Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سفيان: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث، انتهى.
قلت: عاصم هذا وثقه يحيى بن معين وابن المديني والعجلي وابن سعد. وقال
النسائي: ليس به بأس. وقال البزار: هو صالح الحديث. وقال أحمد: هو أعلى
من الحارث الأعور، وهو عندي حجة. وضعفه ابن حبان وابن عدي والجوزجاني
تبعًا لابن عدي، وقد رد الحافظ على الجوزجاني في ((تهذيب التهذيب)) (ج٥
ص٤٥ - ٤٦) فارجع إليه .
١١٧٩ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ
رَكْعَتَيْنِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {حسن}
الشَّرُْ
١١٧٩ - قوله: (يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ) أي: أحيانًا، فلا ينافي ما تقدم
من الأربع. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من طريق أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي،
وسكت عنه أبو داود. وقال المنذري: عاصم بن ضمرة وثقه يحيى بن معين وغيره،
وتكلم فيه غير واحد.
١١٨٠ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ صَلَّى
بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَغْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عُمَّرَ
عَشْرَةَ سَنَةً)).
ابْنِ أَبِي خَثْعَمِ، وسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيْلَ يَقُولُ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيَثِ، وَضَعَّفَهُ جِدًّا]
الشَّرْحُ
١١٨٠ - قوله: (مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ) أي: فرضه. (سِتَّ رَكَعَاتٍ) مع
الركعتين الراتبتين، أو سواهما، قاله في ((اللمعات)). وقال الطيبي: المفهوم: أن
(١١٧٩) أَبُو دَاوُد (١٢٧٢) عَنْهُ فِيهِ.
(١١٨٠) التِّرْمِذِي (٤٣٥) فِيهِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَضَعَّفَهُ مُحَمَّدٌ جِدًّا.
٦١
a
بَابُ السُنَنِ وَقَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الركعتين الراتبتين داخلتان في الست، وكذا في العشرين المذكورة في الحديث
الآتي، انتهى. قال القاري: فيصلي المؤكدتين بتسليمة، وفي الباقي بالخيار. (لَمْ
يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ) أي: في أثناء أدائهن. وقال ابن حجر: إذا سلم من ركعتين.
(بِسُوءٍ) أي: بكلام سيئ، أو بكلام يوجب سوء. (عُدِلْنَ) بصيغة المجهول. قال
الطيبي: يقال: عدلت فلانًا بفلان، إذا سويت بينهما يعني: ساوين من جهة
الأجر. (لَهُ) أي: للمصلي. (بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً) قال البيضاوي: فإن قلت:
كيف تعادل العبادة القليلة العبادات الكثيرة، فإنه تضييع لما زاد عليها من الأفعال
الصالحة؟ قلت: الفعلان إن اختلفا نوعًا، فلا إشكال وإن اتفقا، فلعل القليل
يكتسي بمقارنة ما يخصه من الأوقات، والأحوال ما يرجحه على أمثاله، فلعل
القليل في هذا الوقت، والحال يضاعف على الكثير في غيرهما.
وقال الطيبي: هذا من باب الحث والتحريض، فيجوز أن يفضل ما لا يعرف
فضله على ما يعرف، وإن كان أفضل حثًّا وتحريضًا، ونظيره قوله تعالى: ﴿مِّمَا
خَطِيَِّهِمْ أُغْرِفُوا﴾ خصت الخطيئات؛ استعظامًا لها؛ وتنفيرًا من ارتكابها، وجعلت
علة للإغراق دون الكفر، وأنه أغلظ وأصعب. قال التوربشتي: وقيل: يحتمل أن
يراد ثواب القليل مضعفًا أكثر من ثواب الكثير غير مضعف.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه وابن خزيمة في (صحيحه)) كلهم من
حديث عمر بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة. (لَا
نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثٍ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَثْعَم) بفتح معجمة وسكون مثلثة وفتح مهملة.
وعمر هذا هو ابن عبد الله بن أبي خثَّعم نسب هنا إلى جده. (وسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ
إِسْمَاعِيْلَ) أي: البخاري. (يَقُولُ هُوَ) أي: عمر (مُنْكَرُ الْحَدِيثِ) هذا من ألفاظ
الجرح، وهو في المرتبة الثالثة من مراتب ألفاظ الجرح فيما ذكره العراقي، لكن
قد قدمنا في شرح حديث أبي هريرة في الفصل الثالث من باب: آداب الخلاء، أن
البخاري إنما يطلق هذا اللفظ على من لا تحل الرواية عنه على ما صرح به السيوطي
في ((التدريب)) (ص١٢٧).
(وَضَغَّفَهُ جِدًّا) أي: تضعيفًا قويًّا. قال في ((تهذيب التهذيب)): قال الترمذي عن
البخاري: ضعيف الحديث ذاهب، ضعفه جدًّا. وقال البرذعي عن أبي زرعة:
٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
واهي الحديث حدث عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث. أحدها حديث أبي
هريرة هذا، لو كانت في خمسمائة حديث لأفسدتها. وقال ابن عدي: منكر
الحديث. وقال في ((الميزان)): له حديثان منكران، فذكرهما، وأحدهما هذا
الحديث، ثم قال: وَهَّاهُ أبو زرعة. وقال البخاري: منكر الحديث ذاهب، انتهى.
١١٨١ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ صَلَّى
بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {موضوع}
الشَّرْحُ
١١٨١ - قوله: (بَنَّى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) أي: عظيمًا مشتملاً على أنواع
النعم. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أي: ذكره تعليقًا بصيغة التمريض، فقال: وقد روي عن
عائشة عن النبي ◌ُّ فذكره. وأخرجه ابن ماجه موصولًا من رواية يعقوب بن الوليد
المدائني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قال المنذري في ((الترغيب)):
ويعقوب كذبه أحمد وغيره، انتهى. قلت: قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قال
عبد الله بن أحمد عن أبيه: خرقنا حديثه منذ دهر، كان من الكذابين الكبار، وكان
يضع الحديث.
