Indexed OCR Text
Pages 481-500
*
٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٦٥ - [٢] وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ)».
{صحيح}
الشَّرْحُ
١٣٦٥ - قوله: (وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ) أي: وفي رواية أخرى لمسلم عن
أبي هريرة. (وَعَنْ خُذَيْفَةَ) عطف على ((عنه)) أي: عنهما جميعًا. (نَحْنُ الْآخِرُونَ)
أي: الذين تأخروا عنهم في حال كوننا وإياهم. (مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ) أي: من أهل الآخرة في السبق لهم.
قال الطيبي: اللام في: (الْآخِرُونَ) موصولة و(مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا) حال من الضمير
في الصلة وقوله. (الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ) صفة (الْآخِرُونَ)، أي: الذين يقضى
لهم قبل الناس ليدخلوا الجنة أولًا، كأنه قيل: الآخرون السابقون، انتهى. وهذه
الرواية أخرجها النسائي وابن ماجه أيضًا .
١٣٦٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((خَيْرُ يَوْم
طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وفِيهِ
أَخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّ فِي ◌َوْمِ الْجُمُعَةِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٣٦٦ - قوله: (خَيْرُ يَوْم) قال صاحب ((المفهم)): خير وشر يستعملان
للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانا للمفَّاضلة، فأصلهما أخير وأشر على وزن أفعل، وأما
إذا لم يكونا للمفاضلة، فهما من جملة الأسماء، كما قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ
(١٣٦٥) مسلم، والنسائي.
(١٣٦٦) مُسْلِمٍ (١٧ / ٨٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٤٨١
كِتَابُ الصَّلاةِ
SETHeK XEse HemBer **
196
بَابُ الجُمعَةِ
[البقرة: ١٨٠]، ﴿ وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] وهو في هذا الحديث
خَيْرًا﴾
للمفاضلة، ومعناه: إن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت شمسه. (طَلَعَتْ عَلَيْهِ)
أي: على ما فيه. (الشَّمْسُ) جملة ((طَلَعَتْ)) صفة ((يَوْم)) للتنصيص على التعميم،
كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَيِرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٦] فإن الشيء إذا وصف
بصفة تعم جنسه يكون تنصيصًا على اعتبار استغراقه أفراد الجنس.
(يَوْمُ الْجُمُعَةِ) فيه: أن أفضل الأيام يوم الجمعة، فيكون أفضل من يوم عرفة،
وبه جزم ابن العربي، ويشكل على ذلك ما أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) عن جابر
مرفوعًا: ((مَا مِنْ يَوْم أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ ... )) الحديث. وقد جمع العراقي
فقال: المراد بتفضيلَ الجمعة بالنسبة إلى أيَّام الجمعة أي: أيام الأسبوع، وتفضيل
يوم عرفة بالنسبة إلى أيام السنة، وصرح بأن حديث أفضلية الجمعة أصح، وفي
حاشية ((الموطأ)) نقلا عن ((المحلى)): ظاهر الحديث: أن الجمعة أفضل من عرفة،
وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم: أن عرفة أفضل ويتأول
الحديث بأنها أفضل أيام الأسبوع، ويظهر فائدة الاختلاف فيمن نذر الصيام، أو
علق عملًا من الأعمال بأفضل الأيام، مثلًا: قال لزوجته: أنت طالق في أفضل
الأيام، فتطلق يوم عرفة على أصح الوجهين عند الشافعية، ويوم الجمعة على
الوجه الثاني، وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إن أراد أفضل أيام السنة فيتعين يوم
عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع فيتعين الجمعة.
(وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ) فيه: دليل على أن آدم لم يخلق في الجنة بل خلق خارجها،
ثم أدخل إليها. قيل: إن خلقه وإدخاله كانا في يوم واحد، ويحتمل أنه خلق يوم
الجمعة، ثم أمهل إلى يوم جمعة أخرى فأدخل فيه الجنة، وكذا الاحتمال في يوم
الإخراج. (وَفِیهِ أُخْرِجَ مِنْها) قال ابن کثیر: إن كان يوم خلقه يوم إخراجه، وقلنا :
الأيام الستة كهذه الأيام فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا، وفيه نظر، وإن
كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه، وقلنا: إن كل يوم بألف سنة، كما قال
ابن عباس والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة، انتهى.
وقيل: كان إخراجه في اليوم الذي خلق فيه، لكن المراد من اليوم الإطلاق
الثاني أي: ما مقداره كألف سنة فيكون مكثه فيها زمانًا طويلًا. (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ)
٤٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: القيامة. (إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) قيل: هذه القضايا ليست لذكر فضيلته؛ لأن
إخراج آدم وقيام الساعة لا يعد فضيلة، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور
العظام. وقيل: بل جميعها فضائل، وخروج آدم سبب وجود الذرية من الرسل
والأنبياء والأولياء، والساعة سبب تعجيل جزاء الصالحين، وموت آدم سبب لنيله
إلى ما أعد له من الكرامات.
قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)): أما إخراجه منها فلا فضل فيه ابتداء إلا أن
يكون لما بعده من الخيرات والأنبياء والطاعات، وأن خروجه منها لم يكن طردًا،
كما كان خروج إبليس، وإنما كان خروجه منها مسافرًا لقضاءٍ أوطار ويعود إلى تلك
الدار، وقال أيضًا: وذلك - أي: قيام - أعظم لفضله لما يظهر الله من رحمته،
وينجز من وعده. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي والبيهقي (ج٣
ص٢٥١).
١٣٦٧ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً
لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)).
[متفق عليه]
- وَزَادَ مُسْلِمٌ: ((وهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلَّي،
يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ))(*).
الشَّرْجُ
١٣٦٧ - قوله: (إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً) كذا فيه مبهمة، وقد عينت في
أحاديث أخر، كما سيأتي. وأصل الساعة، وحقيقتها جزء مخصوص من الزمان،
وقد يطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءًا هي مجموع اليوم والليلة، ويطلق على
جزء ما غير مقدر من الزمان، ويطلق على الوقت الحاضر أيضًا. (لَا يُوَافِقُهَا) أي:
(١٣٦٧) وَزَادَ مُسْلِم (٨٥٢/١٥): ((وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ)).
