Indexed OCR Text

Pages 241-260

aece
٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَلَا صَلَّى لَيْلَةً) تامة من أولها إلى آخرها. (إِلَى الصُّبْح) قيل: هذا محمول على
علمها، وإلا فقد روي أنه ◌َ ليل أحيا ليله كله صلى فيه حتى الفجر، فقد أخرج النسائي
في باب: إحياء الليل، عن خباب بن الأرت، أنه راقب رسول اللَّه ◌َ ليل في ليلة
صلاها رسول اللَّه وَ لَه كلها حتى كان مع الفجر ... الحديث. (وَلَا صَامَ شَهْرًا
كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ) لا ينافيه ما روي أنه ◌َ لّ كان يصوم شعبان كله؛ لأن المراد: أنه
كان يصوم أكثره. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج٣: ص ٣٠، ج٢: ص ٥٠٠).
١٢٦٦ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((اجْعَلُوا آخِرَ
صَلَائِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٦٦ - قوله: (اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ) أي: تهجدكم فيه. (وِتْرًا) أي:
اجعلوا صلاة الوتر في آخرها، واستدل به على أنه لا صلاة بعد الوتر. وقد اختلف
السلف في ذلك في موضعين: أحدهما: في مشروعية ركعتين بعد الوتر جالسًا،
والثاني: فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل، هل يكتفي بوتره الأول، وليتنفل ما
شاء، أو يشفع وتره بركعة، ثم يتنفل، ثم إذا فعل ذلك يحتاج إلى وتر آخر أَوْ لا؟
فأما الأول، فقد تقدم الكلام فيه. وأما الثاني، فذهب الأكثر وهم الأئمة الأربعة،
والثوري وابن المبارك وغيرهم إلى أنه يصلي شفعًا ما أراد، ولا ينقض وتره عملًا
بقوله وَالَ: ((لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ))، وهو حديث حسن. أخرجه أحمد والترمذي وأبو
داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من حديث طلق بن علي، وجعل هؤلاء الأمر
في حديث ابن عمر للندب.
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز نقض الوتر، وقالوا: يضيف إليها أخرى،
ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته، والأول هو الراجح عندي.
(١٢٦٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٩٩٨)، ومُسْلِم (١٥١ / ٧٥١) عَنْهُ فِيهِ.

٢٤١
بَابُ الْوِتْرِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
*c HeNes s RON
قال الترمذي: واختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل، ثم يقوم من آخره،
فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي وّل ومن بعدهم نقض الوتر، وقالوا:
يضيف إليها ركعة، ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته؛ لأنه لا وتران في
ليلة، وهو الذي ذهب إليه إسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَل
وغيرهم: إذا أوتر من أول الليل، ثم نام، ثم قام من آخره أنه يصلي ما بدا له، ولا
ينقض وتره، ويدع وتره على ما كان، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس
وأحمد وابن المبارك، وهذا أصح؛ لأنه قد روي من غير وجه أن النبي ◌ُّ قد صلى
بعد الوتر، انتهى. وقد بسط الشيخ الكلام في هذه المسألة في شرح الترمذي
وقال: هذا - أي: عدم نقض الوتر - هو المختار عندي، ولم أجد حديثًا مرفوعًا
صحيحًا يدل على ثبوت نقض الوتر، انتهى. واستدل بهذا الحديث لأبي حنيفة
على وجوب الوتر بأن ((اجْعَلُوا)) صيغة الأمر، وأصل الأمر للوجوب. وأجيب عنه
من ثلاثة وجوه :
الوجه الأول: أن أصل الأمر، وإن كان للوجوب، لكنه إذا وجدت قرينة صارفة
عن الوجوب يحمل على غير الوجوب، وقد صرح علماء الحنفية بأن صيغة
((اجْعَلُوا)) في هذا الحديث ليست للوجوب. قال القاري في ((المرقاة)): ((اجعلوا))
أمر ندب، وكذا قال ((صاحب البذل)) (ج٢: ص٣٣٢) ولو سلم أن: ((اجْعَلُوا)) في
هذا الحديث للوجوب، فهو إنما يدل على وجوب جعل الوتر آخر صلاة الليل،
أي: إذا صليتم بالليل، فعليكم أن تصلوا الوتر في آخر صلاة الليل لا في أولها،
ولا في وسطها، والحاصل: أنه يدل على وجوب جعل آخر الصلاة بالليل وترًا، لا
على وجوب نفس الوتر، والمطلوب هذا لا ذاك، فالاستدلال به على وجوب الوتر
غیر صحیح.
الوجه الثاني: أن صلاة الليل ليست بواجبة، فكذا آخرها. قال الحافظ في
((الفتح)): قد استدل به بعض من قال بوجوبه، وتعقب: بأن صلاة الليل ليست
واجبة، فكذا آخرها، وبأن الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليله، انتهى.
الوجه الثالث: أنه لو ثبت من هذا الحديث وجوب الوتر لقال به ابن عمر،
وأفتى به من غير تأمل وتردد، لكنه لما استفتى عنه لم يزد في فتياه على أن يقول:
أوتر رسول اللّه واله وأوتر المسلمون، كما سيأتي.

