Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أحدها: أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في السفر في
وقت أحدهما جمعًا حقيقيًا تقديمًا وتأخيرًا مطلقًا، أي: سواء كان سائرًا أم لا،
وسواء كان سيرًا مجدًا أم لا. قال به كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء
الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور وابن المنذر وأشهب. وحكاه ابن
قدامة عن مالك أيضًا. وقال الزرقاني: وإليه ذهب مالك في رواية مشهورة. قلت:
وهو مختار المالكية، كما في فروعهم، واختاره الشاه ولي الله الدهلوي، حيث
قال في ((حجة الله)) (ج٢ ص١٨): من رخص السفر الجمع بين الظهر والعصر
والمغرب والعشاء، والأصل فيه ما أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة الفجر والظهر
والمغرب، وإنما اشتق العصر من الظهر والمغرب من العشاء، ولئلا تكون المدة
الطويلة فاصلة بين الذكرين، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة، فشرع لهم جمع
التقديم والتأخير، لكنه لم يواظب عليه، ولم يعزم عليه مثل ما فعل في القصر،
انتھی .
والثاني: أنه يختص الجمع بمن يجدّ في السير أي: يسرع، قاله الليث، وهو
قول مالك في ((المدونة)). واستدل لهما بما روي في الصحيح عن ابن عمر قال:
كان النبي ◌َّ يجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير، إذا جد به السير، وسيأتي
الجواب عنه .
والثالث: أنه يختص بما إذا كان سائرًا لا نازلًا، قاله ابن حبيب من المالكية.
واستدل لذلك بقوله: ((إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ)) في حديث الباب. وأجيب عن ذلك:
بما وقع من التصريح في حديث معاذ بن جبل في ((الموطأ)) بلفظ: أن النبي وَّ أخر
الصلاة في غزوة تبوك خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج،
فصلى المغرب والعشاء جميعًا. قال الشافعي في ((الأم): قوله: ((ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ
خَرَجَ)). لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا ومسافرًا.
وقال ابن عبد البر: هذا أوضح دليل في الرد على من قال: لا يجمع إلا من جد
به السير، وهو قاطع للالتباس. وقال الباجي: مقتضى قوله: ((ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ)).
أنه مقيم غير سائر؛ لأنه إنما يستعمل في الدخول في المنزل والخباء، والخروج
منهما، وهو غالب الاستعمال إلا أن يريد أنه خرج من الطريق إلى الصلاة، ثم
٤٤١
بَابُ صَلَاةِ السَّفْرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
دخله للسير، وفيه بعد. وكذا حكى عياض هذا التأويل عن بعضهم، ثم استبعده ولا
شك في بعده، وكأنه وَلّ فعل ذلك؛ لبيان الجواز، وكان أكثر عادته التفرقة في
حال الجمع بين ما إذا كان سائرًا أو نازلا، ومن ثم قال الشافعية ترك الجمع أفضل .
والرابع: أن الجمع مكروه، قال ابن العربي: إنها رواية المصريين عن مالك.
والخامس: أنه يختص بمن له عذر حكى عن الأوزاعي.
والسادس: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم وهو اختيار ابن حزم، وسيأتي
الكلام فيه.
والسابع: أنه لا يجوز الجمع مطلقًا إلا بعرفة والمزدلفة، وهو قول الحسن
والنخعي وأبي حنفية وصاحبيه، ووقع عند النووي أن الصاحبين خالفا شيخهما،
ورد عليه السروجي في ((شرح الهداية))، وهو أعرف بمذهبه، وأجاب هؤلاء عما
ورد من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جمع صوري، وهو أنه أخر المغرب مثلًا
إلى آخر وقتها، وعجل العشاء في أول وقتها .
وتعقبه الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص٢٦٤) بما حاصله: أن الجمع من
الرخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصهم، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم
ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه
أكثر الخاصة، فضلًا عن العامة. وأما أمره مدير للمستحاضة بالجمع الصوري، فهو
وارد في شيء يندر وجوده، على أنه رَّه قيد ذلك بقوله: ((إِنْ قَوِيتٍ)) كما تقدم، فإن
قدرت المستحاضة على معرفة أوائل الأوقات وأواخرها، وعلى الاغتسال ثلاث
مرات جمعت بين الصلاتين فعلًا وصورة. ومن الدليل على أن الجمع رخصة،
قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، أخرجه مسلم. وهذا يقدح في حمله على
الجمع الصوري؛ لأن النزول للصلاتين والخروج إليهما مرة واحدة، وإن كان
أسهل من النزول مرتين، لكن لا يخلو ذلك عن حرج، ومشقة بسبب عدم معرفة
أكثر الناس أوائل أوقات الصلاة وأواخرها بخلاف الجمع الوقتي، فهو أيسر
وأخف من الجمع الفعلي، وهذا ظاهر وأيضًا، فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع
في وقت إحدى الصلاتين، وهي نصوص صريحة لا تحتمل تأويلاً، كما سيأتي.
٤٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((التعليق الممجد)) (ص١٢٩): حمل أصحابنا
يعني: الحنفية الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوري. وقد بسط
الطحاوي الكلام فيه في ((شرح معاني الآثار))، لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات
التي وردت صريحًا بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت؟ وهي مروية في ((صحيح
البخاري)) و(سنن أبي داود)) و((صحيح مسلم)) وغيرها من الكتب المعتمدة على ما
لا يخفى على من نظر فيها، فإن حمل على أن الرواة لم يحصل التمييز لهم، فظنوا
قرب خروج الوقت، خروج الوقت، فهذا بعيد عن الصحابة الناصين على ذلك،
وإن اختير ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد وأبعد مع إخراج
الأئمة لها، وشهادتهم بتصحيحها، وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن
الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت والتقديم في أول الوقت فهو أعجب، فإن
الجمع بينها بحملها على اختلاف الأحوال ممكن بل هو الظاهر، انتهى كلام الشيخ
اللكنوي. وأيضًا المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع هو الجمع الوقتي لا الفعلي.
