Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أي: الدينار. (فَبِنِصْفِ دِينَارٍ) أي: فليتصدق بنصفه.
قال ابن حجر: وهذا التصدق لا يرفع إثم الترك أي: بالكلية حتى ينافي خبر من
ترك الجمعة من غير عذر لم يكن لها كفارة دون يوم القيامة، وإنما يرجى بهذا
التصدق تخفيف الإثم. وذكر الدینار ونصفه لبيان الأكمل، فلا ینافي ذکر الدرهم أو
نصفه، وصاع حنطة أو نصفه في رواية لأبي داود؛ لأن هذا البيان أدنى ما يحصل به
الندب، ذكره القاري. يعني: أن الأمر بالتصدق بدينار للواجد وبنصفه لغير الواجد
بيان للأكمل، وإلا فيحصل أصل السنة بالتصدق بالدرهم ونصفه ... إلخ.
وقيل: الأولى أن يقال: إن التصدق بالدرهم أو نصفه لمن لم يجد الدينار
ونصفه. قال السندي: والظاهر أن الأمر للاستحباب، ولا بد من التوبة بعد ذلك،
فإنها الماحية للذنب.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ص٨، ١٤). (وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) والنسائي والبيهقي
(ج ٣ ص ٢٤٨) أيضًا. أما أحمد وأبو داود فأخرجاه من طريق همام عن قتادة عن
قدامة بن وبرة عن سمرة. وأما ابن ماجه فأخرجه من طريق نوح بن قيس عن أخيه
عن قتادة عن الحسن عن سمرة. وأخرجه النسائي من الطريقين، وكذا البيهقي.
وقدامة بن وبرة.
قال الحافظ: مجهول. وقال الذهبي: لا يعرف. وقال أبوحاتم عن أحمد: لا
يعرف. وقال مسلم: قيل لأحمد: يصح حديث سمرة: ((من ترك الجمعة؟)) فقال
قدامة: يرويه، لا نعرفه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة.
وقال البخاري: لم يصح سماعه من سمرة.
وقال ابن خزيمة في (صحيحه)): لا أقف على سماع قدامة من سمرة، ولست
أعرف قدامة بن وبرة بعدالة ولا جرح، كذا في ((التهذيب)). فطريق قدامة ضعيف
لجهالته ولعدم سماعه من قتادة، وأما طريق الحسن عن سمرة فقد تقدم ما فيه من
الكلام.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ وُجُوپھا
٥٢١
١٣٨٦ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو عَنِ النَّبِيِّ وَ قال: «الْجُمُعَةُ
[رواهُ أَبُو دَاوَدَ] {ضعيف}
عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ)).
الشَّرْجُ
١٣٨٦ - قوله: (الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ الِّدَاءَ) وفي أبي داود: الجمعة على
كل من سمع النداء. ورواه الدارقطني، ومن طريقه البيهقي بلفظ: ((إِنَّمَا الْجُمُعَةُ
عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ)) أي: حقيقة أو حكمًا. قال الشوكاني: ظاهر الحديث عدم
وجوب الجمعة على من لم يسمع النداء، سواء كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة
أو في خارجه، وقد ادعى في ((البحر)) الإجماع على عدم اعتبار سماع النداء في
موضعها، واستدل لذلك بقوله: إذ لم تعتبره الآية، وأنت تعلم أن الآية قد قيد
الأمر بالسعي فيها بالنداء لما تقرر عند أئمة البيان من أن الشرط قيد لحكم الجزاء
والنداء المذكور فيها يستوي فيه من في المصر، الذي تقام فيه الجمعة ومن
خارجه، نعم، إن صح الإجماع كان هو الدليل على عدم اعتبار سماع النداء لمن في
موضع إقامة الجمعة عند من قال: بحجية الإجماع.
وقد حكى العراقي في ((شرح الترمذي)) عن الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل:
أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصر، وإن لم يسمعوا النداء. وقد اختلف أهل
العلم فيمن كان خارجًا عن البلد الذي تقام فيه الجمعة، ثم بسط الأقوال فيه مع
العزو إلى قائليها، قال: والمراد بالنداء المذكور في الحديث هو النداء الواقع بين
يدي الإمام في المسجد؛ لأنه الذي كان في زمن النبوة لا الواقع على المنارات،
فإنه محدث، كما سيأتي، وقال ابن الملك: المراد به الأذان أول الوقت كما هو
الآن في زماننا ليعلم الناس وقت الجمعة ليحضروا ويسعوا إلى ذكر الله، وإنما
زاده عثمان لينتهي الصوت إلى نواحي المدينة. والظاهر عندي: ما قاله الشوكاني.
(١٣٨٦) أَبُو دَاوُد (١٠٥٦) عَنْهُ فِيهَا.
٥٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) والدار قطني والبيهقي أيضًا من طريق قبيصة بن عقبة السوائي عن
سفيان الثوري عن محمد بن سعيد الطائفي عن أبي سلمة بن نبيه عن عبد الله بن
هارون عن عبد الله بن عمرو. قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان
مقصورا، أي: موقوفًا على عبد الله بن عمرو، وإنما أسنده قبيصة، انتهى.
وقد تفرد به محمد بن سعيد عن أبي سلمة، وتفرد به أبوسلمة عن عبد الله بن
هارون. وأبوسلمة وعبد الله بن هارون كلاهما مجهولان، كما في ((التقريب)).
وقد ورد من وجه آخر أخرجه الدارقطني من رواية الوليد بن مسلم عن زهير بن
محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا. وزهير بن محمد روى عن
أهل الشام مناكير. والوليد مدلس، وقد رواه بالعنعنة. وأخرجه الدار قطني من
وجه آخر من رواية محمد بن الفضل عن حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده مرفوعًا. ومحمد بن الفضل ضَعِيف جِدًّا نسبوه إلى الكذب.
والحجاج مدلس مختلف في الاحتجاج به. وقد ظهر بذلك أن جميع طرق هذا
الحديث متكلم فيه، ففي الاستدلال به على اعتبار سماع النداء حقيقة، أو حكمًا
لمن في وضع إقامة الجمعة نظر لا يخفى على المتأمل. فالحق عدم اعتبار ذلك،
والقول بوجوب شهود الجمعة على كل من في موضع إقامة الجمعة لإطلاق الآية
وعمومها، والله أعلم.