٢٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الحديث ليس من أفراد مسلم بل هو متفق عليه، فقد أخرجه
البخاري في باب: ليجعل آخر صلاته وترًا، من أبواب الوتر. وأخرجه أيضًا أحمد
وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج٣: ص٣٤).
١٢٦٧ - [٦] وعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرُ
١٢٦٧ - قوله: (بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ) أي: عجلوا بأداء الوتر قبل طلوع
الصبح. قال الطيبي: بادروا، أي: سارعوا كأن الصبح مسافر يقدم إليك طالبًا منك
الوتر، وأنت تستقبله مسرعًا بمطلوبه، وإيصاله إلى بغيته. وفي حديث أبي سعيد
عند مسلم وغيره: ((أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا)) أي: تدخلوا في الصبح، وهو دليل على
أن الوتر قبل الصبح، وأنه إذا طلع الفجر خرج وقت الوتر، وسيأتي الكلام فيه،
وقد استدل بهذا الحديث على وجوب الوتر.
قال القاري في ((شرحه)): أي: أسرعوا بأداء الوتر قبل الصبح، والأمر للوجوب
عندنا، انتهى.
وأجيب عنه: بأنه إنما يدل على وجوب الإِيتار قبل طلوع الصبح لا على وجوب
نفس الإيتار، والمطلوب هذا لا ذاك، فالاستدلال به على وجوب الوتر باطل.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبودواد ومحمد بن نصر والحاكم (ج١ :
ص٣٠١) والبيهقي (ج١: ص٤٧٨).
(١٢٦٧) مُسْلِم (١٤٩ / ٧٥٠) أَيْضًا عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الصَّلاةِ
** E
بَابُ الْوِتْرِ
٢٤٣
١٢٦٨ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ خَافَ أَنْ لَا
يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أُوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوِرْ آخِرَ
اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ أَخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرُْ
١٢٦٨ - قوله: (مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) قال ابن الملك: ((مَنْ)) فيه
للتبعيض، أو بمعنى ((في)). وفي رواية: ((مَنْ خَشِيَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ مِنْ آخِرٍ
اللَّيْلِ)). (فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ) أي: ليصلِّ الوتر في أول الليل. (وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ)
بالنصب على نزع الخافض، أي: في آخره بأن يثق بالانتباه، وفي رواية: ((وَمَنْ
وَثَقَ بِقِيَامٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ))، (فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ) أي: محضورة تحضره
ملائكة الرحمة .
وقال الطيبي: أي: يشهدها ملائكة الليل والنهار. (وَذَلِكَ) أي: الإيتار في آخر
الليل. (أَفْضَلُ) فثوابه أكمل، وفي رواية: ((فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ
مَحْضُورَةٌ وَهِيَ - أي: قراءة القرآن في آخر الليل - أَفْضَلُ))، وفي الحديث دلالة
على أن تأخير الوتر أفضل، ولكن إن خاف أن لا يقوم قدمه لئلا يفوته فعلًا، وقد
ذهب جماعة من السلف إلى هذا وإلى هذا وفعل كل بالحالين، ويحمل الأحاديث
المطلقة التي فيها الوصية بالوتر قبل النوم والأمر به على من خاف النوم عنه.
قال النووي: فيه دليل صريح على أن تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن وثق
بالاستيقاظ آخر الليل، وأن من لا يثق بذلك، فالتقديم له أفضل، وهذا هو
الصواب، ويحمل باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل الصحيح الصريح،
انتهى. وقد استدل بهذا الحديث على وجوب الوتر. قال القاري: أمره بالإتيان عند
خوف الفوت يدل على وجوبه، انتهى.
وأجيب: بأنه يحتمل أن يكون أمره بالإتيان عند خوف الفوت لمزيد تأكده لا
(١٢٦٨) مُسْلِم (١٦٣٠١٦٢/ ٧٥٥)، وَالتِّرْ مِذِي (٤٥٥)، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ فِيهِ.

٢٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لوجوبه، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد
والترمذي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ : ص٣٥).
١٢٦٩ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلٍِّ :
مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٢٦٩ - قوله: (مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ) قال الطيبي: ((مِنْ)) ابتدائية منصوبة بقوله:
(أَوْتَرَ) أي: أوتر من كل أجزاء الليل. وقيل: (مِنْ) بمعنى في، أي: في جميع
أوقات الليل أوتر، وقولها: (مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ) بدل أو بيان،
والمراد: أجزاء كل من الثلاثة الأقسام المستغرقة لليل، فساوت ما قبلها، ثم
المراد بأول الليل: بعد صلاة العشاء، كما سيأتي. (وَانْتَهَى وِتْرُهُ) زاد أبو داود
والترمذي: حين مات أي: قبل وفاته وَّلـ (إِلَى السَّحَرِ) بفتح السين، وهو قبيل
الصبح، وحكى الماوردي أنه السدس الأخير من الليل. وقيل: أوله الفجر الأول،
يعني: اختار آخر العمر الوتر في آخر الليل، فهو أحب.
قال النووي: معناه: كان آخر أمره الإيتار في السحر، والمراد به: آخر الليل
كما قالت في الروايات الأخرى، ففيه: استحباب الإيتار آخر الليل، وقد تظاهرت
الأحاديث الصحيحة عليه. قال: وفيه: جواز الإِيتار في جميع أوقات الليل بعد
دخول وقته، انتهى. ويدل عليه أيضًا: حديث جابر وحديث ابن عمر السابقان،
وحديث علي عند ابن ماجه بنحو حديث عائشة، وحديث أبي مسعود عند أحمد
والطبراني بلفظ: إن النبي وقّ كان يوتر من أول الليل، وأوسطه، وآخره. قال
العراقي: إسناده صحيح. وقال الهيثمي: رجاله ثقات. وحديث عبد الله بن قيس
عند أبي داود، وحديث أبي موسى وعقبة بن عمرو عند الطبراني في ((الكبير))،
(١٢٦٩) البُخَارِي (٩٩٦)، ومُسْلِم (١٢٦ /٧٤٥)، وأبو دَاوُد (١٤٣٥)، والترمذي (٤٥٦)، وابن ماجه
(١١٨٥)، والنَّسَائِي (٢٣٠/٣) عَنْهَا فِيهِ.

