Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠٠
eret
*a
*
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال النووي: في الحديث: الحث على المداومة على العمل، وإن قليله الدائم
خير من كثير ينقطع، وإنما كان كذلك؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر،
والمراقبة، والنية، والإخلاص، والإقبال على الخالق سبحانه وتعالى، بخلاف
الكثير المنقطع، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا
كثيرة. وقال ابن الجوزي: إنما أحب الدائم لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل
بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، وهو متعرض للذم، ولذا ورد الوعيد في
حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه. والثاني: أن
مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتًا ما كمن لازم
يومًا كاملا ثم انقطع، انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في باب: القصد والمداومة على العمل من كتاب
الرقاق. ومسلم في الصلاة. وأخرجه أيضًا مالك والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(ج ٢ ص ٤٨٥) بألفاظ متقاربة. قال في ((الأزهار)): هذا الحديث من إفراد مسلم.
قال الأبهري: لعل المصنف جعله متفقًا عليه، لما روى البخاري عن مسروق قال:
سألت عائشة أي: الأعمال أحب إلى النبي وَّ؟: قالت: الدائم، انتهى. فتكون
رواية البخاري نحو رواية مسلم في المعنى، ويكون الحديث متفق عليه بتفاوت
يسير في اللفظ، والمصنف قد لا يلتفت إليه. قلت: الحديث بهذا السياق موجود
في البخاري، فقد روي من طريق أبي سلمة عن عائشة أن رسول اللَّهُ وَّلَه قال:
((سَدِّدِوا، وَقَارِبُوا .. ))، الحديث. وفيه: ((أَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللهِ وَإِنْ
قَلَّ))، وفي رواية: قالت: سئل النبي ◌ِّل أي: الأعمال أحب إلى الله؟ قال:
((أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ))، وقال: ((اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ)).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
getH
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
HENCE
196
* * cese
٢٠١
١٢٥١ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ
مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)).
{صحيح}
الشّرْجُ
١٢٥١ - قوله: (خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ) أي: من أعمال البر صلاة وغيرها،
وحمله الباجي وغيره على الصلاة خاصة؛ لأن الحديث ورد فيها؛ لما روى مسلم
عن عائشة، أن الحولاء بنت تويت مرت بها، وعندها رسول اللَّه ◌َلَه، فقلت: هذه
الحولاء بنت تويت، زعموا أنها لا تنام الليل. وفي رواية: ((لَا تَنَامُ تُصَلِّي))، فقال
رسول اللَّهُ وَّ: (لَا تَنَامُ اللَّيْلَ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ ... )) إلخ. وحمله على جميع
العبادات أولى؛ لأن العبرة لعموم اللفظ. وقال عياض: يحتمل أن يكون هذا خاصًّا
بصلاة الليل، ويحتمل أن يكون عامًّا في الأعمال الشرعية. قال الحافظ: سبب
وروده خاص بالصلاة، ولكن اللفظ عام، وهو المعتبر، وعدل عن خطاب النساء
إلى الرجال تعميمًا للحكم، فغلب الذكور على الإناث في الذكر. (مَا تُطِيقُونَ)
أي: الذي تطيقون المداومة عليه، وحذف العائد للعلم به.
قال الحافظ: أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقة
يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن
تكلف ما لا يطاق. (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الميم فيها. قال البيضاوي:
الملال فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء، فيوجب الكلال في الفعل،
والإعراض عنه، وأمثال ذلك على الحقيقة إنما تصدق في حق من يعتريه التغير،
والانكسار، فأما من تنزه عن ذلك، فيستحيل تصور هذا المعنى في حقه، فإذا أسند
إليه أوّل بما هو منتهاه، وغايته كإسناد الحياء وغيره إلى الله تعالى، فالمعنى - والله
أعلم - اعملوا حسب وسعكم وطاقتكم، فإن الله لا يعرض عنكم إعراض الملول
عن الشيء، ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم نشاط، فإذا فترتم فاقعدوا،
فإنكم إذا مللتم عن العبادة، وأتيتم بها على وجه كلال وفتور، كان معاملة الله
(١٢٥١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٤٣)، مُسْلم (٧٨٥) عنها فيما ذُكِرَ.
٢٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
معکم حينئذٍ معاملة ملول عنكم.
وقال التوربشتي: إسناد الملال إلى الله تعالى على طريقة المشاكلة،
والإزدواج، وهو أن تكون إحدى اللفظتين موافقة للأخرى، وإن خالفتها معنى،
والعرب تفعل ذلك، إذا جعلو ((ما)) جوابًا وجزاء لها، وإن كانت مخالفة في
المعنى، فمعنى الحديث لا يقطع ثواب عملكم، حتى تتركوا العمل ملالاً، وسآمة
من كثرته وثقله، فعبر عن ترك الإثابة، وقطع الجزاء بالملال؛ لأنه بحذائه وجواب
له، فهو لفظ خرج على مثال لفظ كقول الله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
[الشورى: ٤٠] ومنه قول عمرو بن كلثوم التغلبي:
ألا لا يَجهَلَنْ أَحَدٌ عَلَينا فَنَجِهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهلينَا.
ومن المستبعد أن يفتخر ذو عقل بجهل، وإنما أراد فنجازية لجهله، ونعاقبه على
سوء صنيعة. والحاصل: أنه أطلق لفظ الملال على الله على جهة المقابلة اللفظية
مجازًّا. قال القرطبي: وجه مجازه أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل
ملالًا عبر عن ذلك بالملال؛ من باب تسمية الشيء باسم سببة.
وقال الهروي: معناه: لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فتزهدوا في
الرغبة إليه. وقيل: معناه: لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتی یتناهی جهدكم،
وهذا كله بناء على أن حتى على بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها من
المفهوم. وجنح بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه: لا يمل اللَّه إذا مللتم، أو لا
يمل أبدًا وإن مللتم، وهو مستعمل في كلام العرب، ومنه: قولهم في البليغ: لا
ينقطع حتى تنقطع خصومه، أي: لا ينقطع بعد انقطاع خصومه، بل يكون على ما
كان عليه قبل ذلك، فإنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية. وقيل: إن
((حَتَّى)) بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يمل وأنتم تملون، فنفي عنه الملل، وأثبته
لهم. وقيل: حتى بمعنى حين لا يمل حين تملون.
