Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فاعل صليت. (أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ) قال الطيبي: قوله: ((أحسب ... )) إلخ. جملة حالية
أي: ظاًّا فراغ صلاتكم، انتهى.
قلت: وفي أبي داود: ((وأنا أحسب)) أي: والحال إني كنت أحسب، أن قد
فرغتم من الصلاة. وفيه اعتذار، أن الأول: عن عدم الدخول في صلاة الجماعة،
وهو بقوله: ((إني كنت قد صليت)). والثاني: عن الصلاة في المنزل، وهو بقوله:
((أحسب أن قد صليتم)). (فَقَالَ) أي: رسول اللّه ◌َله : (إِذَا جِئْتَ الصَّلَاةَ) وفي أبي
داود: ((إِلَى الصَّلاةِ)) أي: إلى المسجد. وفي ((جامع الأصول)): (إَذَا جِئْتَ الصَّلَاةَ))،
كما في ((المشكاة)). (فَوَجَدْتَ النَّاسَ) أي: يصلون.
(فَصَلِّ مَعَهُمْ وَإِنْ) وصلية. (كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ) في منزلك، أي: ليحصل لك
ثواب الجماعة، وزيادة النافلة.
(تَكُنْ) أي: الصلاة الثانية التي صليتها مع الناس. (نَافِلَّةً) بالنصب، أي: زائدة
على الفرض. (وَهَذِهِ) أي: الصلاة الأولى التي صليتها في منزلك، ويحتمل
العكس، لكن حديث يزيد بن الأسود المتقدم، وحديث محجن عند أحمد (ج٤
ص٣٣٨) وحديث أبي ذر السابق في باب تعجيل الصلاة يرجع الاحتمال الأول.
(مَكْتُوبَةٌ) بالرفع. وقيل: بالنصب. واعلم: أنه اختلف في الصلاة التي تصلى
مرتين: هل الفريضة الأولى، أو الثانية؟ فقال الشافعي في القديم: إن الفريضة
الثانية إذا كانت الأولى فرادى، واستدل له بحديث يزيد بن عامر هذا؛ لأن ظاهره
أن الصلاة الأولى تكون نافلة. والثانية التيٍ يصليها مع الناس مكتوبة، ويقوي ذلك
رواية الدار قطني بلفظ: ((وَلْيَجْعَلِ الَّتِى صَلَّى فِى بَيْتِهِ نَافِلَةً))، وذكرها الحافظ في
((التلخيص)) (ص١٢٢) والزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٢ ص ١٥٠). والمشهور في
مذهب المالكية هو أن يعيدها في الجماعة بنية الفرض مع التفويض لله تعالى في
قبول ما شاء من الصلاتين لفرضه. وقال في ((الشرح الكبير)): وندب لمن لم يحصل
فضل الجماعة أن يعيد صلاته، ولو بوقت ضرورة لا بعده مفوضًا أمره لله تعالى في
قبول أيهما شاء لفرضه. قال الدسوقي: ما ذكره المصنف من كون المعيد ينوي
التفويض قال الفاكهاني: هو المشهور في المذهب. وقيل: ينوي الفرض. وقيل:
ينوي النفل. وقيل: ينوي إكمال الفريضة.

٢١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَاب مَنْ صَلَّى صَلَاة مَرَّتَيْنِ
وقال ابن عبد البر: أجمع مالك وأصحابه أن من صلى وحده لا يؤم في تلك
الصلاة. وهذا يدل على أن الأولى هي فريضة، ومقتضى قواعد المالكية، أنها على
وجه الاعتداد بها، وبحسب النظر الفقهي الدنيوى هي الصلاة الأولى، وأما
بالاعتبار الأخروي، فالأمر مفوض إلى اللَّه تعالى، واستدلوا للتفويض بأثر ابن
عمر الذي بعد هذا. وقال الشافعي في الجديد: إن الأولى هي الفريضة، وهو
مذهب الحنفية، وهو الحق لحديث يزيد بن الأسود السابق، ولحديث محجن عند
أحمد، ولحديث أبي ذر المتقدم في باب تعجيل الصلاة، ولحديث ابن مسعود عند
مسلم، وأبي داود في معنى حديث أبي ذر، وغير ذلك من الأحاديث التي ذكرها
الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج ٢ ص٤٤). وأما حديث يزيد بن عامر الذي استدل
به لقول الشافعي في القديم فهو ضعيف، ضعفه النووي؛ لأن في سنده نوح بن
صعصعة، وهو مستور، كما قال الحافظ في ((التقريب)).
وقال الدارقطني: حاله مجهولة كما في ((تهذيب التهذيب)). وقال البيهقي: إن
حديث يزيد بن الأسود أثبت منه وأولى، مع أن اللفظ المذكور في الكتاب ليس
بصريح فيما ذهب إليه الشافعي. وأما الرواية بلفظ: ((وَلْيَجْعَلِ الَّتِى صَلَّى فِى بَيْتِهِ
نَافِلَةً»، فهي ضعيفة شاذة، كما صرح به الدار قطني على ما نقله الحافظ عنه في
((التلخيص)) (ص١٢٢).
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص ١٥٠): قال الدار قطني والبيهقي: إنها
رواية ضعيفة شاذة مردودة لمخالفتها الثقات.