٢٤٥
BE
كِتَابُ الصَّلاةِ
SerENes*
بَابُ الْوِتْرِ
وحديث أبي قتادة عند أبي داود، وحديث أبي هريرة عند البزار والطبراني،
وحديث عقبة بن عامر عند الطبراني أيضًا، وهذه الأحاديث كلها، بيان لوقت
الوتر، وأنه الليل كله، لكن بعد مغيب الشفق من بعد صلاة العشاء، إذ لم ينقل
أنه مَ له أوتر في الوقت الذي قبل صلاة العشاء، وقد دل عليه صريحًا حدیث خارجة
ابن حذافة الآتي حيث قال: ((الْوِتْرُ جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ
يَطْلُعَ الْفَجْرُ)) .
قال الشوكاني: أحاديث الباب تدل على أن جميع الليل وقت الوتر إلا الوقت
الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد لا أهل الظاهر ولا غيرهم، إلا ما
ذكر في وجه لأصحاب الشافعي أنه يصح قبل العشاء، وهو وجه ضعيف صرح
بذلك العراقي وغيره، وقد حكى صاحب ((المفهم)) الإجماع على أنه لا يدخل وقت
الوتر إلا بعد صلاة العشاء، انتهى. وقال الحافظ: أجمعوا على أن ابتداء وقت
الوتر مغيب الشفق بعد صلاة العشاء، كذا نقله ابن المنذر؛ لكن أطلق بعضهم،
يعني: أبا حنيفة - فإن أول وقت الوتر عنده وقت العشاء، إلا أنه لا يقدم عليه عند
التذكر. وقال النووي: وفي وجه في مذهبنا أنه يدخل بدخول وقت العشاء - أنه
يدخل بدخول العشاء، قالوا: ويظهر أثر الخلاف فيمن صلى العشاء، بأن أنه كان
بغير طهارة، ثم صلى الوتر متطهرًا، أوظن أنه صلى العشاء فصلى الوتر، فإنه
يجزئ على هذا القول دون الأول، انتهى.
قلت: واختلفوا فيمن صلى العشاء قبل وقته في جمع التقدیم، هل يجوز له الوتر
قبل مغيب الشفق، أم لا؟ فقال الشافعية والحنابلية: يصح وتره، كما صرح به
أصحاب فروعهم، وقالت المالكية: لا يصح بل يكون لغوًا، كما صرح به في
((الشرح الكبير)) من فروع المالكية. وأما عند الحنفية: فلا يصح العشاء بجمع
التقديم، فالوتر أولى أن لا يصح عندهم. وأما آخر وقت الوتر، فهو إلى طلوع
الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون قضاء، وهو المشهور المرجح الصحيح عند
الأئمة الثلاثة الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وعند المالكية للوتر وقتان: وقت
اختيار، وهو إلى طلوع الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى تمام صلاة الصبح.
ويكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح للوتر لِفَذَّ لا
لمؤتم، وفي الإمام روايتان. قال الحافظ: وحكى ابن المنذر عن جماعة من
السلف، أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام

٢٤٦
ge
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صلاة الصبح، وحكاه القرطبي عن مالك والشافعي وأحمد، وإنما قاله الشافعي في
القدیم، انتهى.
والقوال الراجح عندي: أن ابتداء وقته مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلا في
جمع التقديم، فيصح قبل الشفق بعد العشاء، وينتهي لطلوع الفجر الثاني، وبعد
طلوع الفجر يكون قضاء لا أداء، كما يدل الأحاديث التي أشرنا إليها .
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، لكن عنده ((قَدْ أَوْتَرَ)) أي: بزيادة ((قد)) قبل أوتر،
وأيضًا عنده ((فَانْتَهَى)) بدل و((انتهى)). والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣: ص٣٥).
١٢٧٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ
ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ.
[متفق عليه]
الشَّرُْ
١٢٧٠ - قوله: (أَوْصَانِي) أي: عهد إليَّ وأمرني أمرًا مؤكدًا. (خَلِيلِي)
يعني: رسول اللَّه ◌َلّل، والخليل: الصديق الخالص، الذي تخللت محبته القلب،
فصارت في خلاله أي: في باطنه، واختلف، هل الخلة أرفع من المحبة، أو
بالعكس؟ وقول أبي هريرة هذا لا يعارضه قوله ◌َله: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيْلًا غَيْرَ رَبِّي
لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ))؛ لأن الممتنع هو أن يتخذ هو وَّل غيره تعالى خليلًا، ولا يمتنع
اتخاذ الصحابي وغيره النبي وَ طّ خليلًا.
(بِثَلَاثٍ) أي: خصال، زاد في رواية: ((لا أدعهن حتى أموت)). ولفظ أبي داود:
((لا أدعهن في سفر ولا حضر)) (صِيَامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّام) أي: الثالث عشر، والرابع عشر،
والخامس عشر. (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) يعنيَ: أيام البَيَّض هذا هو الظاهر. وقيل: يومًا من
أوله، ويومًا من وسطه، ويومًا من آخره. وقيل: كل يوم أول كل عشر، وصيام
(١٢٧٠) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٨١)، ومُسْلِم (٧٢١/٨٥) عَنْهُ فِيهِ، وأَبُو دَاوُد (١٤٣٢)، والنَّسَائِي
(٢٢٩/٣).

٢٤٧
بَابُ الْوِتْرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بالجر بدل من ثلاث. (وَرَكْعَتَي الضُّحَى) أي: في كل يوم كما زاده أحمد وهما
أقلها، ويجزئان عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم، وهي
ثلاثمائة وستون مفصلاً، كما في حديث مسلم عن أبي ذر وقال فيه : ((وَيُجْزِئُ عَنْ
ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى))، وفيه: استحباب الضحى، وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة
النبي وَلّعلى فعلها لا ينافي استحبابها؛ لأنه حاصل بدلالة القول، وليس من شرط
الحكم أن تتظافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النبي وقّ على فعله مرجَّحٌ
على ما لم يواظب عليه.
(وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) وفي رواية: ((ونوم على وتر))، أي: يكون النوم عقب
الوتر لا قبله، لا أنه لا بد من نوم بعده، ولعله أوصاه بذلك؛ لأنه خاف عليه الفوت
بالنوم، ففيه: أن من خاف فوات الوتر، فالأفضل له التقديم ومن لا فالتأخير في
حقه أفضل. قال الحافظ: لا معارضة بين وصية أبي هريرة بالوتر قبل النوم، وبين
قول عائشة: ((وانتهى وتره إلى السحر))؛ لأن الأول لإرادة الاحتياط، والآخر لمن
علم من نفسه قوة، كما ورد في حديث جابر عند مسلم، انتهى .
قال القسطلاني: وقد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على
التهجد، فأمره بالضحى بدلًا عن قيام الليل، ولهذا أمره علَّلها: أن لا ينام إلا على
وتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر ولا عمر ولا غيرهما من الصحابة، لكن قد وردت
وصيته عليه الصلاة والسلام بالثلاث أيضًا لأبي الدرداء كما عند مسلم، ولأبي ذر
كما عند النسائي، فقيل: خصصهم بذلك؛ لكونهم فقراء لا مال لهم، فوصاهم بما
يليق بهم، وهو الصوم والصلاة، وهما من أشرف العبادات البدنية.
وقال الحافظ: والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك؛ تمرين النفس
على جنس الصلاة والصيام، ليدخل في الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعله
يقع فيه من نقص، وليئاب ثواب صوم الدهر بانضمام ذلك لصوم رمضان؛ إذ
الحسنة بعشر أمثالها. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي والبيهقي (ج ٣
ص٣٦) وأخرجه الترمذي مختصرًا بلفظ: أمرني رسول اللّه وج ليل أن أوتر قبل أن
أنام.