(*) لَهُمَا: البُخَارِي (٩٣٥)، ومُسْلِم (٨٥٢).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجُمعَةِ
٤٨٣
لا يصادفها، وهو أعم من أن يقصد لها، أو يتفق له وقوع الدعاء فيها. (عَبْدٌ مُسْلِمٌ)
فيه: تخصيص لدعاء المسلمين بالإجابة في تلك الساعة. (يَسْألُ اللهَ فِيهَا) بلسان
الحال باستحضاره بقلبه أو بلسان القال. (خَيْرًا) أي: يليق السؤال فيه.
(إِلَّا أَعْطَاهُ) أي: ذلك المسلم. (إِيَّاهُ) أي: ذلك الخير، يعني: إما يعجله له،
وإما أن يدخره له، كما ورد في الحديث. وفي حديث أبي لبابة الآتي: ((مَا لَمْ يَسْأَلَّ
حَرَامًا))، وفي حديث سعد بن عبادة عند أحمد: ((مَا لَمْ يَسْأَلْ إِثْمًا، أَوْقَطِيعَةَ رَحِم))،
وقطيعة الرحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاص على العام للاهتمام به. وَفي
الحديث: بيان فضل يوم الجمعة لاختصاصه بساعة الإجابة، وسيأتي ذكر
الاختلاف في تعيين هذه الساعة، وبيان القول الراجح فيه. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه
البخاري في الجمعة والطلاق والدعوات، والسياق المذكور لمسلم إلا قوله :
((عَبْدٌ)) فإنه ليس عنده في هذه الرواية. والحديث أخرجه أيضًا أحمد ومالك
والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٢٤٩، ٢٥٠).
(وَزَادَ مُسْلِمٌ، قَالَ) أي: رسول اللّه ◌َله. (وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) أي: لطيفة. وفي
رواية لهما: وَأَشَارَ - أَي: رَسُولُ اللهِ نَّه بَيَدِهِ لِيُقَلِّلُهَا. فإن قلت: قدروى أبو داود
والحاكم عن جابر مرفوعًا: ((يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَدُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ
اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ رَنَ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ))، انتهى. ومقتضاه
أنها غير خفيفة، أجيب: بأنه ليس المراد: أنها مستغرقة للوقت المذكور، بل
المراد: أنها لا تخرج عنه؛ لأنها لحظة خفيفة. (وفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أي: للبخاري
ومسلم. (قَالَ) النبيَِّ. (إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً) قال الجزري: هي أرجى أوقات
الإِجابة. (لَا يُوَافِقُهَا) أي: لا يجدها. (مُسْلِمٌ قَائِمٌ) أي: ثابت في مكانه، أو ملازم
مواظب على حد قوله: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا﴾ [آل عمران: ٧٥]، (يُصَلَّي) أي: ينتظر
الصلاة أو يدعو. وإنما أوّلنا بذلك ليتوافق جميع الروايات. (يَسْأَلُ اللَّهَ) فيها.
(خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّهُ) قال الطيبي قوله: (قَائِمٌ يُصَلَّي ... ) إلخ. كلها صفات المسلم.
ويجوز أن يكون ((يصلي)) حالًا لاتصافه بـ((قَائِمٌ))، ويسأل إما حال مترادفة، أو
متداخلة. زاد النووي: إذ معنى ((يصلي)) يدعو، كذا في المرقاة. واعلم: أنه
اختلفت الأحاديث في تعيين ساعة الإجابة، وبحسب ذلك اختلفت أقوال الصحابة
والتابعين والأئمة بعدهم.
٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ في ((الفتح)): قد اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم في هذه الساعة، هل هي باقية أو رفعت؟ وعلى البقاء هل هي في كل جمعة،
أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول هل هي وقت من اليوم معين، أو
مبهم؟ وعلى التعيين هل تستوعب الوقت، أو تبهم فيه؟ وعلى الإبهام ما ابتداؤه وما
انتهاؤه؟ وعلى كل ذلك هل تستمر أو تتنقل؟ وعلى الانتقال هل تستغرق اليوم أو
بعضه؟ ثم ذكر تَّلهُ تلخيص ما اتصل إليه من الأقوال مع أدلتها، وبيان حالها في
الصحة والضعف، والرفع، والوقف، والإشارة إلى مأخذ بعضها، وقد بلغت هذه
الأقوال إلى أكثر من أربعين قولًا، وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها
یمکن اتحاده مع غيره.
ورجح الحافظ منها قولين حيث قال بعد ذكرها: ولا شك أن أرجح الأقوال
المذكورة حديث أبي موسى - يعني: الذي ذكره المصنف بعد هذا - أنها ما بين أن
يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، وحديث عبد الله بن سلام - يريد
به ما يأتي في حديث أبي هريرة الطويل في الفصل الثاني - من قوله: إنها في آخر
ساعة بعد العصر في يوم الجمعة، قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها
حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام، انتهى.
قال الحافظ: وما عداها إما موافق لهما أو لأحدهما أو ضعيف الإسناد أو
موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف. ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في
كونه وَالو أنسيهما بعد أن علمها؛ لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبل أن أنسي،
أشار إلى ذلك البيهقي وغيره، وقد اختلف السلف في أيهما أرجح؟ فرجح مسلم
فيما روى البيهقي حديث أبي موسى، وبه قال جماعة منهم البيهقي وابن العربي
والقرطبي. قال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره.
