Indexed OCR Text

Pages 561-580

SEINE
٥٦٠
*E
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
وقال القاري: قيل ((مَا)): موصولة. وقال الطيبي: ما بمعنى ليس، واسمه
محذوف، و(عَلَى أَحَدِكُمْ) خبره، وقوله: (إِنْ وَجَدَ) أي: سعة يقدر بها على
تحصيل زائد على ملبوس مهنته، وهذه شرطية معترضة وقوله: ((أَنْ يَتَّخِذَ)) متعلق
بالاسم المحذوف معمول له، ويجوز أن يتعلق ((عَلَى)) بالمحذوف، والخبر ((أَنْ
يَتَّخِذَ)) كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ تَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ
[النور: ٦١] والمعنى: ليس على أحد حرج - أي: نقص - يخل بزهده في أن يتخذ.
(تَوْبَيْنِ) قميصًا ورداءً أو جبةً ورداً أو إزارًا ورداءً .
(لِيَوْم الْجُمُعَةِ) أي: يلبسهما فيه وفي أمثاله. من العيد وغيره. وفيه: أن ذلك
ليس من شيم المتقين لو لا تعظيم الجمعة، ومراعاة شعائر الإسلام. (سِوَى ثَوْبَيْ
مَهِنَتِهِ) بفتح الميم أي: بذلته وخدمته، أي: غير الثوبين الذين يلبسهما في أشغاله،
وكسر الميم جائز قياسًا، كالجلسة والخدمة. فجوزه بعضهم نظرًا إلى ذلك،
ومنعه الآخرون وعدوه خطأ نظرًا إلى السماع. قال الزمخشري في ((الفائق)): روي
بكسر الميم وفتحها، والكسر عند الإثبات خطأ. وقال الأصمعي: بالفتح الخدمة،
ولا يقال بالكسر، وكان القياس - لو جيء بالكسر - أن يكون كالجلسة والخدمة
إلا أنه جاء على فعلة.
وقال ابن عبد البر: المهنة بفتح الميم الخدمة. وأجاز غير الأصمعي كسر
الميم، ذكره الزرقاني. وقال المجد في ((القاموس)): المهنة بالكسر والفتح
والتحريك وككلمة الحذق بالخدمة والعمل مَهَنَّهُ كنصره ومنعه مَهْنًا ومَهْنَةً
ويكسر، انتهى، ويقال: هو في مهنة أهله أي: في خدمتهم، وخرج في ثياب
مهنته، أي: في ثياب خدمته التي يلبسها في أشغاله.
والحديث: يدل على استحباب لبس الثياب الحسنة يوم الجمعة، وتخصيصه
بملبوس غير ملبوس سائر الأيام، قال ابن عبد البر: وفيه الندب لمن وجد سعة أن
يتخذ الثياب الحسان للجمع والأعياد، ويتجمل بها، وكان ◌َلا يفعل ذلك، ويعتم
ويتطيب، ويلبس أحسن ما يجد في الجمعة والعيد. وفيه الأسوة الحسنة، وكان
يأمر بالطيب والسواك والدهن، انتهى.

كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
Be
Re
٥٦١
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) وكذا البيهقي (ج ٣ص٢٤٢) كلاهما من طريق عمرو بن
الحارث عن یزید بن أبي حبیب عن موسی بن سعید عن محمد بن یحیی بن حبان
عن عبد الله بن سلام، أنه سمع رسول اللَّه وَ لَه يقول على المنبر في يوم الجمعة:
((مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَينٍ لِيَومِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثُّوْبَي مَهْنَتِهِ))، قال في
(الزوائد»: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، انتھی.
قلت: هو منقطع؛ لأن محمد بن يحيى بن حبان لم يدرك عبد الله بن سلام؛ فإن
ابن حبان مات سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة. وعلى هذا
فكانت ولادته سنة سبع وأربعين. ومات عبد الله بن سلام قبل ولادته سنة ثلاث
وأربعين. ثم أخرجه ابن ماجه من طريق آخر، قال: حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، ثنا
شيخ لنا، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يوسف بن
عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: خطبنا النبي ◌َّر ... فذكر ذلك، وفيه رجل
مجهول. قال المزي: هذا الشيخ هو محمد بن عمر الواقدي، انتهى. والواقدي
متروك. وأخرجه أبو داود من ثلاثة وجوه:
الأول: طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن يحيى بن حبان، أن
رسول اللَّهِ وَ لّه قال: ((مَا عَلَى أَحَدِكُم ... )) إلخ، وهذا مرسل؛ لأن ابن حبان تابعي.
والثاني: طريق عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن موسى بن سعد عن
ابن حبان عن ابن سلام، أنه سمع رسول اللّه وَ اللهيقول ... إلخ. وهذا يحتمل أن
يكون المراد بابن سلام عبد الله بن سلام، وبه جزم الحافظ في ((التلخيص))، وفي
((التهذيب)) في باب من نسب إلى أبيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذلك. ويحتمل
أن يكون المراد به يوسف بن عبد الله بن سلام، كما يدل عليه الطريق الآتي،
فيكون الحديث من مسند يوسف بن عبد الله بن سلام، لا من مسند عبد الله بن
سلام .
والوجه الثالث: طريق يحيى بن أيوب عن ابن أبي حبيب عن موسى بن سعد عن
يوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي ◌َّله وهذا صريح في أن الحديث من مسند
يوسف بن عبد الله بن سلام. وذكر البخاري أن يوسف له صحبة. فالحديث بهذا
الطريق موصول، لكن قال المزي في ((الأطراف)): هو - أي: كونه من مسند
عبد الله بن سلام - أشبه بالصواب.

