Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رفيقيه المذكورين، وعاش إلى خلافة عمر، فمات سنة (١٥) وقيل قبل ذلك. وزاد
في رواية: ((اللَّهُمَّ أَنْج الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ))، وهو تعميم بعد تخصيص.
(اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وهمزة مفتوحة، وأصلها
الدوس بالقدم سمي بها الإهلاك؛ لأن من يطأ على شيء برجله، فقد استقصى في
إهلاكه، والمعنى خذهم أخذًا شديدًا، ذكره السيوطي. قال السندي: الأقرب أن
المراد هاهنا: العقوبة والبأس، كما يدل عليه آخر الكلام لا الإهلاك كما يدل عليه
أوله. (عَلَى مُضَرَ) بمیم مضمومة وفتح ضاد معجمة، وترك صرف بن نزار بن معد
ابن عدنان، وهو شعب عظيم، فيه قبائل كثيرة كقريش وهذيل وأسد وتميم ومزينة
وغيرهم، والمراد كفار أولاد مضر. (وَاجْعَلْهَا) الضمير للوطأة، أو السنين، أو
للأيام، وإن لم يجر لها ذكر لما يدل عليه المفعول الثاني وهو (سِنِينَ) جمع سنة،
وهو القحط .
(كَسِنِي يُوسُفَ) أي: كسني أيام يوسف ظلَّ من القحط العام في سبعة أعوام،
فالمراد بسني يوسف ما وقع في السنين السبع، كما وقع في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِى
مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ سَيْعٌ شِدَادٌ﴾ وقد بين ذلك في حديث ابن مسعود عند البخاري حيث
قال: ((سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ))، وأضيفت إليه لكونه الذي أنذر بها، أو لكونه الذي قام
بأمور الناس فيها، وشبه بها لتشديد القحط واستمراره زمانًا، وإجراء سنين مجرى
المذكر السالم في الإعراب بالواو والياء وسقوط النون بالإضافة شائع. وقال
القسطلاني: فيه شذوذان: تغيير مفرده من الفتح إلى الكسر، وكونه جمعًا لغير
عاقل، وحكمه أيضًا مخالف لجموع السلامة في جواز إعرابه كمسلمين،
وبالحركات على النون وكونه منونًا وغير منون، منصرفًا وغير منصرف، انتهى.
(يَجْهَرُ بِذَلِكَ) أي: بالدعاء المذكور، وفي الحديث: جواز الدعاء في قنوت غير
الوتر؛ لضعفة المسلمين بتخليصهم من الأسر، ويقاس عليه جواز الدعاء لهم
بالنجاة من كل ورطة يقعون فيها من غير فرق بين المستضعفين وغيرهم، وفيه:
جواز الدعاء على الكفار بالجدب والبلاء، وفيه: مشروعية الجهر بالقنوت للنازلة،
وفيه: أن الدعاء لقوم بأسمائهم، وأسماء آباءهم لا يقطع الصلاة، وأن الدعاء على
الكفار والظلمة لا يفسدها: (وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضٍ صَلَاتِهِ) زاد في رواية للبخاري:

٣٠١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقُنُوتِ
((في صلاة الفجر))، وهو بيان لقوله: ((في بعض صلاته)). قال الحافظ: فيه إشارة
إلى أنه كان لا يداوم على ذلك.
(اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَقُلَانًا لِأَحْيَاءٍ) أي: لقبائل جمع حي بمعنى القبيلة. (مِنَ
الْعَرَبِ) أي: أبعدهم واطردهم عن رحمتك، وهذا لا يستلزم الدعاء بالإماتة على
الكفرة، وسوء الخاتمة، وأراد بـ((فلانًا وفلانًا)) القبائل نفسها لا إعلامًا، خاصة لما
وقع تسميتهم في رواية يونس عن الزهري عند مسلم بلفظ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا
وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ))، وكذا وقع تسميتهم بذلك في حديث ابن عباس الآتي، وسنذكر
قصتهم في شرح حديث أنس. (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) المعنى:
أن اللَّه مالك أمرهم. فإما أن يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو
يعذبهم إن أصروا على الكفر وماتوا عليه، وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت
مبعوث؛ لإِنذارهم ومجاهدتهم، فليس لك من الأمر إلا التفويض والرضى بما
قضى .
١٢٨﴾ [آل عمران:
(الْآيَةَ) بتثليثها، وتمامها: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ
١٢٨] واستشكل هذا بأن قصة رعل وذكوان كانت بعد أحد ونزول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ
اُلْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨] في قصة أحد، كما بينه في حديث أنس عند مسلم وأحمد
والترمذي وغيرهم، وفي حديث ابن عمر عند البخاري وغيره، فكيف يتأخر السبب
عن النزول؟
وأجاب في ((الفتح)) بأن قوله: ((حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ)). منقطع من رواية الزهري عمن
بلغه، كما بين ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة، فقال هنا: قال - يعني:
الزهري - ثم قال: بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت، قال: وهذا البلاغ لا يصح، وقصة
رعل وذكوان أجنبية عن قصة أحد، ويحتمل إن كان محفوظًا أن يقال: إن قصتهم
كانت عقب ذلك، وتأخر نزول الآية عن سببها قليلًا، ثم نزلت في جميع ذلك.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وغيرهما، واللفظ المذكور للبخاري في
تفسير آل عمران.