وقال النووي: هو الصحيح بل الصواب، وجزم في ((الروضة)) بأنه الصواب،
ورجحه أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا، وبأنه في أحد ((الصحيحين)). وذهب آخرون
إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر
الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى
سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناسًا من
كِتَابُ الصَّلاةِ
erena
بَابُ الْجُمعَةِ
eese
٤٨٥
الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة
من يوم الجمعة، ورجحه كثير من الأئمة أيضًا كأحمد وإسحاق ومن المالكية
الطرطوشي، واختاره ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته، وحكاه عن نص
الشافعي، وهو الذي اختاره ابن القيم ورجحه في ((زاد المعاد)) (ج١ ص ١٠٧) في
بحث نفيس يرجع إليه ويستفاد، واحتج فيه بما سنذكره من حديث أبي سعيد
وأبي هريرة عند أحمد، وقد استشكل هذا، فإنه ترجيح لغير ما في الصحيح على
ما هو فيه، والمعروف من علوم الحديث وغيرها أن ما في ((الصحيحين)) أو ما في
أحدهما مقدم على غيره.
والجواب: أن ذلك حيث لم يكن حديث ((الصحيحين)) أو أحدهما مما انتقده
الحفاظ؛ كحديث أبي موسى هذا الذي في مسلم، فإنه قد أعلَّ بالانقطاع
والاضطراب، وسيأتي ذكرهما في شرحه، وسلك بعضهم مسلكًا آخر، وهو
الجمع بين الحديثين: بأن ساعة الإجابة تنتقل فتكون في جمعة في ما بين أن يجلس
الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة. وفي أخرى في آخر ساعة من اليوم. قال
ابن عبد البر: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلى
ذلك الإمام أحمد.
قال الحافظ: وهو أولى في طريق الجمع، واستشكل حصول الإجابة لكل داع
بالشرط المتقدم مع اختلاف الزمان باختلاف البلاد والمصلي، فيتقدم بعض على
بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟
وأجيب باحتمال: أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كل مصل، كما قيل نظيره
في ساعة الكراهة، ولعل هذا فائدة جعل الوقت الممتد مظنة لها، وإن كانت هي
خفيفة، ويحتمل أن يكون عبر عن الوقت بالفعل فيكون التقدير: وقت جواز
الخطبة، أو الصلاة أو نحو ذلك.
٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٦٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِ ◌ّهَ يَقُولُ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ: ((هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ
الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ)).
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}
الشَّرُْ
١٣٦٨ - قوله: (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء ودال مهملة،
اسمه عامر. وقيل: الحارث، ثقة من أوساط التابعين المشهورين، مات سنة أربع
ومائة. وقيل: غير ذلك. وقد جاوز الثمانين. (بْنِ أَبِي مُوسَى) الأشعري، عبد الله
ابن قيس الصحابي. (فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ) أي: في بيان وقتها. (هِيَ) أي: ساعة
الجمعة، يعني: ساعة الإجابة في يوم الجمعة. (مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ) أي:
جلوس الإمام للخطبة. (إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ) أي: إلى تمام الصلاة وانقضائها.
قال أبو داود: يعني: على المنبر، أي: المراد بجلوس الإمام في الحديث:
جلوسه عقب صعوده على المنبر للخطبة. والحديث نص في أن ساعة الإجابة في
ما بين جلوس الإمام على المنبر للخطبة إلى تمام الصلاة، وليس المراد: أنها
تستوعب جميع الوقت الذي عين، بل المعنى: أنها تكون في أثنائه لقوله فيما
مضى: يُقَلِّلُهَا، وقوله: ((وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ))، وفائدة ذكر الوقت: أنها تنتقل فيه
فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة، وانتهاؤها انتهاء الصلاة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود والبيهقي (ج ٣ص ٣٥٠). والحديث مع
كونه في ((صحيح مسلم)) قد أعل بالانقطاع والاضطراب. أما الانقطاع فلأن
مخرمة بن بكير رواه عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو لم يسمع من أبيه،
قاله أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم عن
موسى بن سلمة عن مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا .
(١٣٦٨) رَوَاهُ مُسْلِم (١٦ / ٨٥٣).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْجُمعَةِ
٤٨٧
وقال علي بن المديني: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه
قال في شيء من حديثه: سمعت أبي. ولا يقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان
اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك؛ لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم
يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع. وأجيب عن هذا: بأنه اختلف في سماع
مخرمة من أبيه: فقال أحمد وابن معين وابن حبان: لم يسمع من أبيه أي: شيئًا.
وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر. وقال علي بن
المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة
أشياء من رأي سليمان بن يسار، قال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب
سليمان لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد أحدًا بالمدينة يخبرني عن مخرمة أنه
كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي. وقال ابن أبي أويس: وجدت في ظهر
كتاب مالك: سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه فحلف لي:
ورب هذه البنية سمعت من أبي، كذا في (تهذيب التهذيب))، فلعل مسلمًا ممن
صح وثبت عندهم سماع مخرمة من أبيه، ويدل على ذلك ما رواه البيهقي من طريق
أحمد بن سلمة أن مسلمًا قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب
وأصحه. ولو سلمنا أن مخرمة لم يسمع من أبيه لا يضر؛ لأنه يروي من كتب أبيه،
والعمل بالوجادة جائز. قال النووي: أما العمل بالوجادة، فعن المعظم أنه لا
يجوز. وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه. وقطع البعض بوجوب العمل بها عند
حصول الثقة به، قال: وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره،
انتهى. وأما الاضطراب، فقال العراقي: إن أكثر الرواة جعلوه من قول أبي بردة
مقطوعًا به، وأنه لم يرفعه غير مخرمة عن أبيه.
وقال الحافظ: رواه أبو إسحاق وواصل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم عن
أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبوبردة كوفي، فهم أعلم بحديثه من
بكير المدني، وهم عدد وهو واحد أيضًا، فلو كان عند أبي بردة مرفوعًا لم يقفوه
عليه، ولهذا جزم الدار قطني فيما استدركه على مسلم بأن الموقوف هو الصواب.