١٣٨٧ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَِّيِّ نَلِّ قَالَ: ((الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ
آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ] {ضعيف جِدًّا}
الشّرُ
١٣٨٧ - قوله: (الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ) قال الجزري: يقال:
أويت إلى المنزل وآويت غيري، وَأَوَيْتُهُ. وفي الحديث من المتعدي. قال
(١٣٨٧) رَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ سَنَدَهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكَلَامٍ مَنْ خَالَفَهُ، وَأَخْرَجَهُ
التِّرْمِذِي (٥٠٢) فِيهَا، وَقَالَ: إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ وُجُوپھًا
* HERE
٥٢٣
المظهر: أي: الجمعة واجبة على من كان بين وطنه وبين الموضع الذي يصلي فيه
الجمعة مسافة يمكنه الرجوع بعد أداء الجمعة إلى وطنه قبل الليل، ذكره القاري.
وقال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث ما نصه: والمعنى: أنها تجب على
من يمكنه الرجوع إلى أهله قبل دخول الليل. واستشكل: بأنه يلزم منه أنه يجب
السعي من أول النهار، وهو بخلاف الآية، انتهى.
وقيل: معناه أن الجمعة على من كان آويًا إلى أهله أي: مقيمًا في وطنه غير
مسافر. وحاصله: أن الجمعة واجبة على المقيم لا على المسافر. قلت: الحديث
قد استدل به من قال من السلف: إنها تجب على من يؤويه الليل إلى أهله، لكنه
حديث ضعيف غير صالح للاحتجاج، كما ستعرف.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق الحجاج بن نصير عن معارك بن عباد عن عبد الله بن
سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. وروى البيهقي (ج ٣: ص١٧٦) نحوه من
طريق مسلم عن معارك. (وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) ونقل عن أحمد أنه لم
يعده شيئًا، وضعفه لحال إسناده، وقال لمن ذكره له: استغفر ربك. وهذا لأن في
سنده ثلاثة ضعفاء، الأول: الحجاج بن نصير قال الحافظ: ضعيف كان يقبل
التلقين. ضعفه ابن معين والنسائي وابن سعد والدار قطني والأزدي وغيرهم. وقال
أبو داود: تركوا حديثه. والثاني: معارك بن عباد ضعفه الدارقطني. وقال
البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. والثالث: عبد الله بن
سعيد المقبري، وهو متروك الحديث.
واعلم: أنهم اتفقوا على أنه يشترط للجمعة الجماعة، والوقت، والخطبة،
والعقل، والبلوغ، والذكورة، والحرية، والسلامة من المرض، والإقامة
والاستيطان. واختلفوا في أنه هل يشترط العدد المخصوص المعين أم لا، وفيه
أقوال كثيرة ذكرها الحافظ في ((الفتح)) (ج ٤ ص ٥٠٧) وابن حزم في ((المحلى))
(ج ٥ ص٤٦ - ٤٩) والشوكاني في ((النيل)) (ج ٣ص١٠٨ - ١٠٩) منها: أنه اثنان
كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر. ومنها: اثنان مع الإمام، وهو قول أبي
يوسف ومحمد. ومنها: أنه ثلاثة معه، وهو مذهب أبي حنيفة. ومنها: أنه اثنا
عشر، ومنها: أربعون بالإمام، وهو قول الشافعي، وإليه ذهب أحمد في إحدى
٥٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
esceneses **
الروايتين عنه. ومنها: خمسون في رواية عن أحمد. والراجح عندي: ما ذهب إليه
أهل الظاهر أنه تصح الجمعة باثنين؛ لأنه لم يقم دليل على اشتراط عدد
مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين
الجمعة في ذلك، ولم يأت نص من رسول اللَّه ◌َ ليل بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا.
قال الشوكاني: الجمعة يعتبر فيها الاجتماع، وهو لا يحصل بواحد. وأما
الاثنان فبانضمام أحدهما إلى الآخر يحصل الاجتماع. وقد أطلق الشارع اسم
الجماعة عليهما، فقال: الاثنان فما فوقهما جماعة كما تقدم، وقد انعقدت سائر
الصلوات بهما بالإجماع. والجمعة صلاة فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا
بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها. وقد قال عبد
الحق: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث، وكذلك قال السيوطي: لم يثبت في
شيء من الأحاديث تعیین عدد مخصوص، انتهى.
واختلفوا أيضًا في محل إقامة الجمعة، فقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تصح إلا
في مِصْرٍ جامع، وذهب الأئمة الثلاثة إلى جوازها وصحتها في المدن والقرى
جميعًا. واستدل لأبي حنيفة بما روي عن علي مرفوعًا: ((لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي
مِصْرٍ جَامِع)). وقد ضعف أحمد وغيره رفعه، وصحح ابن حزم، وغيره وقفه،
وللاجتهاد فيه مسرح، فلا ينتهض للاحتجاج به فضلاً عن أن يخصص به عموم الآية
أو يقيد به إطلاقها، مع أن الحنفية قد تخبطوا في تحديد المصر الجامع، وضبطه
على أقوال كثيرة متباينة متناقضة متخالفة جدًّا، كما لا يخفى على من طالع كتب
فروعهم. وهذا يدل على أنه لم يتعين عندهم معنى الحديث.