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص٢٦٤): ظاهر اسم الجمع عرفًا لا يقع على
من أخر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها، وعجل العصر فصلاها في أول وقتها؛
لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها، وإنما الجمع المعروف
بينهما أن تكون الصلاتان معًا في وقت إحداهما ألا ترى أن الجمع بينهما بعرفة
والمزدلفة كذلك، انتهى. ولو سلم أن لفظ الجمع عام يشمل الوقتي والفعلي
كليهما فالروايات الصريحة في جمع التقديم والتأخير معينة للمراد من لفظ الجمع
في الروايات المطلقة، وأن المقصود هو الجمع الوقتي أي: الحقيقي لا الصوري
أي: الفعلي. ومما يرد الحمل على الجمع الصوري جمع التقديم الآتي ذكره في
الفصل الثاني.
قال الحافظ: وفي هذه الأحاديث أي: أحاديث الجمع الحقيقي الصريحة
المفسرة تخصيص لحديث الأوقات، التي بينها جبريل للنبي وَله، وبينها النبي وَل
للأعرابي حيث قال في آخرها: ((الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنٍ))، انتهى. وبهذا يندفع ما
قيل: إن هذه الصلوات عرفت مؤقتة بأوقاتها بالدلائل المقطوع بها من الكتاب
والسنة والإجماع، فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها بخبر الواحد؛ لأن خبر الواحد لا
٤٤٣
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
EE
يقبل في معارضة الدليل المقطوع به؛ لأن أحاديث الأوقات عامة، وأحاديث
الجمع خاصة بالسفر، ولا تعارض بين العام والخاص، فتحمل أحاديث الأوقات
على ما عدا حالة السفر. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) من طريق عكرمة عن ابن عباس.
قال مَيْرَك: ورواه مسلم بمعناه. قلت: روى مسلم من طريق أبي الزبير عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس: أن رسول اللّه وَلّ جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في
غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت لابن
عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. وأخرج البيهقي الرواية
الأولى (ج٣ ص١٦٤).
١٣٤٩ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ يُصَلِّي فِي
السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِي إِيمَاءَ صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّ الْفَرَائِضَ،
وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ.
[متفق عليه]
الشّرْحُ
١٣٤٩ - قوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) الراحلة من الإبل ما كان منها صالحًا؛ لأن
يرتحل أي: يشد عليه الرحل والقوي منها على الأحمال والأسفار للذكر والأنثى،
والتاء للمبالغة. (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) أي: ولو إلى غير القبلة. قيل: الضمير عائد إلى
((حيث)) أو إلى النبي ◌ََّ، والباء للتعدية، والعائد إلى ((حيث)) محذوف أي: إليه.
وقوله: (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) متعلق بقوله: (يُصَلِّي). ففي حديث عامر بن ربيعة عند
البخاري: رأيت رسول اللّه وَّر، وهو على الراحلة، يسبح يومي برأسه، قبل أي
وجه توجه. قيل: وهو قيد احتراز، فصوب أي: جهة سفره قبلته، فلو صلى إلى
غير ما توجهت به دابته لا يجوز. قال الحافظ: واستدل به على أن جهة الطريق
تكون بدلًا عن القبلة، حتى لا يجوز الانحراف عنها عامدًا قاصدًا لغير حاجة
المسير إلا إن كان سائرًا في غير جهة القبلة، فانحرف إلى جهة القبلة، فإن ذلك لا
(١٣٤٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٠٠)، ومُسْلِم (٣٨٣٧/ ٧٠٠) عَنْهُ فِيهَا، وأَبُو دَاوُد (١٢٢٤)،
والنَّسَائِي (٢٤٤/١).
٤٤٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
SeeK
يضره على الصحيح. وقال ابن قدامة: وقبلة هذا المصلي حيث كانت وجهته، فإن
عدل عنها نظرت، فإن كان عدوله إلى جهة الكعبة جاز؛ لأنها الأصل، وإنما جاز
تركها للعذر، فإذا عدل إليها أتى بالأصل، وإن عدل إلى غيرها عمدًا فسدت
صلاته؛ لأنه ترك قبلته عمدًا. (يُومِي) بياء مبدلة من همزة من أومأ.
قال الطيبي: حال من فاعل يصلي، وكذا على راحلته. (إِيمَاءً) نصب على
المصدرية أي: يشير برأسه إلى الركوع والسجود من غير أن يضع جبهته على ظهر
الراحلة، وكان يومي للسجود أخفض من الركوع تمييزًا بينهما، وليكون البدل على
وفق الأصل، وقد وقع ذلك صريحًا في حديث جابر الآتي في الفصل الثاني.
(صَلَاةَ اللَّيْلِ) مفعول يصلي. وفِيه: أن المراد بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
شَطْرَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٤] الفرائض. (إِلّا الْفَرَائِضَ) مستثنى من صلاة الليل أي: لكن
الفرائض. فلم يكن يصليها على الراحلة، فالاستثناء منقطع لا متصل؛ لأن المراد:
خروج الفرائض من الحكم ليلية أو نهارية .
(وَيُوتِرُ) بعد فراغه من صلاة الليل. (عَلَى رَاحِلَتِهِ) قال ابن الملك: يدل على
عدم وجوب الوتر يعني؛ لأنه لو كان واجبًا لما جازت صلاته على الدابة. قلت:
الحديث نص في جواز الوتر على الدابة في السفر، وهو من علامات عدم وجوب
الوتر. واختلف فيه أهل العلم، فقال مالك والشافعي وأحمد: بجوازه، وهو مروي
عن علي وابن عمر وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري. وقولهم هو الحق. وقال
أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز الوتر إلا على الأرض، كما في الفرائض وهو خلاف
السنة الثابتة. قال محمد بن نصر المروزي في كتاب ((الوتر)) بعد رواية الأحاديث
والآثار الدالة على جواز الوتر على الدابة ما لفظه: وزعم النعمان يعني: أبا حنيفة
أن الوتر على الدابة لا يجوز خلافًا لما روينا. واحتج له بعضهم بحديث رواه عن
ابن عمر: أنه نزل عن دابته فأوتر بالأرض. فيقال لمن احتج بذلك: هذا ضرب من
الغفلة، هل قال أحد: لا يحل للرجل أن يوتر بالأرض؟ إنما قال العلماء: لا بأس
أن يوتر على الدابة، وإن شاء أوتر بالأرض، وكذلك كان ابن عمر يفعل ربما أوتر
على الدابة، وربما أوتر على الأرض، أي: طلبًا للأفضل. وعن نافع أن ابن عمر
كان ربما أوتر على راحلته، وربما نزل. وفي رواية: كان يوتر على راحلته، وكان
٤٤٥
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
HERE
ربما نزل، انتهى.