وأجاب النووي عن ذلك بقوله: وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له،
ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع، أو إرسال
واتصال، حكموا بالوقف والإرسال. وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح
٤٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين : أنه يحكم بالرفع
والاتصال؛ لأنها زيادة ثقة، انتهى. وأجاب بعضهم عن قول الدارقطني:
والصواب: أنه من قول أبي بردة، بأنه لا يكون إلا مرفوعًا فإنه لا مسرح للاجتهاد
في تعيين أوقات العبادة.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بابُ الجمعةِ
٤٨٩
الفصل الثاني
١٣٦٩ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ ، فَلَقِيتُ كَعْبَ
الْأَحْبَارِ ، فَجَلَسْتُ مَعَهُ فَحَدَّثَنِي عَنِ الثَّوْرَاةِ، وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ، فَكَانَ
فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((خَيْرُ يَوْمِ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ
الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيَّهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ
السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيحَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ، حَتَّى
تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ شَفَقًّا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسِ، وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا
عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُو يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ
سَنَةٍ يَوْمٌ؟ فَقُلْتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ قَالَ أَبُوهُرَيْرَةَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ سَلَام، فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ
كَعْبِ الأَحْبَارِ ، ومَا حَدَّثْتُهُ فِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ لَهُ؛َ قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ كُلَّ
سَنَّةٍ يَوْمٌ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَاَمَ: كَذَبَ كَعْبٌ، فَقُلْتُ لَهُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ
التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمَّعَةٍ،فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ،
ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ:
أَخْبِرْنِي بِهَا، وَلَا تَضِنَّ عَلَيَّ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ
الْجُمُعَةِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: وَكَيْفَ تَكُونُ آخِّرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ،
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُو يُصَلِّي فِيَّهَا؟)) فَقَالَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: (مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ
الصَّلَاةَ، فَهُوَ فِي صَّلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ؟)) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهُو
ذَاكَ.
[ْرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَى أَحْمَدُ إِلَى قَوْلِهِ: صَدَقَ كَغْبٌ] {صحيح}
(١٣٦٩) مَالِك (٨٨)، وَعَنْهُ، وأَبُو دَاوُد (١٠٤٦)، والترمذي (٤٩١)، والنَّسَائِي (٣/ ١١٣)، فَفِي أَوَّلِهِ
قِصَّةٌ مَعَ كَعبِ الأَخْبَارِ ◌َ ◌َّهُ.
٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الشَّرْخُ
١٣٦٩ - قوله: (خَرَجْتُ إِلَى الطَّورِ) أي: حيث كلم الله موسى ◌َِّا. قال
القاري: الطور محل معروف المتبادر طور سينا. وقال الباجي: الطور في كلام
العرب واقع على كل جبل، إلا أنه في الشرع يطلق على جبل بعينه، وهو الذي كلم
فيه موسى عليه السلام، وهو الذي عناه أبوهريرة، انتهى. وقال ياقوت في
((معجمه)): وبالقرب من مصر عند موضع يسمى مدين، جبل يسمى الطور. وعليه
كان الخطاب الثاني لموسى الثّل عند خروجه من مصر ببني إسرائيل، انتهى.
(فَلَقِيتُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ) جمع حبر بالفتح والكسر والإضافة، كما في زيد الخيل،
وهو كعب بن ماتع تقدم ترجمته. (فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ) يعني: أخبرني بما في
التوراة التي بأيديهم على وجه القصص والإخبار، واعتبار ما يوافق منها ما عند أبي
هريرة عن النبي وََّ، قاله الباجي. (حَدَّثْتُهُ) أي: كعبًا الأحاديث. (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
وَهِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ) خبر كان. (أَنْ قُلْتُ) اسم كان ومقوله. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ)
وهذا لفظ مالك، وسياق النسائي قال: أي: أبو هريرة: ((أتيت الطور، فوجدت ثَمَّ
كعبًا، فمكثت أنا وهو يومًا أحدثه عن رسول اللَّه ◌َّهِ، ويحدثني عن التوراة، فقلت
له: قال رسول اللَّه وَلير :... )).
(وَفِيهِ أُهْبِطَ) قال القاري: الظاهر: أن أهبط هنا بمعنى أخرج في الرواية السابقة.
وقيل: كان الإخراج من الجنة إلى السماء، والإهباط أي: الإنزال منها إلى
الأرض، فيفيد أن كلاً منهما كان في يوم الجمعة: إما في يوم واحد، وإما في
يومين، قيل: كان هبوط آدم على جبل بسرنديب في أرض الهند، يقال له: نود.
وقد أورد السيوطي في ذلك أحاديث في ((الدر المنثور)). (وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ) على بناء
المفعول من التوبة أي: وُفَّقَ للتوبة، وقبلت التوبة منه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَجْتَبَهُ رَبُّهُ
فَثَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]، (وَفِيهِ) أي: في نحوه من أيام الجمعة. (مَاتَ) وله ألف
سنة، كما في حديث أبي هريرة وابن عباس مرفوعًا. وقيل: إلا سبعين. وقيل: إلا
ستين. وقيل: إلا أربعين، قاله الزرقاني. واختلف أيضًا في موضع موته ومحل
دفنه على أقوال، وصحح ابن كثير: أنه مات على جبل نود بسرنديب في الهند،
ودفن في الموضع الذي أهبط عليه، والله أعلم. (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ) زيادة (مِنْ)؛ لإفادة
الاستغراق في النفي.
٤٩١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
se
بابُ الجمعةِ
(إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ) بالصاد المهملة والخاء المعجمة، من أصاخ أي: مصغية
مستمعة تتوقع قيام الساعة. وروي بسين بدل الصاد، وهما لغتان بمعنى. قال
الجزري: والأصل الصاد، قال القاري: وفي أكثر نسخ ((المصابيح)) بالسين. (يَوْمَ
الْجُمُعَةِ) ظرف لمصيحة. (مِنْ حِينَ تُصْبِحُ) قال الطيبي: بني على الفتح لإضافته
إلى الجملة، ويجوز إعرابه إلا أن الرواية بالفتح. (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ)؛ لأن
بطلوعها يتميز يوم الساعة عن غيره، فإنها تطلع في يوم الساعة من المغرب. (شَفَقًّا
مِنَ السَّاعَةِ) أي: خوفًا من قيامها، فيه: أن البهائم تعلم الأيام بعينها، وأنها تعلم أن
القيامة تقوم يوم الجمعة، ولا تعلم وقائع التي بين زمانها وبين القيامة، أو ما تعلم
أن تلك الوقائع ما وجدت الآن.
(إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ) استثناء من الجنس؛ لأن اسم الدابة يقع على كل ما دَبَّ.
قال الباجي: وجه عدم إشفاقهم أنهم علموا أن بين يدي الساعة شروطًا ينتظرونها،
وليس بالبين؛ لأنا نجد منهم من لا يصيخ، وليس له علم بالشروط. وقال ابن عبد
البر: فيه أن الجن والإنس لا يعلمون من أمر الساعة ما يعرفه غيرهم من الدواب،
وهذا أمر يقصر عنه الفهم. وقال التوربشتي في ((شرحِ المصابيح)): وجه إساخة كل
دابة يوم الجمعة، وهي مما لا تعقل أن نقول: إن الله تعالى يجعلها ملهمة بذلك
مستشعرة منه، وغير مستنكر أمثال ذلك، وما هو فوقه في العجب من قدرة الله
سبحانه، والحكمة في إخفاء ذلك من الجن والإنس؛ أنهم مكلفون، ولا سيما
بالإِيمان بالغيب، فإذا كوشفوا بشيء من ذلك أخلت قاعدة الابتلاء، وحق القول
عليهم بالاعتداء، ثم إنهم لا يستطيعون به سمعًا إن أظهر لهم، ويجوز أن يكون وجه
إساخة كل دابة يوم الجمعة، أن اللَّه تعالى يظهر يوم الجمعة في أرضه من عظائم
الأمور، وجلائل الشئون ما تكاد الأرض تميد بها، فتبقى كل دابة ذاهلة دهشة
كأنها مسيخة، للرعب الذي تداخلها، وللحالة التي تشاهدها، حتى كأنها تشفق
شفقها من قيام الساعة، (وَفِيهِ سَاعَةٌ) خفيفة.
(لَا يُصَادِفُهَا) أي: لا يوافقها. (وَهُوَ يُصَلِّ) حقيقة أو حكمًا بالانتظار، كما تقدم
أو يدعو. ولفظ النسائي وفيه: ((سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ))، (يَسْأَلُ
اللَّهَ) حال أو بدل. (شَيْئًا) من أمر الدنيا والآخرة بشروطه. (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)، ((مَا لَمْ
يَسْأَلْ إِنْمَّا أَوْ قَطِيعَةَ رَحِم))، كما تقدم. (ذَلِكَ) أي: اليوم. (فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ) واحد.
50
٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الطيبي: الإشارة إلى اليوم المذكور المشتمل على تلك الساعة الشريفة،
ويوم خبره. قال الباجي: يحتمل أن يكون ذلك على سبيل السهو في الإخبار عن
التوراة، أو التأويل للفظها.
(بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) أي: هي في كل جمعة، أو في كل أسبوع يوم، يعني: ذلك
اليوم المشتمل على ما ذكر كائن في كل أسبوع، وهذا أظهر مطابقة للجواب.
(فَقَرَأَ كَعْبُ التَّوْرَاةَ) بالحفظ أو بالنظر. (فَقَالَ) كعب (صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِِّ) زاد
النسائي: هو في كل جمعة، وفي هذا معجزة عظيمة دالة على كمال علمه عليه
السلام، حيث أخبر بما خفي على أعلم أهل الكتاب مع كونه أميًّا. (لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ
ابْنَ سَلَام) بتخفيف اللام ابن الحارث. من بني قينقاع الإسرائيلي أبويوسف،
حليف بنّ عوف بن الخزرج، أسلم عند قدوم النبي ◌َّ المدينة، شهد له النبي وَّل
بالجنة، ونزل فيه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ﴾ [الأحقاف: ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ
عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وشهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية، قيل: كان
اسمه الحصين، فسماه النبي ◌ّليل عبد الله، روى خمسة وعشرين حديثًا، اتفقا على
حديث، وانفرد البخاري بآخر، مات بالمدينة سنة (٤٣).
(فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي) أي: بجلوسي. (وَمَا حَدَّثْتُهُ) أي: وأخبرته بالحديث الذي
حدثت به كعبًا. (فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) أي: في شأنه، أو في فضله. (فَقُلْتُ لَهُ) أي:
لعبد الله بن سلام. (كَذَبَ كَعْبٌ) أي: أخطأ وغلط. قال الباجي: والكذب إخبار
بالشيء على غير ما هو به، سواء تعمد ذلك أو لم يتعمد. (بَلْ هِيَ) أي: ساعة
الإِجابة. (فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) كما أخبر به رسول اللّه ◌ِهِ. (قَدْ عَلِمْتُ) بصيغة المتكلم.
(أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ) بنصب: (أَيَّةَ) على أنها مفعول علمت، أي: عرفت تلك الساعة.
وفي بعض النسخ برفعها، كقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَىُّ الِبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢] قال ابن
عبد البر: وفيه: إظهار العالم لعلمه بأن يقول: أنا عالم لكذا، وكذا إذا لم يكن على
وجه الفخر، والرياء، والسمعة. (قَالَ أَبُوهُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ) أي: لعبد الله بن سلام.
(أَخْبِرْنِي بِهَا) أي: بتلك الساعة، (وَلَا تَضِنَّ عَلَيَّ) بكسر الضاد وفتحها وبفتح النون
المشددة من باب تعب وضرب، أي: لا تبخل علي، قلت: وضبط في ((جامع
الترمذي)): ((لا تضنن)) بسكون الضاد وفتح النون الأولى، وكذا نقله الجزري في
((جامع الأصول)) (ج ١٠ ص ١٧٢) عن الترمذي، ونقل عن ((الموطأ)) والنسائي: ((لا
٤٩٣
بَابُ الجمعةِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
تضنن)). قال العراقي: يجوز في ضبطه ستة أوجه: أحدها: فتح الضاد وتشديد
النونين وفتحهما، والثاني: كسر الضاد والباقي مثل الأول، والثالث: فتح الضاد
وتشديد النون الأولى وفتحها وتخفيف الثانية، والرابع: كسر الضاد والباقي مثل
الذي قبله، والخامس: إسكان الضاد وفتح النون الأولى وإسكان الثانية،
والسادس: كسر النون الأولى والباقي مثل الذي قبله، انتهى.