٥٦٢
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
١٤٠٣ - [١١] وَرَوَاهُ مَالِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
{ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٤٠٣ - (وَرَوَاهُ مَالِك) في ((الموطأ))، وكذا أبو داود والبيهقي وغيرهم.
(عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أنه بلغه أن رسول اللَّهِ وَله قال: ((مَا عَلَى أَحَدِكُمْ ... )) الخ، قال
الحافظ في ((الفتح)) (ج٤ ص٤٨٣): وصله ابن عبد البر في ((التمهيد)) من طريق
يحيى بن سعيد الأموي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة. وفي
إسناده نظر، فقد رواه أبو داود من طريق عمرو بن الحارث وسعيد بن منصور عن
ابن عيينة، وعبد الرزاق عن الثوري ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى
ابن حبان مرسلًا. ووصله أبو داود وابن ماجه من وجه آخر عن محمد بن يحيى عن
عبد الله بن سلام. ولحديث عائشة طريق عند ابن خزيمة وابن ماجه، انتهى.
قال الزرقاني: ويقال: لا نظر - أي: في إسناد ابن عبد البر - لأن الأموي
الراوي عن الأنصاري ثقة، فأي مانع من كون الأنصاري له فيه شيخان: عمرة عن
عائشة موصولًا، ومحمد بن يحيى بن حبان مرسلًا، انتهى. ويحيى بن سعيد
الأنصاري المذكور هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، ثقة ثبت من
صغار التابعين. وسيأتي البسط في ترجمته في أوائل الجنائز.
(١٤٠٣) ((موطأ مالك)) (٣٦٦).

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
٥٦٣
١٤٠٤ - [١٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْن جُنْدَبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ :
((احْضُرُوا الذِّكْرَ، وَادْنُوا مِنَ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الرََّجَّلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ، حَتَّى يُؤَخَّرَ
فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ دَخَلَهَا)».
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الْشَرْحُ
١٤٠٤ - قوله: (احْضُرُوا الذِّكْرَ) أي: الخطبة المشتملة على ذكر الله وتذكير
الأنام. (وَادْنُوا) أي: اقربوا قدر ما أمكن. (مِنَ الْإِمَام) يعني: إذا لم يكن هناك
مانع من القرب منه. وهذا إشارة إلى التبكير إلى الجمعَة أي: التعجيل في الرواح
إليها. (فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ) أي: يتأخر في الحضور إلى الجمعة فيتباعد من
الإمام. وقيل: أي: عن مواطن الخيرات بلا عذر.
(حَتَّى يُؤَخَّرَ) على صيغة المجهول. (فِي الْجَنَّةِ) أي: في دخولها أو في
درجاتها. (وَإِنْ دَخَلَهَا) قال الطيبي: أي: لا يزال الرجل يتباعد عن استماع الخطبة،
وعن الصف الأول الذي هو مقام المقربين حتى يؤخر إلى آخر صف المتسفلين،
وفيه توهين أمر المتأخرين، وتسفيه رأيهم، حيث وضعوا أنفسهم من أعالي الأمور
إلى سفسافها. وفي قوله: ((وَإِنْ دَخَلَهَا))، تعريض بأن الداخل قنع من الجنة، ومن
المقامات العالية، والدرجات الرفيعة بمجرد الدخول، انتهى. وقال الشوكاني:
وفيه أن التأخر عن الإمام يوم الجمعة من أسباب التأخر عن دخول الجنة،
جعلنا الله تعالى من المتقدمين في دخولها .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد، كلاهما عن علي بن عبد الله المديني، نا
معاذ بن هشام الدستوائي قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده ولم أسمعه منه، ثنا
قتادة عن يحيى بن مالك عن سمرة بن جندب.
قال الشوكاني: قال المنذري: في إسناده انقطاع، انتهى. وسببه أن معاذًا لم
يسمع هذا الحديث من أبيه، بل أخذه منه على سبيل الوجادة، وهي من أنواع
(١٤٠٤) أَبُو دَاوُد (١١٠٨) عَنْ سَمُرَةَ فِيهَا.

٥٦٤
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
التحمل، وقد تقدم بيان حكمها، وأخرجه الحاكم (ج ١ ص٢٨٩) من هذا الطريق.
وصرح بسماع معاذ عن أبيه، وأخرجه البيهقي (ج٣ ص٢٣٨) من رواية أبي داود،
ثم ذكر رواية الحاكم واعترض عليها، فقال: لا أحسبه إلا واهمًا في ذكر سماع
معاذ عن أبيه هو أو شيخه، انتهى.
والحديث ذكره المنذري في ((الترغيب)) (ج١ ص٢٢١)، قال: وروي عن
سمرة رَو ◌ْلَهُ قال: قال رسول اللّهُ وَّثه: ((احْضُرُوا الْجُمُعَةَ، وَادْنُوا مِنَ الْإِمَامِ، فَإِنَّ
الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَتَأَخَّرُ عَنِ الْجُمُعَةِ فَيُؤَخَّرُ عَنِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُ لَمِنْ
أَهْلِهَا))، رواه الطبراني والأصبهاني وغيرهما، وعزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(ج٢ ص١٧٧) إلى الطبراني في ((الصغير))، وقال: وفيه الحكم بن عبد الملك،
وهو ضعيف. قلت: وأخرجه من طريقه البيهقي أيضًا.
١٤٠٥ - [١٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ: ((مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، اَتَّخِذَ جَسْرًا إِلَى
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
جَهَنَّمَ)).
الْشَّرْحُ
١٤٠٥ - قوله: (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ) كذا في جميع النسخ،
وهو سهو؛ لأن أنسًا والد معاذ ليس له صحبة ولا رواية، وإن ذكره ابن منده في
الصحابة كما يظهر من ((تجريد الذهبي)) (ج١ ص٣٣) وذكره خليفة فيمن نزل الشام
من الصحابة. وما وقع في بعض الروايات مما يدل علی کونه صحابيًّا له رواية فهو
خطأ. وارجع إلى ((الإصابة)) (ج١ ص٧٤، ٧٥). فالصواب حذف قوله: عن أبيه أو
أن يقول: عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه، كما في التر مذي وابن ماجه،
وسهل بن معاذ بن أنس الجهني تابعي، شامي، نزل مصر.
(١٤٠٥) التِّرْ مِذِي (٥١٣) مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ فِيهَا، وَقَالَ: غَرِيبٌ.