والراجح عندنا: ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من عدم اشتراط المصر، وجوازها
في القرى لعموم الآية وإطلاقها، وعدم وجود ما يدل على تخصيصها، ولا بد لمن
يقيد ذلك بالمصر الجامع، أن يأتي بدليل قاطع من كتاب، أو سنة متواترة، أو خبر
مشهور بالمعنى المصطلح عند المحدثين، وعلى التنزل بخبر واحد مرفوع صريح
صحيح يدل على التخصيص بالمصر الجامع. ويدل أيضًا على شرعيتها في القرى
ما روى البخاري وغيره عن ابن عباس: ((إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدٍ
رَسُولِ اللهِ وَ لَه فِي مَسْجِدٍ عَبْدِ القَيْسِ بِجوائِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى البَحْرَيْنِ)). كذا في
٥٢٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ وُ جُوپھا
رواية وكيع عند أبي داود، وكذا للإسماعيلي. وهذا أولى من قول البكري وغيره:
إنها مدينة؛ لأن ما ثبت في نفس الحديث أصح مع احتمال أن تكون في أول قرية،
ثم صارت مدينة. وأما ما حكى الجوهري والزمخشري والجزري أن جواثي اسم
حصن بالبحرين، فلا ينافي كونها قرية. والظاهر: أن عبد القيس لم يجمعوا إلا
بأمر النبي ◌َّلي﴿ لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في
زمن نزول الوحي، ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدل جابر
وأبوسعيد على جواز العزل، فإنهم فعلوه، والقرآن ينزل، فلم يُنْهوا عنه، ولم يثبت
برواية قوية، أو ضعيفة، أنه أسلم أهل قرية قبل عبد القيس. ومن ادعى ذلك فعلية
البيان .
قال الحافظ في شرح حديث ابن عباس المذكور: فيه إشعار بتقدم إسلام عبد
القيس على غيرهم من أهل القرى وهو كذلك، كما قررته في أواخر كتاب
الإيمان، وقال في شرح حديث عبد القيس، ما لفظه: فيه دليل على تقدم إسلام عبد
القيس على قبائل مضر، الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد
القيس بالبحرين وما والاها من أطراف العراق. ويدل على سبقهم إلى الإسلام
أيضًا ما رواه المصنف، يعني: البخاري في الجمعة عن ابن عباس قال: إن أول
جمعة جمعت ... إلخ، قال: وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على
أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام، انتهى مختصرًا. ويدل عليه أيضًا ما روى
البيهقي في ((المعرفة)): أن النبي ◌َّحين ركب من بني عمرو بن عوف في هجرته
إلى المدينة مر على بني سالم، وهي قرية بين قباء والمدينة، فأدركته الجمعة فصلى
فيهم الجمعة، وكانت أول جمعة صلاها رسول اللّه ◌َا﴾ حين قدم، وما روى ابن
أبي شيبة وابن حزم عن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيثما كنتم.
قال الحافظ: وهذا يشمل المدن والقرى، وما روی عبد الرزاق عن ابن عمر،
أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون، فلا يعيب عليهم. وذكره ابن
حزم بلفظ: فلا ينهاهم عن ذلك. وروى البيهقي (ج ٣ ص١٧٨) من طريق الوليد بن
مسلم سألت الليث بن سعد فقال: كل مدينة أو قرية فيها جماعة أمروا بالجمعة،
فإن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون الجمعة على عهد عمر وعثمان بأمرهما،
٥٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفيهما رجال من الصحابة. واختلفوا أيضًا: أنه إذا وجبت الجمعة في موضع
بشرائطها، فعلى من يجب شهودها من أهل ذلك الموضع، وممن كان في حواليه؟
فقالت طائفة: تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله، واستدلوا لذلك بحديث
أبي هريرة، الذي فرغنا من شرحه، وقد عرفت أنه ضَعِيف جِدًّا.
وقالت طائفة: إنها تجب على من سمع النداء حقيقة أو حكمًا. واستدلوا لذلك
بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم، وقد تقدم أنه أيضًا ضعيف. وقالت
طائفة: تجب على من بينه وبين المنار ثلاثة أميال. أما من هو في البلد فتجب عليه
ولو كان من المنار على ستة أميال. وقالت طائفة: تجب على أهل المصر، ولا
تجب على من كان خارج المصر، سمع النداء أو لم يسمع.
وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا في مصر جامع أو فيما هو في حکمه کمصلى العيد.
قال ابن الهمام: ومن كان من توابع المصر، فحكمه حكم أهل المصر في وجوب
الجمعة عليه. واختلفوا فيه، فعن أبي يوسف: إن كان الموضع يسمع فيه النداء من
المصر فهو من توابع المصر، وإلا فلا. وعنه: أنها تجب في ثلاثة فراسخ. وقال
بعضهم: قدر ميل. وقيل: قدر ميلين. وقيل: ستة أميال. وقيل: إن أمكنه أن
يحضر الجمعة ويبيت بأهله من غير تكلف تجب عليه الجمعة، وإلا فلا. قال في
البدائع: وهذا أحسن، انتهى.
والراجح عندي: أنه لا يشترط سماع الأذان في المصر، وكذا في القرية
الكبيرة. وأما من كان خارج المصر والقرية الكبيرة من أهالي القرى الصغيرة
القريبة أو البعيدة، فلا يجب عليهم الشهود في المصر أو القرية الكبيرة للجمعة،
بل لهم أن يقيموا الجمعة في مساكنهم لوجوب الجمعة عليهم؛ لعموم قوله تعالى :
﴿ إِذَا تُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ولعدم ما يدل على
وجوب الإتيان إلى المصر للجمعة على من كان في حواليه. وارجع لمزيد التفصيل
إلى ((عون المعبود)) (ج١ ص٤١٣ - ٤١٦) وقد ألف علماؤنا رسائل عديدة في
مسألة إقامة الجمعة في القرى، وبسطوا الكلام فيها على الرد على الحنفية، فعليك
أن تراجع هذه الرسائل.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ وُجُوبِهَا
Ex
٥٢٧
١٣٨٨ - [٨] وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ:
((الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَّةٍ إِلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ: عَبْدٍ مَمْلُوكٍ،
أَوْامْرَأَةٍ، أَوْصَبِيٍّ، أَوْمَرِيضٍ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٣٨٨ - قوله: (وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) بن عبد شمس البجلي الأحمسى
أبو عبد الله الكوفي أدرك الجاهلية، ورأى النبي وَّر، ولم يسمع منه شيئًا. قال
أبوحاتم: ليست له صحبة، والحديث الذي رواه مرسل. قال الحافظ في
((الإصابة)): إذا ثبت أنه لقي النبي ◌َّر فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم
يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح. وقد أخرج له
النسائي عدة أحاديث. وذلك مصير منه إلى إثبات صحبته. وأخرج له أبو داود
حديثًا واحدًا، وقال: طارق رأى النبي ◌ِّ، ولم يسمع منه شيئًا، انتهى. وقال ابن
الأثير في ((جامع الأصول)): رأى النبي ◌َّل، وليس له سماع منه إلا شاذًا، ذكره ابن
التركماني في ((الجوهر النقي))، والمصنف في رجال ((المشكاة)). غزا طارق في
خلافة أبي بكر وعمر ثلاثًا وثلاثين أو أربعًا وثلاثين غزوة، ومات سنة (٨٢ أو ٨٣
أو ٨٤). (الْجُمُعَةُ) أي: صلاتها. (حَقٌّ وَاجِبٌ) أي: فرض مؤكد.