٣٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٩٧ - [٢] وَعَنْ عَاصِمُ الْأَحْوَلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ عَنِ
الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ، كَانَ قَبْلِّ الرُّكُوعِ أَوبَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ، إِنَّمَا قَنَتَ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا؛ إِنَّهُ كَانَ بَعَثَ أُنَاسًا يُقَالُ لَهُمُ: الْقُرَّاءُ،
سَبْعُونَ رَجُلًا، فَأُصِيبُوا، فَقَنَّتَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ.
[متفق عليه]
الشّرُْ
١٢٩٧ - قوله: (وَعَنْ عَاصِم الْأَحْوَلِ) هو عاصم بن سليمان الأحول أبو
عبد الرحمن البصري، ثقة تابعي، لم يتكلم فيه إلا القطان، وكأنه بسبب دخوله في
الولاية، مات سنة. (١٤٠) وقيل: (١٤١) وقيل: (١٤٢) وقيل: (١٤٣) قال ابن
سعد: كان من أهل البصرة، وكان يتولى الولايات، فكان بالكوفة على الحسبة في
المكائيل والأوزان، وكان قاضيًا بالمدائن لأبي جعفر. (سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ عَنِ
الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ) أي: في صلاة الوتر، هذا هو الظاهر عندي. وقيل: المراد:
في الصلاة المكتوبة عند النازلة.
(كَانَ) أي: محله، (قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ) أي: أنس. (قَبْلَهُ) أي: كان محل
القنوت في الوتر قبل الركوع، والمتن وقع في اختصار من البغوي، وسياقه عند
البخاري قال - أي: عاصم: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: كذب، إنما
قنت رسول اللَّه وَله ... إلخ. وقد وافق عاصمًا على روايته هذه عبد العزيز بن
صهيب عن أنس، كما وقع في المغازي للبخاري بلفظ: سأل رجل أنسًا عن القنوت
بعد الركوع، أو عند الفراغ من القراءة، قال: لا، بل عند الفراغ من القراءة.
(إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَوَ بَعْدَ الرُّكُوع) أي: في المكتوبة عند النازلة. (شَهْرًا)
فقط، وأما في غير المكتوبة - أي: فيَ الوتر - فقنت قبله، يعني: فمن حكى أن
القنوت دائمًا بعد الركوع فقد أخطأ؛ فإنه ◌َّ إنما قنت بعد الركوع شهرًا فقط.
(١٢٩٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٠٢)، ومُسْلِم (٣٠١/ ٦٧٧) عَنْهُ فِي القُنُوتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقُنُوتِ
٣٠٣
(إِنَّهُ) بالكسر استئناف مبين للتعليل للتحديد في الشهر. (كَانَ بَعَثَ) أي: أرسل.
(أَنَاسًا) أي: جماعة من أهل الصفة. (يُقَالُ لَهُمُ: الْقُرَّاءُ)؛ لكثرة قراءتهم،
وحفظهم للقرآن، وتعليمهم لغيرهم.
(سَبْعُونَ) أي: هم سبعون (رَجُلًا) وكانوا من أوزاع الناس، ينزلون الصفة،
يتفقهون العلم، ويتعلمون القرآن، وكانوا ردءًا للمسلمين إذا نزلت بهم نازلة،
وكانوا حقًّا عمار المسجد، وليوث الملاحم، بعثهم رسول اللّه وَلَه إلى أهل نجد
من بني عامر ليدعوهم على الإسلام، ويقرؤوا عليهم القرآن، فلما نزلوا بئر معونة
قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء من بني سليم، وهو رعل وذكوان وعصية
فقاتلوهم. (فَأَصِيبُوا) أي: فقتلوا جميعًا. قيل: ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد
الأنصاري، فإنه تخلص وبه رمق وظنوا أنه مات، فعاش حتى استشهد يوم
الخندق، وأسر عمرو بن أمية الضمري، وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة،
أي: في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد، فحزن رسول اللَّه وَ له حزنًا شديدًا،
قال أنس: ما رأيت رسول اللّه وَلهل وجد على أحد ما وجد عليهم.
(فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ﴾ أي: في الصلوات الخمس. (بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو
عَلَيْهِمْ) أي: على قاتليهم. والحديث: يدل على مشروعية القنوت في النازلة،
وعلى أن القنوت في النازلة بعد الركوع. وأن قنوته ربّيّ في المكتوبة لهذه النازلة
كان محصورًا على الشهر بعد الركوع، وأنه لم يقنت بعد ذلك الشهر؛ لعدم وقوع
نازلة تستدعي القنوت بعده، وأنه لم يقنت في المكتوبة لغير النازلة قط لا قبل
الركوع ولا بعده، كما دل عليه حديث أنس عند ابن خزيمة وحديث أبي هريرة عند
ابن حبان، وقد تقدما .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) للحديث ألفاظ في ((الصحيحين)) وغيرهما، وأخرجه البخاري في
مواضع مطولًا ومختصرًا.

٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الثاني
١٢٩٨ - [٣] عَنِ ابْن عَبَّاسِ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ شَهْرًا مُتَتَابِعًا
فِي الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغَرِبِ، وَّالْعِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ، يَدْعُوعَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ بَنِي سُلَيْم: عَلَى
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَاً (حسن}
رِعْلٍ وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ.
الشَّرْجُ
١٢٩٨ - قوله: (شَهْرًا مُتَتَابِعًا) أي: مواليًا في أيامه، يعني: قنت في كل يوم
منه لم يتركه في وقت. (فِي الظّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْح)
في أبي داود: بعده في دبر كل صلاة، وفيه: دليل على أن القنوت للنوازل لا يختص
ببعض الصلوات، فهو يرد على من خصصه بالجهرية، أو بصلاة الفجر عندها.
(إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: وقال: ((ربنا لك الحمد))، كما ثبت ذلك في
حديث ابن عمر عند البخاري وأحمد. وفيه: أن القنوت للنازلة بعد الركوع.
(مِنْ بَنِي سُلَيْم) مصغر. (عَلَى رِعْل) بدل بإعادة الجار، وهو بكسر الراء وسكون
المهملة، قبيلة مَّن بني سليم. (وَذَكْوَّانَ) بفتح الذال المعجمة، قبيلة من بني سليم
أيضًا. (وَعُصَيَّةَ) كسمية، تصغير عصا، قبيلة أيضًا من بني سليم، فالأول: هو رعل
ابن خالد بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، والثاني: هو ذكوان بن ثعلبة
ابن بهثة بن سليم. والثالث: عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم،
فالثلاثة قبائل من سليم. (وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ) أي: يقول: ((آمين)) من خلفه من
المأمومين.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد والحاكم (ج١ ص٢٢٥ - ٢٢٦) والبيهقي
(ج٢ ص ٢٠٠، ٢١٢) من طريق الحاكم وأبي داود. وزاد الحاكم: أرسل إليهم
يدعوهم إلى الإسلام فقتلوهم. والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الحاكم،
(١٢٩٨) أَبُو دَاوُد (١٤٤٣) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقُنُوتِ
٣٠٥
وذكره الحافظ في ((التلخيص)) من غير كلام فيه. وقال المنذري: في إسناده هلال
ابن خباب أبو العلاء العبدي، وقد وثقه أحمد وابن معين وأبوحاتم الرازي. وقال
أبوحاتم: وكان يقال: تغير قبل موته من كبر السن، وقال العقيلي: في حديثه وهم
تغير بآخره. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره فكان يحدث بالشيء على التوهم
لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، انتهى. وقال الحافظ: أنه صدوق تغير بأخرة.
١٢٩٩ - [٤] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ بِِّ قَنَتَ شَهْرًا، ثُمَّ تَرَكَهُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٩٩ - قوله: (قَنَتَ) أي: في المكتوبة. (شَهْرًا) أي: بعد الركوع. (ثُمَّ
تَرَكَهُ) أي: القنوت في الفرض؛ لأنه قنت في نازلة. كما تقدم، فلما زالت
وارتفعت تركه. وقال الشافعي ومن وافقه: معناه: تركه في الصلوات الأربع ولم
يتركه في الصبح، أو ترك اللعن والدعاء على القبائل، ولا يخفى ما فيه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد ومسلم، ولفظه: ((قنت شهرًا
يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه))، وأخرج بهذا اللفظ أحمد والنسائي
والبيهقي (ج٢ ص ٢٠١) أيضًا.
(١٢٩٩) أَبُو دَاوُد (١٤٤٥)، وَالنَّسَائِي (٢٠٣/٢، ٢٠٤)، وَابن مَاجَهْ (١٢٤٣)، كُلُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ،
وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (٦٧٧ / ٢٩٩) بِدُونِ قَوْلِهِ: ثُمَّ تَرَكَهُ ◌َِل ـ

٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣٠٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ،
إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، وعَلِيٍّ،
هَاهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسٍ سِنِينَ، أَكَّانُوا يَّقْتُونَ؟ قَالَ: أي: بُنَيَّ:
مُحْدَثٌ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] (صحيح)
الشَّرْحُ
١٣٠٠ - قوله: (وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ) اسمه سعد بن طارق الكوفي من
ثقات التابعين، روى عن أبيه وأنس وعبد الله بن أبي أوفي وغيرهم، مات في
حدود الأربعين ومائة، ووالده طارق بن أشيم بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة
وفتح الياء التحتية على وزن أحمر ابن مسعود الكوفي، صحابي، قليل الحديث،
لم يرو عنه إلا ابنه سعد أبو مالك، وأحاديثه في ((مسند أحمد)» (ج٣ ص٤٧٢) و(ج٦
ص٣٩٤ - ٣٩٥). (يَا أَبَتِ) بكسر التاء. (وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ) أي: بالمدينة،
(وَعَلِيٍّ) أي: وصليت خلف علي. (هَاهُنَا بِالْكُوفَةِ) هما ظرفان متعلقان بـ((صليت
خلف علي)) المحذوف. (نَحْوًا) أي: قريبًا. (مِنْ خَمْسٍ سِنِينَ) هذا أيضًا متعلق
بـ((صليت خلف علي)) المحذوف.
(أَكَانُوا يَقْتُنُونَ؟) بإثبات همزة الاستفهام. وفي نسخ ((المصابيح)) بإسقاطها.
واختلفت نسخ الترمذي في ذلك، فبعضها بحذفها وبعضها بإثباتها. وفي رواية ابن
ماجه: ((فكانوا يقنتون في الفجر))، فالسؤال مقدر. (قَالَ) أي: أبي. (أَيْ بُنَيَّ:
مُحْدَثٌ) بفتح الدال أي: القنوت في المكتوبة أو في الفجر بدعة، والمراد: الدوام
والاستمرار عليه، لا القنوت مطلقًا؛ جمعا بين الأحاديث، فهذا يدل على أن
القنوت في المكتوبة كان مخصوصًا بأيام المهام، والنوازل، والوقائع. وقال
البيهقي (ج٢ ص٢١٣): لم يحفظ طارق بن أشيم القنوت عمن صلى خلفه، فرآه
محدثًا وقد حفظه غيره، فالحكم لمن حفظ دون من لم يحفظه، انتهى. وقال غيره:
ليس في هذا الحديث دليل على أنهم ما قنتوا قط، بل اتفق أن طارقًا صلى خلف كل
(١٣٠٠) التِّرْمِذِي (٤٠٢)، وَالنَّسَائِي (٢٠٤/٢)، وَابن مَاجَهْ (١٢٤١) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.