٥٦٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
قال الحافظ: لا بأس به إلا في روايات زبان بن فائد عنه، وهذا الحديث من
رواية زبان عنه. وقال ابن معين: ضعيف. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: لا
يعتبر بحديثه ما كان من رواية زبان بن فائد عنه، وذكره في الضعفاء، وقال: منكر
الحديث جدًّا، فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان؟ فإن كان من
أحدهما فالأخبار التي رواها ساقطة، وإنما اشتبه هذا؛ لأن راويها عن سهل زبان إلا
الشيء بعد الشيء، وزبان ليس بشيء. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. كذا في
((التهذيب)) (ج٤ ص٢٥٨، ٢٥٩)، وأما والده معاذ بن أنس فقد تقدم ترجمته.
(مَنْ تَخَطَّى) أي: تجاوز. (رِقَابَ النَّاسِ) قال القاضي: أي: بالخطو عليها .
وقال في ((القاموس)): تخطى الناس واختطاهم: ركبهم وجاوزهم. (يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
ظاهر التقييد بيوم الجمعة، أن الكراهة مختصة به. ويحتمل أن يكون التقييد خرج
مخرج الغالب؛ لاختصاص الجمعة بكثرة الناس بخلاف سائر الصلوات، فلا
يختص ذلك بالجمعة، بل يكون حكم سائر الصلوات حكمها. ويؤيد ذلك التعليل
بالأذية، كما في بعض الروايات. وظاهر هذا التعليل أن ذلك يجري في مجالس
العلم وغيرها. ويؤيده أيضًا ما أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث
أبي أمامة مرفوعًا: ((مَنْ تَخَطَّ حِلَقَ قَوْم بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَهُوَ عَاصٍ))، لكن في إسناده
جعفر بن الزبير، وقد كذبه شعبة وتركهً الناس.
وقال العيني: تقييد التخطي بيوم الجمعة هو المذكور في الأحاديث، وكذلك
قيده الترمذي في حكايته عن أهل العلم، وكذلك قيده الشافعية في كتب فقههم في
أبواب الجمعة، وكذلك هو عبارة الشافعي في ((الأم))؛ إذ قال: وأكره تخطي رقاب
الناس يوم الجمعة؛ لما فيه من الأذى وسوء الأدب، انتهى، لكن هذا التعليل
يشمل الجمعة وغيرها سائر الصلوات في المساجد وغيرها، وسائر المجامع من
حلق العلم، وسماع الحديث، ومجالس الوعظ، فيحمل التقييد بالجمعة على أنه
خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بمكان الخطبة، وكثرة الناس بخلاف
غيره. ويؤيد ذلك ما رواه أبو منصور الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث أنس
... فذكره.
(اتَّخِذَ) على بناء المفعول أي: يجعل يوم القيامة (جَسْرًا) بفتح الجيم وسكون

٥٦٦
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
المهملة أي: معبرًا يمر عليه من يساق. (إِلَى جَهَنَّمَ) مجازاة له بمثل عمله. ويجوز
بناؤه للفاعل أي: اتخذ لنفسه بصنيعه ذلك طريقًا يؤديه إلى جهنم؛ لما فيه من إيذاء
الناس واحتقارهم. فكأنه جسرا اتخذه إلى جهنم، أو المعنى اتخذ نفسه جسرًا
لأهل جهنم إلى جهنم بذلك العمل، والثالث أبعد الوجوه.
وقال الطيبي: والشيخ التوربشتي ضعف المبني للمفعول رواية ودراية، انتهى.
والحديث: يدل على كراهة التخطي يوم الجمعة. واختلف في حكمه أنه للتحريم
أو لا؟ فقال الترمذي حاكيًا عن أهل العلم: أنهم كرهوا ذلك وشددوا فيه.
قال العيني: المتقدمون يطلقون الكراهة، ويريدون التحريم. وحكى الشيخ
أبو حامد في ((تعليقه)) عن نص الشافعي التصريح بتحريمه، وصرح النووي في
((شرح المهذب)): أنه مكروه بكراهة تنزيه.
وقال في ((زوائد الروضة)): إن المختار تحريمه الأحاديث الصحيحة، واقتصر
أصحاب أحمد على الكراهة فقط، انتهى كلام العيني. ويكره عند المالكية لغير
فرجة قبل جلوس الإمام على المنبر، ويحرم بعده ولو لفرجة، ثم اختلفوا في أنه
هل يستثنى أحد من كراهة التخطي أو لا؟ فقال الحنفية: يجوز التخطي بشرطين:
عدم الإيذاء وعدم خروج الإمام؛ لأن الإيذاء حرام والتخطي عمل، والعمل بعد
خروج الإمام حرام، فلا يرتكبه لفضيلة الدنو من الإمام، بل يستقر في موضعه من
المسجد، ذكره الطحطاوي على ((المراقى)). وقد تقدم مذهب المالكية. وقال
الشافعية: إنه مكروه، إلا أن يكون قدامه فرجة لا يصلها إلا بالتخطي، فلا يكره
حينئذٍ. وقال ابن المنذر: بكراهته مطلقًا، ونقل ذلك عن سلمان الفارسي وأبي
هريرة وكعب وابن المسيب وعطاء وأحمد بن حنبل.
وفي فقه الحنابلة: أنه يستثنى الإمام والمؤذن، والتخطي إلى الفرجة. وقال
العراقي: وقد استثنى من التحريم أو الكراهة الإمامُ، أو من كان بين يديه فرجة لا
يصل إليها إلا بالتخطي. وهكذا أطلق النووي في ((الروضة)، وقيد ذلك في ((شرح
المهذب))، فقال: إذا لم يجد طريقًا إلى المنبر والمحراب إلا بالتخطي لم يكره؛
لأنه ضرورة. وروي نحو ذلك عن الشافعي، وحديث عقبة بن الحارث عند

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*3
HEN
please
HekEe
٥٦٧
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
البخاري والنسائي قال: صليت وراء رسول اللَّه ◌َ له بالمدينة العصر، ثم قام مسرعًا
فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ... الحديث، يدل على جواز التخطي
للحاجة في غير الجمعة. فمن خصص الكراهة بالجمعة، فلا معارضة بينه وبين
أحاديث الباب عنده. ومن عمم الكراهة لوجود العلة المذكورة سابقًا في الجمعة
وغيرها، فهو محتاج إلى الاعتذار عنه. وقد خص الكراهة بعضهم بغير من يتبرك
الناس بمروره، ويسرهم ذلك ولا يتأذون؛ لزوال علة الكراهة التي هي التأذي،
كذا في ((النيل)).
قلت: والراجح عندي: أنه يحرم التخطي مطلقًا؛ لإطلاق الأحاديث المقتضية
للكراهة، إلا لمن يتبرك الناس بمروره ويسرهم ذلك ولا يتأذون؛ لحديث عقبة بن
الحارث المذكور.
(رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ) وابن ماجه أيضًا كلاهما من طريق رشدين بن سعد، وهو صالح
عابد سيئ الحفظ، عن زبان بن فائد، وهو ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته،
ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما.
وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها
موضوعة، لا يحتج به عن سهل بن معاذ. وقد تقدم أنه لا يعتبر بحديثه إذا كان من
رواية زبان عنه. ورواه أحمد في ((مسنده)) (ج ٣ص ٤٣٧) وابن عبد الحكم في
((فتوح مصر)) (٢٩٨) كلاهما من طريق ابن لهيعة عن زبان. وفي الباب عن جماعة
من الصحابة ذكر أحاديثهم الشوكاني في ((النيل)) (ج٣ص١٢٨) والهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج ٢ ص١٧٨ - ١٧٩) مع الكلام عليها وفي أكثرها ضعف.
وأقوى ما ورد في ذلك حديث عبد الله بن بسر قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس
يوم الجمعة، والنبي ◌َّه يخطب فقال له رسول اللّه ◌َ له: ((اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ)) أخرجه
أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج ٣ص ٢٣١) وسكت عنه أبو داود والمنذري،
وصححه ابن خزيمة وغيرهم.