قال الحافظ: كونه على طريق المشاكلة، والإِزدواج أولى، وأجرى على
القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية، ويؤيده ما وقع في بعض طرق حديث
عائشة: ((فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ))، لكن في سنده موسى
ابن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. وأخذ بظاهر الحديث جماعة من الأئمة فقالوا:
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
٢٠٣
يكره قيام جميع الليل، وبه قال مالك مرة ثم رجع عنه، وقال: لا بأس به ما لم يضر
بصلاة الصبح، فإن كان يأتي وهو ناعس فلا يفعل، وإن كان إنما يدركه كسل
وفتور، فلا بأس به. وكذا قال الشافعي: لا أكرهه إلا لمن خشي أن يضر بصلاة
الصبح، قاله الزرقاني. (مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم. وآخره أيضًا مالك وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص١٧).
١٢٥٢ - [٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ
نَشَاطَهُ، وَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)).
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١٢٥٢ - قوله: (لِيُصَلِّ) بكسر اللام. (نَشَاطَهُ) بفتح النون أي: قدر نشاطه،
أو مدة نشاطه، وزمان انبساطه، فنصبه على الظرفية، أو صلاته التي ينشط لها.
(وَإِذَا فَتَرَ) بفتح التاء المثناة فوق، أي: ضعف وكسل في أثناء القيام. (فَلْيَقْعُدْ) أي:
ويتم صلاته قاعدًا، أو إذا فتر بعد فراغ بعض التسليمات، فليقعد لإيقاع ما بقي من
نوافله قاعدًا، أو إذا فتر بعد انقضاء البعض، فليترك بقية النوافل جملة إلى أن
يحدث له نشاط، أو إذا فتر بعد الدخول فيها، فليقطعها، خلافًا للمالكية حيث
منعوا من قطع النافلة بعد التلبس بها، ذكره القسطلاني. والحديث طرف من
حديث طويل. أخرجه الشيخان وغيرهما، ذكر في أوله سبب هذا القول وهو أنه
قال أنس: دخل النبي ◌َّر المسجد، فإذا حبل ممدود بين ساريتين أي: من سواري
المسجد، فقال: ((مَا هَذَا الْحَبْلُ؟» قالوا: هذا حبل لزينب أي: ابنة جحش أم
المؤمنين، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي وَلَّ: ((لَاَ، حُلَّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ ... )) إلخ.
قال الحافظ: والحديث فيه: الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن
التعمق فيها، والأمر بالإقبال عليها بنشاط، وفيه: إزالة المنكر باليد واللسان،
(١٢٥٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٥٠)، ومُسْلِم (٢١٩/ ٧٨٤) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، وأَبُو دَاوُد (١٣١٢)،
والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٣٠٦).
٢٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وجواز تنفل النساء في المسجد، واستدل به على كراهة التعلق في الحبل في
الصلاة، انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج ٣ ص١٨).
١٢٥٣ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِذَا نَعَسَ
أَحَدُكُمْ وَهُو يُصَلِّي، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا صَلَّى
وَهُو نَاعِسٌ، لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ)).
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١٢٥٣ - قوله: (إِذَا نَعَسَ) بفتح العين من بابي فتح ونصر. (أَحَدُكُمْ) أي :
أخذته فترة في حواسه، فقارب النوم والنعاس بضم العين فترة في الحواس، أو
مقاربة النوم، أو الوسن، وأول النوم وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي
العين، ولا تصل إلى القلب، فإذا وصلته كان نومًا، وفي العين والمحكم النعاس
النوم. وقيل: مقاربته. قال الحافظ: المشهور التفرقة بينهم، ا وإن من قرت حواسه
بحیث یسمع كلام جلیسه، ولا يفهم معناه، فهو ناعس، وإن زاد علی ذلك فهو
نائم. ومن علامات النوم الرؤيا طالت، أو قصرت. (وَهُوَ يُصَلِّي) جملة اسمية في
موضع الحال. وفي رواية أبي داود: ((وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ)). قيل المراد: في صلاة
الليل؛ لأنها محل النوم غالبًا، وهذا عند مالك وجماعة. وقال النووي: الجمهور
على عمومها الفرض والنفل ليلًا، أو نهارًا لكن لا يخرج فريضة عن وقتها.
(فَلْيَرْقُدْ) بضم القاف من باب نصر، أي: فلينم احتياطًا؛ لأنه علل بأمر محتمل،
كما سيأتي، والأمر للندب، قاله الزرقاني. وفي حديث أنس عند البخاري:
(فَلْيَنَمْ))، وعند محمد بن نصر في قيام الليل: ((فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَرْقُدْ))، وفي حديث أبي
هريرة عند أبي داود وغيره: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ،
فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ))، وفي رواية عائشة عند النسائي: (فَلْيَنْصَرِفْ)) أي: بعد
(١٢٥٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٢١٢)، ومُسْلِم (٧٨٦/٢٢٢) عَنْهَا فِيهِ .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
Eize
٢٠٥
أن يتم صلاته مع تخفيف، لا أنه يقطع الصلاة بمجرد النعاس، خلافًا للمهلب
حيث حمله على ظاهره، فقال: إنما أمر بقطع الصلاة لغلبة النوم، فدل على أنه،
إذا كان نعاس أقل من ذلك عفي عنه، انتهى. وقد تقدم أن هذا الحديث حمله
مالك، وطائفة على نفل الليل خلافًا للجمهور.
قال المهلب: إنما هذا في صلاة الليل؛ لأن الفريضة ليست في أوقات النوم،
ولا فيها من التطويل ما يوجب ذلك، انتهى.