٢٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٢٧١ - [١٠] عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ
رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ:
رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَّ فِي الْأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، أَمْ فِيِ آخِرِهِ؟
قَالَتْ: رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَّ فِي الْأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، أَمْ يَخْفُتُ؟
قَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ، وَرُبَّمَا خَفَتَ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الفَصْلَ الْآخِيرَ] {صحيح}
فِي الْأَمْرِ سَعَةً.
الشَّرْحُ
١٢٧١ - قوله: (عَنْ غُضَيْفٍ) بضم الغين وفتح ضاد معجمتين وياء ساكنة
وآخره فاء. (بْنُ الْحَارِثِ) ابن زنيم الثمالي، يكنى أبا أسماء الحمصي تقدم
ترجمته. قال المؤلف: أدرك النبي ◌َّل، وقد اختلف في صحبته وسمع أبا ذر وعمر
وعائشة. (أَرَأَيْتِ) بكسر التاء أي: أخبرني. (كَانَ يَغْتَسِلُ) بتقدير حرف الاستفهام
أي: هل كان يغتسل؟ وقيل: معنى أرأيت: على الاستفهام، سواء كانت الرؤية
بصرية، أو علمية أي: هل رأيت؟ (مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ) أي: على الفور بعد
الفراغ من الجنابة أي: دائمًا. (أَمْ فِي آخِرِهِ؟) أي: يغتسل في آخر الليل يعني:
يؤخر الغسل إلى آخر الليل. (قَالَتْ) أي: عائشة، كانت له حالات مختلفة.
(وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ) أي: جامع أوله، واغتسل آخره؛ تيسيرًا على الأمة،
ولبيان الجواز. (قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ)؛ استعظامًا لشفقته على الأمة، وتعجبًا.
(١٢٧١) أَبُو دَاوُد (٢٢٦)، وَابن مَاجَهْ (١٣٥٤) بِاخْتِصَارٍ مِنْ رِوَايَةِ غُضَيْفِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةً فِي
الطَّهَارَةِ.

٢٤٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
e xcegx
بَابُ الْوِتْرِ
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ) أي: في أمر الشرع، أو في هذا الأمر. (سَعَةً)
بفتح السين المهملة، يعني: جعل في الاغتسال سعة، بأن يغتسل متى شاء من
الليل، ولم يضيق عليه فيه بأن يغتسل على الفور، بل أباح لنا الأمرين، وبين لنا
نبيه وسيّ ذلك بتقديم الغسل مرة، وتأخيره أخرى. قال الطيبي: دل على أن السعة
من الله تعالى في التكاليف نعمة يجب تلقيها بالشكر، و((الله أكبر)) دل على أن تلك
النعمة عظيمة خطيرة؛ لما فيه من معنى التعجب. (قُلْتُ: كَانَ يُؤْتِرُ) أي: أكان
يوتر؟ وفي أبي داود: قلت: أرأيت رسول اللَّه ◌َل﴿ كان يوتر؟ (أَوَّلَ اللَّيْلِ) أي: في
أو له .
(رُبَّمَا أَوْتَرَ) أي: صلى الوتر. (فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ) وهو القليل الأسهل. (وَرُبَّمَا أَوْتَرَ
فِي آخِرِهِ) وهو الكثير الأفضل، بحسب ما رأى فيه من مصلحة الوقت، وتقدم
قولها: ((أنه انتهى وتره إلى السحر)).
(قُلْتُ: كَانَ) أي: أكان. (يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) أي: في صلاة الليل. وفي أبي داود:
قلت: أرأيت رسول اللَّه وَ ه كان يجهر بالقرآن؟ (أَمْ يَخْفُتُ) أي: يُسِرُّ بها. (رُبَّمَا
جَهَرَ بِهِ، وَرُبَّمَا خَفَتَ) أي: في ليلتين أو في ليلة بحسب ما يناسب المقام والحال.
وفيه: دليل على أن المرء مخير في صلاة الليل، يجهر بالقراءة، أو يسر. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ) في باب: الجنب يؤخر الغسل، من كتاب الطهارة، وسكت عنه هو
والمنذري. ورواه النسائي في الطهارة مقتصرًا على الفصل الأول، وكذا البيهقي
(ج١ ص١٩٩). (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ) أي: الفقرة الأخيرة من فقرات
الحديث، وهو قوله: قلت: أكان رسول اللَّه وَ له يجهر بالقرآن ... إلخ. وأخرجه
الترمذي وأبو داود والبيهقي أيضًا عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة مطولًا.

٢٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٧٢ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِكَمْ
كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرَّبَعْ وَثَلَاثٍ، وَسِتٌّ وَثَلَاثٍ،
وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصََّ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ
ثَلاَثَ عَشْرَةَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشّرْخُ
١٢٧٢ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ) ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن
أبي موسى، والأول أصح، يكنى أبا الأسود النصري الحمصي - مولى عطية بن
عازب - ويقال: ابن عفيف، روى عن مولاه وابن عمر وعائشة وغيرهم. قال في
((التقريب)): ثقة مخضرم. وقال العجلي: تابعي ثقة. (بِكَمْ) أي: ركعات. (كَانَ
رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ يُوْتِرُ) أي: يصلي صلاة الليل مع الوتر. (كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَع) أي:
ركعات بتسليمة أو بتسليمتين. (وَثَلَاثٍ) أي: بتسليمة، كما هو الظاهر،ً فيكون
سبعًا، أربع منها صلاة الليل، وثلاث الوتر. (وَسِتِّ) أي: وبست ركعات
بتسليمتين أو بثلاث. (وَثَلَاثَ) فيكون تسعًا، ست منها صلاة الليل، وثلاث الوتر.
(وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ) فيكون إحدى عشرة ركعة، (وَعَشْرِ وَثَلَاثٍ) فيكون ثلاث عشرة
ركعة.
واعلم: أن عائشة أطلقت في هذه الرواية على جميع صلاته وَّل في الليل التي
كان فيها الوتر وترًا. وقد أطلقه غيرها أيضًا. قال الترمذي بعد روايته حديث أم
سلمة بلفظ: ((كان النبي ◌َّلؤ يوتر بثلاث عشرة، فلما كبر وضعف أوتر بسبع))، ما
لفظه: وقد روي عن النبي ◌َّر الوتر بثلاث عشرة، وإحدى عشرة، وتسع وسبع،
وخمس، وثلاث، وواحدة. قال إسحاق بن إبراهيم - يعني: ابن راهويه - معنى
ما روي أن النبي و لو كان يوتر بثلاث عشرة، قال: إنما معناه أنه كان يصلي من
الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، فنسبت صلاة الليل إلى الوتر، أي: أطلق على
صلاة الليل مع الوتر لفظ الوتر، فمعنى: يوتر بثلاث عشرة أي: يصلي صلاة الليل
(١٢٧٢) أَبُو دَاوُد (١٣٢٦) عَنْ عَائِشَةً فِيهِ .