وقال الغلابي عن ابن معين: كذاب. وقال ابن حبان: يضع الحديث على
الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل التعجب. وقال النسائي: ليس بشيء
متروك الحديث، هذا وكان على المصنف أن يقول: علقه الترمذي، أو ذكره
تعليقًا، فإنه لا يقال في مثل هذا: رواه، وإنما يقال: ذكره، وقد عرفت مما قدمنا
أن حديث أبي هريرة، وحديث عائشة كليهما ضعيفان جدًّا، لكن قد ورد في فضل
الصلاة بين المغرب والعشاء، أحاديث أخرى منها: ما رواه الطبراني في معاجيمه
الثلاثة عن عمار بن ياسر قال: رأيت حبيبي وقّ يصلي بعد المغرب ست ركعات،
وقال: ((مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ
(١١٨١) التِّرْمِذِي (٤٣٥) عَنْهَا تَعْلِيقًا فِيهِ.
٦٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّئَنِ وَفَضَائِلَهَا
الْبَحْرِ)). قال الطبراني: تفرد به صالح بن قطن البخاري.
قال الهيثمي: ولم أجد من ترجمه. وقال المنذري: وصالح هذا لا يحضرني
الآن فيه جرح ولا تعديل. ومنها: ما رواه محمد بن نصرٍ في قيام الليل عن ابن عمر
مرفوعًا: ((مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ غُفِرَ لَهُ بِهَا خَمْسِيْنَ سَنَةً))
وفي إسناده محمد بن غزوان الدمشقي. قال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال
ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به. ومنها: ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن
حذيفة قال: صليت مع النبي ◌ُّ المغرب، فلما قضى الصلاة قام يصلي، فلم يزل
يصلي حتى صلى العشاء، ثم خرج، قال الشوكاني: بعد ذكر هذه الأحاديث
وغيرها مما ورد في الباب: الأحاديث المذكورة تدل: على مشروعية الاستكثار
من الصلاة ما بين المغرب والعشاء. والأحاديث، وإن كان أكثرها ضعيفًا، فهي
منتهضة بمجموعها لاسيما في فضائل الأعمال، انتهى.
١١٨٢ - [١٧] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ بِهِ الْعِشَاءَ قَطُّ
فَدَخَلَ عَلَيَّ، إِلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ. [رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
١١٨٢ - قوله: (مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ الْعِشَاءَ) أي: فرضه. (قَطُّ فَدَخَلَ
عَلَيَّ) أي: في نوبتي. (إِلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي: ركعات مؤكدة بتسليمة،
وركعتان مستحبة، قاله القاري. (أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ) يحتمل الشك والتنويع،
فركعتان نافلة، قاله القاري. وقال الزرقاني في ((شرح المواهب)): قالت عائشة: ما
صلى رسول اللَّه وَ سليه العشاء قط فدخل بيتي، إلا صلى أربع ركعات، أي: تارة، أو
ست ركعات، أي: أخرى، فليست ((أو)) للشك. وفي مسلم قالت عائشة: ثم
يصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين. وكذا في حديث ابن عمر عند
الشيخين. ومفاد الأحاديث: أنه كان يصلي بحسب ما تيسر ركعتين، وأربعًا،
وستًّا، إذا دخل بيته بعد العشاء، انتهى. وأما ما روى محمد بن نصر من حديث
(١١٨٢) أَبُو دَاوُد (١٣٠٣) عنها فيه .
٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن عباس: أن النبي والي- صلى العشاء الآخرة، ثم صلى أربع ركعات، حتى لم يبق
في المسجد غيري وغيره. وهذا يقتضى أن يكون صلى الأربع في المسجد لا في
البيت، فأجيب عنه: بأن في سنده المنهال بن عمرو، وقد اختلف فيه. وعلى تقدير
ثبوته، فيكون قد وقع ذلك منه؛ لبيان الجواز، أو لضرورة له في المسجد اقتضت
ذلك. وأما ما روى الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عمر مرفوعًا: ((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ
الآخِرَةَ فِي جَمَاعَةٍ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ كَعِدْلِ لَيْلَةٍ
الْقَدْرِ))، ففيه: أنه قال العراقي: لم يصح. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢
ص٢٣١): وفيه من ضعف الحديث.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد (ص٥٨/٦) والبيهقي (ج ٢ ص ٤٧٧) من
طريق أبي داود، وسكت عنه أبو داود والمنذري. قال الشوكاني: الحديث رجال
إسناده ثقات. ومقاتل بن بشير العجلي، يعني: الراوي عن شريح بن هانئ عن
عائشة، قد وثقه ابن حبان، وقد أخرجه النسائي أيضًا في (السنن الكبرى)). وفي
الباب عن ابن عباس عند البخاري وغيره، قال: بت في بيت خالتي ميمونة ...
الحديث وفيه: فصلي النبي ◌َّر العشاء، ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات، ثم
نام ... إلخ. والظاهر: أن هذه الأربعة سنة العشاء البعدية؛ لكونها وقعت قبل
النوم، وعليه حمله محمد بن نصر في قيام الليل، وعن عائشة أنها سئلت عن صلاة
رسول اللَّه وَإليهفي جوف الليل، فقالت: كان يصلي صلاة العشاء في جماعة، ثم
يرجع إلى أهله، فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه ... الحديث بطوله.
وفي آخره حتى قبض على ذلك، أخرجه أبو داود من طريق زرارة بن أبي أوفي عن
عائشة، وأخرجه أيضًا من رواية زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة.
قال المنذري: هذه الرواية هي المحفوظة. وعندي في سماع زرارة من عائشة
نظر، فإن أبا حاتم الرازي قال: قد سمع زرارة من عمران بن حصين وأبي هريرة
وابن عباس، وهذا ما صح له، فظاهر هذا أن زرارة لم يسمع عنده من عائشة،
انتهى. وعن عبد الله بن الزبير قال: كان النبي وَّر، إذا صلى العشاء ركع أربع
ركعات، وأوتر بسجدة، ثم نام حتى يصلي بعدها صلاته من الليل. أخرجه أحمد
(ج ٤ ص٤) والبزار والطبراني في ((معجمه))، ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢
ص١٤٦). وعن أنس وعن البراء بن عازب، وعن ابن عباس عند الطبراني، ذكرها
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص ٢٣٠ - ٢٣١) مع الكلام عليها .
كِتَّابُ الصَّلاةِ
بَابُ السُّنَنِ وَقَضَائِلَهَا
٦٥
EXOSE
١١٨٣ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ: ((إِذْبَارُ
النُّجُومِ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَإِدْبَارُ الَّسُّجُودِ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١١٨٣ - قوله: (إِذْبَارَ النُّجُوم) بكسر الهمزة ونصب الراء على الحكاية من
* [الطور:
٤٩
قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَهْدِ رَبِّكَ حِينَ نَّقُوُ ﴿٨) وَمِنَ الَِّلِ فَسَبِّحْهُ وَإِذْبَ النُّجُومِ
٤٨، ٤٩] ويجوز الرفع. وعلى الوجهين هو مبتدأ خبره: (الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ) أي:
فرضه. والإدبار والدبور الذهاب، يعني: عقب ذهاب النجوم.
وقال ابن كثير: أي: عند جنوحها للغيبوبة وهو سنة الصبح. (وَإِذْبَارَ السُّجُودِ)
بفتح الهمزة وكسرها قراءتان متواترتان في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
[ق: ٣٩، ٤٠]، قال
٤٠
وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ
٣٩
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
الطيبي: صلاة أدبار السجود، وأدبار نصبه بسبح في التنزيل أوقعه مضافًا في
الحديث على الحكاية، انتهى. والمراد بالسجود: فريضة المغرب.
(الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) أي: فرضه، وهي سنة المغرب البعدية. (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة الطور، وأخرجه أيضًا الحاكم وصححه وابن مردويه
وابن أبي حاتم كلهم من طريق رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس، ورشدين
ضعفه ابن المديني وأبو زرعة وابن نمير وأبوحاتم والنسائي. وقال أحمد
والبخاري: منكر الحديث.
وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال ابن عدي: أحاديثه مقلوبة، لم أر فيها
حديثًا منكرًا جدًّا، ومع ضعفه یکتب حديثه. وقال ابن كثير: رشیدین بن کریب
ضعيف، ولعل الحديث من كلام ابن عباس موقوفًا عليه، انتهى. والحديث
أخرجه مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه من حديث علي مرفوعًا.
(١١٨٣) التِّرْمِذِي (٣٢٧٥) فِیهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ
٦٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١١٨٤ - [١٩] عَنْ عُمَرَ [رَضِفَهُ] قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ يَقُولُ:
(أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ، تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ فِي صَلَاةِ السَّحَرِ ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ
إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تِلْكَ السَّاعَةَ)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآيِلِ
سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمَّ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١١٨٤ - قوله: (أَرْبَعُ) أي: من الركعات. (قَبْلَ الظَّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ) صفة
الأربع، وخبره قوله: (تُحْسَبُ) بصيغة المجهول. (بِمِثْلِهِنَّ) أي: الكائن. (فِي
صَلَاةِ السَّحَرِ) بفتح المهملتين. ولفظ الترمذي: ((بِمِثْلِهِنَّ مِنْ صَلَاةِ السَّحَرِ))، أي:
بمثل أربع ركعات كائنة من صلاة السحر، يعني: تعدل في الفضل أربعًا مماثلة
لهن من جملة صلاة السحر، أي: التهجد. وذكره المنذري في ((الترغيب)) نقلًا عن
التر مذي بلفظ: ((بِمِثْلِهِنَّ فِي السَّحَرِ)). وقال الطيبي: أي: توازي أربعًا في الفجر
من السنة، والفريضة لموافقه المصلي بعد الزوال سائر الكائنات في الخضوع،
والدخور لبارئها، فإن الشمس أعلى، وأعظم منظورًا في الكائنات، عند زوالها
يظهر هبوطها وانحطاطها، وسائر ما يتفيؤ بها ظلاله عن اليمين والشمال، انتهى.
وقيل: لا يظهر وجه العدول عن الظاهر، وهو حمل السحر على حقيقته، وتشبيه
هذه الأربع بأربع من صلاة الصبح، إلا باعتبار كون المشبة به مشهودًا بمزيد
الفضل، انتهى. يعني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ اٌلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وفيه :
إشارة إلى أن العدول، إنما هو ليكون المشبه به أقوى؛ إذ ليس التهجد أفضل من
سنة الظهر. قال القاري: والأظهر حمل السحر على حقيقته، وهو السدس الأخير
من الليل. ويوجه كون المشبه به أقوى، بأن العبادة فيه أشق وأتعب، والحمل على
الحقيقة مهما أمكن، فهو أولى وأحسن. قلت: لا شك أنَّ الحمل على الحقيقة
(١١٨٤) التِّرْ مِذِي (٣١٢٨) عنه في الصَّلاة.
٦٧
بَابُ السُّنَنِ وَقَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
أولى. وعلى هذا فالمراد بصلاة السحر: صلاة التهجد. ويؤيده ما روي عن
الأسود مرة مسروق، قالوا: قال عبد الله - يعني ابن مسعود: ليس شيء يعدل
صلاة الليل من صلاة النهار، إلا أربعًا قبل الظهر ... إلخ. رواه الطبراني في
((الكبير)). قال الهيثمي: وفيه بشير بن الوليد الكندي وثقة جماعة، وفيه كلام،
وبقية رجاله رجال الصحيح، انتهى. وهذا في حكم المرفوع. ويستأنس بهذا أن
المراد بصلاة السحر في حديث عمر: صلاة الليل. قال بعض المشائخ: السر في
هذا أن هذين الوقتين زمان تتنزل الرحمة بعد الزوال، فإنه تفتح أبواب الرحمة
والقبول بعد انتصاف النهار كما عرفت، وتنزل الرحمة الإلهية في الليل بعد
انتصافه إلى وقت السحر، فلما تناسب الوقتان تناسبت الصلاة الواقعة فيهما،
ويكون كل منهما عديل الآخر، ولما كان نزول الرحمة في آخر الليل أظهر وأشهر،
جعل الصلاة وقت الزوال عديلة وشبيهة به. (وَمَا مِنْ شَيْءٍ ، إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تِلْكَ
السَّاعَةَ) أي: يسبحه تسبيحًا خاصًا تلك الساعة، فلا ينافي قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّن
شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحِدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] المقتضي لكونه كذلك في سائر الأوقات، والتسبيح
في الآيتين بلسان القال والحال.
(ثُمَّ قَرَأَ) أي: النبي ◌َ، أو عمر، قاله القاري. والظاهر هو: الأول. (يَتَفَيَّؤُ)
أي: يميل. (ظِلالُهُ) أي: ظلال كل شيء. (عَنِ الْيَمِينِ) أريد به الجنسِ.
(وَالشَّمَائِلِ) جمع شمال، وفيه تفنن أي: جانبيها أول النهار وآخره. (سُجَّدًا لِلَّهِ)
حال أي: خاضعين بما يراد منهم. (وَهُمْ) أي: الظلال. (دَاخِرُونَ) أي: صاغرون،
نزلوا منزلة العقلاء. وقيل: المراد بقوله: ((هم)): الخلق المعبر عنه بـ ((ما من شيء))،
وفيه تغليب العقلاء. قال الطيبي: ومعنى الآية بتمامها. ﴿أَوَلَمْ يَرَوّا﴾ بالغيبة
والخطاب. ﴿ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] أي: من الأجرام التي لها ظلال متفيئة
عن أيمانها، وشمائلها، كيف تنقاد لله تعالى غير ممتنعة عليه، فيما سخرها من
التفيؤ والأجرام في أنفسها داخرة أيضًا منقادة صاغرة. والشمس وإن كانت أعظم،
وأعلى منظورًا في هذا العالم، إلا أنها عند الزوال يظهر هبوطها، وانحطاطها،
وأنها آيلة إلى الفناء والذهاب، فأشار ◌َلَّ إلى أن المصلي حينئذٍ موافق لسائر
الكائنات في الخضوع لخالقها، فهو وقت خضوع وافتقار، فساوى وقت السحر،
الذي هو وقت تجلي الحق، ومحل الاستغفار.
٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في تفسير سورة النحل، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من
حديث علي بن عاصم عن يحيى البكاء عن عبد الله بن عمر. وعلي بن عاصم هذا.
قال الحافظ: صدوق يخطئ، ويصر، ويحيى البكّاء بتشديد الكاف ضعيف.
١١٨٥ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهَ رَكْعَتَينٍ بَعْدَ
الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ.
[متفق عليه]
- وَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا، حَتَّى لَقِيَ
اللَّهَ(*).
الشَّرُْ
١١٨٥ - قوله: (مَا تَرََكَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ) أي: من الوقت الذي شغل فيه عن
الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ولم ترد أنه كان يصلي بعد ركعتين من
أول ما فرضت الصلوات مثلًا، إلى أخر عمره. وقال النووي: تعني: بعد وفود قوم
عبد القيس. (رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: بعد فرضه قضاء أولًا، ثم استمرارًا ثانيًا.
(عِنْدِي) أي: في بيتي. (قَطَّ) أي: أبدًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا
أبو داود والنسائي والبيهقي. (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) ذكرها في باب: ما يصلى بعد
العصر من الفوائت ونحوها. (قَالَتْ) عائشة. (وَالَّذِي) قَسَمٌ. (ذَهَبَ بِهِ) أي: توفاه
تعِنِي: رسول اللَّهِ وَثّلـ (مَا تَرَكَهُمَا) أي: الركعتين بعد صلاة العصر. (حَتَّى لَقِيَ
اللَّهَ) وَّت زاد البخاري في هذه الرواية: وكان النبي ◌َّ لا يصليهما في المسجد
مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم. وفي رواية لمسلم:
((صلاتان ما تركهما رسول اللَّه وَله في بيتي قط سرًّا، ولا علانية، ركعتين قبل
الفجر وركعتين بعد العصر))، وفي رواية للبخاري: ((ما كان النبي ◌ُّل يأتيني في يوم
بعد العصر، إلا صلى ركعتين)). قيل: هاتان ركعتان ركعتا سنة الظهر البعدية، فاتتا
(١١٨٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٩١) مُسْلِم (٨٣٥) عنها فيها .
(*) البُخَارِي (٥٩٠) عنها فيه.
٦٩
بَابُ السُّئَنِ وَقَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلاةِ
منه وَّة؛ بسبب وفد عبد القيس، فقضاهما بعد العصر، كما تقدم من حديث أم
سلمة، ثم داوم عليهما. وروي: أنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر،
فصلاهما بعد العصر.
وقيل: هما سنة العصر القبلية، فقد روى مسلم عن أبي سلمة، أنه سأل عائشة
عن السجدتين اللتين كان رسول اللّه وَال يصليهما بعد العصر، فقالت: كان
يصليهما قبل العصر، ثم أنه شغل عنهما، أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم
أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها، تعني: دوامها، ثم إن هذه الأحاديث يعارضها
ما روى النسائي عن أم سلمة، أن رسول اللَّه وَّله صلى في بيتها بعد العصر ركعتين
مرة واحدة ... الحديث. وفي رواية له عنها: لم أره يصليهما قبل ولا بعد، وما
روى الترمذي عن ابن عباس قال: إنما صلى النبي ◌َّ الركعتين بعد العصر؛ لأنه
أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما.
قال الترمذي: حديث حسن، فيحمل النفي على علم الراوي، فإنه لم يطلع على
ذلك، والمثبت مقدم على النافي.
قال الحافظ: يجمع بين الحديثين بأنه قليل لم يكن يصليهما إلا في بيته، فلذلك
لم يره ابن عباس ولا أم سلمة. ويشير إلى ذلك قول عائشة: وكان لا يصليهما في
المسجد مخافة أن تثقل على أمته، انتهى. وقال الشوكاني: قد جمع بين رواية
النفي ورواية الإثبات بحمل النفي في المسجد، أي: لم يفعلهما في المسجد،
والإثبات على البيت. وقد تمسك بحديث عائشة من أجاز قضاء النفل بعد العصر.
وأجاب المانعون: بأنها من الخصائص. وأجيب: بأن الذي اختص به وَل
المداومة على ذلك لا أصل القضاء. والجمع بين هذا، وحديث النهي عن الصلاة
بعد العصر، أن ذلك فيما لا سبب له، وهذا سببه قضاء فائتة الظهر كما أمر آنفا.
وقد سبق الكلام في هذا مفصلًا في باب: أوقات النهي.
٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١٨٦ - [٢١] وَعَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ عَنِ
التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُّ الْأَيْدِي عَلَى صَلَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ،
وَكُنَّا نَّصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَلَهَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ
الْمَغْرِبِ، فَقُلْتُ لَهُ: أكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا
نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
١١٨٦ - قوله: (وَعَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ) بفاءين مضمومتين ولامين، الأولى
ساكنة، المخزومي، مولى عمرو بن حريث. وثقه أحمد وابن معين وأبوحاتم
والعجلي والنسائي ويعقوب بن سفيان. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال أبوبكر
البزار: صالح الحديث، وقد احتمله حديثه. (كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الأَيْدِي) أي : أيدي
من عقد الصلاة وأحرم بالتكبير. (عَلَى صَلَاةٍ) أي: نافلة. (بَعْدَ الْعَصْرِ) أي:
يمنعهم من التطوع بعد فرض العصر، وضرب عمر الناس على الصلاة بعد العصر
ثابت في عدة أحاديث: منها: ما رواه البيهقي والإسماعيلي عن أيمن أنه دخل على
عائشة، فسألها عن الركعتين بعد العصر، فقالت: والذي ذهب بنفسه، تعني:
رسول اللَّه وَّله، ما تركهما حتى لقي الله، فقال لها أيمن: إن عمر كان ينهى
عنهما، ويضرب عليهما، فقالت: صدقت، ولكن كان النبي وَل يصليهما. ومنها:
ما رواه البخاري في باب: إذا كلم وهو يصلي، آخر أبواب الصلاة من حديث
كريب: أن ابن عباس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر أرسلوه إلى
عائشة. فقالوا: اقرأ عليها السلام منا جميعًا، وسَلْهَا عن الركعتين بعد صلاة
العصر، وقل لها: إنا أَخْبِرْنَا أنك تصليهما، وقد بلغنا أن النبي وَّ نهى عنهما. وقال
ابن عباس: قد كنت أضرب الناس مع عمر عليهما ... الحديث. ومنها: ما رواه
مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد: أنه رأى عمر بن الخطاب يضرب
المنكدر في الصلاة بعد العصر. ومنها ما روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شقيق
(١١٨٦) مُسْلِم (٨٣٦) عنه فيه.
٧١
بَابُ السُّنَنِ وَقَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
قال: رأيت عمر أبصر رجلًا يصلي بعد العصر، فضرب حتى سقط وراءه. وقد
استدل بهذه الآثار من منع التنفل بعد العصر مطلقًا، لكن في الاستدلال بها على
ذلك نظر، لأنه يحتمل أن عمر كان يرى أن النهي عن الصلاة بعد العصر، إنما هو
خشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس لا مطلقًا.
قال الحافظ: روى عبد الرزاق من حديث زيد بن خالد سبب ضرب عمر الناس
على ذلك، فقال عن زيد بن خالد: أن عمر رآه وهو خليفة، ركع بعد العصر
فضربه، فذكر الحديث، وفيه: فقال عمر: يا زيد، لولا أني أخشى أن يتخذهما
الناس سُلَّمًا إلى الصلاة حتى الليل، لم أضرب فيهما. ولعل عمر كان يري أن النهي
عن الصلاة بعد العصر، إنما هو خشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس. وهذا
يوافق قول ابن عمر: أصلي كما رأيت أصحابي يصلون لا أنهى أحدًا يصلي بليل أو
نهار وما شاء، غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها. ويوافق ما نقلناه عن ابن
المنذر وغيره: من أنه لا تكره الصلاة بعد الصبح، ولا بعد العصر، إلا لمن قصد
بصلاته طلوع الشمس وغروبها. وقد روى يحيى بن بكير عن الليث عن أبي الأسود
عن عروة عن تميم الداري نحو رواية زيد بن خالد وجواب عمر له، وفيه: ولكني
أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب، حتى يمروا بالساعة
التي نهى رسول اللَّه وَ له أن يُصَلَّى فيها، وهذا أيضًا يدل لما قلناه، انتهى كلام
الحافظ .
(فَقُلْتُ) قول المختار بن فلفل الراوي (لَهُ) أي: لأنس. (أكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِه.
يُصَلِّيهِمَا) كذا في جميع النسخ الموجودة، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول))
(ج ٧ ص٢٣) ولفظ مسلم: صلاهما أي: بصيغة الماضي، وكذا نقله المجد ابن
تيمية في ((المنتقى)). ولفظ أبي داود: ((أراكم رسول اللَّه ◌َ). (قَالَ) أنس. (كَانَ
يَرَانَا نُصَلَّيْهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا) قال الطيبي: أي: لم يأمر من لم يُصَلِّ، ولم ينه
من صلى، انتهى. قلت: وتقريره وقليل لمن يراه يصلي في ذلك الوقت يدل: على
عدم كراهة الصلاة فيه، ولاسيما والفاعل لعله لذلك عدد كثير من الصحابة، وقد
ثبت أمره بذلك، لكن لا على سبيل الوجوب، بل على طريق الندب والاستحباب،
كما تقدم في شرح حديث عبد الله بن مغفل في الفصل الأول. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
وأخرجه أيضًا أبو داود والبيهقي (ج٢ ص٤٧٥).
٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١٨٧ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ
الْمَغْرِبِ، ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَّرَكَعُوا رَكْعَتَيْنٍ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ
لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةٍ مَنْ يُصَلِّيهِمَا.
[رَوَاهُ مُشْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
١١٨٧ - قوله: (ابْتَدَرُوا) أي: ناس من الصحابة. (السَّوَارِيَ) بتخفيف الياء،
جمع سارية، وهي الأسطوانة، أي: تسارعوا، واستبقوا إلى الأسطوانات؛
للاستتار بها ممن يمر بين أيديهم، لكونهم يصلون فرادى. والمعنى: وقف كل من
سبق خلف الأسطوانة. (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ) بكسر همزة إن، وجوز فتحها.
والغريب الأجنبي البعيد عن وطنه. قال ابن حجر: حتى عاطفة لما بعدها على جملة
ابتدروا. (فَيَحْسِبُ) بكسر السين وفتحها أي: فيظن. (أَنَّ الصَّلَاةَ) أي: التي هي
فرض المغرب. (قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا) أي: الركعتين. والحديث رواه
البخاري في باب: كم بين الأذان والإقامة من طريق عمرو بن عامر الأنصاري عن
أنس، قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي وَّ يبتدرون السواري،
حتى يخرج النبي وَّ، وهم كذلك يصلون ركعتين قبل المغرب، ورواه في باب:
((الصلاة إلى الأسطوانة)) بلفظ قال: لقد رأيت كبار أصحاب رسول اللّه وَّله يبتدرون
السواري عند المغرب.
قال القرطبي: ظاهر حديث أنس: أن الركعتين بعد أذان المغرب، وقبل صلاة
المغرب، كان أمرًا قَرَّرَ النبي وَله أصحابه عليه، وعملوا به حتى كانوا يستبقون
إليه. وهذا يدل: على الاستحباب. وكان أصله قوله بَّ: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ))،
وأما كونه ◌َّله لم يصلهما، فلا ينفي الاستحباب، بل يدل على أنهما ليستا من
الرواتب. وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث، كذا في
((الفتح)). قلت: قد ثبت فعله وَالّ من حديث عبد الله بن مغفل عند ابن حبان في
(١١٨٧) مُسْلِم (٨٣٧) عنه فيه.
٧٣
بَابُ السُّنَنِ وَقَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
((صحيحه)، كما في ((نصب الراية)) (ج ٢ ص١٤١). وعلى هذا فلا شك في كون
الركعتين بعد غروب الشمس، وقبل صلاة المغرب مستحبًّا؛ لأنه ثبت عن
النبيِ وَ لَّ فعلًا، وأمرًا، وتقريرًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا البخاري، وتقدم
لفظه، وأحمد والنسائي والبيهقي (ج٢ ص ٤٧٥).
١١٨٨ - [٢٣] وَعَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ الْجُهَنِيَّ،
فَقُلْتُ: أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ يَرْكَّعُ رَكْعَتَيْنٍ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؟ فَقَالَ
عُقْبَةُ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُوَّلِ اللَّهِ وَله، قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ:
الشُّغْلُ.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٨٨ - قوله: (وَعَنْ مَرْنَدٍ) بميم مفتوحة وراء ساكنة بعدها مثلثة مفتوحة.
(بْنِ عَبْدِ اللهِ) اليزني بفتح التحتية والزاي بعدها نون، نسبة إلى يزن، بطن من حمير
أبي الخير، المصري، ثقة فقيه. قال في ((تهذيب التهذيب)): كان لا يفارق عقبة بن
عامر الجهني، وكان مفتي أهل مصر في زمانه. قال العجلي: مصري تابعي ثقه.
وقال ابن سعد: كان ثقة وله فضل وعبادة. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): كان عند
أهل مصر مثل علقمة عند أهل الكوفة، وكان رجل صدق. ووثقه يعقوب بن
سفيان. (أَتَيْتُ عُقْبَةَ) بضم العين ابن عامر والي مصر. (الْجُهَنِيَّ) بضم الجيم نسبة
إلى جهنية قبيلة. (أَلَا أَعْجِبُكَ) بضم الهمزة وسكون المهملة. وفي رواية بفتح
العين وتشديد الجيم، أي: ألا أوقعك في التعجب.
(مِنْ أَبِي تَمِيم) بفتح المثناة الفوقية، هو عبد الله بن مالك الجيشاني بفتح الجيم
وسكون التحتانيّة بعدها معجمة المصري، مشهور بكنيته، أصله من اليمن تابعي
كبير، ثقة، مخضرم، أسلم في عهد النبي ◌َّ، وقرأ القرآن على معاذ بن جبل
باليمن، ثم قدم في زمن عمر، فشهد فتح مصر وسكنها. قال ابن يونس: وقد عده
جماعة في الصحابة لهذا الإدراك، مات سنة سبع وسبعين. (يَرْكَعُ) أي: يصلي.
(١١٨٨) البُخَارِي (١١٨٤) عنه فیه.
٧٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَكْعَتَيْنٍ) زاد أحمد والإسماعيلي: حين يسمع أذان المغرب. (إِنَّا) أي: معشر
الصحابة .
(كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ) أي: في زمانه وبحضرته، كما تقدم في
حديث أنس. (فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ) أي: من صلاتهما. (قَالَ: الشَّغْلُ) بضم الشين
وسكون الغين وضمهما وهو: ضد الفراغ، والحديث دليل على مشروعية صلاة
الركعتين قبل المغرب. وفيه رد على قول القاضي أبي بكر بن العربي: لم يفعلهما
أحد بعد الصحابة؛ لأن أبا تميم تابعي، وقد فعلهما، قاله الحافظ. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ)
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص١٥٥) والبيهقي (ج٢ ص ٤٧٥).
١١٨٩ - [٢٤] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ وَ أَتَى مَسْجِدَ
بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ
بَعْدَهَا، فَقَالَ: ((َهَذِهِ صَلَةُ الْبُيُوتِ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
- وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ: قَامَ نَاسٌ يَتَتَقَّلُونَ، فَقَالَ النَّبِيِّ
((عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ))(*).
صَلى اللّه.
وَسَيّلاً .
الشَّرْجُ
١١٨٩ - قوله: (أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) هم من أنصار الأوس. وعبد
الأشهل هو: ابن جشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر ابن عمرو بن مالك بن
الأوس بن حارثة. (فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ) أي: فرضه. (رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ) أي: يصلون
نافلة بدليل الرواية الآتية. (بَعْدَهَا) أي: بعد صلاة المغرب. (فَقَالَ) رسول اللَّه ◌َلَه
(هَذِهِ) أي: الصلاة بعد المغرب، أو النافلة مطلقًا، والأول أقرب. ويلزم منه أن
يكون للصلاة التي بعد المغرب زيادة اختصاص بالبيت فوق اختصاص مطلق
النافلة به والله تعالى أعلم، قاله السندي: (صَلَاةُ الْبُيُوتِ) أي: الأفضل أن يصلى
(١١٨٩) أَبُو دَاوُد (١٣٠٠) عن كعب بن عُجْرة فيه.
(*) التِّرْ مِذِي (٦٠٤)، والنَّسَائِي (١٩٨/٣) عنه فيه.
٧٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّنَنِ وَقَضَائِلَهَا
بها في البيوت؛ لأنها أبعد من الرياء، وأقرب إلى الإخلاص لله تعالى. قال
القاري: والظاهر: أن هذا إنما هو لمن يريد الرجوع إلى بيته بخلاف المعتكف في
المسجد، فإنه يصليها فيه، ولا كراهة بالاتفاق. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا
الترمذي والنسائي كما صرح به المصنف فيما بعد، والبيهقي (ج ٢ ص ١٨٩) وفي
سنده إسحاق بن كعب بن عجرة. قال الذهبي في ((الميزان)): إسحاق بن كعب
تابعي مستور، تفرد بحديث سنة المغرب، وهو غريب جدًّا، انتهى.
وقال الحافظ في ((التقريب)): مجهول الحال، قتل يوم الحرة سنة ٦٣ وذكره
ابن حبان في ((الثقات)). والحديث قد أعله الترمذي بما تقدم من حديث ابن عمر
ثاني أحاديث الفصل الأول، فقال: والصحيح ما روي عن ابن عمر قال: كان
النبي وَّ يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته، وفيه: أن هذا تعليل غير جيد؛ لأن
الحدیث الفعلي المؤيد للقولي لا یکون علہ لہ، مع أن له شاهدًا بإسناد جید حسن
رواه أحمد في ((المسند)) (ج٥ ص ٤٢٧) من حديث محمود بن لبيد أخي بنى عبد
الأشهل، قال: أتانا رسول اللَّه وَليل، فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما سلم
قال: ((ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ لِلسُّبْحَةِ)) يعني: بعد المغرب، ذكره الهيثمي،
وقال: رجاله ثقات، ورواه أحمد مرة أخرى في الصفحة بعدها، ثم قال ابنه
عبد الله: قلت لأبي: إن رجلًا قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم
تجزه، إلا أن يصليهما في بيته؛ لأن النبي ◌َّ قال: ((إِنَّ هَذِهِ مِنْ صَلَوَاتِ الْبِيُوتِ))،
قال: من هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ما أحسن ما قال،
أو ما أحسن ما انتزع، انتهى.
قلت: الأمر في حديث محمود بن لبيد هذا محمول على الندب جمعًا بينه وبين
الأحاديث، التي تدل على صلاته وَّليل بعد المغرب في المسجد، كحديث ابن
عباس الآتي، وغيره مما ذكرنا في شرح حديث ابن عمر. (عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي
الْبُيُوتِ) إرشاد لما هو الأفضل والأولى.
ECON
٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١٩٠ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُطِيلُ
الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١١٩٠ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ)
أي: أحيانًا لما تقدم في باب: القراءة من حديث ابن مسعود، أنه كان يقرأ فيهما
((الكافرون)) و((الإخلاص)).
(حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ) ظاهره أنه كان يصليهما في المسجد، فيحمل على أن
فعلهما فيه لعذر منعه من دخول البيت. والأظهر: أنه يحمل على بيان الجواز. قال
محمد بن نصر: لعله أن يكون قد فعل هذا مرة. وقيل: يحمل على وقت الاعتكاف.
وقيل: يحتمل أنه كان يفعلهما في البيت، وإن ابن عباس علم بذلك؛ لأن بيته وَ له
كان متصلاً بالمسجد، ولم يكن بينهما إلا جدار، وكان في الجدار باب إلى
المسجد .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، وأخرجه أيضًا محمد بن نصر في قيام الليل
والبيهقي (ج٢ ص ١٩٠) وفي سنده: يعقوب بن عبد الله الأشعري أبو الحسن القمي
بضم القاف وتشديد المیم.
قال النسائي: ليس به بأس. وقال أبوالقاسم الطبراني: كان ثقة. وذكره
ابن حبان في ((الثقات)). وقال الدارقطني: ليس بالقوي. مات سنة أربع وسبعين
ومائة. كذا في ((تهذيب التهذيب)). وقال في ((التقريب)): صدوق يهم. خرج له
البخاري تعليقًا في الطب. وروى الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عباس: أن النبي وَلِّل
كان يصلي بعد المغرب ركعتين يطيل فيهما القراءة، حتى يتصدع أهل المسجد،
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢ ص ٢٣٠)، وقال: فيه يحيى بن عبد الحميد
الحماني، وهو ضعيف.
(١١٩٠) أَبُو دَاوُد (١٣٠١) عن ابن عباس فيه.
٧٧
بَابُ السُّئَنِ وَقَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١١٩١ - [٢٦] وَعَنْ مَكْحُولٍ يَبْلُغُ بِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ قَالَ: ((مَنْ
صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ - وَ فِي رِوَايَةٍ - أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ
رُفَعْتِ صَلَاتُهُ فِي عِلَِّينَ)).
[مُرْسَلًا] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١١٩١- قوله: (وَعَنْ مَكْحُولٍ) الشامي الدمشقي أبي عبد الله التابعي
المشهور. (يَبْلُغُ بِهِ) الباء للتعدية أي: يبلغ بالحديث إلى النبي ◌َّ، ويرفعه إليه.
فالحديث مرسل؛ لأن مكحولًا تابعي، وأسقط من السند ذكر الواسطة بينه وبين
رسول اللَّه ◌َّ﴾. وذكره محمد بن نصر في ((قيام الليل)) بلفظ: عن مكحول أنه بلغه.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَلَ قَالَ: مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ) أي: فرضه. (قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ) أي:
بكلام الدنيا. (رَكْعَتَيْنِ) الظاهر أنهما سنة صلاة المغرب البعدية.
(وَفِي رِوَايَةٍ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) ركعتان منها سنتها البعدية، وركعتان من سنة وقت
الغفلة، فقد روى الطبراني في ((الكبير)) عن الأسود بن يزيد، قال: قال عبد الله بن
مسعود: ((نَعَمْ سَاعَةُ الغَفْلَةِ))، يعني: الصلاة فيما بين المغرب والعشاء. قال
الهيثمي: فيه جابر الجعفي، وفيه كلام كثير، وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: ساعة
ما أتيت عبد الله بن مسعود فيها، إلا وجدته يصلي ما بين المغرب والعشاء،
فسألت عبد اللَّه عن ذلك، فقال: ((إِنَّهَا سَاعَةُ غَفْلَةٍ)). قال الهيثمي: وفيه: ليث بن
أبي سليم، وفيه كلام. وتسمية الصلاة بين العشائين صلاة الغفلة اصطلاح
للشافعية سموها في كتبهم أخذًا من قول ابن مسعود. قال القاري: والأولى أن
يسمي الصلاة ما بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين، فقد روى محمد بن نصر عن
محمد بن المنكدر مرسلاً أن النبي وَ لَه قال: ((مَنْ صَلَّى مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ،
فَإِنَّها مِنْ صَلَاةِ الْأَوَّابِيْنَ))، وهذا لا يعارض ما روي من قوله وَّةَ: ((صَلَاةُ الْأَوَّابِيْنَ
حِيْنَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ))، فإنه لا مانع أن يكون كل من الصلاتين صلاة الأوابين.
(١١٩١) أخرجَهُ رزين من مُرْسَل مكحول رَضِ لْنَهُ.
٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رُفِعَتْ صَلَاتُهُ) أي: نافلته، أو مع فريضته. (فِي عِلَّيِّينَ) كناية عن غاية قبولها،
وعظيم ثوابها. وعليون جمع علي اسم لمقام في السماء السابعة، تصعد إليه أعمال
الصالحين، وأرواحهم. والحديث يدل: على استحباب تعجيل الركعتين الراتبتين
بعد المغرب. ويدل عليه أيضًا: حديث حذيفة الآتي، وهو الذي فهمه محمد بن
نصر، حيث بوب عليه: ((باب تعجيل الركعتين بعد المغرب)). (مُرْسَلًا) أي: يبلغ
به حال كون الحديث مرسلًا؛ لأن مكحولًا تابعي، قال ابن حجر: والإرسال هنا لا
يضر؛ لأن المرسل كالضعيف، الذي لم يشتد ضعفه، يعمل بهما في فضائل
الأعمال، انتهى.
١١٩٢ - [٢٧] وَعَنْ حُذَيْفَةَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فَكَانَ يَقُولُ: ((عَجِّلُوا
الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُمَا تُرْفَعَانِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ)).
[رَوَاهُمَا رَزِينٌ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الزِّيَادَةَ عَنْهُ نَخْوَهَا فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] (ضعيف}
الشّرْحُ
١١٩٢ - قوله: (وَعَنْ حُذَيْفَةَ) أي: مروي عنه. (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث
مكحول بمعناه دون لفظه. (وَزَادَ) أي: حذيفة. (فَكَانَ يَقُولُ) أي: النبي ◌َّه:
(عَجِّلُوا الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) أي: بالمبادرة إليهما. وقيل: بالتخفيف فيهما.
وقيل: لا منع من الجمع. والمراد بهما: سنته بلا خلاف. (فَإِنَّهُمَا تُرْفَعَانِ مَعَ
الْمَكْتُوبَةِ) فإن السنة تابعة للفرض، ومكملة له وقت العرض. (رَوَاهُمَا رَزِينٌ) نقل
المنذري في ((الترغيب)) حديث مكحول وقال: ذكره رزين ولم أره في الأصول،
انتهى. قلت: الحديثان أخرجهما محمد بن نصر في باب: تعجيل الركعتين بعد
المغرب من كتابه ((قيام الليل))، قال: حدثنا إسحاق أخبرنا بقية حدثني محمد
حدثني زيد العمي عن أبي العالية عن حذيفة، عن النبي وَلَ، قال: ((عَجِّلُوا
الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُمَا تُرْفَعَانِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ))، قال محمد بن نصر: هذا
حديث ليس بثابت، وقد روي عن حذيفة من طريق آخر خلاف هذا عن حذيفة،
قال: كانوا يحبون تأخير الركعتين بعد المغرب، حتى كان بعض الناس تفاجئهم
(١١٩٢) وللبيهقى (٣٠٦٨) فى الشُّعَب نَحْوُه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّئَنِ وَفَضَائِلَهَا
٧٩
الصلاة ولم يصلوهما، فعجلهما الناس، وهذا أيضًا ليس بثابت، قال: وحدثنا
محمد بن يحيى أخبرنا أبوصالح حدثني الليث حدثني يحيى بن عبد الله بن سالم بن
عبد الله بن عمر عن عمر بن عبد العزيز عن مكحول أنه حدثه أنه بلغه، أن
رسول اللَّهِ ﴿ه قال: ((مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ كُتِبَتْ صَلاَتُهُ فِي
عِلِّيَّيِنَ))، انتهى.
وروى الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعًا: ((مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتْكَلَّمَ رُفِعَتْ لَهُ فِي عِلَّيِّينَ، وَكَانَ كَمَنْ أَدْرََكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ
فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهِي خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ)). قال العراقي: وفي إسناده
جهالة ونكارة، وهو أيضًا من رواية عبدَ الله بن أبي سعيد، فإن كان الذي يروي
الحسن ويروي عنه يزيد بن هارون، فقد جهله أبوحاتم، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وإن كان أبا سعيد المقبري، فهو ضعيف، قاله الشوكاني. (وَرَوَى
الْبَيْهَقِيُّ الزِّيَادَةَ) أي: المذكورة. (عَنْهُ) أي: حذيفة. (نَحْوَهَا) بدل أي : روی نحو
زيادة رزين عنه. (فِي شُعَبِ الإِئْمَانِ) فتتقوی بذلك روایة رزين، قاله ابن حجر.
قلت: وقد تقدم أنه روى الحديثين محمد بن نصر، وقال: حديث حذيفة غير
ثابت، وسکت عن مرسل مکحول.
١١٩٣ - [٢٨] وَعَنْ عُمَرَ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ: إِنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، أَرْسَلَهُ إِلَى
السَّائِبِ، يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ
الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ
أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ،
حَتَّى تَكَلَّمَ أَو تَخْرُجُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أنَ لَا نُوْصِلَ بِصَلَاةٍ،
حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٩٣ - قوله: (وَعَنْ عُمَرَ) بضم العين. (بْنِ عَطَاءٍ) بن أبي الخوار بضم
(١١٩٣) مُسْلِم (٨٨٣) عنه فيه.