قال الحافظ: قد قدمنا أن الحديث جاء على سبب، لكن العبرة بعموم اللفظ،
فيعمل به أيضًا في الفرائض ما أمن بقاء الوقت، انتهى. قلت: أشار الحافظ بقوله:
قدمنا أنه جاء على سبب إلى ما روى محمد بن نصر في ((قيام الليل)) (ص ٧٧) عن
عائشة قالت: مرت برسول الله وَ لَه الحولاء بنت تويت، فقيل له: يا رسول الله،
إنها تصلي بالليل صلاة كثيرة، فإذا غلبها النوم ارتبطت بحبل فتعلقت به، فقال
رسول اللَّه ◌َله: ((بَلْ تُصَلَّ مَا قَوِيَتْ عَلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا نَعَسَتْ فَلْتَنَمْ))، (حَتَّى يَذْهَبَ
عَنْهُ النَّوْمُ) أي: ثِقِله، فالنعاس سبب للأمر بالنوم. (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ) علة للرقاد، وترك
الصلاة. (إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ) جملة حالية يريد أنه إذا صلى في حال غلبة النوم.
(لَا يَدْرِي) أي: ما يفعل فحذف المفعول للعلم به واستأنف بيانًا قوله: (لَعَلَّهُ
يَسْتَغْفِرُ) بالرفع أي يريد أن يدعو، ويستغفر لنفسه. (فَيَسُبَّ نَفْسَهُ) أي: يدعو
عليها، وقد صرح به النسائي في روايته: والمعنى: يريد ويقصد: أن يستغفر له
فيسب نفسه، أي: يدعو عليها من حيث لا يدري، مثلًا: يريد أن يقول: اللهم اغفر
لي، فيقول: اللهم اغفر لي، والعفر هو التراب، فيكون دعاء عليه بالذل والهوان،
وهو تمثيل، وإلا فلا يشترط التصحيف.
وقوله: (فَيَسُبَّ) بالنصب جوابًا لـ((لعل))، والرفع عطفًا على (يَسْتَغْفِرُ)، وجعل
ابن أبي جمرة علة النهي؛ خشية أن يوافق ساعة للإجابة. قال القسطلاني:
والترجي في لعل عائد إلى المصلي لا إلى المتكلم به، أي: لا يدري أمستغفر؟ أم
ساب مترجيًّا للاستغفار؟ وهو في الواقع بضد ذلك، وغاير بين لفظي النعاس فقال
في الأول: نعس بلفظ الماضي، وهنا بلفظ اسم الفاعل؛ تنبيهًا على أنه لا يكفي
تجدد أدنى نعاس، وتقضيه في الحال، بل لا بد من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم
درايته بما يقول، وعدم علمه بما يقرأ، انتهى. وقال الطيبي: الفاء في ((فَيَسُبَّ))
٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
للسببية، كاللام في قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَا﴾.
[القصص: ٨]. قال المالكي: يجوز في ((فَيَسُبَّ)) الرفع باعتبار عطف الفعل على الفعل،
والنصب باعتبار جعل فيسب جوابًا لـ((لعل))، فإنها مثل ليت في اقتضائها جوابًا
﴾ [عبس: ٣، ٤]
منصوبًا، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَزََّّى جَ أَوْ يَذَكَّرُ فَنَفَعَهُ الذِّكْرَّ
نصبه عاصم ورفعه الباقون، انتهى كلامه.
قال الطيبي: النصب أولى لما مر؛ ولأن المعنى: لعله يطلب من اللَّه لذنبه
الغفران؛ ليصير مزكى فيتكلم بما يجلب الذنب فيزيد العصيان، فكأنه سب نفسه،
انتهى. والحديث يدل على أن النعاس لا ينقض الوضوء؛ إذ لو كان ناقضًّا للوضوء
لما منع الشارع عن الصلاة؛ بخشية أن يدعو على نفسه، بل وجب أن يذكر الشارع
أنه لا تصح صلاته مع النعاس، أو نحوه؛ لانتقاض وضوئه، وفيه: الحث على
الإقبال على الصلاة بخشوع، وفراغ قلب ونشاط، وفيه: أمر الناعس بالنوم، أو
نحوه مما يذهب عنه النعاس، وفيه اجتناب المكروهات في الطاعات، وجواز
الدعاء في الصلاة من غير تقييد بشيء معين. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا الترمذي
وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص١٦).
١٢٥٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ
الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا،
وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ، وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)). [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٢٥٤ - قوله: (إِنَّ الدِّينَ) وفي رواية النسائي: ((إِنَّ هَذَا الدِّينَ)) أي: دين
الإسلام. (يُسْرٌ) بضم الياء التحتية وسكون السين أي: مبني على اليسر والسهولة،
فلا تشددوا على أنفسكم على دأب الرهبانية، وقيل: (يسر)) مصدر وضع موضع
المفعول مبالغة، ذكره الطيبي. وقال القسطلاني: أي: ذو يسر، وذلك لأن الالتئام
بين الموضوع، والمحمول شرط، وفي مثل هذا لا يكون إلا بالتأويل، أو هو اليسر
(١٢٥٤) البُخَارِي (٣٩)، وَالنَّسَائِي (١٢١/٨) عَنْهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
٢٠٧
نفسه، كقول بعضهم في النبي وَلَه، إنه عين الرحمة مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَمَاً
﴾ [الأنبياء: ١٠٧] كأنه لكثرة الرحمة المودعة فيه صار
أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
نفسها، والتأكيد: بأن فيه رد على منكر يسر هذا الدين، فإما أن يكون المخاطب به
منكرًا، أو على تقدير تنزيله منزلته، أو على تقدير المنكرين غير المخاطبين، أو
لكون القصة مما يهتم بها. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيِنِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]،
وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وسماه يسرًا
بالنسبة إلى ذاته، أو بالنسبة إلى سائر الأديان؛ لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمة
الإصر الذي كان على من قبلهم.
ومن أوضح الأمثلة له: أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع
والعزم والندم. (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ) بضم الياء وتشديد الدال للمغالبة من
الشدة، وهو منصوب بـ(لن)). والدين منصوب على المفعولية، وأصله لا يقاوم
الدين، ولا يقابله أحد بالشدة، ولا يجري بين الدين، وبينه معاملة بأن یشدد كل
منهما على صاحبه (إِلَّا غَلَهُ) الدين ويعجزه عن العمل، والمعنى: لا يتعمق أحد في
الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز. وانقطع عن عمله كله، أو بعضه فيغلب.