٣٠٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقُنُوتِ
منهم، وأخذ بما رأى. ومن المعلوم أنهم كانوا يقنتون في النوازل. وهذا
الحديث: يدل على أنهم ما كانوا يحافظون على قنوت راتب، كذا في نصب الراية
(ج٢ ص ١٣١).
وقال الطيبي: لا يلزم من نفي هذا الصحابي نفي القنوت؛ لأنه شهادة بالنفي،
وقد شهد جماعة بالإثبات مثل الحسن وأبي هريرة وابن عباس، انتهى. يعني: أن
المثبت مقدم على المنفي. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن صحيح. وقال في ((التلخيص)) (ص٩٣):
إسناده حسن. (وَالنَّسَائِيُّ) ولفظه عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: صليت
خلف رسول اللَّه ◌َ ليل فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف
عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت،
ثم قال: يا بني، إنها بدعة، أي: المداومة على القنوت بدعة، وتأنيث الضمير
باعتبار الخبر. (وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣ ص٤٧٢) و(ج٦ ص٣٩٤)
والبيهقي (ج٢ ص ٢١٣) والطحاوي (ج١ ص١٤٦).

٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٣٠١ - [٦] عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى
أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ إِلَّا فِي النِّصْفِ
الْبَاقِي، فَإِذَا كَانَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ يَتَخَلَّفُ، فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ:
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
أَبَقَ أَبيّ.
الشَّرْجُ
١٣٠١ - قوله: (عَنِ الْحَسَنِ) أي: البصري. (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ
النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أي: كان الناس قبل ذلك يصلون في المسجد في رمضان
أوزاعًا متفرقين، كما سيأتي في الفصل الثالث من الباب الذي يلي هذا الفصل،
فجمعهم عمر على أبيٍّ. (فَكَانَ) أي: أبي. (يُصَلَّ بِهِمْ) أي: صلاة التراويح.
(عِشْرِينَ لَيْلَةً) يعني من رمضان. (وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ) أي: في الوتر. (إِلَّا فِي النِّصْفِ
الْبَاقِي) أي: الأخير، وذكره الزيلعي عن أبي داود بلفظ ((الثاني))، وهو الظاهر.
(يَتَخَلَّفُ) أي: أبيُّ عن المسجد. وفي بعض النسخ: ((تَخَلَّفَ)) بالماضي، موافقًا
لما في أبي داود والبيهقي و((جامع الأصول)) (ج٦ ص٢٦٢).
(فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَبَقَ) بفتح الباء من باب ضرب ونصر. (أَبَيُّ) أي: هرب عَنَّا،
يعني لم يدخل المسجد ليصلي بهم التراويح. قال الطيبي: في قولهم: ((أَبَقَ))؛
إظهار كراهة تخلفه، فشبهوه بالعبد الآبق، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلَكِ
اُلْمَشْحُونِ
﴾ [الصافات: ١٤٠] سَمَّى هرب يونس بغير إذن ربه إباقًّا مجازًا، ولعل تخلف
أبي كان تأسيًا برسول اللَّه ◌َ له، حيث صلاها بالقوم ثم تخلف كما سيأتي، والأولى
أن يحمل تخلفه على عذر من الأعذار.
(١٣٠١) أَبُو دَاوُد (١٤٢٩) عنه في الصَّلاة به موقوفًا.

٣٠٩
RFE
بَابُ الْقُنُوتِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
قال ابن حجر: وكان عذره أنه كان يؤثر التخلي في هذا العشر الذي لا أفضل
منه؛ ليعود عليه من الكمال في خلوته فيه ما لا يعود عليه في جلوته عندهم.
والحديث: استدل به للشافعية على تخصيص القنوت في الوتر بالنصف الأخير من
رمضان، لكنه حديث ضعيف؛ لأنه منقطع؛ فإن الحسن لم يدرك عمر لأنه ولد
لسنتين بقيتا من خلافته، ويضعفه أيضًا أن الحسن كان يقنت في جميع السنة، كما
ذكره محمد بن نصر المروزي في كتاب ((الوتر)) (ص٣٢)، ثم هو فِعْل الصحابي
مع أن القنوت في حديث الباب يحتمل كونه طول القيام، فإنه يقال: عليه تخصيصًا
للنصف الأخير بزيادة الاجتهاد، ولم يرو حديث مرفوع صحيح، أو حسن في
تخصيص قنوت الوتر برمضان، وقد تقدم في باب الوتر، ما يدل على مشروعيته في
جميع السنة، فهو الراجح المعول عليه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ومن طريقه البيهقي (ج٢ ص٤٩٨) وهو منقطع، كما تقدم،
وأخرجه أيضًا محمد بن نصر بمعناه، وأصل جمع عمر الناس على أبيّ في ((صحيح
البخاري)) دون القنوت، كما سيأتي. وأخرج أيضًا أبو داود والبيهقي من طريقه عن
هشام، عن محمد بن سيرين، عن بعض أصحابه، أن أبيَّ بن كعب أَمَّهُمْ يعني: في
رمضان، وكان يقنت في النصف الأخير من رمضان، وفيه مجهول. وقال النووي
في ((الخلاصة)): الطريقان ضعيفان .
قال أبو داود: وهذان الحديثان يدلان على ضعف حديث أبي بن كعب، أن
النبي ◌َّ قنت في الوتر، انتهى.
يشير إلى ما قدمنا من حديث أبي بن كعب نقلًا عن النسائي وابن ماجه في إثبات
قنوت الوتر قبل الركوع. قلت: ولا دلالة في هذين الحديثين على ضعف حديث
أبيِّ؛ لأنهما ضعيفان، كما تقدم.