قال أبو الطيب المدني: حاصل جميع الوجوه: أنه من باب التأكيد بالنون الثقيلة
أو الخفيفة، أو من باب الفك، وعلى التقديرين فالباب يحتمل فتح العين في
المضارع وكسرها، فتصير الوجوه ستة، انتهى. (هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ)
ولفظ الترمذي: هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، وسياق الحديث صريح في
أن ذلك من قول عبد الله بن سلام حيث لم يصرح بسماعه منه وَ لّة، لكن قول
الصحابي فيما لا مسرح للاجتهاد فيه مرفوع حكمًا، ويدل على كونه مرفوعًا
صريحًا ما رواه ابن ماجه من طريق أبي النضر عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام
قال: قلت ورسول اللَّه ◌َله جالس: إنا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة
... )) الحديث.
وفيه: قال عبد الله: فأشار إلي رسول اللّه وَّ ((أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ))، فقلت: صدقت
أو بعض ساعة، قلت: أية ساعة هي؟ قال: ((هِيَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ))، قلت: إنها
ليست ساعة الصلاة، قال: ((بَلَى إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ، إِذَا صَلَّى ثُمَّ جَلَسَ لَا يَحْبِسُهُ إِلَّا
الصَّلَاةُ فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ» .
قال الحافظ: وهذا يحتمل أن يكون قائل ((قلت: أية ساعة هي)) عبد الله بن
سلام، فيكون مرفوعًا، ويحتمل أن يكون أبا سلمة، فيكون موقوفًا، وهو الأرجح
لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بأن عبد الله بن سلام لم يذكر
النبي ◌ّ في الجواب. أخرجه ابن أبي خيثمة، نعم، رواه ابن جرير من طريق
العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: ((أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ))، ولم يذكر عبد الله بن سلام قوله ولا القصة. وروى أبو داود
والنسائي والحاكم بإسناد حسن عن جابر مرفوعًا: ((يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشَرَةَ سَاعَةً لَا
يُؤْجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلَّ آتَاهُ اللهُ رَنْ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ))،
٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*!
ees
وروى أحمد (ج٢ ص ٢٧٢) عن أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا: ((إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ
سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ ... )) الحديث. وفيه: ((وهي بعد العصر))، وفي سنده
محمد بن مسلمة الأنصاري روی عنه رجل اسمه عباس.
قال الذهبي: لا يعرفان، وتعقبه الحافظ في «اللسان» (ج٥ص٣١٨) فقال: عباس
معروف، وهو عباس بن عبد الرحمن بن ميناء. وقال في ((التقريب)) في ترجمته: أنه
مقبول. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص ١٦٥): وثقه ابن حبان، ولم
يضعفه أحد، انتهى. ومحمد بن مسلمة المذكور تابعي، ذكره ابن حبان في
((الثقات)). والحديث صحح إسناده الشيخ أحمد شاكر، لكن قال: إن العباس
راوي هذا الحديث ليس هو ابن ميناء، بل هو رجل آخر، وهو عباس بن
عبد الرحمن بن حميد القرشي، من بني أسد بن عبد العزى المكي، ذكره ابن أبي
حاتم في ((الجرح والتعديل)). قلت: ويؤيد حديث أبي هريرة هذا حديث أنس
الآتي، والحديثان وإن كانا مطلقين غير مقيدين بآخر ساعة إلا أنهما يحملان على
الأحاديث المقيدة بأنها آخر ساعة بعد العصر، فإن حمل المطلق على المقيد
متعين، كما تقرر في الأصول.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ) لعبد الله بن سلام. (وَكَيْفَ تَكُونُ) أي: تلك الساعة.
(وَقَدْ قَالَ) الواو حالية. (رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ) أي: في شأنِها. (وَهُوَ يُصَلِّي فِيهَا) قال
القاري: وفي نسخة: ((وَهُوَ يُصَلِّ، وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهَا))، قلت: هكذا وقع
في ((الموطأ)) و((سنن أبي داود)) و((جامع الترمذي))، وكذا نقله الجزري
(ج ١٠ ص ١٧٢) ولفظ النسائي: (وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَيْسَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ صَلَاَةٌ))،
(فَقَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلَام) في تأويل قوله ◌ِِّلّهِ. (مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا) أي: جلوسًا، أو
مكان جلوس. (يَنْتَظِرُّ الصَّلَاةَ) أي: في هذا المجلس.
(فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) أي: حكمًا. (حَتَّى يُصَلِّيَ) أي: حقيقة يعني: يفرغ من الصلاة،
ولفظ النسائي: ((مَنْ صَلَّى وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى تَأْتِيَهُ الصَّلَاةُ الَّتِي
تَلِيْهَا))، (فَقُلْتُ: بَلَى) أي: قال رسول اللَّه ◌َ لّ ذلك. (قَالَ) أي: عبد الله بن سلام.
(فَهُوَ ذَلِكَ) أي: هذا هو المراد بقوله ◌َ له: (وَهُوَ يُصَلِّي)، وقال القاري: فهو أي:
المراد بالصلاة ذلك أي: الانتظار. ولفظ النسائي: ((فهو كذلك)) أي: فالجالس
في تلك الساعة منتظرًا كذلك أي: مصل.
*
كِتَابُ الصَّلاةِ
بابُ الجمعة
kees
٤٩٥
قال السيوطي في ((التنوير)): هذا أي: تأويل عبد الله بن سلام مجاز بعيد، ورد
عليه الزرقاني: بأنه بعد الثبوت وبعد قبول الصحابي إياه لا بُعد فيه، ولا ريب أن
الداعي آخر ساعة بعد العصر عازم على المغرب. (رَوَاهُ مَالِك وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت
عنه. (والتّرْمِذِيُّ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ونقل المنذري كلامه هذا
وأقره. (وَالنَّسَائِيُّ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم
(ج١ ص٢٧٨) والبيهقي (ج ٣ص ٢٥٠، ٢٥١).