والمقصود: أنه لا يفرط أحد فيه، ولا يخرج عن حد الاعتدال.
قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس
قبلنا أن كل متنطع أي: منفرد ومتعمق في الدين ينقطع، وليس المراد منه: منع
طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة بل منع الإفراط المؤدي إلى
الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن
وقته، كمن بات يصلي طول الليل كله، ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر
الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى
أن طلعت الشمس، فخرج وقت الفريضة. وفي حديث محجن بن الأدرع عند
أحمد: لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة، وخير دينكم اليسرة. وقد يستفاد من هذا:
الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة
تنطع، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي به استعماله إلى
حصول الضرر.
(فَسَدِّدُوا) بالمهملة من السداد، وهو القصد، والتوسط في العمل، أي: الزموا
٢٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السداد أي: الصواب من غير إفراط، ولا تفريط. (وَقَارِبُوا) في العبادة وهو
بالموحدة أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا بما يقرب منه.
قال الطيبي: الفاء جواب شرط محذوف يعني: إذا بينت لكم ما في المشادة من
الوهن، فسددوا أي: أطلبوا السداد، وهو القصد المستقيم الذي لا ميل فيه،
وقاربوا تأكيد للتسديد من حيث المعنى. يقال: قارب فلان في أموره، إذا اقتصد.
(وَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة من الإبشار. وفي لغة: بضم الشين من البشرى، بمعنى
الإبشار، أي: أبشروا بالثواب الجزيل على العمل الدائم، وإن قل. والمراد:
تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم
نقص أجره، وأبهم المبشر به؛ تعظيمًا له، وتفخيمًا. (وَاسْتَعِينُوا) على مداومة
العبادة من بين الأوقات.
(بِالْغَدْوَةِ) بفتح أوله وضمه وسكون الثانية، سير أول النهار إلى الزوال، أو ما
بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. وقال الطيبي: الغدوة بالضم، ما بين صلاة
الغدوة إلى طلوع الشمس، وبالفتح المرة من الغدو وهو سير أول النهار، نقيض
الرواح. (وَالرَّوْحَةِ) بالفتح، اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل. وقيل: السير
بعد الزوال. (وَشَيْءٍ) أي: واستعينوا بشيء ولو قليل، وفي تنكير شيء الدال على
القلة إشارة إلى، أنه لا ينبغي أن يترك القيام بالليل، ولو يسيرًا، فإن الإكثار فيه
يتعب الجسد، ويضر بالمزاج. (مِنْ الدُّلْجَةِ) بضم أوله وفتحه وإسكان اللام، سیر
آخر الليل. وقيل: سير الليل كله، ولهذا عبر فيه بالتبعيض، ولأن عمل الليل أشق
من عمل النهار. وهذه الأوقات الثلاثة أطيب أوقات المسافر. والمعنى: استيعنوا
على مدوامة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة، وفيه: تشبه للسفر إلى الله
تعالى بالسفر الحسي، ومعلوم أن المسافر إذا استمر على السير انقطع وعجز، وإذا
أخذ الأوقات المنشطة نال المقصد بالمداومة.
قال القسطلاني: في هذا استعارة الغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة،
لأوقات النشاط، وفراغ القلب للطاعة؛ فإن هذه الأوقات أطيب أوقات المسافر،
فكأنه وَلّ خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبهه على أوقات نشاطه، فإن المسافر إذا
سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
٢٠٩
المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحسن هذه الاستعارة، أن الدنيا في
الحقيقة دار نقله إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها
البدن للعبادة.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في كتاب الإيمان، وأخرجه أيضًا النسائي فيه وأحمد وابن حبان
والبيهقي (ج٣ ص١٨) كلهم من طريق عمر بن علي المقدمي عن معن بن محمد
الغفاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة وعمر بن علي، هذا بصري
ثقة لكنه مدلس شديد التدليس، وصفه بذلك ابن سعد وغيره. وهذا الحديث من
أفراد البخاري عن مسلم، وصححه، وإن كان من رواية مدلس بالعنعنة؛ لتصريحه
فيه بالسماع من طريق أخرى، فقد رواه ابن حبان في ((صحيحه)) من طريق أحمد بن
المقدام أحد شيوخ البخاري عن عمر بن علي المذكور قال: سمعت معن بن
محمد، فذكره، وهو من أفراد معن بن محمد، وهو ثقة قليل الحديث، لكن تابعه
على شقه الثاني ابن أبي ذئب عن سعيد. أخرجه البخاري في كتاب الرقاق بمعناه،
ولفظه: ((سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا)) وزاد في آخره: ((وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُو))، ولم يذكر شقه
الأول. ومن شواهد حديث عروة الفقيمي عن النبي وَ لّ قال: ((إِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ))،
ومنها حديث بريرة قال: قال رسول اللَّه ◌َله: ((عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ
الدِّينَ يَغْلِبْهُ))، رواهما أحمد وإسناد كل منهما حسن، كذا في ((الفتح)).
١٢٥٥ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلَّهِ: ((مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ،
أَوَعَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظَّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا
قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ».
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٢٥٥ - قوله: (مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ) بكسر الحاء المهملة وسكون الزاي
المعجمة وبالموحدة، هو ما يجعله الإنسان وظيفة له من صلاة، أو قراءة، أو
(١٢٥٥) مُسْلِم (٧٤٧/١٤٢)، وَأَبُو دَاوُد (١٣١٣)، والترمذي (٥٨١)، وابن ماجه (١٣٤٣)،
والنَّسَائِي (٢٥٩/٣) عَنْهُ فِيهِ.
Beext
٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
غيرهما. وقال السيوطي: الحزب هو الجزء من القرآن يصلى به. وقال العراقي:
هل المراد به صلاة الليل، أو قراءة القرآن في صلاة، أو غير صلاة؟ يحتمل كلا من
الأمرين، انتهى. والمعنى: من فاته ورده كله في الليل لغلبة النوم. والحمل على
الليل بقرينة النوم، ويشهد له آخر الحديث، وهو قوله: ((مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةٍ
الظَّهْرِ))، ويؤيده قوله في رواية للنسائي: ((مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ - أَوْ قَالَ - : عَنْ جُزْئِهِ
مِنَ اللَّيْلِ)). (أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ) أي: من حزبه أي: فاته بعض ورده. (كُتِبَ لَهُ)
جواب الشرط. (كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ) صفة مصدر محذوف أي: أثبت أجره في
صحيفة عمله إثباتًا، مثل إثباته حين قرأه من الليل.