٣١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
١٣٠٢- [٧] وسُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ عَنِ الْقُنُوتِ، فَقَالَ: قَنَتَ
رَسُولُ اللّهِ إِ لّهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ.
[َرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٣٠٢ - قوله: (وَسُئِلَ) بصيغة المجهول. (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) والسائل هو
محمد بن سيرين، كما ستعرف. (عَنِ الْقُنُوتِ) أي: عن محله في المكتوبة، أو في
الصبح عند النازلة. (فَقَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ نَّهَ بَعْدَ الرُّكُوع) أي: شهرًا فقط،
يعني: في المكتوبة، أو في الصبح حين دعا على رعل، وذكَوان، وعصية، كما
تقدم من حديث عاصم الأحول عن أنس. وأصل هذا الحديث عند الشيخين أخرجاه
من طريق أيوب عن محمد بن سيرين، قال: سئل أنس بن مالك: أقنت النبي ◌َّ في
الصبح؟ قال: نعم. فقيل: أَوَقَنَتَ قبل الركوع، أو بعد الركوع؟ قال: بعد الركوع
يسيرًا. لفظ البخاري، ولمسلم عن أيوب عن محمد، قال: قلت لأنس: هل قنت
رسول اللّهِ وَلَه في صلاة الصبح؟ قال: نعم بعد الركوع يسيرًا. (وَفِي رِوَايَةٍ) هذا
حديث آخر، أخرجه ابن ماجه من طريق حميد، عن أنس قال: سئل عن القنوت في
صلاة الصبح، فقال: كنا نقنت قبل الركوع وبعده، والرواية الأولى أخرجها من
طريق أيوب عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت فقال:
قنت رسول اللّه وَليل بعد الركوع، وبهذا ظهر أن الرواية الثانية موقوفة.
(قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ) أي: في الصبح وقت قنوت النازلة. ورواه ابن المنذر عن
حميد عن أنسَ بلفظ: إن بعض أصحاب النبي ◌َّ قنتوا في صلاة الفجر قبل
الركوع، وبعضهم بعد الركوع، وهذا كله يدل على اختلاف عمل الصحابة في
محل القنوت المكتوبة، فقنت بعضهم قبل الركوع، وبعضهم بعده، وأما النبي وَائل
فلم يثبت عنه القنوت في المكتوبة إلا عند النازلة، ولم يقنت في النازلة إلا بعد
الركوع، هذا ما تحقق لي، والله أعلم. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). الرواية الثانية صححها
أبو موسى المديني، كما في ((التلخيص)) (ص٩٤). وقال في ((الزوائد)): إسناده
صحيح ورجاله ثقات.
(١٣٠٢) ابن مَاجَهْ (١١٨٣، ١١٨٤) عنه فیه.

٣١١
كِتَابُ الصَّلاةِ
*seecomes **
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
٣٧ - بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
(بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ) أي: قيام لياليه، وإحيائها بالعبادة من صلاة التراويح،
وتلاوة القرآن وغيرهما، وذكر النووي: أن المراد بقيام رمضان: صلاة التراويح.
قال الحافظ: يعني: أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون
إلا بها. وقال الكرماني: اتفقوا على أن المراد بقيامه: صلاة التراويح، وبه جزم
النووي وغيره، وذكر في الباب قيام ليلة النصف من شعبان تبعًا. والتراويح جمع
ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، كتسليمة من السلام، سميت الصلاة في
الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون
بين كل تسليمتين، كذا في ((الفتح)). وقال المجد في ((القاموس)): ترويحة شهر
رمضان سمیت بها؛ لاستراحة بعد كل أربع ركعات، انتهى.
وروى البيهقي في ((السنن)) (ج ٢ ص٤٩٧) عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ◌ِّلة.
يصلي أربع ركعاتٍ في الليلِ، ثم يتروح، فأطال حتى رحمته، فقلت: بأبي أنت
وأمي يا رسول الله قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: ((أَفَلَا أَكُونُ
عَبْدًا شَكُورًا)). قال البيهقي: قوله: ((ثم يتروح)) إن ثبت، فهو أصل في تروح الإمام
في صلاة التراويح، وفي سنده المغيرة بن زياد الموصلى. قال البيهقي: قد تفرد
به، وهو ليس بالقوي صاحب مناكير. وقال أحمد: مضطرب الحديث منكر
الحديث أحاديثه مناكير. وقال أبوحاتم وأبو زرعة: لا يحتج به، وقال النسائي
والدارقطني: ليس بالقوي، ووثقه ابن معين والعجلي وابن عمار ويعقوب بن
سفيان. وقال أبو داود: صالح. وقال الحافظ: صدوق له أوهام.
واعلم: أن التراويح، وقيام رمضان، وصلاة الليل، وصلاة التهجد في رمضان
عبارة عن شيء واحد، واسم لصلاة واحدة، وليس التهجد في رمضان غير
التراويح؛ لأنه لم يثبت من رواية صحيحة ولا ضعيفة، أن النبي ◌َّ صلى في ليالي
رمضان صلاتين إحداهما: التراويح، والأخرى: التهجد، فالتهجد في غير رمضان
هو التراويح في رمضان، كما يدل عليه حديث أبي ذر وغيره، وإليه ذهب صاحب

٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
((فيض الباري)) من الحنفية حيث قال: المختار عندي: أن التراويح وصلاة الليل
واحد، وإن اختلفت صفتاهما، كعدم المواظبة على التراويح، وأدائها بالجماعة،
وأدائها في أول الليل تارة، وإيصالها إلى السحر أخرى بخلاف التهجد، فإنه كان
في آخر الليل، ولم تكن فيه الجماعة، وجعل اختلاف الصفات دليلًا على اختلاف
نوعیهما ليس بجید عندي، بل كانت تلك صلاة واحدة، إذا تقدمت سميت باسم
التراويح، وإذا تأخرت سميت باسم التهجد، ولا بدع في تسميتها باسمين عند تغاير
الوصفين، فإنه لا حجر في التغاير الاسمي، إذا اجتمعت عليه الأمة، وإنما يثبت
تغاير النوعين، إذا ثبت عن النبي وقال أنه صلى التهجد مع إقامته بالتراويح، انتهى.
قلت: لا شك في أن التراويح والتهجد صلاة واحدة، لكن تخصيص التهجد بكونه
في آخر الليل، فيه: عندي كلام، نعم أكثر صلاته وَّ بالليل كانت في آخره.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
٣١٣
الفصل الأول
١٣٠٣ - [١] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَِّيَّ بَ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي
الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرِ، فَصَلَّى فِيهَا لَّيَالِيَ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَاسٌ، ثُمَّ فَقَدُوا
صَوْتَهُ لَيْلَةً، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَتَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ:
((مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِعِكُمْ، حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ،
ولَوْكُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلَّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ
الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ)).
[متفق عليه]
13 .
الشَّرُْ
١٣٠٣ - قوله: (اتَّخَذَ) أي: في رمضان. (حُجْرَةً) بالراء. قال الحافظ: كذا
للأكثر بالراء، ولأبي ذر عن الكشمهيني: بالزاي أي: شيئًا حاجزًا، يعني: مانعًا
بينه وبين الناس. (فِي الْمَسْجِدِ) أي: في مسجد المدينة (مِنْ حَصِيرٍ) أي: حوَّط
موضعًا من المسجد بحصيرة ليستره، يعني: جعل الحصير كالحجرة ليصلي فيه
التطوع، ولا يمر بين يديه مار؛ ليتوفر خشوعه، ويتفرغ قلبه، وفيه: جواز مثل هذا
إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين ونحوهم، ولم يتخذه دائمًا؛ لأن النبي ◌َّ كان
يحتجره بالليل يصلي فيه، ويبسطه بالنهار، فيجلس عليه، كما في رواية عائشة عند
الشیخین.
(فَصَلَّى فِيهَا) أي: في تلك الحجرة. (لَيَالِيَ) أي: من رمضان. (حَتَّى اجْتَمَعَ)
قال القاري: أي: فكان يخرج عليه الصلاة والسلام منها، ويصلي بالجماعة في
الفرائض، والتراويح حتى اجتمع (عَلَيْهِ نَاسٌ) أي: و کثروا، وقول ابن حجر هاهنا :
فأتموا به موهم أن الاقتداء وقع به، وهو في داخل الحجرة، وهو محل بحث،
ويحتاج إلى نقل صحيح، انتهى كلام القاري. قلت: ظاهر الحديث أنهم اقتدوا
(١٣٠٣) البُخَارِي (٧٣١)، ومُسْلِم (٢١٣/ ٧٨١)، وأبو دَاوُد (١٤٤٧)، والترمذي (٤٥٠)، والنَّسَائِي
(٣/ ١٩٨) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٣١٤
S UESTE
ENDED **
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالنبي وَّر، وهو في داخل الحجرة، ويؤيده رواية البخاري في ((الأدب)) بلفظ:
فخرج رسول اللَّه ◌َّل يصلي فيها قال: فتتبع إليه رجال. أي: طلبوا موضعه،
واجتمعوا عليه، وجاؤوا يصلون بصلاته ... إلخ. ويؤيده أيضًا حديث عائشة عند
البخاري قالت: كان رسول اللّه وَ ل يصلي من الليل في حجرته، أي: التي اتخذها
من حصير، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ◌َّ، فقام أناس
يصلون بصلاته ... الحديث. وقيل: هذه قصة أخرى غير ما وقع في حديث زيد
ابن ثابت، والله أعلم، واستشكل صلاته بَّه في المسجد؛ لأنه يلزم منه أن يكون
تاركًا للأفضل الذي أمر به الناس به حيث قال: ((فَصَلَّوا فِي بِيُوتِكُمْ ... )) إلخ.
وأجيب عنه بوجوه: منها: أن هذه الصلاة مما استثني عنه؛ لأن الأفضل عند
الجمهور في صلاة التراويح المسجد، كما سيأتي.
ومنها: أنه وَل ﴿ كان إذ ذاك معتكفًا، ومن المعلوم أن المعتكف لا يصلي إلا في
المسجد. ومنها: أنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصية. ومنها: أن السبب في
كون صلاة التطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرياء غالبًا، والنبي ◌َّ منزه عن
الرياء في بيته وفي غير بيته، (ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ) أي: حسه. (لَيْلَةً) بأن دخل الحجرة
بعد ما صلى بهم الفريضة، ولم يخرج إليهم بعد ساعة للتراويح، قاله القاري، وفيه
ما تقدم. (فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ) فيه دليل لما اعتيد في بعض النواحي من التنحنح
إشارة إلى الاستئذان في دخوله، أو إلى الإعلام بوجود المتنحنح بالباب، أو بطلبه
خروج من قصده إليه (لِيَخْرُجَ) أي: النبي ◌ََّ من الحجرة. (إِلَيْهِمْ) لصلاة التراويح
بعد أن دخل فيها، كما في الليالي الماضية، قاله القاري. (فَقَالَ) أي: فخرج فقال،
ففي رواية البخاري في الأدب: ((ثم جاؤوا ليلة، فحضروا وأبطأ رسول اللَّه وَلَه
عنهم، فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب، فخرج إليهم
مغضبا))، وقوله: ((حصبوا الباب)) يدل بظاهره على أنه دخل بيتًا من بيوت أزواجه
بعد ما صلى بهم الفريضة، فلم يخرج منه إلى الحجرة التي كان احتجرها في
المسجد بالحصير، فحصبوا باب بيته؛ ليخرج منه إلى حجرة الحصير، فيصلوا
بصلاته من ورائها .