٥٦٨
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
١٤٠٦ - [١٤] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَلِِّ «نَهَى عَنِ الْحِبْوَةِ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الْشَّرْحُ
١٤٠٦ - قوله: (نَهَى عَنِ الْحِبْوَةَ) مثلثة الحاء، اسم من الاحتباء. قال القاضي
عياض في ((المشارق)) (ج ١ ص١٧٦ - ١٧٧): الاحتباء: هو أن ينصب الرجل ساقيه
ويدير عليهما ثوبه، أو يعقد يديه على ركبتيه متعمدًا على ذلك، انتهى. وقال
التوربشتي في ((شرح المصابيح)): الحبوة بضم الحاء وكسرها الاسم من الاحتباء،
وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب وقد يحتبى بيديه. ووجدت الرواية بكسر
الحاء، والحبوة بالفتح المرة من الاحتباء، ولا معنى لها هاهنا ووجه النهي والله
اعلم هو أنها مجلبة للنوم، فيُلهى عن الخطبة، ثم أنها هيئة لا يكون معها تمكن،
فربما تفضي إلى انتفاض الطهارة، فيمنعه الاشتغال بالطهارة عن استماع الخطبة،
وحضور الذكر إن لم تفته الصلاة، مع ما يتوقع منه من الافتتان في الصلاة؛ لغلبة
الحياء ممن يخلو عن علم يسوسه وورع يحجزه، انتهى.
(يَوْمَ الْجُمُعَةِ والْإِمَامُ يَخْطُبُ) قال القاري: هو قيد احترازي، والأول واقعي
اتفاقي أو تأكيدي، انتهى. وقال الشوكاني: وقد ورد النهي عن الاحتباء مطلقًا غير
مقيد بحال الخطبة ولا بيوم الجمعة؛ لأنه مظنة لأنكشاف عورة من كان عليه ثوب
واحد. وقد اختلف أهل العلم في كراهة الاحتباء يوم الجمعة، فقال بالكراهة قوم
من أهل العلم، كما قال الترمذي، منهم عبادة بن نسي التابعي. قال العراقي:
وورد عن مكحول وعطاء والحسن أنهم كانوا يكرهون أن يحتبوا، والإمام يخطب
يوم الجمعة. رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف))، قال: ولكنه قد اختلف عن
الثلاثة، فنقل عنهم القول بالكراهة، ونقل عنهم عدمها. واستدل من قال بالكراهة
بحديث معاذ بن أنس، وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند ابن ماجه، وفي
(١٤٠٦) أَبُو دَاوُد (١١١٠)، وَالتِّرْ مِذِي (٥١٤) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
٥٦٩
سنده بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن شيخه عبد الله بن واقد.
قال العراقي: لعله من شيوخه المجهولین.
وقال الحافظ في ((التقريب)): عبد الله بن واقد شيخ لبقية مجهول، يحتمل أن
يكون الهروي يعني: عبد الله بن واقد بن الحارث الحنفي الهروي، وهو ثقة
موصوف بخصال من الخير، وبحديث جابر عند ابن عدي في ((الكامل))، وفي
إسناده عبد الله بن ميمون القداح، وهو ذاهب الحديث كما قال البخاري.
وقال الشوكاني: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا. وذهب أكثر أهل العلم -
كما قال العراقي - إلى عدم الكراهة، فروى أبو داود والطحاوي والبيهقي
(ج ٣ ص ٢٣٥) عن يعلى بن شداد قال: شهدت مع معاوية فتح بيت المقدس فجمع
بنا، فإذا جل من في المسجد أصحاب النبي ◌َّر، فرأيتهم محتبين والإمام يخطب.
روى الطحاوي وابن أبي شيبة، عن ابن عمر أنه كان يحتبي يوم الجمعة والإمام
يخطب. وذكر أبو داود عن أنس بن مالك وشريح القاضي وصعصعة بن صوحان
التابعي المخضرم وابن المسيب والنخعي ومكحول وإسماعيل بن محمد بن سعد
ونعيم بن سلامة، أنهم كانوا يحتبون والإمام يخطب، قال أبو داود: ولم يبلغني أن
أحدًا كرهها إلا عبادة بن نسي. وقال ابن عبد البر: ولم يرو عن أحد من الصحابة
خلافه، ولا روي عن أحد من التابعين كراهة الاحتباء إلا وقد روي عنه جوازه،
انتھی .
قلتُ: وإلى عدم الكراهة ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واعتذر هؤلاء عن
أحاديث الباب بوجوه: منها: أنها كلها ضعيفة. وفيه أن حديث معاذ قد حسنه
الترمذي وسكت عليه أبو داود، وصححه الحاكم، وله شاهدان ضعيفان من حديث
عبد الله بن عمرو وحديث جابر، كما تقدم. ومنها: أنها منسوخة لعمل جل
الصحابة بخلافها، وإلیه یشیر صنیع أبي داود حیث روی حديث يعلى المتقدم بعد
حديث معاذ بن أنس، وذكر عن ابن عمر وغيره أنهم كانوا يحتبون يوم الجمعة،
والإِمام يخطب إلى آخر ما قال. وذكر الطحاوي في ((مشكل الآثار)): أن النهي
محمول على إحداث الحبوة، واستينافها في حالة الخطبة؛ لأنه عمل في الخطبة،
واشتغال بغير الخطبة، وإقبال على ما سواها. وأما الحبوة التي كان الصحابة
يفعلونها فكانت قبل الخطبة، أي: ما كانوا يستأنفونها وإمامهم يخطب، بل كانوا
يستعملونها قبل الخطبة. وقيل: النهي مختص بمن يجلب الاحتباءُ النومَ له.