وقوله: (كُتِبَ لَهُ ... ) إلخ. قال القرطبي: هذا تفضل من الله تعالى، وهذه
الفضيلة، إنما تحصل لمن غلبه نوم، أو عذر منعه من القيام مع أن نيته القيام،
وظاهره: أن له أجره مكملاً مضاعفًا، وذلك لحسن نيته، وصدق تلهفه، وتأسفه،
وهو قول بعض شيوخنا. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون غير مضاعف؛ إذ التي
يصليها أكمل وأفضل، والظاهر هو الأول، قلت: بل هو المتعين، وإلا فأصل
الأجر يكتب بالنية.
قال الشوكاني: الحديث يدل: على مشروعية اتخاذ ورد في الليل، وعلى
مشروعية قضائه، إذا فات لنوم، أو عذر من الأعذار، وأن من فعله ما بين صلاة
الفجر إلى صلاة الظهر، كان كمن فعله في الليل. وقد ثبت من حديث عائشة عند
مسلم والترمذي وغيرهما: أن النبي ◌َلو كان إذا منعه من قيام الليل نوم، أو وضع
صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة، وفيه: استحباب قضاء التهجد، إذا فاته من
اللیل، انتهى.
وفي الحديث إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ
﴾ [الفرقان: ٦٢]، قال القاضي: أي: ذوي خلفة يخلف كل
أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
منهما الآخر يقوم مقامه، فيما ينبغي أن يعمل فيه من فاته ورده في أحدهما تدار كه
في الآخر، انتهى. وهو منقول عن كثير من السلف كابن عباس وقتادة والحسن
وسلمان، كما ذكره السيوطي في ((الدر))، فتخصيصه بما قبل الزوال مع شمول
الآية النهار بالكمال، إشارة إلى المبادرة بقضاء الفوت قبل إتيان الموت؛ أو لأن ما
قارب الشيء یعطی حکمه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
EE
٢١١
(رَوَاهُ مُسْلِم) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه،
وأخرجه مالكَ موقوفًا على عمر من قوله، والبيهقي مرفوعًا وموقوفًا (ج٢
ص٤٨٥). والحديث مما استدركه الدار قطني على مسلم، وزعم أنه معلل؛ بأن
جماعة رووه هكذا مرفوعًا، وجماعة رووه موقوفًا.
قال النووي: وهذا التعليل فاسد. والحديث صحيح، وإسناده صحيح أيضًا،
لما بينا أن الصحيح، بل الصواب الذي عليه الفقهاء، والأصوليون، ومحققوا
المحدثين، أنه إذا روي الحديث مرفوعًا، وموقوفًا، أو موصولا ومرسلًا حكم
بالرفع والوصل؛ لأنها زيادة ثقة. وسواء كان الرافع، والواصل، أكثر أو أقل في
الحفظ والعدد.
١٢٥٦ - [٨] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ :
((صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشُّؤْخُ
١٢٥٦ - قوله: (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) مصغرًا (صَلِّ) أي: الفرض،
والحديث خرج جوابًا عن سؤال، كما يدل عليه أوله، قال أي: عمران بن حصين :
كانت بي بواسير، فسألت رسول اللّه وَ له عن الصلاة فقال: ((صَلِّ قَائِمًا)).
والبواسير جمع باسور، يقال بالموحدة وبالنون، والذي بالموحدة ورم في باطن
المقعدة. وقيل: علة في المقعدة يسببها تمدد عروق المقعدة، ويحدث فيها نزف
دم. وقيل: هو في عرف الأطباء نفاطات تحدث على نفس المقعدة، ينزل منها كل
وقت مادة، والذي بالنون قرحة فاسدة في البدن لا تقبل البرأ، ما دام فيها ذلك
الفساد. والمراد بقوله: ((عن الصلاة)) أي: عن صلاة المريض بدليل قوله: ((كانت
بي بواسير)). وفي رواية الترمذي: سألت عن صلاة المريض.
(قَائِمًا) هذا صريح في وجوب القيام في الفرض في حق المستطيع، إذ السؤال
(١٢٥٦) البُخَارِي (١١١٧) عَنْهُ فِيهِ.
٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ea
MEN
كان فيه دون النوافل، فراكب السفينة، يجب له القيام إن استطاعه كما عليه
الجمهور. ومن يجوز القعود له يجعل مظنة عدم الاستطاعة بمنزلة عدم
الاستطاعة. (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ) أي: القيام. (فَقَاعِدًا) أي: فَصَلِّ حال كونك قاعدًا،
واستدل به من قال: لا ينتقل المريض إلى القعود، إلا بعد عدم القدرة على القيام.
وقد حكاه عياض عن الشافعي، وعن مالك وأحمد وإسحاق: لا يشترط العدم بل
وجود المشقة، ويدل لذلك حديث ابن عباس عن النبي وَّ قال: ((يُصَلِّي الْمَرِيضُ
قَائِمًا، فإن نالته مشقة صلى جالسًا، فإن نالته مشقة صلى نائمًا يؤمئ برأسه)). أخرجه
الطبراني في ((الأوسط)). وقال: لم يروه عن ابن جريج إلا حلس بن محمد
الضبعي. قال الهيثمي: ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات، انتهى.
قال الحافظ: والمعروف عند الشافعية: أن المراد بنفي الاستطاعة وجود المشقة
الشديدة بالقيام، أو خوف زيادة المرض، أو الهلاك، ولا يكتفي بأدنى مشقة، ومن
المشقة الشديدة دوران الرأس في حق راكب السفينة، وخوف الغرق لو صلى قائمًا
فيها. قلت: ويدل لذلك حديث جعفر بن أبي طالب: أن النبي ◌ّ أمره أن يصلي في
السفينة قائمًا، إلا أن يخشى الغرق. أخرجه البزار، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله
ثقات، وسنده متصل، قاله الهيثمي. قال الحافظ: ولم يبين كيفية القعود، فيؤخذ
من إطلاق قوله: (فَقَاعِدًا) أنه يجوز أن يكون القعود على أي: صفة شاء المصلي،
وهو مقتضى كلام الشافعي في البويطي. وقد اختلف في الأفضل: فعن الأئمة
الثلاثة: يصلي متربعًا واضعًا ليديه على ركبتيه. وقيل: يجلس مفترشًا، وهو موافق
لقول الشافعي في ((مختصر المزني)). وصححه الرافعي ومن تبعه. وقيل: متورًا.