كِتَابُ الصَّلاةِ
*
se
٣١٥
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
(مَا زَالَ بِكُمْ) أي: متلبسًا بكم. (الَّذِي رَأَيْتُ) بكم، خبر زال قدم على الاسم،
وهو الموصول بصلته، أي: أبدًا ثبت بكم الذي رأيت. (مِنْ صَنِيعِكُمْ) قال
الحافظ: كذا للأكثر، وللكشمهيني بضم الصاد وسكون النون، أي: من شدة
حرصكم على إقامة صلاة التراويح بالجماعة، حتى رفعتم أصواتكم، وحصب
بعضكم الباب، وتنحنح بعضكم. (حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ) أي: يفرض (عَلَيْكُمْ)
أي: لو واظبت على إقامتها بالجماعة لفرضت عليكم.
(وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ) ذلك (مَا قُمْتُمْ بِهِ) ولم تطيقوه بالجماعة كلكم بعجزكم. قال
القاري: فيه دليل على أن التراويح سنة، جماعة وانفرادًا، والأفضل في عهدنا
الجماعة لكسل الناس. وقد استشكلت هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء
من أن اللَّه تعالى قال: ((هُنَّ خَمْسٌ، وَهُنَّ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَتَّ))، فإذا أمن
التبديل، فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ وقد أجيب عنه بأجوبة ذكرها الحافظ في
((الفتح)) عن الشراح، وتكلم في كل واحد منها، ثم قال: وقد فتح الباري بثلاثة
أجوبة أخرى :
أحدها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى: جعل التهجد في
المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن
ثابت: ((حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا
النَّاسُ فِي بِيُوتِكُمْ))، فمنعهم من التجميع في المسجد؛ إشفاقًا عليهم من اشتراطه،
وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.
ثانيها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على
الأعيان، فلا يكون زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد
و نحوها .
ثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع في
حديث الباب، أي: حديث عائشة، إن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان بن
حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عند أحمد: ((خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ
قِيَامُ هَذَا الشَّهْر))، فعلى هذا يرتفع الإشكال؛ لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في

٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس، وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في
نظري الأول، انتهى كلام الحافظ. (فَصَلَّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ) أي: النوافل
التي لم تشرع فيها الجماعة، والتي لا تخص المسجد، والأمر للاستحباب.
(فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ) هذا عام لجميع النوافل والسنن، إلا النوافل التي من
شعار الإسلام كالعيد، والكسوف، والاستسقاء. قاله القاري. وقال بعض الأئمة
الشافعية: هو محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا ما لا يخص المسجد
كركعتي التحية. (فِي بَيْتِهِ) خبر إن، أي: صلاته في بيته. (إِلَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ)
أي: المفروضة. قال النووي: إنما حث على النافلة في البيت؛ لكونه أخفى وأبعد
من الرياء؛ وليتبرك البيت بذلك، فتنزل فيه الرحمة، وينفر منه الشيطان. قلت:
والحديث يدل على أن صلاة التراويح في البيت أفضل؛ لأنه ورد في صلاة رمضان
في مسجده وَّ، فإذا كان صلاة رمضان في البيت أفضل منها في مسجده وَلَّه
فكيف غيرها في مسجد آخر؟ وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن صلاة رمضان أي :
التراويح في المسجد أفضل، وهذا يخالف هذا الحديث؛ لأن مورده صلاة
رمضان .
وأجيب عنهم: بأن رسول اللّه وَ له قال ذلك؛ لخشية الافتراض، فإذا زالت
الخشية بوفاته وَ له ارتفعت العلة المانعة، وصار أداؤها في المسجد أفضل، كما
أداها وَّر في المسجد عدة ليال، ثم أجراها عمر بن الخطاب واستمر عليها عمل
المسلمين إلى يومنا هذا؛ لأنه من الشعائر الظاهرة للإسلام، فأشبه صلاة العيد،
وأجاب السندي بأنه يقال: صار أفضل حين صار أداؤها في المسجد من شعار
الإسلام، والله تعالى أعلم.
وفي الحديث: ندب قيام رمضان جماعة؛ لأن الخشية المذكورة أمنت بعد
النبي ◌َّ؛ ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبيّ بن كعب، كما سيأتي.
وفيه: أن الكبير إذا فعل شيئًا خلاف ما اعتاده أتباعه ينبغي أن يذكر لهم عذره،
وحكمه، والحكمة فيه. وفيه: ما كان النبي ◌َّل عليه من الشفقة على أمته، والرأفة
بهم .
وفيه: ترك بعض المصالح لخوف المفسدة، وتقديم أهم المصلحتين.

٣١٧
بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصلاة والأدب والاعتصام، ومسلم في
الصلاة، واللفظ للبخاري في الاعتصام. وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي والبيهقي
(ج٢ ص ٤٩٤).
١٣٠٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ
رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًّا،َ
وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ وَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ،
ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةٍ أَبِي بَكْرٍ ، وصَدْرًا مِنْ خِلَافَةٍ عُمَرَ عَلَى
ذَلِكَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٣٠٤ - قوله: (يُرَغِّبُ) أي: الناس، وهو بضم الياء وفتح الراء وكسر الغين
المعجمة المشددة من الترغيب. (فِي قِيَامِ رَمَضَانَ) أي: يحضهم على قيام لياليه،
مصليًا أي: صلاة التراويح، كما قاله النووي. (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ) أي :
بعزم وقطع وبَتُّ، يعني: بفريضة، وفيه: التصريح بعدم وجوب القيام. قال
النووي: معناه: لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم بل أمر ندب وترغيب، ثم فسره
بقوله: (فَيَقُولُ ... ) إلخ. وهذه الصيغة تقتضي الندب، والترغيب دون الإيجاب،
واجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب بل هو مندوب. (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ)
أي: قام لياليه مصليًا، يعني: صلى التراويح، وقيل: المراد: ما يحصل به مطلق
القيام .
ـيا
(إِيمَانًا) أي: تصديقًا بوعد الله عليه بالثواب. (وَاحْتِسَابًا) أي: طلبًا للأجر
والثواب من غير رياء وسمعة، فنصبهما على المفعول له. وقيل: على الحال
مصدران بمعنى الوصف أي: مؤمنًا بالله، ومصدقًا بأن هذا القيام حق وتقرب
إليه، معتقدًا فضيلته ومحتسبًا بما فعله عند الله أجرًا؛ مريدًا به وجه الله، لا يقصد
رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص. وقيل: منصوبان على التمييز،
(١٣٠٤) مُسْلِم (٧٥٩/٨٧٤) عَنْهُ فِيهَا .

٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
:**
يقال: فلان يحتسب الأخبار أي: يتطلبها، ويقال: احتسب بالشيء أي: اعتد به.
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ) أي: من الصغائر من حقوق الله. وقال الحافظ: ظاهره
يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر.
وقال النووي: المعروف عند الفقهاء أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام
الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة. قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر،
إذا لم يصادف صغيرة، انتهى. وزاد أحمد وغيره ((وما تأخر)). وقال الحافظ: وقد
ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدة أحاديث جمعتها في كتاب مفرد،
وقد استشكلت هذه الزيادة، من حيث أن المغفرة تستدعي سبق شيء يغفر،
والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يغفر؟ والجواب عنه: أنه كناية عن عدم
الوقوع، يعني: يحفظهم الله في المستقبل عن الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة، وقيل :
معناه: أن ذنوبهم تقع مغفورة، وبهذا أجاب جماعة، منهم: الماوردي، في
الكلام على حديث صيام عرفة، وأنه يكفر سنتين سنة ماضية وسنة آتية.
(فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ نَّه) كذا وقع مدرجًا في نفس الخبر عند مسلم والترمذي
وأبي داود، وهو قول الزهري صرح به مالك في ((الموطأ)) والبخاري في ((صحيحه))
ومحمد بن نصر في قيام الليل من رواية مالك. قال الباجي: وهذا مرسل أرسله
الزهري وأدرجه معمر في نفس الحديث، أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود من
طريق معمر عن ابن شهاب. (وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أي: على ترك اهتمام الجماعة
الواحدة في صلاة التراويح، يعني: كانوا يصلون أوزاعًا متفرقين، يصلي الرجل
لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، ويصلي بعضهم في أول الليل،
وبعضهم في آخره، ويصلي بعضهم في بيته، وبعضهم في المسجد، إما لكونهم
معتكفين، أولأنهم من أهل الصفة، أو لغير ذلك. (ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ) أي: أمر صلاة
التراويح. (عَلَى ذَلِكَ) أي: على وفق ما كان زمانه ◌َّ في خلافة أبي بكر، أي: في
جميع زمانها. (وَصَدْرًا) بالنصب عطفًا على خبر كان.
(مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ) أي: في أول خلافته، وصدر الشيء: وجهه وأوله. (عَلَى
ذَلِكَ) أي: ما ذكر، ثم جمعهم عمر على قارئ في المسجد، واهتم بالجماعة
الواحدة، قيل: المراد بصدر من خلافته، السَّنَة الأولى من خلافته؛ لأن بدء

٣١٩
بَابُ قِيَامِ شَهْرٍ رَمَضَانَ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
خلافته في أخرى الجمادين سنة ثلاث عشرة، واستقر أمر التراويح سنة أربع عشرة
من الهجرة في السنة الثانية من خلافته، كما ذكره السيوطي وابن الأثير وابن سعد.
قال الباجي: وإنما أمضاه أبو بكر على ما كان في زمنه وَّرَ، وإن كان قد علم أن
الشرائع لا تفرض بعد النبي ◌َ﴾ لأحد وجهين: إما لأنه شغل بأمر أهل الردة وغير
ذلك من مهمات الأمور، ولم يتفرغ للنظر في جميع أمور المسلمين مع قصر مدة
خلافته، أو لأنه رأى من قيام الناس في آخر الليل وقُوَّتهم عليه، ما كان أفضل عنده
من جمعهم على إمام واحد في أول الليل، ثم رأى عمر أن يجمعهم على إمام
واحد، انتهى مختصرًا. والحديث: يدل على فضيلة قيام رمضان، وتأكد
استحبابه، واستدل به أيضًا على استحباب صلاة التراويح؛ لأن القيام المذكور في
الحديث المراد به صلاة التراويح، كما تقدم عن النووي والكرماني. قال النووي:
واتفق العلماء على استحبابها، قال: واختلفوا في أن الأفضل صلاتها في بيته
منفردًا، أم في جماعة في المسجد فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة
وأحمد وبعض المالكية وغيرهم: إن الأفضل صلاتها جماعة في المسجد، كما
فعله عمر بن الخطاب والصحابة ﴿ه، واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من
الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد، وبالغ الطحاوي فقال: إن صلاة التراويح في
الجماعة واجبة على الكفاية.
وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت،
الحديث زيد بن ثابت المتقدم بلفظ : ((صَلَّوا فِي بِيُوتِكُمْ ... )) إلخ. وقد تقدم الجواب
عنه. وقال الحافظ: عند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: من كان
يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه،
فصلاته في الجماعة والبيت سواء، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة
أفضل، انتهى.
قلت: وهذا هو الراجح عندي، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والبخاري والترمذي وأبو داود ومحمد
ابن نصر والبيهقي (ج٢ ص ٤٩٢). لكن ليس عند البخاري قوله: ((كان يرغب في
قيام رمضان)) إلى قوله: ((بعزيمة))، وأخرجه النسائي وابن ماجه مختصرًا.
BENER