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((التعليق الممجد)) (ص١٣١): أخذ أصحابنا
يعني: الحنفية بالآثار الواردة بنزول ابن عمر للوتر، وشيدوه بالأحاديث المرفوعة
في نزوله مَّة للوتر. وقال المجوزون لأدائه على الدابة: إنه لا تعارض هاهنا، إذ
يجوز أن يكون النبي وَلّ فعل الأمرين، فأحيانا أدى الوتر على الدابة، وأحيانًا على
الأرض، واقتدى به ابن عمر. ويؤيده ما أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
عن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن نافع قال: كان ابن عمر يوتر على الراحلة،
وربما نزل فأوتر على الأرض. وذكر الطحاوي بعد ما أخرج آثار الطرفين: الوجه
في ذلك عندنا أنه قد يجوز أن يكون رسول اللّه وَ ل كان يوتر على الراحلة قبل أن
يحكم بالوتر، ويغلظ أمره، ثم أحكم بعد ولم يرخص في تركه، ثم أخرج حديث:
(إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَم ... )) إلخ من حديث خارجة وأبي
بصرة، ثم قال: فيجوز أن يكون ما روى ابن عمرَ عن رسول اللّه وَلّل من وتره على
الراحلة كان منه قبل تأكيده إياه، ثم نسخ ذلك، انتهى.
وفيه نظر لا يخفى؛ إذ لا سبيل إلى إثبات النسخ بالاحتمال ما لم يعلم ذلك بنص
وارد في ذلك، انتهى كلام الشيخ اللكنوي. وفي الحديث: جواز التنفل على
الراحلة في السفر، وهو مما أجمع عليه المسلمون. قال الشوكاني: جواز التطوع
على الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده إجماع كما قال النووي والعراقي والحافظ
وغيرهم، وإنما الخلاف في جواز ذلك في الحضر، فجوزه أبويوسف وأبوسعيد
الأصطخري من أصحاب الشافعي وأهل الظاهر. وقال ابن حزم: وقد روينا عن
إبراهيم النخعي قال: كانوا يصلون على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت، قال:
وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين عمومًا في الحضر والسفر.
قال النووي: وهو محكي عن أنس بن مالك. قال العراقي: استدل من ذهب إلى
ذلك بعموم الأحاديث التي لم يصرح بذكر السفر، وهو ماش على قاعدتهم أنه لا
يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل على كل منهما. فأما من يحمل المطلق على
المقيد، وهم الجمهور فحملوا الروايات المطلقة على المقيدة. وظاهر الأحاديث
عدم الفرق بين السفر الطويل والقصير؛ لأن الروايات ليس فيها شيء من التحديد،
٤٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
فوجب الامتثال بالعموم، وإليه ذهب الشافعي وجمهور العلماء، أبو حنيفة
وصاحباه وأحمد وداود وغيرهم، وذهب مالك إلى أنه لا يجوز إلا في سفر يقصر
في مثله الصلاة؛ لأن الروايات التي حكاها ابن عمر وغيره وردت فيما يقصر فيه
الصلاة، وهو محكي عن الشافعي لكنها حكاية غريبة، انتهى.
وقال الحافظ: قد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار، إلا أن أحمد
وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة. والحجة لذلك
حديث الجارود بن أبي سبرة عن أنس: أن النبي و لو كان إذا أراد أن يتطوع في السفر
استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث وجهت ركابه. أخرجه أبو داود وأحمد
والدار قطني، انتهى.
وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج١ ص٤٣٦): وإن كان يعجز عن استقبال القبلة
في ابتداء الصلاة كراكب راحلة لا تطيعه، أو كان في قطار أي: جماعة الإبل التي
تربط بعضها ببعض، فليس عليه استقبال القبلة في شيء من الصلاة، وإن أمكنه
افتتاحها إلى القبلة تخرج فيه روايتان :
إحداهما: يلزمه لرواية أنس عند أحمد وأبي داود: أنه ظلَّ استقبل بناقته
القبلة، فكبر، والثانية: لا يلزمه؛ لأنه جزء من أجزاء الصلاة أشبه سائر أجزائها،
والحديث يحمل على الفضيلة والندب، انتهى. وكان السر فيما ذكر من جواز
التطوع على الدابة في السفر تحصيل النوافل على العباد وتكثيرها؛ تعظيمًا
لأجورهم رحمة من الله بهم. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: الوتر في
السفر، وأخرجه أيضًا مالك وأحمد وأبو داود والنسائي والطحاوي والبيهقي (ج٢
ص٥، ٤٩١).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
٤٤٧
الفصل الثاني
١٣٥٠ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ قَصَرَ
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] {ضعيف}
الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ.
الشَّرْحُ
١٣٥٠ - قوله: (كُلَّ ذَلِكَ) إشارة إلى ما ذكر بعده من القصر والإتمام (وَكُلَّ)
مفعول قوله: (قَدْ فَعَلَ)) أو مبتدأ على حذف العائد أي: كل ذلك فعله. قال الطيبي:
ذلك إشارة إلى أمر مبهم له شأن لا يدرى إلا بتفسيره. وتفسيره قولها طّنا: (قَصَرَ
الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَتَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعُ
مُصْبِحِينَ ﴾ [الحجر: ٦٦]، تعني: كان رسول اللّه وَ ل يقصر الرباعية في السفر ويتمها.