(عَلَى كُلِّ مُسْلِم) فيه: دليل على أن صلاة الجمعة من فروض الأعيان، ورد على
من قال: بأنها فرض كفاية. (فِي جَمَاعَةٍ)؛ لأنها لا تصح إلا بجماعة بالإجماع،
وإنما اختلفوا في العدد المخصوص الذي تحصل به، كما تقدم. (إِلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ :
عَبْدٍ مَمْلُوكٍ) بالجر على أنه عطف بيان للأربعة، قال القاري: وفي بعض النسخ
برفع عبد، وما بعده على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو هم. و((أَوْ)) بمعنى الواو.
قال الطيبي: (إِلَّا) بمعنى غير، وما بعده مجرور صفة لمسلم أي: على كل مسلم
غير عبد مملوك ... إلخ وقال ابن حجر: الأحسن جعله استثناء من ((واجب على
[١٣٨٨) أخْرَجَهُ الشَّافِعِي رََِّهُ (٣٨٥) مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ بِهِ.
٥٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كل مسلم)). والتقدير: إلا أنها لا تجب على أربعة. ولفظ أبي داود: ((إِلَّا أَرْبَعَةً عَبْدٌ
مَمْلُوك .. )) أي: بإسقاط لفظ: (عَلَى)).
قال السيوطي: وقد يستشكل - أي قوله: عبد مملوك بصورة المرفوع - بأن
المذكورات عطف بيان لأربعة، وهو منصوب؛ لأنه استثناء من موجب.
والجواب: أنها منصوبة لا مرفوعة، وكانت عادة المتقدمين، أن يكتبوا المنصوب
بغير ألف ويكتبوا عليه تنوين النصب، ذكره النووي في ((شرح مسلم)). قال
السيوطي: ورأيته أنا في كثير من كتب المتقدمين المعتمدة، ورأيته في خط الذهبي
في ((مختصر المستدرك)). وعلى تقدير أن تكون مرفوعة تعرب خبر مبتدأ، انتهى.
وقوله: (عَبْدٍ مَمْلُوكٍ) فيه: دليل على أن الحرية شرط لوجوب الجمعة، وأن
الجمعة غير واجبة على العبد، وهو متفق عليه إلا عند داود، فقال بوجوبها عليه؛
لدخوله تحت عموم الخطاب في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ ... ﴾
إلخ، وأجيب عنه: بأنه خصصته الأحاديث وإن كان فيها مقال، فإنه يقوي بعضها
بعضًا. (أَوْ امْرَأَةٍ) فيه: أن الذكورة من شرائط وجوب الجمعة، وأن الجمعة لا
تجب على المرأة، وهو مجمع عليه. وقال الشافعي: يستحب للعجائز حضورها
بإذن الزوج .
(أَوْصَبِيٍّ) فيه: أن البلوغ شرط لوجوب الجمعة، وهو متفق على أن لا جمعة
على الصبي، وفي معناه المجنون. (أَوْ مَرِيضٍ) أي: مرضًا يشق معه الحضور
عادة، فيه: أن المريض لا تجب عليه الجمعة، إذا كان الحضور يجلب عليه مشقة،
وهو يدل على أن صحة البدن من شرائط وجوب الجمعة. قال البيهقي في
((المعرفة)): وعند الشافعي لا جمعة على المريض الذي لا يقدر على شهود الجمعة
إلا بأن يزيد في مرضه، أو يبلغ به مشقة غير محتملة، وكذلك من كان في معناه من
أهل الأعذار، انتهى.
وقال ابن الهمام: الشيخ الكبير الذي ضعف يلحق بالمريض، فلا يجب عليه،
انتهى. وقد ألحق أبو حنيفة الأعمى بالمريض، وإن وجد قائدًا لما في ذلك من
المشقة، ولأن القادر بقدرة الغير غير قادر عنده، وقال الشافعي وأبويوسف
ومحمد: إنه غير معذور إن وجد قائدًا، فيجب عليه عندهم عند تيسر القائد. (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ) وقال: طارق قد رأى النبي ◌َّل ولم يسمع منه شيئًا، قال ابن الهمام: وليس
كِتَابُ الصَّلاةِ
* ***
بَابُ وُجُوبِهَا
٥٢٩
هذا قدحًا في صحبته ولا في الحديث، بل بيان للواقع، انتهى. والحديث أخرجه
أيضًا البيهقي في ((السنن)) (ج ٣ ص ١٧٢، ١٨٣) والدار قطني (ص ١٦٤) وأخرجه
الحاكم (ج١ ص٢٨٨) والبيهقي في ((المعرفة)) من حديث طارق المذكور عن أبي
موسى. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ
في التلخيص: وصححه غير واحد. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص٢٤٤):
ليس إسناد هذا الحديث بذلك، وطارق بن شهاب لا يصح له سماع من رسول الله
وَلخير إلا أنه قد لقي النبي وَّل، انتهى.