في كل منها أحاديث، انتهى. (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ) أي: القعود للمشقة.
(فَعَلَى جَنْبٍ) أي: فصل على جنبك. قال المجد بن تيمية في ((المنتقى)): وزاد
النسائي: (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًّا، لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا))، انتهى.
والمراد: الجنب الأيمن متوجهًا إلى القبلة، ففي حديث علي عند الدار قطني
مرفوعًا بإسناد ضعيف: ((يُصَلِّ الْمَرِيضُ قَائِمًا إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى
قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، وَجَعَلَ سَجُودَةَ أَخْفَضُ مِنْ رِكُوعِهِ، فَإِنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّي قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنِْهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ
يُصَلَّي عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ صَلَّى مُسْتَلْقِيًّا رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ))، وهو حجة للجمهور
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
ee
٢١٣
في الانتقال من القعود إلى الصلاة على الجنب الأيمن، قالوا: ويكون كتوجه
الميت في القبر. وعن الحنفية وبعض الشافعية: يستلقي على ظهره، ويجعل رجليه
إلى القبلة، وحديثا عمران وعلي يردان عليهم؛ لأن الشارع قدم فيهما الصلاة على
الجنب على الاستلقاء، وصرح بأن حالة الاستلقاء تكون عند العجز عن حالة
الاضطجاع. قال ابن الهمام: لا ينتهض حديث عمران حجة على العموم، فإنه
خطاب له، وكان مرضه البواسير وهو يمنع الاستلقاء، فلا يكون خطابه خطابًا
للأمة، انتهى.
قلت: يرد عليه حديث علي المذكور، فإنه خرج على وجه بيان الحكم لكل
مريض من غير تخصيص برجل دون رجل، ومرض دون مرض. واستدل بقوله:
((فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًّا))، على أنه لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى
حالة أخرى، كالإشارة بالرأس، ثم الإيماء بالطرف، ثم إجراء القرآن والذكر على
اللسان، ثم على القلب؛ لكون جميع ذلك لم يذكر في الحديث، وهو قول الحنفية
والمالكية وبعض الشافعية. وقال بعض الشافعية بالترتيب المذكور: لما كانت
القدرة شرطًا في الفرض، وسقط بالضرر، ففي النفل أولى، ففيه تنبيه على نوع
مناسبة للباب. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود وابن ماجه
وغيرهم.
١٢٥٧ - [٩] وعَنْهَ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ وَّهِ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، قَالَ:
((إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُو أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ
صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٥٧ - قوله: (وَعَنْهُ) أي: عمران بن حصين، وهذا حديث آخر لعمران غير
الحديث المتقدم، لا أنهما روايتان في حديث واحد، كما توهم بعضهم، وهما
حديثان صحيحان، وكل منها مشتمل على حكم غير الحكم، الذي اشتمل عليه
(١٢٥٧) البُخَارِي (١١١٦) عَنْ عِمرَانَ فِيهِ.
٢١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الآخر. (أَنَّهُ سَأَلَ) أي: عمران. (النَّبِيَّ نِّهَ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ) حال كونه. (قَاعِدًا)
سؤال عمران عن الرجل خرج مخرج الغالب. فلا مفهوم له، بل الرجل والمرأة في
ذلك سواء، والنساء شقائق الرجال. (قَالَ) وفي البخاري: ((فَقَالَ)) النبي ◌َ. (إِنْ
صَلَّى) حال كونه. (قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ) قال الخطابي: إنما هو في التطوع دون
الفرض؛ لأن الفرض لا جواز له قاعدًا والمصلي يقدر على القيام، وإذا لم يكن له
جواز لم يكن لشيء من الأجر ثبات، انتهى. وقال الحافظ: حكى ابن التين وغيره
عن أبي عبيد، وابن الماجشون، وإسماعيل القاضي، وابن شعبان، والإسماعيلي
والداودي وغيرهم: أنهم حملوا حديث عمران على المتنفل، وكذا نقله الترمذي
عن الثوري، قال: وأما المعذور إذا صلى جالسًا، فله مثل أجر القائم. وقد روي
في بعض الحديث مثل قول سفيان الثوري يشير إلى ما أخرجه البخاري من حديث
أبي موسى رفعه: ((إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ صَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ
مُقِيمٌ))، ولهذا الحديث شواهد كثيرة.
(وَمَنْ صَلَّى) أي: نفلًا حال كونه. (قَاعِدًا) أي: بغير عذر. (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ
الْقَائِم) قال النووي في ((الخلاصة)): قال العلماء: هذا في صلاة النافلة، أي: مع
القدرة على القيام. وأما الفرض فلا يجوز القعود فيه مع القدرة على القيام
بالإجماع، فإن عجز لم ينقص ثوابه، انتهى. (وَمَنْ صَلَّى) حال كونه (نَائِمًا) أي:
مضطجعا على هيئة النائم مع القدرة على القيام والقعود. (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ)
يستثني من عمومه النبي ◌َّر، فإن صلاته قاعدًا لا ينقص أجرها عن صلاته قائمًا؛
لحديث عبد الله بن عمرو الآتي في الفصل الثالث وقد عد الشافعية هذه المسألة
من خصائصه وَلهر. والحديث يدل: على أن يتطوع مضطجعًا على الجنب لغير
عذر، أي: مع القدرة على القيام والقعود. قال ابن حجر: فيه أبلغ حجة على من
حرم الاضطجاع في صلاة النفل مع القدرة على القعود.