والحديث قد احتج به القائلون بعدم وجوب القصر في السفر، لكنه ضعيف جدًّا؛
لأن في سنده طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي، وهو متروك ليس بشيء،
واحتجوا أيضًا بما روى الدار قطني (ص ٢٤٢) والبيهقي (ج ٣: ص ١٤١) من طريقه
عن عائشة: أن النبي ◌َّ كان يقصر في السفر، ويتم، ويفطر، ويصوم. قال
الدار قطني: إسناده صحيح.
وأجيب عنه: بأنه حديث فيه كلام لا يصلح للاحتجاج. قال الحافظ في
((التلخيص)) (ص١٢٨): قد استنكره أحمد، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت
تتم، وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان، كما في الصحيح، فلو كان عندها من
النبي ◌َّله رواية لم يقل عروة: إنها تأولت، وقد ثبت في ((الصحيحين)) خلاف
ذلك، انتهى. وقال ابن القيم في ((الهدي)) (ج١: ص١٢١) بعد ذكر هذا الحديث:
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول اللّه وَل، انتهى.
(١٣٥٠) البَغَوِيُّ (١٠٢٣) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ).
٤٤٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واحتجوا أيضًا بما روى النسائي والدارقطني (ص٢٤٢) والبيهقي (ج٣
ص١٤٢) عن عائشة أيضًا قالت: خرجت مع النبي وّ في عمرة في رمضان،
فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقالت: بأبي وأمي! أفطرت وصمت، وقصرت
وأتممت! فقال: ((أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ!))، قال الدارقطني: إسناده حسن. وأجيب
عنه: بأنه أيضًا لا يصلح للاحتجاج. قال في ((البدر المنير)): إن في متن هذا
الحديث نكارة، وهو كون عائشة خرجت معه في عمرة في رمضان، والمشهور:
أنه وَّي لم يعتمر إلا أربع عمر ليس منهن شيء في رمضان، بل كلهن في ذي القعدة
إلا التي مع حجته، فكان إحرامها في ذي القعدة، وفعلها في ذي الحجة، قال:
هذا هو المعروف في ((الصحيحين)) وغيرهما. وقد تمحل بعض الحفاظ في
الجواب عن هذا الإشكال، واعترض عليه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الأحد
المقدسي في كلام له على هذا الحديث، وقال: وهم في هذا غير موضع، وذكر
أحاديث في الرد عليه. وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه، وطعن فيه.
وقال ابن القيم في ((الهدي)) (ج١ ص١٣٣) بعد ذكر هذا الحديث: سمعت شيخ
الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة تصلي
بخلاف صلاة رسول اللّه وَ له وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي
وحدها بلا موجب. كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة
الحضر، وأقرت صلاة السفر فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله، وتخالف
رسول اللَّهِ وَله وأصحابه؟ وإذا كان النبي وَّ قد حسن فعلها، وأقرها عليه فما
للتأويل - يعني: ما تقدم ذكره في كلام الحافظ في ((التلخيص)) - حينئذٍ وجه، ولا
يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن
رسول اللَّه ◌ِوَ ل﴾ لم يكن يزيد في السفر على ركعتين، ولا أبو بكر، ولا عمر، أفيظن
بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون؟ وأما بعد موته والخير، فإنها
أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلاً، والحجة في روايتهم لا في تأويل
الواحد منهم مع مخالفة غيره له، انتهى. وبالجملة: فلم يثبت عنه ◌َّر، أنه أتم
الرباعية في سفره البتة، بل لازم القصر في جميع أسفاره، فعلى المسلم أن يلازم
القصر في السفر، كما لازمه وَ لَه. (رَوَاهُ) أي: صاحب ((المصابيح)). (فِي شَرْحٍ
السُّنَّةِ) وأخرجه أيضًا الشافعي والدار قطني (ص٢٤٢) والبيهقي (ج٣ ص ١٤٢)،
وفي سنده طلحة بن عمرو، وهو متروك، فالحديث ضعيف جدًّا.
٤٤٩
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٣٥١ - [١٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َل
وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِي عَشْرَةً لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ،
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
يَقُولُ: (يَا أَهْلَ الْبَلَدِ، صَلَّوا أَرْبَعًا، فَإِنَّا سَفْرٌ)).
الشَّرْجُ
١٣٥١ - قوله: (غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ وََّ﴾ أي: غزوات. (الْفَتْحَ) أي: فتح مكة .
(فَأَقَامَ) أي: مكث. (ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً) أي: مع أيامها، وما كان نوى الإقامة بمكة
هذه المدة من أول الأمر بل كان مترددًا متى تهيأ فراغ حاجته ارتحل كما تقدم،
فامتد مكثه بمكة لذلك. (لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنٍ) في الرباعية. (يَقُولُ) بعد تسليمة
خطابًا لمن اقتدى به من أهل مكة: (يَا أَهْلَ الْبَلَدِ، صَلَّوا أَرْبَعًا) أي: لا تقصروا
صلاتكم بل أتموها أربعًا. (فَإِنَّا) قوم. (سَفْرٌ) بفتح السين وسكون الفاء. جمع
سافر، كركب وراكب وصحب وصاحب، أي: إني وأصحابي مسافرون، فنقصر
الصلاة الرباعية من أجل السفر، وأنتم مقيمون فلا تقصروها بل أتموها. قال
الطيبي: الفاء هي الفصيحة لدلالتها على محذوف هو سبب لما بعد الفاء، أي:
صلوا أربعًا، ولا تقتدوا بنا فإنا سفر، كقوله تعالى: ﴿فَأَنْفَجَرَتْ﴾ أي: فضرب
فانفجرت، انتهى.
وفي الحديث: دليل على أن المسافر إذا كان إمامًا للمقيمين وسلم على ركعتين
في الرباعية يتم المقيمون صلاتهم كإتمام أهل مكة، وهذا إجماع، ويستحب له أن
يقول بعد التسليم للمقتدين به: أتموا صلاتكم اتباعًا لفعله وَّ. قال ابن عبد البر:
لا خلاف علمته فيما بينهم أن المسافر إذا صلى بمقيمين ركعتين وسلم فأتموا
لأنفسهم.