٢٥١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
جويو
مع الوتر ثلاث عشرة ركعة، وروي في ذلك حديثًا، كأنه يشير إلى حديث عبد الله
ابن أبي قيس هذا، واحتج بما روى عن النبي وَّ قال: ((أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ»،
قال: إنما عنى به قيام الليل يقول: إنما قيام الليل على أصحاب القرآن، انتهى.
قلت: في إتيان عائشة بثلاث في كل عدد دلالة ظاهرة بأن الوتر في هذه الرواية
في الحقيقة هو الثلاث، وما وقع قبله من مقدماته المسمى بصلاة التهجد. فالمراد
بالوتر هنا: صلاة الليل كلها، ويؤيده ما تقدم من حديث ابن عمر: ((اجْعَلُوا آخِرَ
صَلَائِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا)). (وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ) أي: يصلي صلاة الليل مع الوتر. (بِأَنْقَصَ
مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَ عَشْرَةَ) أي: غالبًا، وإلا فقد ثبت أنه أوتر بخمس
عشرة. وهذا الاختلاف بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت وضيقه، وطول
القراءة، كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود، أو من نوم، أو من مرض
وغيرهما، أوفي بعض الأوقات عند كبر السن، كما قالت: فلما أسن صلى أربع
ركعات. والحاصل: أن ذلك محمول على أوقات متعددة، وأحوال مختلفة
بحسب النشاط، وبيان الجواز، وبهذا يجمع بين ما اختلف الروايات عن عائشة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ومن طريقة البيهقي (ج ٣ ص٢٨)، وسكت عنه أبو داود والمنذري،
وأخرجه أيضًا أحمد والطحاوي (ج١ ص١٦٨) وإسناده حسن.
١٢٧٣ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((الْوِتْرُ حَقٌّ
عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ
بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلَْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ والنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٧٣- قوله: (الْوِتْرُ حَقٌّ) قال الطيبي: الحق يجيء بمعنى الثبوت
والوجوب. فذهب أبو حنيفة إلى الثاني، والشافعي إلى الأول، أي: ثابت في
الشرح والسنة. وفيه نوع تأكيد، انتهى. وقال السندي: قد يستدل به من يقول
(١٢٧٣) أَبُو دَاوُد (١٤٢٢)، وَالنَّسَائِي (٢٣٨/٣)، وَابن مَاجَهْ (١١٩٠) عَنْهُ فِيهِ.

٢٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
**
بوجوب الوتر بناء على أن الحق هو اللازم الثابت على الذمة. ويجيب من لا يرى
الوجوب: بأن معنى حق أنه مشروع ثابت، انتهى. وذكر المجد ابن تيمية في
((المنتقى)) أن ابن منذر روى هذا الحديث بلفظ: ((الْوِتْرُ حَقٌ)) وليس بواجب. وهذا
صريح في أن لفظ ((حق)) هنا بمعنى الثابت في الشرع لا الواجب، ولو سلم أنه
بمعنى واجب، بل ولو ورد لفظ واجب صريحًا، لم يكن فيه حجة لمن يقول
بوجوب الوتر؛ لأنه يكون مصروفًا إلى معنى المسنون المؤكد؛ للأدلة الصريحة
الدالة على عدم الوجوب، والواجب قد يطلق على المسنون تأكيدًا، كما سلف
تأويل الجمهور في غسل الجمعة.
واعلم: أنه ذهب الجمهور إلى أن الوتر غير واجب، وخالف الإمام أبا حنيفة
صاحباه الإمام أبو يوسف والإمام محمد، فذهبا أيضًا إلى ما ذهب إليه الجمهور،
وقالا بعدم وجوب الوتر، ولم يوافق أبا حنيفة إلا عدة من أهل العلم. قال الحافظ:
قد بالغ الشيخ أبوحامد، فادعى أن أباحنيفة قال بوجوب الوتر، ولم يوافقه
صاحباه، مع أن ابن أبي شيبة أخرج عن سعيد بن المسيب وأبي عبيدة بن عبد الله
ابن مسعود والضحاك ما يدل على وجوبه عندهم. وعنده عن مجاهد الوتر واجب،
ولم يثبت. ونقله ابن العربي عن أصبغ من المالكية، ووافقه سحنون، وكأنه أخذه
من قول مالك: من تركه أَدِّبَ، وكان جرحة في شهادته، انتهى. قلت: والقول
الراجح المنصور هو ما قال به الجمهور. قال الشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((حجة الله
البالغة)) (ج٢ ص١٣): والحق أن الوتر سنة، هو أوكد السنن، بينه علي وابن عمر
وعبادة بن الصامت ◌ّه. (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤْتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ) بأن لا يجلس إلا في
آخرهن، كما تقدم من حديث عائشة. ويحتمل علَى بُعد أن يصلي ركعتين، ثم
يصلي ثلاثًا، كما هو مذهب أبي حنيفة.
(وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ) أي: موصولة بتسليمة وبتشهد، فلا يجلس إلا في
آخرها، هذا هو الظاهر. ويؤيده حديث عائشة: كان رسول اللّه ◌َ ل يوتر بثلاث، لا
يقعد إلا في آخرهن. أخرجه الحاكم والبيهقي. وقيل: مفصولة بتسليمتين، والكل
واسع، والخلاف في الأفضل. (فَلْيَفْعَلْ) فيه دليل على الإيتار بثلاث موصولة، ولا
يعارضه ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لاَ تُوتِرُوا بِثَلاَثٍ تُشَبَّهُوا بِالْمَغْرِبِ، وَلَكِنْ
أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ، أَوْ بِسَبْعٍ، أَوْ بِتِسْع، أَوْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)). أخرجه