وقال الطيبي: وهل يجوز أن يصلي التطوع نائمًا مع القدرة على القيام، أو
القعود؟ فذهب بعض: إلى أنه لا يجوز، وذهب قوم: إلى جوازه، وأجره نصف
القاعد، وهو قول الحسن، وهو الأصح والأولى؛ لثبوته في السنة، انتهى. قلت:
اختلف شراح الحديث في هذا الحديث، هل هو محمول على التطوع، أو على
الفرض في حق غير القادر؟ فحمله الجمهور على المتطوع القادر كما تقدم، وحمله
٢١٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
آخرون، ومنهم الخطابي على المفترض الذي يمكنه أن يتحامل، فيقوم مع مشقة
وزيادة ألم، فجعل أجره على النصف من أجر القائم؛ ترغيبًا له في القيام لزيادة
الأجر، وإن كان يجوز قاعدًا، وكذا في الاضطجاع. قال الخطابي في ((المعالم))
(ج١ ص٢٢٥): أما قوله: ((صلاته نائمًا على النصف من صلاته قاعدًا))، فإني لا
أعلم أني سمعته إلا في هذا الحديث، ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم، أنه رخص
في صلاة التطوع نائمًا، كما رخصوا فيها قاعدًا، فإن صحت هذه اللفظة عن
النبي ◌َّ، ولم تكن من كلام بعض الرواة أدرجه في الحديث، وقاسه على صلاة
القاعد، أو اعتبره بصلاة المريض نائمًا، إذا لم يقدر على القعود، فإن التطوع
مضطجعًا للقادر على القعود جائز، كما يجوز أيضًا للمسافر إذا تطوع على راحلته،
فأما من جهة القياس، فلا يجوز له أن يصلي مضطجعًا، كما يجوز له أن يصلي
قاعدًا؛ لأن القعود شكل من أشكال الصلاة، وليس الاضطجاع في شيء من أشكال
الصلاة، انتهى. وقد لخص الحافظ في ((الفتح)) كلام الخطابي، ثم نقل عنه أنه
قال: وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران: المريض المفترض الذي يمكنه أن
يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم؛ ترغيبًا له
في القيام مع جوازه قعوده، انتهى.
قال الحافظ: وهو حمل متجه قال: فمن صلى فرضًا قاعدًا، وكان يشق عليه
القيام أجزأه، وكان هو ومن صلى قائمًا سواء. فلو تحامل هذا المعذور، وتكلف
القيام ولو شق عليه كان أفضل لمزيد أجر تكلف القيام، فلا يمتنع أن يكون أجره
على ذلك نظير أجره على أصل الصلاة، فيصح أن أجر القاعد على النصف من أجر
القائم. ومن صلى النفل قاعدًا مع القدرة على القيام أجزأه، وكان أجره على
النصف من أجر القائم بغير إشكال، قال: ولا يلزم من اقتصار العلماء في حمل
الحديث على صلاة النافلة أن لا تراد الصورة التي ذكرها الخطابي. وقد ورد في
الحديث ما يشهد لها، فعند أحمد من طريق ابن جريج عن ابن شهاب عن أنس
قال: قدم النبي ◌َّ المدينة وهي محمة، فحم الناس، فدخل النبي ◌ُّ المسجد،
والناس يصلون من قعود، فقال: ((صلاة القاعد نصف صلاة القائم))، رجاله ثقات،
وعند النسائي متابع له من وجه آخر، وهو وارد في المعذور، فيحمل على من
تكلف القيام مع مشقته عليه، كما بحثه الخطابي، انتهى كلام الحافظ مختصرًا.
٢١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
قال الشيخ أحمد محمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)) (ج٢ ص ٢١٠) بعد نقل
كلام الخطابي ما لفظه: وكل هذا تكلف وتمحل من الخطابي؛ بناء على زعمه أنه
لم يرخص أحد من أهل العلم في صلاة التطوع نائمًا، فحاول تأوّل الحديث
ليخرجه عن معناه، أو التشكيك في صحة اللفظ في النائم، والحديث حجة على
أقوال العلماء، وليست أقوالهم حجة على الحديث، ومع ذلك فإن ما لم يعلمه
الخطابي من أقوال العلماء في هذا علمه غيره، فقد نقل الشوكاني عن الحافظ
العراقي قال: أما نفي الخطابي، وابن بطال للخلاف في صحة التطوع مضطجعًا
للقادر فمردود، فإن في مذهب الشافعية وجهين: الأصح منهما الصحة.
وعند المالكية فيه ثلاثة أوجه: حكاها القاضي عياض في ((الإكمال)). أحدها:
الجواز مطلقًا في الاضطرار، والاختيار للصحيح والمريض بظاهر الحديث، وهو
الذي به صدر القاضي كلامه. وقد روى الترمذي بإسناده عن الحسن البصري
جوازه، فكيف يدعي مع هذا الخلاف القديم، والحديث الاتفاق؟ انتهى. قلت:
الظاهر عندي هو: قول الجمهور، فالحديث محمول على المتطوع القادر،
والراجح: أنه يجوز صلاة التطوع مضطجعًا مع القدرة على القيام، أو القعود
لظاهر الحديث، والله أعلم.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج٢: ص٣٠٨ - ٤٩١).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
٢١٧
الفصل الثاني
١٢٥٨ - [١٠] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّهَ يَقُولُ: ((مَنْ أَوَى
إِلَى فِرَاشِهِ طَاهِرًا، وَذَكَرَ اللَّهُ، حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ لَمْ يَتَقَلَّبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ،
يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)).
[ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّي ] {ضعيف}
الشّرْحُ
١٢٥٨ - قوله: (مَنْ أَوَى) بالقصر ويمد. (إِلَى فِرَاشِهِ) أي: أتاه لينام، في
((النهاية)). أوى وآوى بمعنى واحد، يقال: أويت إلى المنزل، وآويت إليه،
وأويت غيري، وآويته. وأنكر بعضهم المقصور المتعدي. وقال الأزهري: هي لغة
فصيحة. وقال النووي: إذا أوى إلى فراشه فمقصور. وأما آوانا فممدود. هذا هو
الصحيح المشهور الفصيح. وحكي القصرِ فيهما وحكي المد فيهما، كذا في
((المرقاة)). (طَاهِرًا) أي: متوضئًا. (وَذَكَرَ اللَّهَ) بلسانه أي: نوع من الأذكار. ولفظ
الترمذي: ((يَذْكُرُ اللهُ))، وهي جملة حالية. (حَتَّى يُدْرِكَهُ النَّعَاسُ) بضم النون يعني :
حتى ينام. (لَمْ يَتَقَلّبْ) من التقلب أي: من جنب إلى جنب. وقال القاري: أي: لم
يتردد ذلك الرجل على فراشه، وفي ((عمل اليوم والليلة)) ((لَمْ يَنْقَلِبْ)) أي: من
الانقلاب، قيل: المراد من الانقلاب هنا: الاستيقاظ، والانتباه من النوم. (سَاعَةً)
بالنصب أي: في ساعة .
(يَسْأَلُ اللَّهَ) حال من فاعل (يَتَقَلَّبْ). (فِيهَا) أي: في تلك الساعة. (خَيْرًا) الخير
هنا ضد الشر. (مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) المراد من الخير الثاني: الجنس، والتنوين
في الأول للتنكير. (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ). قال الطيبي: هو أيضًا حال من يسأل، وجاز
لأن الكلام في سياق النفي، يعني: لا يكون للسائل حال من الأحوال في أي: زمان
من الليل، إلا كونه معطي إياه، أي: ما طلب فلا يخيب.
(١٢٥٨) ابْنُ السُّنِّيِّ في ((الكبرى)) (٧١٩) فِي «عَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)) عنه.
٢١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
(ذَكَرَهُ النَّوَويُّ) وفي بعض النسخ: النواوي، بالألف. (فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ)
(ص٧٥) في باب ما يقوله إذا أراد النوم، واضطجع على فراشه. (بِرِوَايَةِ ابْنِ
السُّنِّي) هو الإمام الحافظ الثقة أبوبكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن
أسباط الدينوري، مولى جعفر بن أبي طالب الهاشمي المعروف بابن السني، بضم
السين المهملة. وتشديد النون المكسورة. قيل: نسبة إلى العمل بالسنة، وهو
صاحب كتاب ((عمل اليوم والليلة)). وراوي ((سنن النسائي))، سمع النسائي وأبا
خليفة الجمحي، وزكريا الساجي وغيرهم، وأكثَرَ التِرْحَالَ. روى عنه خلق كثير،
كان دَيِّنًا، خَيِّرًا، صدوقًّا، عاش بضعًا وثمانين سنة. قال القاضي أبو زرعة روح بن
محمد سبط ابن السني: سمعت عمي علي بن أحمد بن محمد يقول: كان أبي
يكتب الحديث، فوضع القلم في أنبوبة المحبرة ورفع يديه يدعو الله تعالى فمات،
وذلك في آخر سنة أربع وستين وثلاث مائة. وروى ابن السني هذا الحديث في
آخر ((عمل اليوم والليلة)) في باب: ما يقول إذا أخذ مضجعه (ص٢٢٩) من طريق
شهر بن حوشب عن أبي أمامة، ومن هذا الطريق أخرجه الترمذي في الدعوات،
وقال: حديث حسن. وقد روي هذا أيضًا عن شهر بن حوشب عن أبي ظبية عن
عمرو بن عبسة عن النبي بَّه انتهى.
قال المنذري في كتابه ((عمل اليوم والليلة)): صنف العلماء في عمل اليوم والليلة
والدعوات كتبًا كثيرة، ومن أحسنها للإمام أبي عبد الرحمن النسائي، وأحسن منه
لصاحبه الحافظ أحمد بن محمد المعروف بابن السني الدينوري، المتوفى سنة
أربع وستين وثلاثمائة، وهو أجمع الكتب في هذا الفن لكنها مطولة، قال:
فحذفت الأسانيد؛ لضعف همم الطالبين، انتهى. وقد ورد في الباب أحاديث،
ذكرها ابن السني والمنذري والهيثمي.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
٢١٩
١٢٥٩ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ:
((عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلُ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى
صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ثَارَ عَنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ
بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ؛ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًّا مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلِ غَزَا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الانْهِزَامِ، وَمَا لَّهُ فِي
الرُّجُوعِ رَجَعَ، حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ
رَغْبَةً فِيَمَا عِنْدِي، وَشَفَقًّا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ)).
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٥٩ - قوله: (عَجِبَ رَبُّنَا) قيل: العجب روعة تعتري الإنسان عند استعظام
الشيء، والعجب لله بمعنى مجرد الاستعظام. قال الطيبي: أي: عظم ذلك عنده
وكبر لديه. وقيل: عجب ربنا أي: رضي وأثاب، والأول أوجه لقوله: ((أنظروا إلى
عبدي)) على وجه المباهاة، انتهى. (مِنْ رَجُلَيْنِ) قال القاري: أي: رضي واستحسن
فعلهما. (رَجُل) بالجر، بدل، وجوز الرفع، فالتقدير: أحدهما: أو منهما، أو هما
رجل. (ثَارَ) أَّ: قام على سرعة بهمة ونشاط ورغبة. (عَنْ وِطَائِهِ) بكسر الواو أي:
فراشه اللين. (وَلِحَافِهِ) بكسر اللام أي: ثوبه الذي فوقه. قيل: اللحاف كل ما
يلتحف به، أي: يتغطى، واللباس الذي فوق ما سواه. (مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ) بكسر الحاء
المهملة أي: محبوبه.
(فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ) أي: مباهاة لعبده. (انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي) أي: نظر الرحمة
المترتب عليه الاستغفار له، والشفاعة، والإضافة للتشريف، وأي تشريف، أو
تفكروا في قيامه من مقام الراحة. (رَغْبَةً) أي: لا رياء وسمعة بل ميلًا (فِيمَا عِنْدِي)
من الجنة والثواب، أو من الرضاء واللقاء يوم المآب. (وَشَفَقًّا) أي: حذرًا وخوفًا.
(مِمَّا عِنْدِي) من الجحيم وأنواع العذاب، أو من السخط والحجاب.
(١٢٥٩) أَحْمَد (٤١٦/١)، وَالْبَغَوِيُّ (٩٣٠) في ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) عنه.