قال العراقي: فإذا قد ثبتت صحبته فالحدیث صحیح. وغايته أن يكون مرسل
صحابي، وهو حجة عند الجمهور، إنما خالف فيه أبوإسحاق الاسفرايني، بل
ادعى بعض الحنفية الإجماع على أن مرسل الصحابي حجة، انتهى. وبنحو هذا
قال النووي في ((شرح المهذب)) (ج٤ ص ٤٨٣)، وفي ((الخلاصة))، قلت: وقد
اندفع الإعلال بالإرسال بما في رواية الحاكم من ذكر أبي موسى، على أن
للحديث شواهد ذكرها الهيثمي في («مجمع الزوائد» (ج ٢ص ١٧٠) والشوكاني في
(النيل)) (ج ٣ص١٠٣) والزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٢ ص١٩٩)، فمنها: حديث
جابر عند الدار قطني (ص١٦٤)، والبيهقي (ج ٣ ص ١٨٤) وهو آخر حديث الباب،
وسيأتي الكلام فيه. ومنها: حديث تميم الداري عند العقيلي والحاكم أبي أحمد
والبيهقي (ج ٣ص ١٨٣) والطبراني وابن أبي حاتم في ((العلل)) (ج١ ص٢١٢).
قال ابن القطان: فيه أربعة ضعفاء على الولاء. قلت فيه الحكم بن عمرو، وقد
ضعفه النسائي وغيره، وضرار بن عمرو الملطي، وهو متروك، وأبو عبد الله
الشامي ضعفه الأزدي. ومنها: حديث ابن عمر عند الطبراني في ((الأوسط))
والبيهقي (ج٣ص١٨٤) وفيه أبو البلاد، قال أبوحاتم: لا يحتج به. ومنها: حديث
أبي هريرة، أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) بلفظ: ((خَمْسَةٌ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ: الْمَرْأَةُ،
وَالْمُسَافِرُ، وَالْعَبْدُ، وَالصَّبِيُّ، وَأَهْلُ الْبَادِيةِ))، وفيه إبراهيم بن حماد ضعفه
الدار قطني. قال في ((النهاية)): إن البادية تختص بأهل العمد والخيام دون أهل
القرى والمدن. ومنها: حديث مولى لآل الزبير، أخرجه البيهقي (ج ٣ ص ١٨٤).
ومنها: حديث أم عطية، أخرجه البيهقي وابن خزيمة بلفظ: ((نهينا عن إتباع
الجنائز، ولا جمعة علینا)).
٥٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٨٩ - [١٠] وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي
وَائِل.
الشّرْحُ
١٣٨٩ - (وَفِي شَرْح السُّنَّةِ) أي: للبغوي. (بِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ عَنْ رَجُلٍ) متعلق
بلفظ المصابيح، قاله الطيبي. (مِنْ بَنِي وَائِلِ) لفظ المصابيح هكذا: («تَجِبُّ الْجُمُعَةُ
عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّ امْرَأَةَ، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ مَمْلُوكَّاً، أَوْ مَرِيضًا))، ولفظ: ((شرح السنة) على
ما ذكره القارَّي: عن محمد بن كعب، أنه سمع رجلًا من بني وائل يقول: قال
النبي ◌َله: ((تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِلَّ امْرَأَةٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَمْلُوكٍ)) ورواه
طارق بن شهاب عن النبي ◌َّةٍ وزاد: (أَوَّ مَرِيضٍ))، انتهى.
والحديث أخرجه البيهقي في ((السنن)) (ج ٣ص١٧٣) قال: أخبرنا أبوبكر بن
الحسن القاضي، وأبوزكريا بن أبي إسحاق قالا: ثنا أبو العباس الأصم، أنبأ الربيع
ابن سليمان، أنبأ الشافعي، أنبأ إبراهيم بن محمد، حدثني سلمة بن عبد الله
الخطمى، عن محمد بن كعب، أنه سمع رجلاً من بني وائل يقول: قال النبي وَّه :
فذكر بلفظ ((شرح السنة)) سواء. وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي،
وقد تقدم الكلام فيه .
(١٣٨٩) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١٠٦٧) فِيهَا عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ((الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى
كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلا الأَرْبَعَةِ))، فَذَكَرَهُ، وَزَادَ: ((أَوْ مَرِيضًا)). وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ (٢٨٨/١) مِنْ
حَدِيثٍ طَارِقٍ هَذَا عَنْ أَبِي مُوسَى بِهِ، وَصَخَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
HENCE XXE
HERE
بَابُ وُجُوپھًا
٥٣١
الفصل الثالث
١٣٩٠ - [١١] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّقُونَ عَنِ
الْجُمُعَةِ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرَّقَ عَلَى رِجَالٍ
يَتَخَلَّقُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْبُ
١٣٩٠ - قوله: (قَالَ لِقَوْم) أي: في شأنهم. (ثُمَّ أَحَرِّقَ) بالنصب من الإحراق
أو من التحريق. (عَلَى رِجَالٍ يَتَّخَلَّقُونَ) أي: من غير عذر. (عَنِ الْجُمُعَةِ) أي: عن
إتيان صلاة الجمعة. (بُيُوتَهُمْ) مفعول لـ ((أُحَرِّقَ))، والمعنى: لقد قصدت أن
استخلف رجلًا ليؤم الناس، ثم أذهب أنا إلى المتخلفين من غير علة، فأحرق
بيوتهم، أي: ما في بيوتهم من أنفسهم، ومتاعهم عليهم. وفي هذا من الوعيد ما
لا يوصف. فإن قلت: كيف يترك الفرض ويشتغل بهم؟ قلت: لا يلزم من
الاستخلاف ترك فرض الجمعة مطلقًا، فإنه يتصور تكرارها.
قال ابن الهمام: قال السرخسي: الصحيح من مذهب أبي حنيفة جواز إقامتها
في مصر واحد في مسجدين وأكثر. وبه نأخذ لإطلاق: ((لا جمعة إلا في مصر))،
فإذا تحقق تحقق في كل منها. قال ابن الهمام: وهو الأصح، فارتفع الإشكال من
أصله، كذا في ((المرقاة). والحديث: دليل على أن الجمعة من فروض الأعيان.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي (ج ٣ ص ١٧٢) والحاكم (ج١ ص٢٩٢)
وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه هكذا إنما خرجا بذكر العتمة
وسائر الصلوات، انتهى. وهذا وهم من الحاکم، فإن الحديث أخرجه مسلم بذکر
الجمعة صریحًا .
