انتهى. وعلى هذا فالمراد بكل جمعة في حديث الباب جمعات
حضرت أم هشام فيها .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٦ ص ٤٣٥ - ٤٣٦، ٤٦٣) وأبو داود
والنسائي والبيهقي (ج٣ص٢١١) والحاكم (ج١ ص٢٨٤).
وَلَّهِ خَطَبَ وَعَلَيْهِ
١٤٢٣ - [١٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: أَنَّ النَّبِيَّ
عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٤٢٣ - قوله: (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) بالتصغير القرشي المخزومي،
صحابي صغير مات سنة (٨٥) وقيل: قبض النبي وَ لّ وله (١٢) سنة. (خَطَبَ) وفي
رواية: ((خطاب الناس)). (وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ) بكسر العين. (سَوْدَاءُ) فيه لباس الثوب
الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح :
((خَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضُ))، وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز، ولكن
الأفضل البياض كما ذكرنا، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانًا
للجواز .
(قَدْ أَرْخَى) أي: سدل وأرسل. (طَرَفَيْهَا) بالتثنية أي: طرفي عمامته. قال
النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وغيرها ((طرفيها)) بالتثنية، وكذا هو في
(١٤٢٣) مُسْلِم (١٣٥٩/٤٥٢) فِي الحَجِّ، وأَبُو دَاوُد (٤٠٧٧)، وابن مَاجَهْ (١١٠٤) فِي اللَِّاسِ
والنَّسَائِي (٢١١/٨) وَالزِّينَةِ.