وقال الشوكاني: جواز ائتمام المقيمين بالمسافر مجمع عليه. واختلف في
العكس، فذهب طاوس وداود والشعبي وغيرهم إلى عدم الصحة؛ لقوله وقال: ((لَا
(١٣٥١) أَبُو دَاوُد (١٢٢٩)، وَالتِّرْ مِذِي (٥٤٥) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.
٤٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
es
تَخْتَلِفُوا عَلَى إِمَامِكُمْ))، وقد خالف في العدد والنية، وذهب الحنفية والشافعية: إلى
الصحة إذ لم تفصل أدلة الجماعة، ويدل للجواز ما أخرجه أحمد في ((مسنده)) عن
ابن عباس: أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعًا إذا ائتم بمقيم؟
فقال: تلك السنة. وفي لفظ: قال له موسى بن سلمة: إنا إذا كنا معكم صلينا
أربعًا، وإذا رجعنا صلينا ركعتين! فقال: تلك سنة أبي القاسم وَّله. وقد أورد
الحافظ هذا الحديث في ((التلخيص)) (ص ١٣٠) ولم يتكلم عليه، انتهى.
وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)): اختلفوا في المسافر يصلي وراء مقيم، فقال
مالك وأصحابه: إذا لم يدرك معه ركعة تامة صلى ركعتين، فإن أدرك معه ركعة
بسجدتيها صلى أربعًا. وذكر الطحاوي: أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قالوا:
يصلي صلاة المقيم وإن أدركه في التشهد، وهو قول الثوري والشافعي، انتهى.
قلت: وهو مذهب الإمام أحمد كما في ((المغني)) (ج١ ص٢٨٤) وغيره من كتب
فروع الحنابلة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٣ ص ١٥٧) من طريق أبي داود وأخرجه
أيضًا هو (ج ٣ص ١٣٥، ١٣٦، ١٥٣) والترمذي بنحوه مطولًا، وقال الترمذي:
حديث حسن صحيح.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٢٩): إن الترمذي حسن هذا الحديث،
ولكن نقل المنذري والزيلعي (ج٢ ص ١٨٧) أنه قال: حسن صحيح. والحديث
نسبه أيضًا الزيلعي إلى الطبراني وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وأبي داود
الطيالسي. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة،
وقال الحافظ: هو ضعيف، وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده، ولم يعتبر
الاختلاف في المدة، كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على
الأسانيد دون السياق، انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): علي بن زيد عند الترمذي صدوق، كما في
((الميزان)) وغيره، فلأجل ذلك حسنه وصححه، على أن لهذا الحديث شواهد،
و کم من حديث ضعيف قد حسنه الترمذي لشواهده، انتهى.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
ae
٤٥١
١٣٥٢ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ الظَّهْرَ فِي
السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِّ وََّ فِي
الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ،
وَصَلَّيْتُّ مَعَهُ فِيَ السَّفَرِ الظَّهْرَ رَكْعَتَيْنٍ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ،
وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَالْمَغْرِبَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءَ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ،
وَلَايَنْقُصُ فِي حَضَرٍ وَلَاسَفَرٍ ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ ، وبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٣٥٢- قوله: (الظُّهْرَ) أي: صلاته. (فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ) أي: فرضًا.
(وَبَعْدَهَا) أي: بعد صلاة الظهر. (رَكْعَتَيْنٍ) أي: سنة الظهر. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: عن
ابن عمر. (الظّهْرَ) أي: فرضه. (أَرْبَعًا) أي: أربع ركعات. (وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا) أي:
بعد صلاة العصر. (شَيْئًا) لكراهة التطوع بعدها. (وَالْمَغْرِبَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ
سَوَاءً) حال أي: مستويا عددها فيهما وقوله. (ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ)) بيان لها. (لَا يَنْقُصَِ
فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ) على البناء للفاعل أي: شيء منها، يعني: لا ينقص رسول الله
وَّ- المغرب عن ثلاث ركعات في الحضر ولا في السفر؛ لأن القصر منحصر في
الرباعية .
(وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ) جملة حالية كالتعليل؛ لعدم جواز النقصان، قاله الطيبي.
(وَبَعْدَهَا) أي: بعد صلاة المغرب. (رَكْعَتَيْنٍ) أي: سنة المغرب. والروايتان تدلان
على جواز الإتيان بالرواتب في السفر، وقد تقدم الكلام فيه مفصلًا. (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ) الرواية الأولى: من طريق حجاج بن أرطاة عن عطية عن ابن عمر.
والثانية المطولة: من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطية ونافع عن
ابن عمر، وقد حسن الترمذي الروايتين جميعًا، وإنما حسن الرواية الأولى - أي:
المختصرة - مع أن في سندها حجاج بن أرطاة وعطية، وكلاهما مدلسان، ورویاه
بالعنعنة .
(١٣٥٢) التِّرْمِذِي (٥٥٢) عَنْهُ فِيهَا، وَفِيهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى الفَقِيهُ وَهُوَ سَيِّئُ الحِفْظِ.
٤٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال في ((الميزان)): عطية تابعي شهير ضعيف؛ لأنه قد تابع حجاجًا ابْنُ أبي
ليلى في طريق الرواية الثانية، وكذلك تابع عطيةً نافعٌ فيها، ومحمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى صدوق فقيه، تكلم فيه من قبل حفظه، وحديثه مما يحتج
به إذا تابعه غيره.
١٣٥٣ - [١٢] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ
إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ، جَمَعَ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ
أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظَّهْرَ، حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلُ ذَلِكَ إِذَا
غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ
أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالتِّْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٣٥٣ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوَكَ) غير منصرف على المشهور،
وهو موضع قريب من الشام. (إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ) أي: مالت عن وسط السماء إلى
جانب المغرب أراد به الزوال. (قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ) ظرف لما قبله أو ما بعده. (جَمَعَ
بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ) أي: في المنزل جمع تقديم، بأن قدم العصر فصلاها في وقت
الظهر. (قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ) أي: تزول. (أَخَّرَ الظَّهْرَ) أي: إلى وقت العصر.
(حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ) أي: لوقته فجمع بينهما جمع تأخير، بأن صلى الظهر في وقت
العصر، ثم صلى العصر. (وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلُ ذَلِكَ) أي: مثل ما فعل في الظهر
والعصر. (إِذَا غَابَتٍ) وفي ((المصابيح)): ((إن غابت))، كما في أبي داود، وكذا نقله
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص ٤٥١). (جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) في
المنزل جمع تقديم. (أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ) أي: لوقته. (ثُمَّ يَجْمَعُ) وفي
((المصابيح)): ((ثم جمع)) موافقًا لما في أبي داود، ووقع في ((جامع الأصول)) كما
(١٣٥٣) أَبُو دَاوُد (١٢٢٠)، وَالتِّرْ مِذِي (٥٥٣) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.
٤٥٣
بَابُ صَلَاةِ السَّفْرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
في ((المشكاة)). (بَيْنَهُمَا) أي: جمع تأخير. وفي الحديث: دليل لما ذهب إليه
الشافعي وغيره من جواز الجمع الحقيقي تقديمًا وتأخيرًا. قال ابن حجر المكي:
إنه حديث صحيح، وإنه من جملة الأحاديث التي هي نص لا يحتمل تأويلاً في
جواز جمعي التقديم والتأخير، انتهى. قلت: وفي الباب أحاديث أخرى، وهي
صريحة في الجمع الحقيقي، وسنذكرها. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وأخرجه أيضًا النسائي
والدار قطني (ص ١٥٠) والبيهقي (ج ٣ص ١٦٢، ١٦٣) كلهم من طريق هشام بن
سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٣٠): وهشام لين الحديث، وقد خالف أو ثق
الناس في أبي الزبير، وهو الليث بن سعد. وقال في ((الفتح)) (ج٥ص٥٨٨):
وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك والثوري
وقرة بن خالد وغيرهم، انتهى. قلت: هشام بن سعد المدني أبوعباد صاحب زيد
ابن أسلم، قد استشهد به مسلم في ((الصحيح))، وعلق له البخاري في ((جامعه
الصحيح))، وضعفه ابن معين والنسائي وابن عدي. وقال الساجي: صدوق. وقال
أبو زرعة: محله الصدق، وهو أحب إليَّ من ابن إسحاق. وقال العجلي: جائز
الحديث، حسن الحديث. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صالح، وليس
بمتروك الحديث. وقال أبو داود: هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم.
وقال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد، كذا في ((التهذيب)). وقال في ((البدر
المنير)): قال عبد الحق عن البزار: لم أر أحدًا توقف عن حديثه، انتهى. فحديثه لا
ينحط عن درجة الحسن، وعلى هذا فالحديث المذكور ليس بضعيف، كما تفوه
النيموي، بل هو حسن بلا شك. وأما ما ذكر الحافظ من مخالفته لأصحاب أبي
الزبير، وكأنه يشير إلى أن روايته بجمع التقديم شاذة، ففيه: أنه ليس بين روايته
وبين رواياتهم مخالفة ومعارضة أصلاً، فإن رواياتهم مجملة ساكتة عن بيان كيفية
الجمع، ورواية هشام هذه مفصلة مفسرة، والمفسر قاضٍ على المجمل، فيحمل
هذا على ذاك، وللحديث طريق أخرى عن معاذ بن جبل أخرجها أحمد (ج٥
ص٢٤١، ٢٤٢) والترمذي وأبو داود وابن حبان والدار قطني (ص ١٥٠) والبيهقي
(ج ٣ ص ١٦٣) والحاكم في ((علوم الحديث)) (ص١١٩) بنحوه من رواية قتيبة عن
٤٥٤
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل، وهذا
الطريق قد اضطربت فيه أقوال العلماء، قال في ((البدر المنير)): للحفاظ في هذا
الحديث خمسة أقوال: أحدها: أنه حسن غريب، قاله الترمذي، ثانيها: أنه
محفوظ صحيح، قاله ابن حبان، ثالثها: أنه منكر، قاله أبو داود. حكاه الحافظ في
((التلخيص)) (ص ١٣٠) والمنذري في ((مختصر السنن))، رابعها: أنه منقطع، قاله
ابن حزم، خامسها: أنه موضوع، قاله الحاكم في ((علوم الحديث)) (ص ١٢٠)
وأصل حديث أبي الطفيل في ((صحيح مسلم))، وأبوطفيل ثقة مأمون، انتهى. وقال
الحافظ في ((الفتح)) (ج٥ ص٥٨٨): وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة
عن الليث. وقال في ((التلخيص)) (ص ١٣٠) بعد ذكر هذا الحديث: قال الترمذي:
حسن غريب، تفرد به قتيبة، والمعروف عند أهل العلم: حديث معاذ من حديث
أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ، وليس فيه جمع تقديم. يعني: الذي أخرجه
مسلم .
وقال أبو داود: هذا حديث منكر، وليس في جمع التقديم حديث قائم. وقال
أبو سعيد بن يونس: لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط فيه فغير
بعض الأسماء، وأن موضع يزيد بن أبي حبيب أبو الزبير. وقال ابن أبي حاتم في
((العلل)) عن أبيه: لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في
حديث، وأطنب الحاكم في ((علوم الحديث)) في بيان علة هذا الخبر، فليراجع
منه، وحاصله: أن البخاري سأل مع من كتبته؟ فقال: مع خالد المدائني، قال
البخاري: كان خالد المدائني يدخل على الشيوخ يعني: يدخل في روايتهم ما ليس
منها، وأعله ابن حزم: بأنه معنعن ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل، ولا يعرف
له عنه رواية، انتهى كلام الحافظ.
قلت: الكلام الذي عزاه الحافظ لأبي داود ليس في ((سننه))، بل الذي فيها لم
يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده، ولم يقم دليل على ما قيل من أن قتيبة أو غيره من
الرواة غلط في هذا الحديث فغير بعض الأسماء، وقد راجعنا علوم الحديث
للحاكم، فوجدنا أنه قد أفرط في الكلام على هذا الحديث فحكم بكونه موضوعًا،
ولم يأت بشيء يؤيد قوله، والحق: أن الحديث على شرط الصحيح.