١٣٧٠ - [٧] وعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْتَمِسُوا السَّاعَةَ
الَّتِي تُرْجَى فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَغْدَ الْعَصْرِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِي] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٣٧٠ - قوله: (الْتَمِسُوا) أي: أطلبوا، ورواه الطبراني بلفظ: ((ابْتَغُوا))،
(السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى) بصيغة المجهول أي: تطمع إجابة الدعاء فيها. (بَعْدَ الْعَصْرِ
إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ) هذا يؤيد قول عبد الله بن سلام، وهو محمول على أن المراد
بها: آخر ساعة بعد العصر، كما تقدم. وقد اقتصر المصنف على ذكر قولين في
تعيين ساعة الجمعة، كالبغوي، كأنهما رأيا هذين القولين أرجح وأقوى من غيرهما
دليلًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أي: من طريق محمد بن أبي حميد عن موسى بن وردان عن
أنس. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد روي عن النبي وَلّ من
غير هذا الوجه، ثم تكلم في محمد بن أبي حميد: بأنه ضعف من قبل حفظه،
وقال: هو منكر الحديث.
قلت: ورواه الطبراني في ((الأوسط)) من طريق ابن لهيعة، كما في ((الترغيب))
(ج ١ ص٢١٦) و((مجمع الزوائد)) (ج٢ص١٦٦) وزاد في آخره: ((وَهِيَ قَدْرُ هَذَا
يَعْنِي: قَبْضَةً)). قال المنذري: وإسناده أصلح من إسناد الترمذي، انتهى. ورواه ابن
(١٣٧٠) التِّرْمِذِي (٤٨٩) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَّفَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُمَيْدٍ رَاوِيَهُ.
٤٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا، ومن طريق صفوان بن سليم
عن أبي سلمة عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: ((فَالْتَمِسُوهَا بَعْدَ الْعَصْرِ)).
وذكر ابن عبد البر: إن قوله: ((فَالْتَمِسُوهَا ... )) إلى آخره، مدرج في الخبر من
قول أبي سلمة. ورواه ابن مندة من هذا الوجه وزاد: ((أغفل ما يكون الناس)).
ورواه أبونعيم في ((الحلية)) من طريق الشيباني عن عون بن عبد اللَّه عن أخيه
عبيد الله، كقول ابن عباس، كذا في ((الفتح)).
١٣٧١ - [٨] وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ مِنْ
أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيَهِ خُلِقَ أَّمُ، وفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ
الصَّغَّقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ)) قَالَوا : يَا
رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ،
قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٣٧١ - قوله: (وَعَنْ أَوْسٍ بْنِ أَوْسٍ) الثقفي، صحابي، سكن دمشق، ومات
بها، له حديثان أحدهما في الصيام والآخَّر في الجمعة. (إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ) فيه إشارة إلى أن يوم عرفة أفضل أو مساو؛ لأن زيادة (مِنْ) تدل على أن
يوم الجمعة من جملة الأفاضل من الأيام، وليس هو أفضل الأيام مطلقًا. (فِيهِ خُلِقَ
آدَمُ) أي: طينته. (وَفِيهِ) أي: في جنسه. (قُبِضَ) أي: روحه. (وَفِيهِ النَّفْخَةُ) قال
الطيبي: أي: النفخة الأولى، فإنها مبدأ قيام الساعة، ومقدم النشأة الثانية. (وَفِيهِ
الصَّعْقَّةُ) أي: الصيحة. والمراد بها: الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من
هوله، وهي النفخة الأولى، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ
فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فالتكرار باعتبار تغاير الوصفين.
(١٣٧١) أَبُو دَاوُد (١٠٤٧)، وَالنَّسَائِي (١/ ٩٢٩١)، وَابن مَاجَهْ (١٦٣٦) (١٠٨٥) عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ
فِيهَا .
٤٩٧
كِتَابُ الصَّلاةِ
NEX E
بابُ الجُمعَةِ
EX
وقال القاري: المراد بالنفخة: الثانية، وبالصعقة: النفخة الأولى، قال: وهذا
أولى لما فيه من التغاير الحقيقي، وإنما سميت النفخة الأولى بالصعقة؛ لأنها
تترتب عليها، وبهذا الوصف تتميز عن الثانية. وقيل: إشارة إلى صعقة
موسى ◌َلَُّ. (فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ) أي: في يوم الجمعة، وهو تفريع على
كون الجمعة من أفضل الأيام.
(فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) يعني: على وجه القبول فيه، وإلا فهي دائمًا تعرض
عليه بواسطة الملائكة، قاله القاري. وقال السندي: هذا تعليل للتفريع أي: هي
معروضة عليّ كعرض الهدايا على من أهديت إليه، فهي من الأعمال الفاضلة
ومقربة لكم إليَّ، كما تقرب الهدية المهدي إليه، وإذا كانت بهذه المثابة، فينبغي
إكثار باقي الأوقات الفاضلة، فإن العمل الصالح يزيد فضلًا بواسطة فضل الوقت،
وعلى هذا لا حاجة إلى تقييد العرض بيوم الجمعة، كما قيل. وقال الشوكاني في
(تحفة الذاكرين)) بعد ذكر أحاديث إبلاغ السلام إليه رقّة وعرض الصلاة عليه ما
لفظه: وظاهر الجميع أن كل صلاة وسلام تبلغه وَ ليّة، وسواء كان ذلك في يوم
الجمعة أو في غيره من الأيام والليالي، فلعل في العرض عليه زيادة على مجرد
الإبلاغ إليه، ويكون ذلك من خصائص الصلاة عليه وَّل في يوم الجمعة. (وَقَدْ
أَرَمْتَ؟) جملة حالية بفتح الراء وسكون الميم وفتح التاء المخففة على وزن
ضربت، ويروى بكسر الراء أي: بَلِيْتَ، وقيل: أَرِمْت على البناء للمفعول من
الأرم، وهو الأكل أي: صرت مأكولًا للأرض. وقيل: أَرَمَّت بالمِيم المشددة
والتاء الساكنة أي: أَرَمَّتِ العظام وصارت رميمًا، من رَمَّ الميتُ، وأَرَمَّ إذا بلى،
ويروى أَرَمَمتَ بالميمين أي: صرت رميمًا، فعلى هذا يجوز أن يكون أَرِمْتَ
بحذف إحدى الميمين، كظلت ثم كسرت الراء؛ لالتقاء الساكنين، أو فتحت
بالأخفية أو بالنقلية، وفي ضبطه أقوال أخر. قال السندي: لا بد هاهنا أولًا من
تحقيق لفظ أرمت، ثم النظر في السؤال والجواب، وبيان انطباقها، فأما أرمت
بفتح الراء كضربت أصله أرممت من أرم بتشديد الميم إذا صار رميمًا، فحذفوا
إحدى الميمين، كما في ظلت، ولفظه: إما على الخطاب، أو الغيبة على أنه مستند
إلى العظام.