٥٧٠
ese
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
وقال شيخنا في ((شرح الترمذي)) بعد ذكر الجواب الأول: أحاديث الباب، وإن
كانت ضعيفة، لكن يقوي بعضها بعضًا، ولا شك في أن الحبوة جالبة للنوم، فالأَوْلَى
أن يحترز عنها يوم الجمعة في حال الخطبة. هذا ما عندي والله أعلم بالصواب.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد والحاكم (ج١ ص٢٨٩) والبيهقي
(ج٣ص ٢٣٥) وابن عبد الحكم في ((فتوح مصر)) (ص٢٩٧) كلهم من طريق أبي
مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ بن أنس عن معاذ. والحديث قد
حسنه الترمذي، وسكت عليه أبو داود وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال
المنذري بعد نقل تحسين الترمذي: وسهل بن معاذ ضعفه يحيى بن معين وتكلم فيه
غيره، وأبو مرحوم ضعفه ابن معين. وقال أبوحاتم الرازي: لا يحتج به، انتهى.
قلت: قد تقدم أن سهل بن معاذ لا بأس به إلا في روایات زبان عنه، وهذا لیس
من رواية زبان عنه، وأبو مرحوم قد ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال النسائي:
أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن يونس: زاهد يعرف بالإجابة والفضل، فالظاهر: أن
الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، لا سيما وقد تأيد بالشاهدين المذكورين.
١٤٠٧ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا نَعَسَ
أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٤٠٧ - قوله: (إِذَا نَعَسَ) بفتح العين من باب نصر ومنع، والنعاس: الوسن
وأول النوم، وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي على العين، ولا تصل إلى
القلب، فإذا وصله كان نومًا. (أَحَدُكُمْ) في مجلسه. (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي: وهو في
المسجد، كما في رواية أبي داود وأحمد (ج٢ ص٣٢).
قال الشوكاني: لم يُرِدْ بيوم الجمعة جميع اليوم، بل المراد به: إذا كان في
المسجد ينتظر صلاة الجمعة، كما في رواية أحمد في ((مسنده)) (ج٢ ص٣٢)
(١٤٠٧) التِّرْمِذِي (٥٢٦) فِيهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

٥٧١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
بلفظ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ))، وسواء فيه حال الخطبة أو
قبلها، لكن حال الخطبة أكثر، انتهى.
وقد استثنى الحنفية حال الخطبة، فقالوا: التحول في حالة الخطبة ممنوع؛ لأن
العمل في الخطبة منهي عنه. فلا يدخل وقت الخطبة في عموم الحديث. قلت:
ظاهر الحديث الإطلاق، ولذلك بوب عليه أبو داود باب: الرجل ينعس والإمام
يخطب .
(فَلْيَتَحَوَّلْ) أي: فليتنقل؛ لأنه إذا تحول حصل له من الحركة ما ينفي الفتور
المقتضي للنوم. قيل: فإن لم يجد في الصفوف مكانًا يتحول إليه، فليقم ثم
يجلس. وقيل: يتحول إلى مكان صاحبه، ويتحول صاحبه إلى مكانه. (مِنْ مَجْلِسِهِ
ذَلِك) أي: إلى غيره، كما في رواية أحمد وأبي داود. قال الشوكاني: والحكمة في
الأمر بالتحول أن الحركة تذهب النعاس. ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من
المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه، وإن كان النائم لا حرج عليه، فقد أمر النبي
وَّله في قصة نومهم عن صلاة الصبح في الوادي بالانتقال منه، وأيضًا من جلس
ينتظر الصلاة، فهو في صلاة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر
بالتحول لإذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث غفلة الجالس في المسجد
عن الذكر، أو سماع الخطبة، أو ما فيه منفعة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٢٢، ٣٢، ١٣٥) وأبو داود وابن
حبان في ((صحیحه))، والبيهقي (ج٣ص٢٣٧). وقد صححه الترمذي وسكت عليه
أبو داود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وفي إسناده محمد بن إسحاق،
وهو مدلس، لكن قدر صرح بالتحدث في رواية أحمد (ج ٢ ص ١٣٥) وفي الباب
عن سمرة عند البزار والطبراني في ((الكبير)) والبيهقي (ج٣ص٢٣٨) مرفوعًا بلفظ:
((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى مَكَانِ صَاحِبِهِ، وَيَتَحَوَّلُ صَاحِبُهُ إِلَى
مَكَانِهِ))، قيل لإسماعيل راوي الحديث عن الحسن عن سمرة: والإمام يخطب؟
قال: نعم. انتھی.
قال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. وقال البزار:
إسماعيل لا يتابع على حديثه، انتهى. وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف قد
تقدم .

٥٧٢
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ERE
الفصل الثالث
١٤٠٨ - [١٦] عَنْ نَافِعِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى
رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ الَّرَّجُلَ مِنْ مَفْعَدِهِ، وَيَجْلِسَ فِيهِ، قِيلَ لِنَافِعِ:
فِي الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
[متفق عليه]
الْشَّرْجُ
١٤٠٨ - قوله: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ) أي: نهى عن
إقامة الرجل الرجل، فـ((أن)) مصدرية. (مِنْ مَفْعَدِهِ) بفتح الميم أي: من موضع
قعود الرجل الثاني. (وَيَجْلِسَ فِيهِ) أي: في مقعده، بالنصب عطفًا على ((يقيم))،
أي: وأن يجلس. والمعنى: أن كل واحد منهما منهي عنه. ولو صحت الرواية
بالرفع لكان الكل المجموعي منهيًّ عنه. وظاهر النهي التحريم، فلا يصرف عنه إلا
بدليل، فلا يجوز أن يقيم أحدًا من مكانه، ويجلس فيه؛ لأن من سبق إلى مباح فهو
أحق به. قال ابن حجر: قوله: ((يَجْلِسَ)) بالنصب عطف على ((يقيم))، فَكُلِّ منهي
عنه على حدته، وروي بالرفع فالجملة حالية، والنهي عن الجمع حتى لو أقامه ولم
يقعد هو في مكانه لم يرتكب النهي. والوجه هو الرواية الأولى وما أفادته؛ لأن
العلة الإيذاء، وهو حاصل بِكُلُّ على الانفراد فحرم؛ لأن ما سبق إلى المباح فهو
أحق به بنص الحديث الصحيح، انتهى.
قلت: محط الإيذاء إنما هو الإقامة منه، وذكر الجلوس للسبب العادي، ولو
قام الجالس باختياره وأجلس غيره، فلا كراهة في جلوس غيره، وأما ما روى أحمد
ومسلم من امتناع ابن عمر عن الجلوس في مجلس من قام له برضاه، فهو محمول
على أنه كان تورعًا منه؛ لأنه ربما استحيا منه إنسان، فقام له بدون طيبة من نفسه
لكن الظاهر أن من فعل ذلك، فقد أسقط حق نفسه، وتجويز عدم طيبة نفسه بذلك
خلاف الظاهر. ولو بعث من يقعد له في مكان ليقوم عنه، إذا جاء هو جاز أيضًا من
غير كراهة. ولو فرش له نحو سجادة فلغيره تنحيتها والصلاة مكانها؛ لأنه لا حرمة
(١٤٠٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٢٧٠)، ومُسْلِم (٢١٧٧) عن ابن عمر في الجمعة.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتّبْكِيرِ
veese
٥٧٣
لها، ولأن السبق بالأجسام لا بما يفرش. وقيل: لا يجوز؛ لأنه سبق إليه فصار
كحجر الموات.
(قِيلَ لِنَافِعِ) هو مولى ابن عمر راوي الحديث، عن ابن عمر، والقائل لنافع هو
ابن جريج. (َفِي الْجُمُعَةِ) أي: هذا النهي في الجمعة خاصة أو مطلقًا. (قَالَ) أي:
نافع. (فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا) يعني: النهي عام في حق سائر الأيام في مواضع
الصلوات، وقد ورد التقييد بيوم الجمعة في حديث جابر آخر أحاديث الفصل
الأول، وتقدم الكلام عليه هناك، وقد بوب البخاري على حديث ابن عمر المطلق
باب: لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه. قال الحافظ: وكأن
البخاري اغتنى عنه - أي: عن حديث جابر المقيد بيوم الجمعة - بعموم حديث ابن
عمر المذكور في الباب. وبالعموم المذكور احتج نافع حين سأله ابن جريج عن
الجمعة، انتهى. وبالنظر إلى عمومه أورده المصنف في الجمعة، واستدل به على
التبكير، كما تقدم بيان وجه المناسبة في شرح حديث جابر.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجمعة والاستيذان، ومسلم في الاستيذان،
وأخرجه أيضًا أحمد في مواضع من ((مسنده))، والبيهقي (ج٣ص ٢٣٢).
١٤٠٩ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ :
((يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلاثَةُ نَفَرِ: فَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِلَغْوِ، فَذَلِكَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ
حَضَرَهَا بِدُعَاءٍ، فَهُوَ رَجُلٌّ دَعَا اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ
حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، فَهِيَ كَفَّارَةٌ
إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَزِيَادَةٍ ثَلَاثَةِ أَيَّام، وذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَآءَ
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠])).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ] {حسن}
الشَّرْحُ
١٤٠٩ - قوله: (ثَلَاثَةُ نَفَر) يعني: ثلاثة أصناف من الرجال. (فَرَجُلٌ) الفاء
تفصيلية؛ لأن التقسيم حاصر، فإن حاضري الجمعة ثلاثة: فمن رجل لاغ مؤذٍ
(١٤٠٩) أَبُو دَاوُد (١١١٣) عن عبد الله بن عمرو فيها.

BeexX
٥٧٤
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
** econ
*
يتخطى رقاب الناس، فحظه من الحضور اللغو والأذى، ومن ثان طالب حظه غير
مؤذ، فليس عليه ولا له إلا أن يتفضل الله بكرمه، فيسعف مطلوبه، ومن ثالث
طالب رضا الله عنه. مُتَحَرِّ احترام الخلق فهو هو، ذكره الطيبي.
(حَضَرَهَا بِلَغْوٍ) بياء الجر في أوله، أي: حضورًا متلبسًا بكلام عبث، أو فعل
باطل حال الخطبة. وفي بعض النسخ: يلغو على المضارع، وكذا نقله الجزري في
جامع الأصول (ج ١٠ ص ٢٦٥) وهكذا وقع في رواية أحمد، وفي بعض النسخ من
السنن الكبرى للبيهقي. وعلى هذا فيكون حالًا من الفاعل، أي: يعبث ويتكلم بما
لا يعينه. (فَذَلِكَ) أي: اللغو. وفي أبي داود: وهو. (حَظّهُ) أي: حظ ذلك الرجل.
(مِنْهَا) أي: من الجمعة، أي: ليس له نصيب من صلاة الجمعة وخطبتها، وإن
سقطت الفريضة عنه. وقال ابن حجر: أي: لا حظ له كامل؛ لأن اللغو يمنع كمال
ثواب الجمعة. ويجوز أن يراد باللغو: ما يشمل التخطي، والإيذاء بدليل نفيه عن
الثالث أي: فذلك الأذى حظه. (وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِدُعَاءٍ) أي: مشتغلا به حال
الخطبة حتى منعه ذلك من أصل سماعه، أو كماله أخذًا من قوله: في الثالث
(بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ)، وفي أبي داود: ((يدعو)) بلفظ المضارع. (إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ) أي:
مدعاة لسعة حلمه وكرمه. (وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ) عقابًا على ما أساء به من اشتغاله بالدعاء
عن سماع الخطبة، فإنه مكروه عندنا حرام عند غيرنا، قاله ابن حجر.
(وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ) أي: مقترنًا باستماع للخطبة. (وَسُكُوتٍ) عن اللغو.
وقيل: هما بمعنى، وجمع بينهما للتأكيد، ومحله إذا سمع الخطبة. (وَلَمْ يُؤْذِ
أَحَدًا) أي: بنوع آخر من الأذى كالإقامة من مكانه أو القعود على سجادته بغير
رضاه. (فَهِيَ) أي: جمعته الشاملة للخطبة والصلاة والأوصاف المذكورة.
(كَفَّارَةٌ) أي: له، قاله الطيبي، يعني: لذنوبه من حين انصرافه. (إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي)
أي: إلى مثل تلك الساعة من الجمعة التي (تَلِيهَا) أي: تقربها، وهي التي قبلها
على ما ورد منصوصًا. (وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بالجر عطف على الجمعة. (وَذَلِكَ) أي:
ما ذكر من كفارة ما بين الجمعتين من السبعة وزيادة ثلاثة أيام. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد)
وسكت عليه. وقال العراقي: إسناده جيد. وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢ ص١٨١ ،
٢١٤) وابن خزيمة في صحيحه، والبيهقي (ج ٣ص٢١٩) وابن أبي حاتم وابن
مردويه .

٥٧٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
١٤١٠ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ تَكَلَّمَ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُو ◌َكَمَثَّلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ
لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٤١٠ - قوله: (مَنْ تَكَلَّمَ) ظاهره المنع من جميع أنواع الكلام من غير فرق
بين ما لا فائدة فيه وغيره لإطلاق الكلام فيه. ويؤيده أنه إذا جعل قوله: أنصت مع
كونه أمرًا بمعروف لغوًا، كما تقدم، ومحبطًا لفضيلة الصلاة فغيره من الكلام
أولى، بأن يسمى لغوًا. وقد ذهب إلى تحريم كل كلام الجمهور، ولكن قيد ذلك
بعضهم بالسامع للخطبة، والأكثر لم يقيدوا، قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف،
فليجعله بالإشارة. (وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) أي: والمتکلم یعلم كراهة الكلام أو حرمته،
وهذا لأجل قوله. (فَهُوَ كَمَثَل الْحِمَارِ) أي: صفته كصفته أو مثله الغريب الشأن
كمثل الحمار. (يَحْمِلُ) صفةَ أو حال. (أَسْفَارًا) جمع سفر بالكسر أي: كتبًا كبارًا
من كتب العلم، كناية عن العلم بلا عمل، وعن عدم نفع علمه مع تحمل التعب،
والمشقة في تحصيله. وقيل: إنما شبه من لم يمسك عن الكلام في حال الخطبة
بالحمار الحامل للأسفار؛ لأنه فاته الانتفاع بأبلغ نافع، وقد تكلف المشقة وأتعب
نفسه في حضور الجمعة، والمشبه به كذلك فاته الانتفاع، فأبلغ نافع مع تحمل
التعب في استصحابه، والحاصل: أنه شبهه بالحمار بجامع عدم الانتفاع.
وقال الطيبي: شبه المتكلم العارف بأن التكلم حرام؛ لأن الخطبتين قائمة مقام
الركعتين بالحمار الذي حمل أسفارًا من الحكمة، وهو يمشي ولا يدري ما عليه.
(وَالَّذِي يَقُولُ) أي: بالعبارة لا بالإشارة. (لَهُ) أي: لهذا المشبه بالحمار. (أَنْصِتْ)
أي: استمع. (لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ) فيه دليل على أنه لا صلاة له، فإن المراد بالجمعة
الصلاة، إلا أنها تجزئة إجماعًا، فلا بد من تأويل هذا بأنه نفي للفضيلة التي
يحوزها من أنصت، وهو كما في حديث عبد الله بن عمرو : ((مَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ
(١٤١٠) أَحْمَد (٢٣٠/١) عنه.

٥٧٦
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا))، قال ابن وهب أحد رواته: معناه: أجزأته الصلاة وحُرِم
فضيلة الجمعة .
قال النووي: لا تبطل الجمعة بالكلام بلا خلاف، وإن قلنا: بحرمته، وخبر ((فَلَا
جُمُعَةَ لَهُ)) أي: كاملة، يعني: أن المراد بنفيها نفي كمال ثوابها لا نفي أصله. وقد
احتج بالحديث على حرمة الكلام حال الخطبة، فإن تشبيهه بالمشبه به المستنكر،
وملاحظة وجه الشبه يدل على قبح ذلك، وكذلك نسبته إلى فوات الفضيلة
الحاصلة بالجمعة، ما ذاك إلا لما يلحق المتكلم من الوزر، الذي يقاوم الفضيلة
فيصير محبطًا لها. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ١ ص ٢٣٠) وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في
المصنف، والبزار في مسنده، والطبراني في الكبير، وفي إسناده مجالد بن سعيد،
وقد ضعفه الناس، ووثقه النسائي في رواية، كذا في مجمع الزوائد (ج٢ ص ١٨٤).
قلت: وقال محمد بن المثنى: يحتمل حديثه لصدقه.
وقال العجلي: جائز الحديث. وقال البخاري: صدوق.
وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه، وهو صدوق، ولذلك قال الحافظ في
((بلوغ المرام)): لا بأس بإسناده، وله شاهد قوي في جامع حماد. وقال الشيخ أحمد
شاکر: إسناده حسن .
١٤١١ - [١٩] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ - مُرْسَلًا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّه فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا،
فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٤١١ - قوله: (وَعَنْ عُبَيْدِ) بضم العين بلا إضافة. (بْنِ السَّبَّاقِ) بفتح السين
المهملة وتشديد الباء الموحدة الثقفي المدني، يكنى أبا سعيد، من ثقات الطبقة
(١٤١١) وهو عند مَالِك (٦٤) من مرسل عبيد بن السَّبَّاق.