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْوِتْرِ
٢٥٣
محمد بن نصر والبيهقي وغيرهما؛ لأنه يجمع بينهما بأن النهي عن الثلاث إذا كان
يقعد للتشهد الأوسط؛ لأنه يشبه المغرب. وأما إذا لم يقعد إلا في آخرها، فلا يشبه
المغرب. قال الأمير اليماني في ((السبل)) (ج٢ ص٩): وهو جمع حسن.
وقال الحافظ في ((الفتح)): وجه الجمع أن يحمل النهي على صلاة الثلاث
بتشهدین، وقد فعله السلف، يعني: الإِیتار بثلاث بتشهد واحد، فروى محمد بن
نصر من طريق الحسن أن عمر كان ينهض في الثانية من الوتر بالتكبير، ومن طريق
المسور بن مخرمة أن عمر أوتر بثلاث، لم يسلم إلا في آخرهن، ومن طريق ابن
طاوس عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث، لا يقعد بينهن، ومن طريق قيس بن سعد عن
عطاء وحماد بن زيد عن أيوب مثله، وروى محمد بن نصر عن ابن مسعود وأنس
وأبي العالية، أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب، وكأنهم لم يبلغهم النهي المذكور،
انتهى كلام الحافظ.
قلت: ويؤيد هذا الجمع ما قدمنا من حديث عائشة قالت: ((كان رسول اللَّه وَل
يوتر بثلاث، لا يقعد إلا في آخرهن)»، وهو حديث حسن أو صحيح. وقال بعض
الحنفية في تأويل قوله: ((لَا تُؤْتِرُوا بِثَلَاثٍ تُشَبِّهُوا بِالْمَغْرِبِ ... )) إلخ، إن المعنى:
أنه لا يترك تطوعًا قبل الإيتار بثلاث؛ فرقًا بينه وبين المغرب، فكره إفراد الوتر،
حتى يكون معه شفع، فمحط النهي: هو جعل الوتر ثلاثًا بحيث لم يتقدمهن شيء،
فأما إذا قدم عليهن شفعًا، فلا يكره لعدم المشابهة بينه وبين المغرب حينئذٍ؛ لأنه لا
يندب الصلاة قبل الفرض المغرب. وفيه: أن هذا التأويل سخيف جدًّا بل هو
باطل؛ لأنه يلزم منه أن يكون التطوع قبل الإِيتار بثلاث، وتقديم الشفع عليه واجبًا،
واللازم باطلٍ، فالملزوم مثله؛ ولأن التطوع قبل فرض المغرب سنة ثابتة ندب إليها
النبي وَ له قولاً وفعلا وتقريرًا، كما ذكرنا مفصلًا، وحينئذٍ لا يرتفع المشابهة بينه
والمغرب على هذا التأويل، فتفكر. ولبطلانه وجوه أخرى لا تخفى على المتأمل،
وارجع إلى ((تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي)) (ج١ ص٣٣٩، ٣٤٠).
(وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ) ظاهره مقتصرًا عليها. قال النووي: فيه: دليل على
أن أقل الوتر ركعة، وأن الركعة الواحدة صحيحة. وهو مذهبنا ومذهب
الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح الإِيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة

٢٥٤
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
صلاة، والأحاديث الصحيحة ترد عليه. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ)
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٤١٨) وابن حبان والدارمي والطحاوي (ص ١٧٢)
والطيالسي (ص٨١) والدار قطني (ص١٧١) والحاكم (ج١ ص٣٠٣) والبيهقي
(ج ٣ ص٢٣، ٢٤، ٢٧) وسكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: على شرطهما.
وقال المنذري: وقد وقفه بعضهم ولم يرفعه إلى رسول اللّه وَلَه، وأخرجه أبو
داود والنسائي وابن ماجه مرفوعًا، من رواية بكر بن وائل عن الزهري، وتابعه على
رفعه الإمام أبو عمرو الأوزاعي وسفيان بن حسين ومحمد بن أبي حفصة وغيرهم.
ويحتمل أن يكون يرويه مرة من فتياه ومرة من روايته، انتهى. وقال الحافظ في
((التلخيص)) (ص١١٦): وصحح أبوحاتم والذهلي والدارقطني في ((العلل))،
والبيهقي وغير واحد وقفه، وهو الصواب، وقال في ((بلوغ المرام)): رجح النسائي
وقفه. وقال الأمير اليماني: وله حكم الرفع؛ إذ لا مسرح للاجتهاد فيه، أي: في
المقادير. وقال النووي: إسناده صحيح، ورجح ابن القطان الرفع، وقال: لا حفظ
من لم يحفظه.
١٢٧٤ - [١٣] وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ
يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ)). [رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ] {حسن}
الشّرْجُ
١٢٧٤ - قوله: (إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ) قال الجزري: الوتر: الفرد وتكسر واوه وتفتح،
فاللَّه واحد في ذاته لا يقبل الانقسام والتجزئة، واحد في صفاته فلا شبه له ولا
مثل، واحد في أفعاله فلا شريك له ولا معين.
(يُحِبُّ الْوِتْرَ) أي: يثيب عليه، ويقبله من عامله. قال القاضي: كل ما يناسب
الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه مما لم يكن له تلك المناسبة. (فَأَوْتِرُوا) أمر
بصلاة الوتر، وهو أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي في آخرها ركعة مفردة، أو
يضيفها إلى ما قبلها من الركعات. كذا في ((النهاية)).
(١٢٧٤) أَبُو دَاوُد (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣)، والنَّسَائِي (١٦٧٤) عَنْهُ فِيهِ، وهو عند ابن مَاجَهْ أيضًا.

٢٥٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
وقال الطيبي: يريد بالوتر في هذا الحديث قيام الليل، فإن الوتر يطلق عليه، كما
يفهم من الأحاديث، فلذلك خص الخطاب بأهل القرآن، انتهى. قال ابن الملك:
الفاء تؤذن بشرط مقدر، كأنه قال: إذا اهتديتم إلى أن الله يحب الوتر فأوتروا،
انتهى. والأمر للندب.
(يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ) يعني: المؤمنين المصدقين به، أو المتولين بحفظه وتلاوته.
وقال القاري: أي: أيها المؤمنون به، فإن الأهلية عامة شاملة لمن آمن به، سواء
قرأ، أو لم يقرأ، وإن كان الأكمل منهم من قرأ وحفظ وعلم وعمل ممن تولى قيام
تلاوته ومراعاة حدوده وأحكامه، انتهى. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١
ص٢٨٥): تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه: يدل على أن الوتر غير واجب، ولو
كان واجبًا لكان عامًّا، وأهل القرآن في عرف الناس هم القراء، والحفاظ دون
العوام. ويدل على ذلك أيضًا قوله للأعرابي: (لَيْسَ لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ))، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه كلهم من رواية
عاصم بن ضمرة عن علي، وفي رواية الترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي عن
علي رَوُلَهُ قال: ((الوتر ليس بحتم، ولا كصلاتكم المكتوبة)). وفي بعضها: ولكنه
سنة سنها رسول اللَّه ◌َ له. قال: ((إِنَّ اللهَ تعالى وتر ... )) إلخ. وهذا ظاهر، بل نص
في عدم وجوب الوتر، كما عليه الجمهور، ويدل عليه أيضًا: ما روي عن ابن
مسعود عن النبي ◌َّل بمعنى حديث علي زاد: فقال أعرابي: ما يقول رسول الله
وَه؟ قال: (لَيْسَ لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ)). أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي من
طريق أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود.
قال السندي: قوله: ((لَيْسَ لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ)). أي: ممن ليس بأهل القرآن
ظاهره الرفع لا الوقف. وهذا ينافي وجوب الوتر عمومًا، أو استنانه، إذا قلنا:
المراد بالوتر في هذا الحديث صلاة الليل، نعم، ينبغي أن تكون صلاة الليل
مخصوصة بأهل القرآن، فيمكن أن يكون التأكيد في حقهم، ويكون في حق الغير
ندبًا بلا تأكيد، انتهى. ويدل عليه أيضًا ما روي عن ابن عباس مرفوعًا: ((ثَلَاثٌ عَلَيَّ
فَرَائِضُ، وَهِيَ لَكُمْ تَطَوٌُّ: النَّحْرُ، وَالْوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ)). أخرجه أحمد
والدار قطني والطبراني والبيهقي والحاكم، وقال البيهقي في روايته: ((رَكْعَتَا
الضُّحَى)) بدل ركعتي الفجر، وهو حديث ضعيف، كما بينه الحافظ في التلخيص.

٢٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويدل عليه أيضًا: ما أخرجه الحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت بلفظ: قال:
الوتر حسن جميل عمل به النبي وُّلله ومن بعده، وليس بواجب، ورواته ثقات، قاله
البيهقي. ويدل أيضًا عليه ما روي عن ابن عمر: أن رسول اللَّه وَ ل أوتر على بعيره.
أخرجه الجماعة، فهو ظاهر في عدم الوجوب؛ لأن الفريضة لا تصلى على
الراحلة.
وأجاب الحنفية عنه: بأن هذا كان قبل وجوب الوتر. وفيه: أن لم يقم دليل على
وجوبه حتى يحمل على أنه كان ذلك قبل الوجوب، وقد روى عبد الرزاق عن ابن
عمر: أنه كان يوتر على راحلته، وربما نزل فأوتر بالأرض، ويدل أيضًا عليه: ما
علم من الدين بالضرورة أن الصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس، فلو كان
الوتر واجبًا لصار المفروض ست صلوات في كل يوم وليلة، ولا فرق بين الواجب
والفرض في لزوم الأداء عملًا، مع أن حديث طلحة بن عبيد الله عند الشيخين يدل
على أنه لا يلزم العبد صلاة في اليوم والليلة غير الصلوات الخمس إلا أن يتطوع،
ففيه قال رسول اللَّه ◌َّهِ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ))، قال: هل عليّ غيرها؟
قال: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). وفي الباب أحاديث وآثار تدل على عدم وجوب الوتر،
ذكرها محمد بن نصر في ((قيام الليل)). وفي ما ذكرنا كفاية.
١٢٧٥ - [١٤] وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ
وَهِ، وَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: الْوَتْرِ
جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلََّةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وأَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٢٧٥ - قوله: (وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ) بحاء مهملة مضمومة وخفة ذال
معجمة وفاء بعد الألف، ابن غانم القرشي العدوي. صحابي من مسلمة الفتح،
و کان أحد فرسان قریش، يقال: کان یعدل بألف فارس، روي أن عمرو بن العاص
(١٢٧٥) أَبُو دَاوُد (١٤١٨)، وَالتِّرْمِذِي (٤٥٢)، وَابن مَاجَهْ (١١٦٨) عَنْهُ فِيهِ.

٢٥٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بابُ الْوِتْرِ
استمد من عُمَرَ بثلاثة آلاف فارس، فأمده بخارجة بن حذافة هذا والزبير بن العوام
والمقداد بن الأسود. سكن خارجة مصر واختط بها، وكان قاضيًا لعمرو بن العاص
بمصر. وقيل: كان على شرطته وعداده في أهل مصر؛ لأنه شهد فتح مصر، ولم
يزل فيها إلى أن قتل بها، قتله أحد الخوارج الثلاثة، الذين كانوا انتدبوا لقتل علي
ومعاوية وعمرو، فأراد الخارجي قتل عمرو فقتل خارجة هذا، وهو يظنه عمرًا.
وذلك أنه كان استخلفه عمرو على صلاة الصبح ذلك اليوم، فلما قتله أُخذ وأدخل
على عمرو. فقال الخارجي: أردت عمرًا وأراد الله خارجة، فذهبت مثلًا. وكان
قتله سنة أربعين ليلة قتل علي بن أبي طالب. وليس له غير هذا الحديث الواحد.
(إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ) أي: زادكم كما في بعض الروايات، قاله الطيبي. وقال
محمد طاهر الفتني في ((مجمع البحار)): هو من أمد الجيش. إذا ألحق به ما يقويه،
أي: فرض عليكم الفرائض؛ ليؤجركم بها ولم يكتف به، فشرع صلاة التهجد
والوتر؛ ليزيدكم إحسانًا على إحسان، انتهى. وقال القاري: أي: جعلها زيادة لكم
في أعمالكم من مد الجيش وأمده أي: زاده. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١
ص٢٨٥): قوله: ((أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ)) يدل على أنها غير لازمة لهم، ولو كانت واجبة،
لخرج الكلام فيه على صيغة الإلزام، فيقول: ألزمكم أو فرض عليكم، أو نحو
ذلك من الكلام. وقد روي أيضًا في هذا الحديث: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلاَةً)،
ومعناه: الزيادة في النوافل؛ وذلك أن نوافل الصلوات شفع لا وتر فيها، فقيل:
أمدكم بصلاة، وزادكم بصلاة لم تكونوا تصلونها قبل على تلك الهيئة والصورة،
وهي الوتر، انتهى.
(هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَم) بضم الحاء وسكون الميم، جمع أحمر. والنعم
هنا الإبل، فهو من إضافة الصفَة إلى الموصوف، وإنما قال ذلك؛ ترغيبًا للعرب
فيها؛ لأن حمر النعم أعز أموال العرب عندهم، فكانت كناية عن أنها خير من الدنيا
كلها؛ لأنها ذخيرة الآخرة التي هي خير وأبقى، وقيل: المراد: إنها خير لكم من أن
تتصدقوا بها، وهو على اعتقادهم الخيرية فيها، وإلا فذرة من الآخرة خير من الدنيا
وما فيها. (الْوِتْرِ) بالجر بدل من صلاة بدل المعرفة من النكرة، وبالرفع خبر مبتدأ
محذوف بتقدير: هي الوتر. وجوز النصب بتقدير: أعني. (جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ) أي:

٢٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Mees
وقت الوتر. (فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ) فيه دليل على أن أول وقت
الوتر يدخل بالفراغ من صلاة العشاء، ويمتد إلى طلوع الفجر، كما قالت عائشة:
(وانتهى وتره إلى السحر)). قال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)): فيه دليل على أنه لا
يعتد به قبل العشاء بحال.
واستدل الحنفية بهذا الحديث على وجوب الوتر. وذلك بوجوه:
الأول: أنه أضاف الزيادة إلى الله تعالى، والسنن إنما تضاف إلى النبي اَلر.
والثاني: أن الزيادة إنما تتحقق في الواجبات؛ لأنها محصورة العدد، لا في
النوافل؛ لأنها لا نهاية لها.
والثالث: أن الزيادة على الشيء لا تتصور إلا إذا كان من جنس المزيد عليه.
والرابع: أنه جعل له وقتًا معينًا، وهو من أمارات الوجوب، وقد رد عليهم ابن
العربي في ((شرح الترمذي))، حيث قال: به احتج علماء أبي حنيفة، فقالوا: إن
الزيادة لا تكون إلا من جنس المزيد عليه، وهذه دعوى، بل تكون الزيادة من غير
جنس المزيد، كما لو ابتاع بدرهم، فلما قضاه زاده ثمنًا أو ربحًا؛ إحسانًا، كزيادة
النبي ◌َّ لجابر في ثمن الجمل، فإنها زيادة، وليست بواجبة. وليس في هذا الباب
حدیث صحیح یتعللون به، انتهى.
وقال الحافظ في ((الدارية)): ليس في قوله: ((زَادَكُمْ)) دلالة على وجوب الوتر؛
لأنه لا يلزم أن يكون المزاد من جنس المزيد، فقد روى محمد بن نصر المروزي
في ((الصلاة)) من حديث أبي سعيد رفعه: ((إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلَةً إِلَى صَلَائِكُمْ، هِيَ
خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النِّعَمِ، أَا وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ))، وأخرجه البيهقي (ج٢
ص٤٦٩) ونقل عن ابن خزيمة أنه قال: لو أمكنني لرحلت في هذا الحديث،
انتھی.
قلت: حديث أبي سعيد هذا يرد على جميع وجوه استدلالهم المتقدمة، ويقطع
جميع ما ذكره صاحب ((البدائع)) من وجوه الاستدلال، وهو حديث مشكل على
الحنفية جدًّا. وقد ذكر ابن الهمام في ((فتح القدير على الهداية)) هذا الإشكال، ثم
قال: فالأولى التمسك بما في ((أبي داود)) عن بريدة مرفوعًا: ((الْوِتْرُ حَقٌ، فَمَنْ لَمْ

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
Heess
٢٥٩
يُؤِْرُ فَلَيْسَ مِنِّي ... )» إلخ.
قلت: يريد به ما سيأتي في الفصل الثالث من حديث بريدة بلفظ: ((الْوِتْرُ حَقٌّ،
فَمَنْ لَمْ يُؤْتِرُ فَلَيْسَ مِنَّا ... )) إلخ. وسيأتي هناك الجواب عنه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا الطحاوي (ج١ ص ٢٥٠) والحاكم (ج١
ص٣٠٦) وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه لتفرد التابعي عن
الصحابي، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (ج٤ ق١ ص١٣٩)
والبيهقي (ج٢ ص ٤٦٩ و ٤٧٨) والدار قطني (ص٢٧٤) والطبراني وابن عدي في
((الكامل)) وابن عبد الحكم في ((فتوح مصر)) (ص٢٥٩، ٢٦٠) كلهم من طريق
عبد الله بن راشد الزوفي أبي الضحاك عن عبد الله بن أبي مرة، عن خارجة بن
حذافة. وعبد الله بن راشد: قال الحافظ في ((التقريب)): مستور. وقال الذهبي في
((الميزان)) في ترجمته: روى عن عبد الله بن أبي مرة الزوفي، عن خارجة بحديث
الوتر، رواه عنه يزيد بن أبي حبيب، وخالد بن يزيد قيل: لا يعرف سماعه من ابن
أبي مرة. قلت: ولا هو بالمعروف. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، انتهى.
قال الحافظ في ((التهذيب)): وقال - أي: ابن حبان - يروي عن عبد الله بن أبي
مرة إن كان سمع منه، ومن اعتمده فقد اعتمد إسنادًا مشوشًا، انتهى.
وأما عبد الله بن أبي مرة: فقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق. أشار البخاري
إلى أن روايته عن خارجة منقطعة. وقال في ((التهذيب)): لا يعرف سماعه من ابن
أبي مرة. قلت: نقل ابن عدي في ((الكامل)) عن البخاري، أنه قال: لا يعرف سماع
بعض هؤلاء من بعض. وقال ابن حبان: إسناد منقطع، ومتن باطل، انتهى.
لكن الحديث له شواهد: منها: حديث عمرو بن العاص وعقبة بن عامر،
أخرجه ابن راهويه والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)). وفيه سويد بن عبد العزيز،
وهو متروك، قاله الهيثمي (ج٢ ص ٣٤٠). ومنها: حديث ابن عباس، أخرجه
الدار قطني والطبراني، وفي سنده النضر أبوعمر الخزاز، وهو ضعيف، ومنها:
حديث أبي بصرة أخرجه أحمد والحاكم والطبراني. وبعض أسانيده صحيح.
ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه الدار قطني. وفي سنده
محمد بن عبيد اللّه العزرمي، وهو متروك، وأخرجه أيضًا أحمد. وفي سنده