وقيل: من أرم بتخفيف الميم أي: فني، وكثيرًا ما يروى بتشديد الميم
والخطاب، فقيل: هي لغة ناس من العرب. وقيل: بل خطأ والصواب سكون التاء
٤٩٨
*
eesess
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التأنيث العظام، أو أرممت بفك الإدغام. وأما تحقيق السؤال فوجهه أنهم فهموا
عموم الخطاب في قوله: (فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ) للحاضرين ولمن يأتي بعده ◌َّه
ورأوا أن الموت في الظاهر مانع عن السماع والعرض، فسألوا عن كيفية عرض
صلاة من يصلي بعد الموت، وعلى هذا فقولهم: وقد أرمت كناية عن الموت،
والجواب بقوله {وَلِّ: (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ ... ) إلخ. كناية عن كون الأنبياء أحياء في
قبورهم، أو بيان لما هو خرق للعبادة المستمرة بطريق التمثيل أي: ليجعلوه مقيسًا
عليه للعرض بعد الموت الذي هو خلاف العادة المستمرة، ويحتمل أن المانع من
العرض عندهم فناء البدن لا مجرد الموت، ومفارقة الروح، لجواز عود الروح إلى
البدن ما دام سالمًا عن التغير الكثير، فأشار اليه إلى بقاء بدن الأنبياء عليهم السلام،
وهذا هو ظاهر السؤال والجواب، بقي أن السؤال منهم على هذا الوجه يشعر بأنهم
ما علموا أن العرض على الروح المجرد ممكن، فينبغي أن يبين لهم النبي وَلّ أنه
يمكن العرض على الروح المجرد؛ ليعلموا ذلك.
ويمكن الجواب عن ذلك: بأن سؤالهم يقتضي أمرين: مساواة الأنبياء عليهم
السلام وغيرهم بعد الموت، وأن العرض على الروح المجرد لا يمكن، والاعتقاد
الأول أسوأ، فأرشدهم وَله بالجواب إلى ما يزيله، وأخر ما يزيل الثاني إلى وقت
يناسبه تدريجًا في التعليم. والله أعلم.
(قَالَ) أي: أوس. (يَقُولُونَ) أي: الصحابة أي: يريدون بهذا القول. (بَلِيتَ)
بفتح الباء وكسر اللام أي: صرت باليا. (قَالَ) أي: رسول اللّهُ وَّهِ. (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ
عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ) أي: منعها من أن تأكل أجسادهم، فإن الأنبياء أحياء
في قبورهم، لكن بحياة برزخية ليست نظير الحياة المعهودة، وهي أقوى وأكمل
من حياة الشهداء. والحديث: يدل على مشروعية الإكثار من الصلاة على
النبي ◌ُ ل يوم الجمعة، وأنها تعرض عليه ◌َالاول بعد وفاته.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) في الجمعة. (وابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز، وروى هو في
الجمعة عن شداد بن أوس بمثل حديث أوس بن أوس وهو خطأ، والصواب ما وقع
في الجنائز أي: عن أوس بن أوس. (والدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَواتِ الْكَبِيرِ)
وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص٨) وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم
في ((مستدر كه)) (ج ١ ص٢٧٨) وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
٤٩٩
بَابُ الْجُمعَةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وقال النووي: إسناده صحيح، وأخرجه البيهقي (ج٣ص٢٤٨) في ((السنن)) من
طريق الحاكم، وسكت عنه أبو داود. وقال المنذري: له علة دقيقة، أشار إليها
البخاري وغيره، وقد جمعت طرقه في جزء، انتهى. وقال الشوكاني في ((النيل)):
ذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) وحكى عن أبيه أنه حديث منكر؛ لأن في إسناده
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو منكر الحديث. وذكر البخاري في تأريخه:
أنه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم. وقال ابن العربي: إن الحديث لم يثبت، انتهى.
قلت: هذا الحديث من رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر لا من رواية
عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، والأول: ثقة، وثقه أحمد وابن معين والعجلي وابن
سعد والنسائي ويعقوب بن سفيان وأبو داود وابنه أبوبكر بن أبي داود وابن حبان
وأبوحاتم والذهبي والحافظ. والثاني: أي: ابن تميم ضعيف منكر الحديث،
فالحق: أن الحديث صحيح، ومن قال: إنه ضعيف أو منكر، فكأنه اشتبه الأمر
عليه لظنه أن الحديث من رواية ابن تميم. وقال ابن دحية: إنه صحيح بنقل العدل
عن العدل، ومن قال: إنه منكر، أو غريب لعله خفية به، فقد استروح؛ لأن
الدار قطني ردها .
١٣٧٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((الْيَوْمُ
الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَا
طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَّى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ
يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرِ، إِلَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ، إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتَّْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا يُغْرَفُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ،
وَهُوَ يُضَغَّفُ]
الشَّرْجُ
١٣٧٢ - قوله: (الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ) أي: الذي ذكره الله في سورة البروج. (يَوْمُ
الْقِيَامَةِ)؛ لأن الله وعد الناس بإتيانه، أو لأنه وعد المؤمنين بعد إتيانه بنعيم الجنة .
(١٣٧٢) أَحْمَد (٢/ ٢٩٩٢٩٨)، وَالتِّرْمِذِي (٣٣٣٩) عَنْهُ فِيهَا، وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ
مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ.