Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال مَيْرََكَ: فإن قلت: ما الفرق بين هذا القول وقوله: فيما تقدم في باب
السجود: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؟)) قلت: المراد ههانا: بيان
وقت كون الرب أقرب من العبد، وهو جوف الليل، والمراد هناك: بيان أقربية
أحوال العبد من الرب، وهو حال السجود، تأمل، انتهى. يعني: فإنه دقيق بالتأمل
حقيق، وتوضيحه أن هذا وقت تجل خاص بوقت، لا يتوقف على فعل من العبد؛
لوجوده لا عن سبب، ثم كل من أدركه أدرك ثمرته، ومن لا فلا، غايته أنه مع
العبادة أتم منفعة ونتيجة. وأما القرب الناشئ من السجود، فمتوقف على فعل
العبد، وخاص به، فناسب كل محل ما ذكر فيه، كذا في ((المرقاة)). (الآخِرِ) صفة
لجوف الليل على أنه ينصف الليل، ويجعل لكل نصف جوفًا، والقرب يحصل في
جوف النصف الثاني، فابتداؤه يكون من الثلث الأخير، وهو وقت القيام للتهجد،
قاله الطيبي، وقال القاري: ولا يبعد أن يكون ابتداؤه من أول النصف الأخير. (فَإِنِ
اسْتَطَعْتَ) أي: قدرت ووفقت.
(أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ) في ضمن صلاة أو غيرها. (فِي تِلْكَ السَّاعَةِ) إشارة إلى
لطفها. (فَكُنَّ) أي: اجتهد أن تكون من جملتهم. وهذا أبلغ مما لو قيل: إن
استطعت أن تكون ذاكرًا فكن؛ لأن الأولى فيها صفة عموم شامل للأنبياء والأولياء،
فيكون داخلاً في جملتهم ولأحقابهم، بخلاف الثانية. قال الطيبي: في قوله: (فَإِنِ
اسْتَطَعْتَ)؛ إشارة إلى تعظيم شأن الأمر، وتفخيمه، وفوز من يستعسد به، ومن
ثمة قال: أن تكون ممن يذكر الله، أي: تنخرط في زمرة الذاكرين الله، ويكون
لك مساهمة فيهم، وهو أبلغ من أن يقال: إن استطعت أن تكون ذاكرًا، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيْبٌ إِسْنَادًا)
تمييز عن غريب سندًا لا متنا. واعلم: أن المراد بالحديث الغريب من حيث الإسناد
فقط: حديث يعرف متنه عن جماعة من الصحابة، وانفرد واحد بروايته عن
صحابي آخر. قال السيوطي في ((التدريب)) (ص١٩٢): وينقسم الغريب أيضًا إلى
غريب متنًا وإسنادًا، كما لو انفرد بمتنه راوٍ واحد وإلى غريب إسنادًا لا متنا كحديث
معروف روى متنه جماعة من الصحابة انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر، وفيه
يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه، انتهى.

١٨١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
وقال الزرقاني في ((شرح البيقونية)) (ص٩٢): ثم الحديث قد يغرب متنًا وإسنادًا
كحديث انفرد بروايته واحد، وقد يغرب إسنادًا فقط، كأن يكون معروفًا برواية
جماعة من الصحابة، فينفرد به راوٍ من حديث صحابي آخر، فهو من جهته غريب
مع أن متنه غير غريب. قال ابن الصلاح: ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد
المتون الصحيحة، قال: وهذا الذي يقول الترمذي فيه غريب من هذا الوجه، قال :
ولا أرى هذا النوع، يعني: غريب الإسناد فقط، ينعكس، فلا يوجد أبدًا ما هو
غريب متنًا وليس غريبًا إسنادًا، إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن انفرد به، فرواه
عنه عدد كثير، فإنه يصير غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا لا إسنادًا، لكن بالنظر إلى أحد
طرفي الإسناد، فإن إسناده غريب في طرفه الأول، مشهور في طرفه الآخر،
كحديث: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّاتِ))، فإن الشهرة إنما طرأت له من عند يحيى بن
سعيد، وما ذكره من أن غريب الإسناد لا ينعكس هو بالنظر إلى الوجود كما قال،
وإلا فالقسمة العقلية تقتضي العكس، ومن ثم، قال ابن سید الناس، فیما شرحه من
الترمذي: الغريب أقسام: غريب سندًا ومتنًّا، أو متنًا لا سندًا، أو سندًا لا متنًا،
وغريب بعض السند، وغريب بعض المتن، فالأول واضح، والثاني هو الذي
أطلقه، ولم يذكر له مثالًا لعدم وجوده، ثم ذكر الزرقاني أمثلة الأقسام الثلاثة
الباقية، ولا تنافي بين الغرابة والصحة، كما بين في علم الأصول.
قال الزرقاني: الغرابة تجامع الصحة والضعف، فالغريب الصحيح كأفراد
الصحيح وهي كثيرة، والغريب الذي ليس بصحيح هو الغالب على الغريب، انتهى
مختصرًا. وحديث عمرو بن عبسة هذا أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم
والبيهقي، وله حديث آخر مطول أخرجه أحمد (ج ٤ ص١١٤) وفيه: فقلت: هل
من ساعة أقرب إلى الله تعالى؟ قال: ((جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ ... )) الحديث.

١٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٣٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َةِ: («رَحِمَ اللَّهُ
رَجُلَّا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَنَّهُ، فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِيِ وَجْهِهَا
الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَصَلَّى، فَإِنْ
أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ».
[رَواهُ أَبُو دَاودَ والنَّسَائِيُّ] {حسن}
الشرْحُ
19 4
١٢٣٧ - قوله: (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا) خبر عن استحقاقه الرحمة، واستجابه لها،
أو دعاء له ومدح له بحسن ما فعل. وقال العلقمي: هو ماض بمعنى الطلب. (قَامَ
مِنْ اللَّيْلِ) أي: بعضه. (فَصَلَّى) أي: التهجد. (وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ) وفي حديث أبي
سعيد وأبي هريرة الآتي: ((إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ))، وهو أعم؛ لشموله الولد،
والأقارب. (فَصَلَّتْ) ما كتب اللَّه لها ولو ركعتين. (فَإِنْ أَبَتْ) أن تستيقظ. وقيل:
أي: امتنعت عن القيام؛ لغلبة النوم، وكثرة الكسل. (نَضَحَ) وفي رواية ابن ماجه:
((رَشَّ))، (فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ)؛ ليزول عنها النوم. والمراد: التلطف معها، والسعي
في قيامها لطاعة ربها مهما أمكن. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاُلَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
وفيه: أن من أصاب خيرًا ينبغي له أن يتحرى إصابة الغير، وأن يحب له ما يحب
لنفسه، فيأخذ بالأقرب فالأقرب.
وقوله: ((رَحِمَ اللَّهُ)) تنبيه للأمة بمنزلة رش الماء على الوجه لاستيقاظ النائم،
وذلك أنه والخيّ لما نال بالتهجد ما نال من الكرامة والمقام المحمود، أراد أن يحصل
لأمته نصيب وافر، فحثهم على ذلك بألطف وجه. قيل: خص الوجه بالنضح؛
لأنه أفضل الأعضاء وأشرفها، وبه يذهب النوم، والنعاس أكثر من بقية الأعضاء،
وهو أول الأعضاء المفروضة غسلًا، وفيه العينان، وهما آلة النوم. (رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً
قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ) أي: وفقت بالسبق. (فَصَلَّتْ) صلاة التهجد. (وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا)
الواو لمطلق الجمع. وفي الترتيب الذكري إشارة لا تخفى، قاله القاري.
(فَصَلَّى) أي: بسببها. (فَإِنْ أَبَى) أن يقوم لغلبة النوم. (نَضَحَتْ) أي: رشت.
(١٢٣٧) أَبُو دَاوُد (١٣٠٨)، وَالنَّسَائِي (٢٠٥/٣)، وَابن مَاجَهْ (١٣٣٦) عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٨٢
BESEX Ee Seee
(فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ) ليزول عنه النوم وينتبه، وفي الحديث: الدعاء بالرحمة للحي كما
يدعى بها للميت، وفيه: فضيلة صلاة الليل، وفضيلة مشروعية إيقاظ النائم للتنفل
كما يشرع للفرض، وهو من المعاونة على البر والتقوى. وفيه: بيان حسن
المعاشرة، وكمال الملاطفة والموافقة. وفيه: إشارة إلى أن الرجل أحق بأن يكون
مسابقًا بالقيام، وإيقاظ امرأته، وإلى أن فضل اللَّه لا يختص بأحد، فقد تكون
المرأة سابقة على الرجل.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان
في ((صحيحهما)) والبيهقي (ج٢ ص ٥٠١) والحاكم، وقال: صحيح على شرط
مسلم، وسكت عنه أبو داود، وكذا المنذري في ((الترغيب))، وصحح النووي سنده
في ((رياض الصالحين)) (ص٤٤٢). وقال المنذري في ((مختصر السنن)): في سنده
محمد بن عجلان، وقد ثقة أحمد وابن معين وأبوحاتم الرازي، واستشهد به
البخاري، وأخرج له مسلم في المتابعة، وتكلم فيه بعضهم، انتهى. وفي الباب
عن أبي مالك الأشعري، رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه محمد بن إسماعيل بن
عياش، وهو ضعيف، قاله الهيثمي.
١٢٣٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أي الدُّعَاءِ
أَسْمَعُ؟ قَالَ: ((جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ] {حسن}
الشّرْحُ
١٢٣٨ - قوله: (أَُّّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ) أي: أقرب إلى أن يسمعه اللَّه، أي:
يقبله. قال الطيبي: أي: أرجى للإجابة؛ لأن المسموع على الحقيقة ما يقترن
بالقبول، ولا بد من مقدر، إما في السؤال، أي: أيُّ أوقات الدعاء أقرب إلى
الإجابة؟ وإما في الجواب، أي: دعاؤه في جوف الليل. (قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ)
بالرفع على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: دعاء جوف
(١٢٣٨) التِّرْ مِذِي (٣٤٩٩) عَنْهُ فِهِ.

١٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الليل. وروي بالنصب على الظرفية أي: الدعاء في جوف الليل، (الآخِرِ) صفة
للجوف، فيتبعه في الإعراب.
قال الخطابي: المراد ثلث الليل الآخر، وهو الخامس من أسداس الليل. (وَدُبُرُ
الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ) برفع دبر ونصبه. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. وقد تقدم
الحديث مع شرحه في الفصل الثاني من باب: الذكر بعد الصلاة، أعاده هنا؛ لأنه
من أدلة استحباب الدعاء في ضمن الصلاة وغيرها في ثلث الليل الآخر، ومن أدلة
أنه وقت الإجابة.
١٢٣٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ٍِّ:
((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًّا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِئُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ
لِمَنْ أَلَّانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)).
[رَوَاهُ الْبَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٣٩ - قوله: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا) بضم الغين المعجمة وفتح الراء المهملة،
جمع غرفة بالضم، وهي العلية، أي: البيت فوق البيت أي: علالي في غاية من
اللطافة، ونهاية من الصفاء، والنظافة. (يُرَى) بالبناء للمفعول. (ظَاهِرُهَا مِنْ
بَاطِنِهَا، وَبَاطِئُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا) لكونها شفافة لا تحجب ما وراءها. (أَعَدَّهَا اللَّهُ) أي:
هيأها. (لِمَنْ أَلَانَ) أي: أطاب، كما في رواية. (الْكَلَامَ) أي: بمداراة الناس،
واستعطافهم. قال الطيبي: جعل جزاء من تلطف في الكلام الغرفة، كما في قوله
تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ اُلْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥] بعد قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ
(٦٣) ﴾ [الفرقان: ٦٣]. وفيه تلويح
يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اُلْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا
على أن لين الكلام من صفات عباد الله الصالحين، الذين خضعوا لبارئهم،
وعاملوا الخلق بالرفق في القول والفعل، وكذا جعلت جزاء من أطعم، كما في
(١٢٣٩) البَيْهَقِي (٣٨٩٢) فِي الشُّعَبِ، وفي («السنة» (٤/ ٣٠١) عَنْهُ التِّرْ مِذِي (٢٥٢٧) عَنْ عَلِيٍّ به في صِفَةٍ
الجَنَّةِ .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْل
١٨٥
MADE
قوله: ﴿وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: ٦٧]، وكذا جعلت جزاء من
صلى بالليل، كما في قوله: ﴿وَالَِّينَ يَسِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا
﴾ [الفرقان: ٦٤].
ولم يذكر في التنزيل الصيام استغناء بقوله بما صبروا؛ لأن الصيام صبر كله.
(وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ) للعيال، والفقراء، والأضياف ونحو ذلك، قاله المناوي.
وقيل: يكفي في إطعام الطعام أهله، ومن يمونه، وهذا إذا قصد الاحتساب. وقيل:
المراد بالطعام: الزائد على ما يحتاجه لنفسه وعياله. (وَتَابَعَ الصِّيَامَ) أي: أكثر منه
بعد الفريضة بحيث تابع بعضها بعضًا، ولا يقطعها رأسًا، قاله ابن الملك. وقيل:
يكفي في متابعة الصوم مثل حال أبي هريرة وابن عمر وغيرهما من صوم ثلاثة أيام
من كل شهر أوله، ومثلها من أوسطه وآخره، والاثنين، والخميس، ويوم عرفة
وعاشوراء وعشر ذي الحجة. وفي رواية: ((أَدَامَ الصِّيَامَ)). والمراد به: الكثرة، لا
المواصلة، ولا صوم الدهر.
(وَصَلَّى بِاللَّيْلِ) أي: تهجد لله تعالى. (وَالنَّاسِ) أي: غالبهم. (نِيَامٌ) بكسر
النون. جمع نائم، أي: لا يتهجدون. وإن لم يكونوا نائمين. والأوصاف الثلاثة
أي: لين الكلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل، إشارة إلى استجماع صفة
الجود، والتواضع، والعبادة المتعدية واللازمة. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي شُعَبِ الِإِيْمَانِ)
وأخرجه أيضًا أحمد وابن حبان في ((صحيحة))، والطبراني في ((الكبير)). قال
الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢ ص٢٥٤) بعد عزوه إلى الطبراني: رجاله ثقات.
١٢٤٠ - [١٥] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ نَحْوَهُ، وَفِي رَوَايَتِهِ: ((لِمَنْ
أَطَابَ الْكَلَامَ».
{صحیح}
الشَّرُْ
١٢٤٠ - (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلَّ) أي: ابن أبي طالب. (نَحْوَهُ) في باب:
قول المعروف من أبواب البر والصلة، وفي باب: صفة غرف الجنة من أبواب
(١٢٤٠) ((مسند أحمد)) (١٣٣٨).

١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صفة الجنة، ولفظه: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا، تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ
ظُهُورِهَا))، فقام أعرابي فقال: لمنٍ هي يا رسول الله؟ فقال: ((لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ،
وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)) .
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن
إسحاق، انتهى. وعبد الرحمن بن إسحاق هذا. قال الحافظ في ((التقريب)) في
ترجمته: ضعيف، ولکن له شاهد قوي من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد
والطبراني في ((الكبير)) والحاكم. قال المنذري والهيثمي: إسناده حسن. وقال
الحاكم: صحيح على شرطهما .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّخْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْل
١٨٧
الفصل الثالث
١٢٤١ - [١٦] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ لِي
رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلٍَّ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرََكَ
قِيَامَ اللَّيْلِ)).
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٢٤١ - قوله: (لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ) أي: في هذه الخصلة، التي أذكرها لك
وهي أنه: (كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ) أي: فيه كإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي: في
يوم الجمعة. وقال الحافظ: أي: بعض الليل، وسقط لفظ: ((مِنْ)) من رواية
الأكثر، وهي مرادة، انتهى. وقال العيني: ليس في رواية الأكثرين لفظ ((مِنْ))
موجودًا، بل اللفظ ((كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ)) أي: في الليل، والمراد: في جزء من أجزائه.
وقال القسطلاني: يقوم الليل أي: بعضه، انتهى. ونقله الجزري في ((جامع
الأصول)) (ج٧ ص٤٦): بذكر لفظ ((مِنْ)). ووقع عند البيهقي بحذفه. (فَتَرََكَ قِيَامَ
اللَّيْلِ) أي: لاعن عذر، بل دعة ورفاهية، فلم يكن من الموفين بعهدهم إذا
عاهدوا. قال ابن العربي: في هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب؛
إذ لو كان واجبًا لم يكتف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذم.
وفيه: استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط. وفيه:
الإشارة إلى كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة. وقيل: معنى قوله: ((كَانَ يَقُومُ
اللَّيْلَ)) أي: غالبه، أو كله ((فَتَرََكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)) أصلًا، حين ثقل عليه، أي: فلا تزد
أنت في القيام أيضًا، فإنه يؤدي إلى الترك رأسًا. قال السندي: يريد أن الإكثار في
قيام الليل قد يؤدي إلى تركه رأسًا، كما فعل فلان، فلا تفعل أنت ذاك، بل خذ فيه
التوسط والقصد، أي: لأن التشديد في العبادة قد يؤدي إلى تركها وهو مذموم.
(١٢٤١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١١٥٢)، ومُسْلِم (١١٥٩) عنه في الصَّلاة.

١٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال في ((اللمعات)): فيه تنبيه على منعه من كثرة قيام الليل، والإفراط فيه، بحيث
يورث الملالة والسآمة، انتهى.
وقوله: (مِثْلَ فُلانٍ) قال الحافظ: لم أقف على تسميته في شيء من الطرق، وكان
إبهام هذا لقصد الستر عليه، كالذي تقدم قريبًا في الذي نام حتى أصبح. قال ابن
حبان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب، إذا قصد بذلك التحذير من
صنيعه. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في قيام الليل، ومسلم في الصوم. وأخرجه
أيضًا النسائي وابن ماجه كلاهما في الصلاة والبيهقي (ج٣ ص١٤).
١٢٤٢ - [١٧] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَ يَقُولُ: ((كَانَ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً يُوقِظُ فِيهَا أَهْلَهُ، يَقُولُ: يَا
آلَ دَاوُدَ، قُومُوا فَصَلَّوا، فَإِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ يَسَّتَجِيبُ اللَّهُ رَتْ فِيهَا الدُّعَاءَ، إِلَّا
لِسَاحِرٍ، أَوْعَشَّارٍ).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشّرْحُ
١٢٤٢ - قوله: (كَانَ لِدَاوُدَ) نبي الله. (عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ) بالرفع
اسم كان و(مِنْ) بيانية متقدمة، قاله القاري، ويفسر هذه الساعة المبهمة ما تقدم في
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: كان أي: ((دَاوُدَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ
ثُلُنَهُ ... ))، الحديث. فوقت إيقاظه لأهله هو وقت قيامه، وهو وقت الإجابة، كما
سبق. (يُوقِظُ فِيهَا أَهْلَهُ) لقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًّا وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ
الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] أي: القائم بالليل. ويناسبه قوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَتْلِ مَا
﴾ [الذاريات: ١٧]. (يَقُولُ) وفي ((المسند)) فيقول: بزيادة الفاء. (فَصَلَّوْا) أي:
تْجَعُونَ (
من الليل ولو قليلا. (فَإِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ يَسْتَجِيبُ اللَّهُ فِيهَا الدُّعَاءَ) أي: يقبله، والصلاة
نفسها دعاء؛ لأن الثناء والقيام في خدمة المولى تعرض للعطاء، أو لاشتمالها على
الدعاء المحفوف بالذكر والثناء. (إِلَّا لِسَاحِرٍ) أي: لمخالفته الخالق.
(١٢٤٢) أَحْمَد (٤/ ٢٢) عنه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّخْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
*
١٨٩
ONE
#eReese 398*
(أَوْ عَشَّارٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الشين المعجمة أي: آخذ العشور من
أموال الناس على عادة أهل الجاهلية، وذلك لكونه ترك فرض الله، وهو ربع
العشر، ولمضرته الخلق، يقال: عشرت المال عشرًا وعشورًا، فأنا عَاشِر من باب:
قتل وعَشَّرته، فأنا مُعْشِّرًا وَعَشَّار إذا أخذت عشر، وعَشَّرْتُ القومِ عَشْرًا وعُشُورًا،
من باب: قتل، وَعَشَّرْتُهُم، إذا أخذت عُشْرَ أموالهم، وأما من يعشر الناس على ما
فرض الله، فحسن جميل محتسب ما لم يتعد، فيأثم بالتعدي والظلم، وقد عشر
جماعة من الصحابة للنبي وّ وللخلفاء بعده، وسمي هذا عاشرًا للإضافة ما يأخذه
إلى العشر كربع العشر ونصفه، وهو يأخذ العشر جميعه فيما سقته الماء والعيون،
وعشر أموال أهل الذمة في التجارات.
وقيل: المراد بالعشار في الحديث: المكاس والماكس، وهو الذي يأخذ من
التجار، إذا مروا به مكسًا باسم العشر، والمكس: الضربية، أي: دراهم كانت
تؤخذ من بائعي السلع في أسواق الجاهلية. وقيل: هو ما يأخذه أعوان الدولة عن
أشياء معينة عند بيعها، أو عند إدخالها في البلاد والمدن. قال رسول اللّه وَله: ((لَيْسَ
عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَشُورًا))، أي: ليس عليهم غير الزكاة من الضرائب والمكس
ونحوهما. وقال القاري: قوله: ((أَوْ عَشَّارٍ)) أي: آخذ العشر، وهو المكاس وأخذ
أقل من العشر؛ لأن ذلك باعتبار غالب أحوال المكاسين، وذلك لمضرته الخلق،
و((أو)) للتنويع لا للشك، انتهى. وبالجملة: ليس المراد: بالعشار المذكور في
الحديث العاشر، أي: الساعي الذي يأخذ الصدقة من المسلمين على ما فرض الله
من ربع العشر، أو نصفه، أو العشر جميعه، ولا من يأخذ العشر، أو نصفه، أو نحوه
من أهل الذمة، إذا مروا بأموال التجارة. وقيل: المكس: النقصان، والماكس من
العمال: من ينقص من حقوق المساكين، ولا يعطيها بتمامها، قاله البيهقي.
قال الطيبي: استثنى من جميع خلق الله تعالى الساحر والعشار؛ تشديدًا
عليهم؛ وتغليظًا، وأنهم كالآئسين من رحمة الله تعالى العامة للخلائق كلها؛
وتنبيهًا على استجابة دعاء الخلق كائنًا من كان سواهما، انتهى. يعني: فإنهم وإن
قاموا ودعوا لم يستجب لهم؛ لغلظ معصيتهم، وصعوبة توبتهم، أو المعنى: أنهم
ما يوفقون لهذا الخير لما ابتلوا به من الشر الكثير، فالاستثناء على الأول متصل،
وعلى الثاني منفصل. قاله القاري. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص٢٢) من طريق علي

١٩٠
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن زيد، وهو ابن جدعان عن الحسن البصري قال: مر عثمان بن أبي العاص على
كلاب بن أمية، وهو جالس على مجلس العاشر بالبصرة، فقال: ما يجلسك
هاهنا؟ قال: استعملني هذا على هذا، يعني: زيادًا، فقال عثمان: ألا أحدثك حديثا
سمعته من رسول اللَّه وَلَةَ؟ قال: بلى، فقال عثمان: سمعت رسول اللّهُ وَ لَه يقول:
((كَانَ لِدَاوُدَ نَبِيِّ اللهِ ... ))، الحديث. وفي آخره: فركب كلاب بن أمية سفينته، فأتى
زیادًا فاستعفاه فأعفاه، انتهى.
والحسن البصري كان يرسل كثيرًا ويدلس، ولم يصرح هاهنا بسماعه عن عثمان
ابن أبي العاص، بل المفهوم من كلام الحافظ: أنه لم يسمع منه شيئًا حيث قال في
((تهذيب التهذيب)) (ج٢: ص٢٢٣، ٢٢٤): روى الحسن عن أبي بن كعب وسعد
ابن عبادة وعمر بن الخطاب ولم يدركهم، وعن ثوبان وعمار بن ياسر وأبي هريرة
وعثمان بن أبي العاص ومعقل بن سنان ولم يسمع منهم، انتهى.
١٢٤٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ لَّهِ يَقُولُ:
((أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ، صَلَةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٤٣ - قوله: (أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ، صَلَاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) أي:
سدسه الرابع والخامس. وهذه الأفضلية باعتبار الزمان، فالصلاة في البيت أفضل
باعتبار المكان. وفي الحديث دليل لما اتفق عليه العلماء، أن النفل المطلق في
الليل أفضل منه في النهار، وذلك؛ لأن الخشوع فيه أوفر، وفيه حجة لأبي إسحاق
المروزي ومن وافقه من الشافعية: أن صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب.
وقال أكثر العلماء: الرواتب أفضل؛ لأنها تشبه الفرائض. قال النووي: والأول
أقوى، وأوفق لنص هذا الحديث. قال الطيبي: ولعمري إن صلاة التهجد لو لم
يكن فيها فضل سوى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
(١٢٤٣) أَحْمَد (٣٤٢/٢) عنه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ التَّخْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٩١
﴾ [الأسراء: ٧٩] وقوله تعالى: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله
مَقَامًا مَّحْمُودًا
تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٦، ١٧] وغيرهما من الآيات
لكفاه مزية، انتهى.
قال مَيْرَك: وقد يجاب عن هذا الحديث بأن معناه: من أفضل الصلاة وهو
خلاف سياق الحديث، انتهى. وقيل: يحمل الحديث على أن المراد بقوله: ((بَعْدَ
الْمَغْرُوضَةِ)) أي: بعد الفرائض، وما يتبعها من السنن، وقد يقال: التهجد أفضل
من حيث زيادة مشقته على النفس، وبُعده عن الرياء، والرواتب أفضل من حيث
الاكدية في المتابعة للمفروضة فلا منافاة. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أصل هذا الحديث عند
مسلم. والترمذي وأبي داود والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه)) بألفاظ متقاربة،
وسيأتي في الفصل الأول من باب: صيام التطوع.
١٢٤٤ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا
يُصَلِّ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {صحيح}
الشّرْخُ
١٢٤٤ - قوله: (جَاءَ رَجُلٌ) لم أقف على تسميته. (فقال: إِنَّ فُلَانًا) أي: رجلًا
معينًا، ولم يَدْرِ من هو. (فَإِذَا أَصْبَحَ) أي: قارب الصبح. (سَرَقَ) أو المراد: سرق
بالنهار. ولو بالتطفيف ونحوه، وهو بفتح الراء من باب ضرب. (فَقَالَ: إِنَّهُ) أي:
الشأن. (سَيَنْهَاهُ) من النهي. (مَا تَقُولُ) قال الطيبي: هو فافعل سينهاه، يعني: أن
قولك يدل على أنه محافظ على الصلوات، فإن من لا يدع الصلاة بالليل لا يدعها
بالنهار، فمثل تلك الصلاة سينهي عن الفحشاء والمنكر، فيتوب عن السرقة.
ومعنى السين التأكيد في الإثبات، أي: بالنسبة إلى عدمها، كما أنَّ ((لن)) للتأكيد
في النفي أي: بالنسبة إلى ((لا)). وقال ابن حجر: فمثل هذه الصلاة لا محالة تنهاه،
(١٢٤٤) أَحْمَد (٢/ ٤٤٧)، والبَيْهَقِي (٣٢٦١) في الشُّعَب عن أبي هريرة.

١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيتوب عن السرقة قريبًا، فالسين على أصلها من التنفيس؛ إذ لا بد من مزاولة
الصلاة زمنًا، حتى يجد منها حالة في قلبه تمنعه من الإثم، انتهى.
وفي بعض النسخ: ((سَتَنْهَاهُ)) أي: بالمثناة الفوقية، فالفاعل، إما ضمير فيه عائد
إلى الصلاة أي: هي تنهاه عما تقول، أو ما في قوله ما تقول؛ لأنها عبارة عن
الصلاة. ووقع في بعض النسخ ((مَا يَقُولُ)) أي: بالغيبة أي: الرجل الأول،
والصحيح: ((مَا تَقُولُ)) بالخطاب، قاله القاري. وفي الحديث إيماء إلى قوله تعالى:
﴿إِنَّ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النحل: ٤٥] أي أن مواظبتها تحمل على
ترك ذلك. (رَوَاهُ أَحْمَدُ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا البزار. قال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج٢ ص٢٥٨) بعد عزوه لأحمد والبزار: ورجاله رجال الصحيح. وأخرج
البزار أيضًا مثله عن جابر. قال الهيثمي: ورجاله ثقات، انتهى.
قلت: قد وقع الاختلاف في سند هذا الحديث؛ فرواه غير واحد، ومنهم وكيع
عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، ورواه قيس عن الأعمش، عن أبي
سفيان عن جابر. وقال جرير بن عبد الحميد: وزياد بن عبد الله عن الأعمش عن
أبي صالح عن جابر، نقله ابن كثير في ((تفسيره)) (ج٧ ص٢٩٦) عن البزار.
١٢٤٥، ١٢٤٦ - [٢٠، ٢١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلََّا، أَوَصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ)).
[رواهُ أَبُو دَاودَ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٤٥، ١٢٤٦ - قوله: (إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ) أي: امرأتهِ. وقيل:
نساءه وأولاده وأقاربه. (مِنَ اللَّيْلِ) أي: في بعض أجزاء الليل. (فَصَلَّيًا) أي:
الرجل والمرأة، أو الرجل وأهله. (أَوْ صَلَّى) أي: كل واحد منهما. و((أو)) للشك
(١٢٤٥)، (١٢٤٦) أَبُو دَاوُد (١٣٠٩)، وابن مَاجَهْ (١٣٣٥) عن أبي هريرة وأبي سعيد في الصَّلاة.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ
١٩٣
من الراوي بين الإفراد والتثنية. (رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا) تأكيد لضمير ((صليا)) (أَوْ صَلَّى)
لما تقرر أن المراد: كل واحد منهما. وفي رواية لأبي داود: ((مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ،
وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنٍ جَمِيْعًا)) من غير شك. ولفظ ابن ماجه: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ
الرَّجُلُ، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنٍ))، قال السندي: قوله: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ))
أي: مثلًا، وكذا العكس فلا مفهوم لاسم الرجل، كما يدل عليه حديث أبي هريرة
السابق في الفصل الثاني، والمقصود: إذا استيقظ أحدهما، وأيقظ الآخر، واللّه
أعلم، بل الظاهر: أنه لا مفهوم للشرط أيضًا. والمقصود: أنهما إذا صليا من
الليل، ولو ركعتين كتبا ... إلخ. وإنما خرج هذا الشرط مخرج العادة. وفيه:
تنبيه على أن شأن الرجل أن يستيقظ أولًا ويأمر امرأته بالخير. وفيه: أنه يجوز
الإيقاظ للنوافل، كما يجوز للفرائض، ولا يخفى تقييده بما إذا علم من حال النائم
أنه يفرح بذلك، أو لم يثقل عليه ذلك. (كُتِبًا) أي: الصنفان من الرجال والنساء.
(فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ) أي: كتب الرجل في الذاكرين اللَّه كثيرًا والمرأة في
الذاكرات كذلك، أي: ومن كتب كذلك فله أجر عظيم، كما في قوله تعالى:
﴿وَالَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالنَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ تَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] ففي
الحديث إشارة إلى تفسير القرآن.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا النسائي وابن حبان في ((صحيحه))
والحاكم، وألفاظهم متقاربة. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، كذا في
((الترغيب)). وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٢ ص٥٠١) وقال النووي في رياض
الصالحين: رواه أبو داود بإسناد صحيح. والحديث ذكر أبو داود والبيهقي.
الاختلاف في رفعه ووقفه. وقال المنذري في ((مختصر السنن)): رواه النسائي،
وابن ماجه مسندًا أي: مرفوعًا، وهذا يشير إلى أنه لم ير هذا الاختلاف شيئًا،
وهذا؛ لأن الرفع زيادة الثقة فتقبل.

١٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٤٧ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((أَشْرَافُ
أُمَّتِى: حَمَلَةُ الْقُرْآنِ، وَأَصْحَابُ اللَّيْلِ)). [رَوَاهُ الْبَبِهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٢٤٧ - قوله: (أَشْرَافُ أُمَّتِي) جمع شريف. (حَمَلَةُ الْقُرْآنِ) جمع حامل
أي: حفظته، المداومون على تلاوته، العاملون بأحكامه، فإنهم الحملة حقيقة.
(وَأَصْحَابُ اللَّيْلَ) أي: الملازمون لإحياء الليل بصلاة، أو ذكر، أو نحو ذلك.
وإنما قلنا: الملازمون؛ لأن صاحب الشيء، وابن الشيء: الملازم له، كقولهم:
ابن السبيل، أي: الملازم له.
قال الطيبي: المراد بقوله: حملة القرآن، من حفظه وعملٍ بمقتضاه، وإلا كان
في زمرة من قيل في حقهم: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وإضافة
الأصحاب إلى الليل؛ تنبيه على كثرة الصلاة فيه، كما يقال: ابن السبيل لمن
يواظب على السلوك فيه، انتهى. أي: وكما يقال: ابن الوقت لمن يحافظ أوقاته،
ويراعي ساعاته؛ ليرتب طاعاته. والحديث من أدلة فضل أهل صلاة الليل، وفضل
أهل القرآن.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِي) وأخرجه أيضًا ابن أبي الدنيا. والطبراني في ((الكبير)). والحديث
سنده ضعيف؛ لأن المنذري صدره في الترغيب بلفظة: (روى)) وأهمل الكلام في
آخره. وهذه علامة الإسناد الضعيف، كما صرح بذلك في بدء الكتاب.
(١٢٤٧) البَيْهَقِي (٢٠٧٣) في الشُّعَب عن ابن عباس.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْل
*asese
١٩٥
١٢٤٨ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ أَبَاهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَوَهُ كَانَ
يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ،
يَقُولُ لَهُمُ: الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَتْلُوهَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَّكَ بَِلَضَّلَوَةٍ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا لَا
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
(١٣٢﴾ [طه: ١٣٢].
نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكُ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى
الشَّرْجُ
١٢٤٨ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ أَبَاهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) كذا في جميع
النسخ ((المشكاة))، وكذا وقع في جامع الأصول (ج ٧ ص٤٥). والظاهر: أنه وهم
من الجزري، وتبعه المصنف في ذلك، فإن الحديث في جميع نسخ ((الموطأ)) من
رواية زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، وكذا حكاه السيوطي في ((الدر
المنثور)) عن ((موطأ)) مالك. وهكذا أخرجه محمد في ((موطئه)) عن مالك عن زيد
ابن أسلم عن أبيه، وكذا ذكر السيوطي في ((الدر المنثور)) عن البيهقي، وكذا روى
ابن أبي حاتم بسنده عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب.
(كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) وفي ((موطأ)) محمد: ((كان يصلي كل ليلة)). (مَا شَاءَ اللَّهُ)
أي: من عدد الركعات، أو من استيفاء الأوقات. وفي ((موطأ)) محمد: ما شاء الله
أن يصلي.
(حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) عند السحر. (أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ) أي: لإدراك شيء
من صلاة التهجد .
وقيل: يحتمل أن يكون إيقاظه لصلاة الفجر، والأول: أظهر بل هو المتعين
يعني: أنه لم يكلف أهله منه ما كان هو يفعله، بل يوقظهم في آخر الوقت؛ ليصلوا
تخفيفًا لهم.
(يَقُولُ لَهُمْ) أي: عند الاستيقاظ. (الصَّلَاةَ) كذا وقعت في جميع النسخ مرة.
وفي (الموطأ)) وقعت مكررة، وهي منصوبة بتقدير: أقيموا، أو صلوا. ويجوز
(١٢٤٨) مَالِك عنه.

١٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الرفع بمعنى: حضرت الصلاة، قاله القاري. (ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ) التي في آخر
سورة طه. (وَأُمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ) وهي بعمومها تشمل صلاة الليل، والمعنى:
استنقذهم من عذاب الله بأمر إقامة الصلاة. (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) أي: اصبر أنت على
محافظتها، كما قال تعالى: ﴿قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] وقيل: المعنى اصبر
عليها فعلًا، فإن الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول. وقال القاري: أي: بالغ
في الصبر على تحمل مشقاتها، ومشاق أمر أهلك بها، فأقبل أنت معهم على عبادة
الله تعالى ولا تهتم بأمر الرزق، وفرغ قلبك لأمر الآخرة؛ لأنا لعظمتنا وقدرتنا على
رزق العباد. (لَا نَسْأَلُكَ) أي: لا نكلفك. (رِزْقًا) أي: تحصيل رزق لنفسك ولا
لغيرك بل نسألك العبادة. (نَحْنُ نَرْزُقُكَ) كما نرزق غيرك. قال ابن كثير: يعني: إذا
أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل
لَّهُ مَخْرَجًا ﴿﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْنَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ
وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ ٨ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧] الآية. وقد أخرج أحمد
والبيهقي وغيرهما عن ثابت قال: كان النبي ◌َّه إذا أصابت أهله خصاصة نادى
أهله: (يَا أَهْلَاهُ، صَلَّوا، صَلَّو)). قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا
إلى الصلاة .
(وَالْعَاقِبَةُ) أي: المحمودة، أو حسن العاقبة في الدنيا والآخرة وهي الجنة.
(للتقوى) أي: لأهل التقوى على حذف المضاف، روى ابن النجار وابن عساكر
وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية كان النبي وَّ يجيء
إلى باب عَلِي صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: ((الصَّلَاةُ رَحِمَكُمُ اللهُ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتَ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))، قال الباجي: يحتمل أن عمر
رَو ◌ُنَّهُ يوقظهم امتثالًا لأمر الباري تعالى، فيتلو هذه الآية عند امتثالها؛ ليتأكد قصده
لذلك. ويحتمل أن يقرأ ذلك على سبيل الاعتذار من إيقاظهم، انتهى.
(رَوَاهُ مَالِك) في ((موطئه)) عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب
... إلخ، لا عن ابن عمر عن عمر، كما وقع في ((المشكاة)) و((جامع الأصول)).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
١٩٧
٣٤ - بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
(بَابُ الْقَصْدِ) بفتح القاف وسكون الصاد المهملة، هو سلوك الطريق المعتدلة،
والتوسط بين الإفراط والتفريط: والمراد: باب استحباب ذلك، وأصل القصد
الاستقامة في الطريق، كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآِرٌ﴾ [النحل: ٩]
ج
أي: على اللَّه بيان الطريق المستقيم، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف.
والمعنى: على اللَّه بيان السبيل القصد وهو الإسلام، والقصد مصدر يوصف به،
فهو بمعنى قاصد، يقال: سبيل قصد وقاصد، أي: مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي
يؤمه السالك لا يعدل عنه، ثم استعير للتوسط في الأمور.
ومنه قوله وَلِّ: ((الْقَصْدَ الْقَصْدَ)) رواه البخاري في حديث طويل، والمعنى:
ألزموا الطريق الوسط المعتدل. ومنه قوله في حديث جابر عند ابن ماجه: ((أَيُّهَا
النَّاسُ ، عَلَيْكُمُ الْقَصْد عَلَيْكُمُ الْقَصْد))، أي: من الأمور في القول والفعل والتوسط
بين طريق الإفراط والتفريط. ومنه قوله في حديث جابر عند مسلم: ((كانت خطبته
قصدًا))، أي: لا طويلة ولا قصيرة. ومنه قوله: ((عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا ... )) إلخ.
أخرجه أحمد والحاكم من حديث بريدة، والمعنى: طريقًا معتدلاً. ومنه قوله: ((مَا
عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ))، أخرجه أحمد عن ابن مسعود أي: ما افتقر من لا يسرف في
الإنفاق، ولا يقتر في العمل أي: الصالح. وقال القاري: أي: عمل النوافل.

١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
الفصل الأول
١٢٤٩ - [١] عَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ،
حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَّصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَّا
تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًّا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٤٩ - قوله: (يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ) أي: أيامًا كثيرة. وقيل: أي: يكثر الفطر في
الشهر. (حَتَّى نَظُنَّ) بنون الجمع التي للمتكلم وبالياء التحتانية على البناء
للمجهول، ويجوز بالمثناة الفوقية التي للمخاطب مبنيًّا للفاعل، قال الحافظ:
ويؤيده قوله بعد ذلك: إلا رأيته، فإنه روى بالضم والفتح معًا. (أَنْ لَا يَصُومَ) بفتح
الهمزة، ويجوز في (يصوم)) النصب على كون ((أن)) مصدرية، والرفع على كونها
مخففة من الثقيلة، فيوافق ما في رواية أنه. (مِنْهُ) أي: من الشهر. (شَيْئًا) يعني:
يكثر الفطر في الشهر حتى نظن أنه لا يريد أن يصوم منه شيئًا، ثم يصوم باقية.
(وَيَصُومُ) أي: ويكثر الصوم في الشهر.
(حَتَّى يَظُنَّ) بالوجوه الثلاثة. (أَنْ لَا يُفْطِرَ) بالإعرابين. (مِنْهُ) أي: من الشهر.
(شَيْئًا) أي: ثم يفطر باقيه. (وَكَانَ) أي: رسول اللَّه وَّه. وفي (الشمائل)): ((كنت)).
(لَا تَشَاءُ) قال المظهر: ((لا)) بمعنى ليس، أو بمعنى لم، أي: لست تشاء، أو لم تكن
تشاء، أو لا زمان تشاء، أو لا من زمان تشاء. (أَنْ تَرَاهُ) أي: رؤيته فيه. (مِنَ اللَّيْلِ
مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) أي: مصليًا (وَلَا) تشاء أن تراه من الليل. (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) أي:
نائمًا. قال الطيبي: هذا التركيب من باب الاستثناء على البدل، وتقديره على
الإثبات أن يقال: إن تشأ رؤيته متهجدًا رأيته متهجدًا، وإن تشأ رؤيته نائمًا رأيته
نائمًا، أي: كان أمره قصدًا لا إسراف فيه، ولا تقصير، ينام في وقت النوم وهو أول
(١٢٤٩) البُخَارِي (١١٤١، ١٩٧٣) عَنْه فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ
١٩٩
الليل، ويتهجد في وقته وهو آخره. وعلى هذا حكاية الصوم، ويشهد له حديث
((ثلاثة رهط)) على ما روى أنس، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال
الآخر: أصوم النهار أبدًا ولا أفطر، فقال رسول اللّه وَّثه: ((أَمَا أَنَا فَأُصَلِّي وَأَنَامُ،
وَأَصُومُ وَأَفْطِرَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))، انتهى.
وفي رواية للبخاري: قال حميد: سألت أنسًا عن صيام النبيِ وَلّ فقال: ما كنت
أحب أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته، ولا من الليل قائمًا إلا
رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته ... الحديث. يعني: أنه كان يصوم، ويفطر، ولا يصوم
الشهر كله، وكذا كان يصلي وينام، ولا يصلي الليل كله، فكان عمله التوسط بين
الإفراط والتفريط، وهذا هو المراد من القصد في العمل. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في قيام
الليل، وفي الصوم. وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي والترمذي في ((الشمائل))
والبيهقي (ج٣ ص١٧).
١٢٥٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَحَبُّ
الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ)».
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١٢٥٠ - قوله: (أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا) خرج هذا جواب سؤال، ففي
رواية للشيخين قالت، أي عائشة: سئل النبي وَّ أي: الأعمال أحب إلى الله؟
قال: ((أَدْوَمُهُ))، قال ابن العربي: معنى المحبة من اللّه تعلق الإرادة بالثواب أي:
أكثر الأعمال ثوابًا أدومها. (وَإِنْ قَلَّ) أي: ولو قل العمل، والحاصل: أن العمل
القليل مع المداومة، والمواظبة خير من العمل الكثير مع ترك المراعاة
والمحافظة؛ لأن العمل القليل يصل إلى الأكثر من الكثير الذي يفعل مرة أو
مرتين، ثم يترك ويترك العزم عليه على أن العزم على العمل الصالح مما يثاب عليه،
وأيضًا أن العمل الذي يداوم عليه هو المشروع، وأن ما توغل فيه بعنف، ثم قطع
فإنه غير مشروع، قاله الباجي.
(١٢٥٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٤٣) فِي الإِيمَانِ، مُسْلِم (٢١٥/ ٧٨٢) في الصَّلاةِ عَنْهَا .