٤٥٥
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
قال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)): وما أحسن ما قال، وقد
أسرف الحاكم أبوعبد الله في ((علوم الحديث)) فزعم أنه موضوع، مع أنه اعترف
بأن رواته أئمة ثقات وعلل ذلك بأنه شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نعلله بها،
وأطال القول في ذلك بما لا طائل تحته، والحديث حديث صحيح ليست له علة،
وقد صححه أيضًا ابن حبان كما تقدم، وليس الشاذ ما انفرد به الثقة، إنما الشاذ أن
يخالف الراوي غيره ممن هو أحفظ منه وأقوى، انتهى. ويؤيد ذلك ما روى
الحاكم (ص١١٩) عن الشافعي أنه قال: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما
لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس،
هذا الشاذ من الحدیث، انتهى.
وقد رَدَّ أيضًا على الحاكم ابنُ القيم في ((الهدي)) (ج١ ص١٣٦) فقال: حكمه
بالوضع على هذا الحديث غير مسلّم، قال: وإسناده على شرط الصحيح وفي جمع
التقديم أحاديث أخرى فمنها: حديث ابن عباس، أخرجه أحمد (ج١ ص٣٦٨،
٣٦٩) والدار قطني (ص١٤٩) والبيهقي (ج ٣ ص١٦٣) من طريق حسين بن عبد الله
عن عكرمة وكريب عن ابن عباس مرفوعًا، وذكره أبو داود تعليقًا، والترمذي في
بعض الروايات عنه، وحسين بن عبد الله الهاشمي ضعفه جماعة. وقال ابن أبي
مريم عن ابن معين: ليس به بأس يكتب حديثه. وقال ابن عدي: أحاديثه يشبه
بعضها بعضًا، وهو ممن يكتب حديثه، فإني لم أجد في حديثه منكرًا، قد جاوز
المقدار .
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٣٠): يقال: إن الترمذي حسن هذا الحديث،
وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده، لكن له طريق أخرى
أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحماني في ((مسنده)) عن أبي خالد الأحمر عن
الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وله طريق أخرى أيضًا أخرجها
إسماعيل القاضي في ((الأحكام)) عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه، عن سليمان
ابن بلال عن هشام بن عروة عن کریب عن ابن عباس بنحوه، وله طريق أخرى أيضًا
أخرجها أحمد (ج١ ص٢٤٢) من رواية حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس
قال: لا أعلمه إلا قد رفعه، قال: كان إذا نزل منزلاً ... الحديث. ونسبه الحافظ
في ((الفتح)) للبيهقي وقال: رجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، حيث قال: ولا
٤٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أعلمه مرفوعًا، والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزومًا
بوقفه، ولابن عباس حديث آخر، ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢
ص١٥٩، ١٦٠) وعزاه للطبراني في ((الأوسط)) وقال: فيه أبو معشر نجيح، وفيه
کلام کثیر، وقد وثقه بعضهم، انتهى.
ومنها: حديث عليٌّ، أخرجه الدارقطني (ص ١٥٠) وفي إسناده، كما قال
الحافظ: من لا يعرف، وفيه أيضًا المنذر بن محمد القابوسي، وهو ضعيف. وقال
الدارقطني: مجهول، وأخرج عبد الله بن أحمد في ((زيادات المسند)) (ج١
ص١٣٦) بإسناد آخر: أن عليًّا كان يسير حتى إذا غربت الشمس وأظلم نزل فصلى
المغرب، ثم صلى العشاء على أثرها ثم يقول: هكذا رأيت رسول اللّه ◌َ ل يصنع.
قال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على المسند»: إسناده صحيح. ومنها: حديث
أنس أخرجه جعفر الفريابي والبيهقي في كتاب ((المعرفة))، وفي ((السنن الكبرى))
(ج٣ ص ١٦٢) والإسماعيلي وأبونعيم في ((مستخرجه)) على مسلم كلهم من طريق
إسحاق بن راهويه عن شبابة عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس قال: ((كان
رسول اللَّه وَليه إذا كان في سفر فزالت الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم
ارتحل))، وأعل بتفرد إسحاق ابن راهويه، وليس ذلك بقادح، فإنه إمام حافظ، قاله
الحافظ في ((الفتح)).
وقال في ((التلخيص)) (ص١٣٠) بعد ذكر الحديث: وإسناده صحيح، قاله
النووي، وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق ولكن له متابع، رواه الحاكم في
((الأربعين)) له عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسحاق الصغاني
عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة، عن عقيل عن ابن شهاب، وهو في
((الصحيحين)) من هذا الوجه، وليس فيه: و((العصر))، وهي زيادة غريبة صحيحة
الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي، وتعجب من الحاكم كونه
لم يورده في ((المستدرك))، انتهى.
وقال في ((الفتح)): قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هكذا وجدته بعد التتبع في
نسخ كثيرة من ((الأربعين)) بزيادة: ((العصر))، وسند هذه الزيادة جيد، انتهى. قلت
- قائله الحافظ - وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه إن كانت ثابتة، لكن
٤٥٧
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
في ثبوتها نظر؛ لأن البيهقي أخرج في ((السنن الكبرى)) (ج ٣ ص١٦١) هذا الحديث
عن الحاكم بهذا الإسناد مقرونًا برواية أبي داود عن قتيبة. وقال: إن لفظهما سواء
إلا أن في رواية قتيبة: كان رسول اللّه ◌َله ... وفي رواية حسان: أن رسول اللَّهُ وَل
كان ...