(١٣٩٠) مُسْلِم (٦٥٢) عنه فيها .
٥٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
١٣٩١ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ نَلَ قَالَ: (مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ
مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، كُتِبَ مُنَافِقًّا فِي كِتَّابِ لَا يُمْحَى وَلَا يُبَدَّلُ)) وَفِي بَعْضٍ
الرِّوَاياتِ: (ثَلَاثًا)).
[ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ] {ضعيف}
الشّرْجُ
١٣٩١ - قوله (مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها. (مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) بفتح الضاد
أي: من غير علة وعذر كالمطر والمرض والوحل ونحوها. (كُتِبَ مُنَافِقًا) وعيد
شديد. (فِي كِتَابٍ لَا يُمْحَى) أي: ما فيه. (وَلَا يُبَدَّلُ) بالتشديد ويخفف، أي: لا
يغير بغيره ما لم يتب. وقيل: أو ما لم يتصدق. (وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: ثَلَاثًا) أي:
قال: من ترك الجمعة ثلاثًا. (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في كتاب ((الأم)) (ج١ ص١٨٤).
١٣٩٢ - [١٣] وَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِه ◌ِ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَعَلَيْهِ الْجُمُعَّةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّ مَرِيضٌ، أَوِ مُسَافِرٌ، أَوْ
اَمْرَأَةٌ، أَو صُّبِيٍّ، أَوْ مَمْلُوْكُ فَمَنِ اسْتَغْنَى بِلَّهْوِ، أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ،
وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)).
[رَوَاهُ الدَّارُقُطْني] {ضعيف}
الشّرْحُ
١٣٩٢ - قوله: (فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ) أي: يجب عليه صلاة الجمعة. (يَوْمَ
الْجُمُعَةِ) ظرف للجمعة. (أَوْ مُسَافِرٌ) فلا يجب عليه حضورها، وهو يحتمل أن يراد
به مباشر السفر، أي: السائر. وأما النازل فيجب عليه ولو نزل بمقدار الصلاة.
وإليه ذهب جماعة، منهم: الزهري والنخعي، وقيل: لا تجب عليه؛ لأنه داخل في
لفظ ((المسافر)). وإليه ذهب الجمهور، وهو الأقرب والأشبه؛ لأن أحكام السفر
باقية له من القصر ونحوه. (أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَمْلُوك) قال الطيبي: رفع على
(١٣٩١) الشَّافِعِي (٣٨١) عنه، وفي رواية له: ثلاثًا.
(١٣٩٢) الدَّارَ قُطْني (٣/٢) عنه فيها .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ وُجُوبِهَا
12ses
٥٣٣
الاستثناء من الكلام الموجب على التأويل، أي: من كان يؤمن فلا يترك الجمعة إلا
مريض، فهو بدل من الضمير المستكن في (يترِك)) الراجع إلى من. (فَمَنِ اسْتَغْنَى
◌ِلَهْوِ أَوْ تِجَارَةٍ) أي: عن طاعة الله. (اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ) أي: فليعلم أن اللَّه مستغن
عنه، وعن عبادته، وعن جميع عباده، وإنما أمرهم بالعبادة؛ ليتشرفوا بالطاعة.
(وَاللَّهُ غَنِيٌّ) بذاته. (حَمِيْدٌ) محمود في جمیع صفاته، سواء حمد أو لم يحمد، أو
غني عن العباد وطاعتهم. لا يعود نفعها إليه، حميد أي: حامد لمن أطاعه، يثني
عليه ويشكره بإعطاء الجزيل على العمل القليل. وفي الحديث إشارة إلى قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نِجَرَةً أَوْ لَمَوَّا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوكَ قَبِمَا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ
اُلِّجَرَّةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الَّزِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]، (رَوَاهُ الدَّارُقُطْنِي) (ص١٦٤) وأخرجه أيضًا
البيهقي (ج ٣ ص ١٨٤) وفيه ابن لهيعة، وهو متكلم فيه، ومعاذ بن محمد الأنصاري
شيخ لابن لهيعة لا يعرف. كذا ذكر الذهبي، قاله في ((الجوهر النقي)).
وقال الحافظ في ((اللسان)): ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن عدي: منكر
الحديث، ثم أخرج له من رواية ابن لهيعة عنه عن أبي الزبير، عن جابر، رفعه في
الجمعة، وقال: معاذ غير معروف. وروى الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أبي
سعيد الخدري بمعناه. وفيه علي بن يزيد الألهاني.
٥٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
٤٤ - بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّنْكِيرِ
(بَابُ التَّنْظِيفِ) أي: تطهير الثوب والبدن من الوسخ والدرن، ومن كماله
التدهين والتطيب. (وَالتَّبْكِير) في ((النهاية)): بكر بالتشديد، أتى الصلاة في أول
وقتها، وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه.
الفصل الأول
١٣٩٣ - [١] عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرِ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْيَمَسُ مِنْ طِيبٍ
بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ، إِذَا
تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْتَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٣٩٣ - قوله: (لَا يَغْتَسِلُ) بالرفع. (وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ) بالتنكير
للمبالغة في التنظيف، أو المراد به: التنظيف بأخذ الشارب، والظفر، والعانة،
والإبط، أو المراد بالغسل: غسل الجسد، وبالتطهير غسل الرأس وتنظيف
الثياب. (وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ) بتشديد الدال بعد المثناة التحتية من باب الافتعال أي:
يطلى بالدهن؛ ليزيل شعث رأسه ولحيته به. وفيه: إشارة إلى التزين يوم الجمعة .
(أَوْ يَمَسُّ) بفتح الياء والميم. (مِنْ طِيبٍ بَيْتِهِ) أي: إن لم يجد دهنًا. أو (أَوْ)
بمعنى الواو، فلا ينافي الجمع بينهما. وأضاف الطيب إلى البيت؛ إشارة إلى أن
(١٣٩٣) البُخَارِي (٨٨٣) فِي الجُمُعَةِ عَنْ سلمَان.