٥٧٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتّبْكِيرِ
الوسطى من التابعين، روى له الستة، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي
أهل المدينة. (مُرْسَلًا) أي: بحذف الصحابي ورواه ابن ماجه موصولًا، كما
سيأتي. (مِنَ الْجُمَعِ) بضم الجيم وفتح الميم، جمع جمعة، وقد تجمع على
جمعات. (يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ) وفي بعض نسخ ((الموطأ)): ((يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ))،
وهكذا وقع في رواية البيهقي. قال النووي: المعشر الطائفة التي يشملهم وصف،
فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والنساء معشر، والأنبياء معشر، وما أشبهها .
(إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا) أي: للمسلمين خاصة، ففي رواية ابن ماجه: ((إِنَّ
هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ))، (فَاغْتَسِلُوا) فإن التنظيف والتجمل في الأعياد
مطلوب ومندوب. وظاهر لفظ ((الموطأ)): إن الاغتسال لا يختص بمن يشهد
الجمعة. ولفظ ابن ماجه: ((فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ))، يشير إلى أنه يختص
بمن يحضرها. واختلف في أن الغسل لصلاة الجمعة أو ليومها، فذهب محمد
وداود، وهي رواية عن أبي يوسف، أنه لليوم، فيشمل الصبيان والنساء والرجال
والعبيد، ولا يختص بمن يشهد الصلاة. وذهب الجمهور إلى أنه للصلاة لا لليوم،
فيختص بمن يحضر صلاة الجمعة، والظاهر أن هاهنا اغتسالان: أحدهما لليوم،
والثاني للصلاة. وقد ورد في كليهما الأحاديث، والأول: مندوب، والثاني:
مؤكد بل واجب، فمن اغتسل قبل الجمعة حصل له فضل الغسلين، ومن اغتسل
بعد الجمعة حصل له فضل غسل اليوم، ولم يحصل فضل غسل الصلاة الذي
اختلف العلماء في أنه سنة مؤكدة أو واجب.
(وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ) ولو من طيب امرأته. وقيل: أي: من طيب الرجال، وهو
ما ليس له لون وله رائحة. (فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ) قال الطيبي: فإن قيل: هذا إنما
يقال فيما فيه مظنة ضرر وحرج، ومس الطيب، ولا سيما يوم الجمعة، سنة مؤكدة
فما معناه؟ قلت: لعل رجالًا من المسلمين توهموا، أن مس الطيب من عادة
النساء، فنفي الحرج عنهم، كما هو الوجه في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَّوَّفَ
بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] مع أن السعي واجب أو ركن، انتهى. قال الزرقاني: عبره على شأن
معنى الندب والترغيب، فهو بمنزلة التصريح بأنه غير واجب، وأوجبه أبوهريرة،
فإن لم يحمل علی إیجاب سنة وندب فالجمهور على خلافه، انتهى.

٥٧٨
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ولفظ ابن ماجه: ((وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ))، (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّواكِ) أي: الزموه
لتأكد استحبابه يوم الجمعة، خصوصًا عند الوضوء والغسل تكميلاً للطهارة
والنظافة. (رَوَاهُ مَالِك) عن ابن شهاب الزهري عن عبيد بن السباق، أن رسول الله
... إلخ.
١٤١٢ - [٢٠] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَّصَلًا.
الْشِّرْحُ
١٤١٢ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) بسنده. (عَنْهُ) أي: عن ابن السباق. (وَهُوَ) أي:
عبيد. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ مُتَّصَلًا) رواية ابن ماجه هذه تخالف لما روى البخاري في
صحيحه من طريق شعيب عن الزهري، قال طاوس: قلت لابن عباس: ذكروا أن
النبيِ نَّه قال: ((اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاغْسِلُوا رُؤُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا،
وَأَصِيُبُوا مِنَ الطِّيبِ)).
قال ابن عباس: أما الغسل فنعم. وأما الطيب فلا أدري. وفي رواية: قال: لا
أعلمه. وأجيب: بأن في سنده عند ابن ماجه صالح بن أبي الأخضر الذي روى عن
الزهري عن عبيد، وصالح ضعيف، وقد خالفه مالك فرواه عن الزهري عن عبيد
مرسلًا.
قال الحافظ: فإن كان صالح حفظ فیه ابن عباس احتمل أن يكون ذكره بعد ما
نسيه أو عكس ذلك، انتهى. ورواه البيهقي (ج ٣ص ٢٤٣) من طريق الشافعي عن
مالك عن ابن شهاب عن ابن السباق مرسلًا، ثم قال: هذا هو الصحيح مرسل،
وقد روي موصولًا ولا يصح وصله، انتهى. وروى نحوه الطبراني في الأوسط
والصغير من حديث أبي هريرة مرفوعًا، لكن ليس فيه ذكر الطيب.
قال الهيثمي (ج٢ ص ١٧٢ - ١٧٣): رجاله ثقات.
(١٤١٢) ابن مَاجَهْ (١٠٩٨) عن ابن عباس فيها.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
٥٧٩
FREE
١٤١٣ - [٢١] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((حَقًّا عَلَى
الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبٍ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ] {حسن}
يَجِدْ فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ)).
G O
الْشَّرْجُ
١٤١٣ - قوله: (حَقًّا) بالنصب، قال الطيبي: (حَقًّا) مصدر مؤكد أي: حق
ذلك حقًّا، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه اختصارًا. (أَنْ يَغْتَسِلُوا) فاعل حق
المقدر. (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ظرف للاغتسال. (وَلْيَمَسَّ) بكسر اللام، ويسكن.
قال الطيبي: عطف على ما سبق بحسب المعنى، إذ فيه سمة الأمر، أي:
ليغتسلوا أو ليمس. (مِنْ طِيبٍ أَهْلِهِ) أي: بشرط طيب أهله لقوله ◌َّ: (لاَ يَحِلُّ مَالُ
امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّ عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ. أَوْ مَنِ طِيبٍ لَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ))، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أي: طيبًا.
(فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ) قال العراقي: المشهور في الرواية بكسر الطاء وسكون المثناة
من تحت، أي: أنه يقوم مقام الطيب، قال الطيبي: أي: عليه أن يجمع بين الماء
والطيب، فإن تعذر الطيب فالماء كاف؛ لأن المقصود التنظيف وإزالة الرائحة
الكريهة. وفيه تطييب لخاطر المساكين، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤ ص٢٨٢، ٢٨٣). (وَالتَّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) قال
شيخنا في ((شرح الترمذي)): في كونه حسنًا كلام؛ فإن مداره على يزيد بن أبي زياد
الهاشمي الكوفي، وقد ضعفه جماعة.
قال الذهبي في ((الميزان)): قال يحيى: ليس بالقوي، وقال أيضًا: لا يحتج به.
وقال ابن المبارك: ارم به. وقال شعبة: كان يزيد بن أبي زياد رفاعًا.
وقال أحمد: حديثه ليس بذلك، وخرج له مسلم مقرونًا بآخر.
وقال الحافظ في ((التقريب)): إنه كبر فتغير، وصار يتلقن، انتهى.
(١٤١٣) أَحْمَد (٢٨٢/٤)، والتِّرْ مِذِي (٥٢٨) عنه فيها، وقال التّرْمِذِي: حسن.