وله طريق أخرى رواها الطبراني في ((الأوسط))، ذكرها الحافظ في ((التلخيص))
(ص١٣٠، ١٣١) بسندها ومتنها، ثم نقل عن الطبراني أنه قال: تفرد به يعقوب بن
محمد. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٢ ص ١٦٠) بعد عزوه إلى الطبراني:
ورجاله موثقون، انتهى. هذا وقد ظهر بما ذكرنا من أحاديث جمع التقديم
ومتابعاتها وَهْنُ ما حكي عن أبي داود أنه قال: ليس في جمع التقديم حديث قائم،
وتحقق قوة وصحة ما قاله الشوكاني في ((النيل)): من أن بعضها صحيح وبعضها
حسن، وذلك يرد قول أبي داود: ليس في جمع التقديم حديث قائم، انتهى. وأما
جمع التأخير، فقد ورد فيه أحاديث كثيرة صحيحة صريحة مخرجة في
((الصحيحين)) وغيرهما. فمنها: حديث أنس قال: ((كان النبي ◌َّ إذا ارتحل قبل أن
تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن
يرتحل صلى الظهر ثم ركب)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((حتى يدخل أول
وقت العصر، ثم يجمع بينهما)). ومنها: حديث أنس أيضًا: ((أن النبي ◌َّ إذا عجل
عليه السفر يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما ويؤخر المغرب، حتى
يجمع بينها وبين العشاء حین یغیب الشفق))، رواه مسلم.
ومنها: ما روي عن نافع أن ابن عمر كان إذا جدَّ به السير جمع بين المغرب
والعشاء بعد أن يغيب الشفق، ويقول: إن رسول اللّه وَ له: ((كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ
جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ)). رواه مسلم.
ومنها: حديث جابر: ((أن رسول اللَّه ◌َلّ غابت له الشمس بمكة، فجمع بينهما
بسرف)). رواه أبو داود والنسائي. وهذه الروايات صريحة في الجمع في وقت
إحدى الصلاتين، وفيها: إبطال تأويل الحنفية في قولهم: إن المراد بالجمع الجمع
الصوري، أي: الفعلي يعني: تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية إلى أول
وقتها، وأما ما يذكر من الروايات المخرجة في غير ((الصحيحين)) الدالة على
الجمع الصوري فهي لا توازي روايات ((الصحيحين)).
٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٥٤ - [١٣] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ
يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ فَكَبَّرُّ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {حسن}
الشّرْجُ
١٣٥٤ - قوله: (إِذَا سَافَرَ) سفرًا قصيرًا أو طويلًا، وقيل: المراد السفر
الشرعي. (وَأَرَادَ) وفي أبي داود: ((فأراد)). (أَنْ يَتَطَوَّعَ) أي: يتنفل راكبًا والدابة
تسير. (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ) وفي أبي داود: ((استقبل بناقته القبلة)) أي: ليحصل
استقبال القبلة وقت افتتاح الصلاة. (فَكَبَّرَ) أي: للتحريمة عقب الاستقبال. (ثُمَّ
صَلَّى) أي: ثم استمر في صلاته، قاله ابن حجر. وقال الطيبي: ((ثم)) هاهنا للتراخي
في الرتبة، ولما كان الاهتمام بالتكبير أشد لكونه مقارنًا بالنية خص بالتوجه إلى
القبلة .
(حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ) أي: ذهب به مركوبه. مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، وفيه
دليل على مشروعية استقبال القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، وقد تقدم الكلام
فيه. قال ابن القيم بعد ذكر هذا الحديث: وفي هذا الحديث نظر، وسائر من
وصف صلاته وَّلَه على راحلته أطلقوا أنها كان يصلي عليها قبل أي: جهة توجهت
به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها كعامر بن ربيعة وعبد الله بن
عمر وجابر بن عبد الله، وأحاديثهم أصح من حديث أنس هذا، انتهى.
قلت: حديث أنس هذا ليس فيه دليل على وجوب استقبال القبلة بالتكبير وقت
افتتاح صلاة التطوع على الراحلة، فيحمل على الندب والفضيلة، كما قال ابن
قدامة، وحينئذٍ فلا مخالفة بينه وبين أحاديث غيره ممن ذكرهم ابن القيم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد والدار قطني (١٥٢) والبيهقي (ج٢ ص٥).
والحديث قد سكت عنه أبو داود والمنذري. وقال في ((التعليق المغني)): الحديث
صحيح الإسناد. قلت: الأمر كما قال صاحب ((التعليق)).
(١٣٥٤) أَحْمَد (٢٠٣/٣)، وَأَبُو دَاوُد (١٢٢٥) فِي التَّطَوُّعِ عَنْهُ.
٤٥٩
بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
E X X
١٣٥٥ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فِي حَاجَةٍ،
فَجِئْتُ وهُويُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَخَّوَ الْمَشْرِقٍ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ
الزَّكُوعِ.
[رواهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٣٥٥ - قوله: (فِي حَاجَتِهِ) وفي ((المصابيح)): في حاجة. وكذا في ((سنن
أبي داود)) والترمذي، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣١٧)
وللبيهقي: لحاجة. (فَجِئْتُ) أي: إليه بعد قضاء الحاجة. (وَهُوَ يُصَلِّي) حال.
(نَحْوَ الْمَشْرِقِ) ظرف، أي: يصلي إلى جانب المشرق، أو حال أي: متوجهًا نحو
المشرق، أو كانت متوجهة إلى جانب المشرق. قال الحافظ في ((الفتح)): وبين في
المغازي أن ذلك كان في غزوة أنمار، وكانت أرضهم قبل المشرق لمن يخرج من
المدينة، فتكون القبلة على يسار القاصد إليهم.
(وَيَجْعَلُ السُّجُودَ) أي: إيماءه إليه، كذا وقع في ((المصابيح)): ويجعل السجودَ.
وفي ((سنن أبي داود)) و((جامع الترمذي)): والسجود أي: بالرفع، وبدون لفظ
(يجعل))، وكذا نقله الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٢ ص ١٥٢) عنهما، و کذا حكاه
المنذري في ((مختصر السنن))، وكذا ذكره المجد ابن تيمية في ((المنتقى))،
والجزري في ((جامع الأصول)). (أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوع) أي: أسفل من إيمائه إلى
الركوع، وفيه: مشروعية التطوع على الدابة في السفر، والإيماء للركوع والسجود
على الدابة، وكون الإيماء للسجود أخفض من الركوع بحيث يفترق به السجود عن
الر کوع، وبهذا قال الجمهور.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه
والدارقطني وابن حبان والبيهقي (ج٢ ص٥) من طرق مختلفة بألفاظ بعضها
مطول، وبعضها مختصر. وقال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي
(١٣٥٥) أَبُو دَاوُد (١٢٢٧) عَنْهُ فِيهَا .