٥٣٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
السنة أن يتخذ المرء لنفسه طيبًا، ويجعل استعماله له عادة، فيدخره في البيت. كذا
قال الطيبي بناء على أن المراد بالبيت حقيقته، لكن في حديث عبد الله بن عمرو عند
أبي داود: ((أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ»، فعلى هذا فالمعنى إن لم يتخذ لنفسه طيبًا،
فليستعمل من طيب امرأته، وهو موافق لحديث أبي سعيد عند مسلم: ((وَلَوْ مِنْ
طِيبِ الْمَرَأَةِ»، وفيه: أن بيت الرجل يطلق، ويراد به امرأته، ذكره الحافظ في
((الفتح)). وقال القاري: المراد بقوله: (مِنْ طِيبٍ بَيْتِهِ) حقيقة بيت الرجل، وهو أعم
من أن يكون متزوجًا أو عزبًا، ولا ينافيه من طيب امرأته؛ لأن طيبها غالبًا من عنده.
ويطلق عليه أنه من طيب بيته، فإن الإضافة تصح لأدنى ملابسة. ولما كان طيبها
غالبًا متميزًا عن طيب الرجل متعينًا متبينًا لها، أشارتِالنّ أنه ينبغي أن يكون للرجل
طيب مختص لاستعماله، وأكد في التطيب يوم الجمعة، وبالغ حتى قال: ((وَلَوْ مِنْ
طِيبِ الْمَرْأَةِ»، (ثُمَّ يَخْرُجُ) أي: إلى المسجد، كما في حديث أبي أيوب عند ابن
خزيمة. ولأحمد من حديث أبي الدرداء: ((ثُمَّ يَمْشِي، وَعَلَيْهِ السَّكِينُ)).
(فَلَا يُفَرِّقُ) بتشديد الراء المكسورة. (بَيْنَ اثْنَيْنِ) بالتخطي، أو بالجلوس
بينهما، ففي حديث عبد الله بن عمرو المذكور: ((ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ))، وفي
حديث أبي الدرداء: ((وَلَمْ يَتَخَطُّ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِهِ))، وهو كناية عن التبكير أي: عليه
أن يبكر، فلا يتخطى رقاب الناس، ولا يزاحم رجلين فيدخل بينهما؛ لأنه ربما
ضيق عليهما، خصوصًا في شدة الحر واجتماع الأنفاس. قال الزين بن المنير:
التفرقة بين اثنين تتناول القعود بينهما، وإخراج أحدهما والقعود مكانه. وقد يطلق
على مجرد التخطي، وفي التخطي زيادة رفع رجليه على رؤوسهما، أو أكتافهما،
وربما تعلق بثيابهما شيء مما برجليه. وفي الحديث: كراهة التفرقة بين الاثنين.
والأكثر على أنها كراهة تنزيه، واختار ابن المنذر التحريم، وبه جزم النووي في
((زوائد الروضة)).
(ثُمَّ يُصَلِّ مَا كُتِبَ لَّهُ) أي: قدر وقضي له من سنة الجمعة. فيه: أن الصلاة قبل
الجمعة لا حد لها، وأقله ركعتان تحية المسجد. (ثُمَّ يُنْصِتُ) بضم أوله من
أنصت، إذا سكت سكوت مستمع. (إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ) أي: شرع في الخطبة. فيه:
أن من تكلم حال تكلم الإمام لم يحصل له من الأجر ما في الحديث. وفيه: دليل
٥٣٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
على جواز الكلام قبل تكلم الإمام.
(إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى) وفي رواية: ((مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إِلَى
الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى))، وفي رواية: ((حُطَّ عَنْهُ ذُنُوبُ مَا بَيْتَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى))
تأنيث الآخر بفتح الخاء لا بكسرها. والمراد بها: الجمعة التي مضت، لما في
حديث أبي ذر عند ابن خزيمة: ((غُفِرَ لَهُ مَا بَيْتَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا))،
ولابن حبان من حديث أبي هريرة: ((غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَزِيَادَةِ
ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ مِنَ الَّتِي بَعْدَهَا))، ولأبي داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة: ((كَانَتْ
كَفَّارَةً لِمَّا بَيْتَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا))، والمراد: غفران الصغائر لما زاده في
حديث أبي هريرة عند ابن ماجه: ((مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ))، وذلك أن معنى هذه الزيادة
أي: فإنها إذا غشيت لا تكفر، وليس المراد: أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب
الكبائر؛ إذ اجتناب الكبائر بمجرده يكفر الصغائر، كما نطق به القرآن في قوله:
﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا أُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَبِئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، أي: نمح عنكم
صغائركم. ولا يلزم من ذلك أن لا يكفر الصغائر إلا اجتناب الكبائر، وإذا لم يكن
للمرء صغائر تكفر رجي له أن يكفر عنه بمقدار ذلك من الكبائر، وإلا أعطي من
الثواب بمقدار ذلك، وقد تبين بمجموع ما ذكر من الغسل والتنظيف إلى آخره أن
تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدم من غسل،
وتنظف، وتطيب، أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك
التخطي، والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى والتنفل، والإنصات، وترك اللغو.
وفي حديث عبد الله بن عمرو: ((فَمَنْ تَخَطَّى أَوْ لَغَا كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا))، وفي
الحديث: مشروعية النافلة قبل صلاة الجمعة؛ لقوله: ((يُصَلَّ مَا كُتِبَ لَهُ))، ثم
قال: (ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ)، فدل على تقدم ذلك على الخطبة، وقد بينه أحمد
من حديث نبيشة الهذلي بلفظ: ((فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْإِمَامَ خَرَجَ صَلَّى مَا بَدَا لَهُ))، واستدل
به على أن التبكير ليس من ابتداء الزوال؛ لأن خروج الإمام يعقب الزوال،، فلا
یسع وقتًا يتنفل فيه.
(رَوَاهُ البُخَارِيّ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي والدارمي والبيهقي
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
٥٣٧
(ج ٣ص ٢٤٢، ٢٤٣) ولفظ النسائي: ((مَا مِنْ رَجُل يَتَطَهَّرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا أُمِرَ، ثمَّ
يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ، وَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهُ
مِنْ الْجُمُعَةِ))، ورواه الطبراني في ((الكبير)) بإسناد حسن نحو رواية النسائي. وقال
في آخرهٍ: ((إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى مَا اجْتُنِبَتِ الْمَقْتَلَةُ، وَذَلِكَ
الدَّهْرُ كُلُّهُ)) .
١٣٩٤ - [٢] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ قَالَ: ((مَنِ اغْتَسَلَ،
ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلَّي
مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٣٩٤- قوله: (مَن اغْتَسَلَ) أي: للجمعة، لحديث: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ
الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ))، أو مطلقًا. وفيه دلالة على أنه لا بد في إحرازه لما ذكر من
الأجر من الاغتسال، إلا أن في الرواية الآتية بيان أن غسل الجمعة سنة وليس
بواجب. وقيل: ليس فيها نفي الغسل، وقد ذكر الغسل في الرواية الأولى،
فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء في الرواية الثانية لمن تقدم غسله على الذهاب،
فاحتاج إلى إعادة الوضوء.
(ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أي: الموضع الذي تقام فيه الجمعة، كما يدل عليه قوله:
(فَصَلَّى) أي: من سنة الجمعة، أو النوافل. (مَا قُدِّرَ لَهُ) بتشديد الدال. فيه: دليل
على مشروعية الصلاة قبل الجمعة، وأنه لا حد لها. وقد ورد في سنة الجمعة التي
قبلها أحاديث أخرى ضعيفة. ذكرها الحافظ في ((الفتح)) (ج ٤ ص ٥٠٩)، والزيلعي
في ((نصب الراية)) (ج ٢ ص ٢٠٦، ٢٠٧).
قال الحافظ: وأقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما
(١٣٩٤) مُسْلِم (٢٦ / ٨٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.
٥٣٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا: ((مَا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ إِلَّا
وَبَيْنَ يَدَيْهَا رَكْعَتَانٍ)). ومثله حديث عبد الله بن مغفل: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ)) .
(ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ) أي: الإمام. (مِنْ خُطْبَتِهِ) قال النووي: قوله: ((حَتَّى يَفْرُغَ
مِنْ خُطْبَتِهِ) هكذا هو في الأصول من غير ذكر الإمام، وعاد الضمير إليه للعلم به وإن
لم يكن مذكورًا. (ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ) بالرفع عطفًا على (ثُمَّ أَنْصَتَ)، وفيه: دليل على
أن النهي عن الكلام، إنما هو حال الخطبة لا بعد الفراغ منها، ولو قبل الصلاة،
فإنه لا نهي عنه، كما دلت عليه (حَتَّى). (غُفِرَ لَهُ مَا بَيْتَهُ) أي: ذنوب ما بينه. (وَبَيْنَ
الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى) أي: الماضية لا المستقبلة .
(وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّام) أي: من التي تلي بعدها، و(فَضْلُ) مرفوع عطفًا بالواو بمعنى
((مع)) على ((ما)) في ◌َّ(ما بينه))، أي: بين يوم الجمعة الذي فعل فيه ما ذكر مع زيادة
ثلاثة أيام على السبعة، أي: وغفرت له ذنوب ثلاثة أيام مع السبع؛ لتكون الحسنة
بعشر أمثالها. وجوز الجر في ((فَضْلٍ)) للعطف على الجمعة، والنصب على
المفعول معه. قال النووي: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام أن
الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في
معنى الحسنة التي تجعل بعشر أمثالها. والمراد: بما بين الجمعتين من صلاة
الجمعة، وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية حتى تكون سبعة أيام بلا
زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة، فتصير عشرة.
قال ابن حجر: لا ينافي ما قبله؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان أخبر بأن المغفور
ذنوب سبعة أيام، ثم زيد له ثلاثة أيام، فأخبر به إعلامًا بأن الحسنة بعشر أمثالها.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه البيهقي (ج ٣ ص٢٤٣) نحوه.
٥٣٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
eexxx E
بَابُ التَّنْظِيفِ وَالتَّبْكِيرِ
١٣٩٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْتَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ،
[رَوَاهُ مُسلِمٌ] {صحيح }
وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا)).
الشَّرْحُ
١٣٩٥ - قوله: (مَنْ تَوَضَّأَ) قد استدل به على أن غسل الجمعة سنة. قال
القرطبي: ذكر الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحة، فدل على أن
الوضوء كافٍ، وقد تقدم الجواب عنه آنفًا. (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي: أتى بمكملاته
من سننه ومستحباته. قال النووي: معنى إحسان الوضوء الإتيان به ثلاثًا ثلاثًا .
وَدَلْكُ الأعضاء وإطالة الغرة، والتحجيل، وتقديم الميامن، والإتيان بسننه
المشهورة. (ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أي: أتى المسجد لصلاة الجمعة. وقال القاري:
أي: حضر خطبتها وصلاتها. (فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ) أي: سكت للاستماع، قاله
السندي. وقال الرازي في ((تفسيره)): الإنصات سكوت مع استماع. ومتى انفك
أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات. وقال العيني في ((شرح البخاري)): الإنصات
هو السكوت مع الإصغاء، انتهى. (غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ) السابقة وهي سبعة
أيام بناء على أن الحساب من وقت الصلاة إلى مثله من الثانية، فبزيادة ثلاثة أيام
تتم عشرة. (وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى) أي: لتسويتها سواء مسها في الصلاة أو قبلها
بطريق اللعب في حال الخطبة. (فَقَدْ لَغَا) أي: ومن لغا فلا جمعة له كما جاء،
والمراد: أنه يصير محرومًا من الأجر الزائد. قال النووي: فيه النهي عن مس
الحصى وغيره من العبث في حال الخطبة. وفيه: إشارة إلى إقبال القلب والجوارح
على الخطبة. والمراد باللغو هاهنا: الباطل المذموم المردود، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود وابن ماجه والبيهقي
(ج ٣ ص ٢٢٣).
(١٣٩٥) مُسْلِمٍ (٢٧/ ٨٥٧)، وَأَبُو دَاوُد (١٠٥٠)، والترمذي (٤٩٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.