قال الشوكاني: وعلى فرض صلاحیة حدیث یزید بن عامر للاحتجاج به، كما
هو مقتضى سكوت أبي داود والمنذري، فالجمع بينه وبين حديث الباب ممكن
بحمل حديث يزيد بن الأسود على من صلى الصلاة الأولى في جماعة، وحمل
حديث يزيد بن عامر على من صلى منفردًا، كما هو الظاهر من سياق الحديثين.
وأما أثر ابن عمر الآتي فسيأتي الجواب عنه. (رَوَاهُ أَبُو دَاودَ) ومن طريقه البيهقي
(ج٢ ص٣٠٢). وسكت عنه أبو داود والمنذري. وقد عرفت أن في سنده نوح بن
صعصعة، وهو مستور. وقال الدارقطني: حاله مجهولة.

٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١٦٣ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿ يَا: أَنَّ رَجُلًّا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُصَلِّي فِي
بَيْتِي، ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْإِمَامِ، أَفَأُصَلِّي مَعَهُ؟ قَالَّ لَهُ: نَعَمْ،
قَالَ الرَّجُلُ: أَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذَلِكَ إِلَيْكَ؟! إِنَّمَا ذَلِكَ
إِلَى اللّهِ رَتْ يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١١٦٣- قوله: (إِنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي) أي: بالانفراد، أو بالجماعة. (فِي
الْمَسْجِدِ) ليس هذا اللفظ في نسخ ((الموطأ» الموجودة، وإن كان مرادًا هاهنا.
وزاد الجزري لفظ: في المسجد. والمصنف تبعه في ذكر سياق الحديث.
(أَفَأُصَلِّ مْعَه؟) أي: أزيد في صلاتي فأصلي معه، قاله الطيبي أو الفاء للتعقيب
وتقديم الهمزة للصدارة. (قَالَ لَّهُ: نَعَمْ) وفي ((الموطأ)): ((فقال له عبد الله بن عمر:
نعم)). (أَيَتَهُمَا) قال القاري: بالنصب في أكثر النسخ. وفي نسخة السيد: بالرفع.
والأول أظهر أي: أية الصلاتين. (أَجْعَلُ صَلَاتِي؟) أي: أعدهما عن فرضي. (قَالَ)
وفي ((الموطأ)): ((فقال له)). (وَذَلِكَ إِلَيْكَ؟) قال الطيبي: إخبار في معنى الاستفهام
بدليل قوله: (إِنَّمَا ذَلِك إِلَى اللَّهِ) قلت: وقع في ((الموطأ)): ((أَوَ ذَلِكَ إِلَيْكَ)) أي:
بهمزة الاستفهام، وكذا نقله الجزري عن ((الموطأ))، ووقع عند البيهقي، وذلك كما
في المشكاة. (يُجْعَلُ) الفرض.
(أَيَّتَهُمَا شَاءَ) يعني: اللَّه يعلم التي يتقبلها عن الفريضة، إذا صليتهما بنية
الفرض، وهذا هو المشهور في مذهب مالك، أعني: الإعادة بنية الفرض مع
التفويض إلى الله في قبول ما شاء من الصلاتين لفرضه، كما تقدم. وقال ابن
حبيب: معناه: أن الله يعلم التي يتقبلها، فأما على وجه الاعتداد بها فهي الأولى،
ومقتضى هذا أن يصلي الصلاتين بنية الفرض. وقال ابن الماجشون وغيره: أراد به
القبول، فإن الله تعالى قد يقبل الفريضة دون النافلة وبالعكس. وقال القاري: لأن
المدار على القبول، وهو مخفي على العباد، وإن كان جمهور الفقهاء يجعلون
(١١٦٣) مَالِك (١/ ٩/١٣٣) عن ابنِ عُمر موقوفًا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
BIME
بَاب مَنْ صَلّ صَلَاة مَرَّتَيْنِ
ese
٢٣
الأولى فريضة، وأيضًا يمكن أن يقع في الأولى فساد فيحسب اللّه تعالى نافلته بدلًا
عن فريضته، فالاعتبار الأخروي غير النظر الفقهي الدنيوي، انتهى. وعلى هذا فلا
منافاة بينه وبين قول من قال: الفريضة هي الأولى، كما روي عن ابن عمر نفسه أنه
سئل عن الرجل يصلي الظهر في بيته، ثم يأتي المسجد، والناس يصلون فيصلي
معهم، فأيتهما صلاته؟ قال: الأولى منهما صلاته. ذكره القاري في شرح مسند
أبي حنيفة، وكذا حكاه عنه ابن عبد البر وقال في وجه الجمع بين قوليهما: أنه
يحتمل أن يكون شك في رواية مالك، ثم إن له أن صلاته هي الأولى، فرجع من
شكه إلى يقين علمه، ومحال أن يرجع إلى الشك، انتهى. قلت: الأحاديث
المرفوعة الصحيحة صريحة في أن صلاته هي الأولى، وأنه يجعل الثانية نافلة
والأولى فريضة، فهي مقدمة على أثر ابن عمر هذا. (رَوَاهُ مَالِك) عن ((نافع أن
رجلاً سأل عبد الله بن عمر فقال :... )) إلخ. ورواه البيهقي من طريق مالك.
١١٦٤ - [٨] وَعَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَي مَيْمُونَةَ قَالَ: أَتَيْنَا ابْنَ عُمَرَ عَلَى
الْبَلَاطِ، وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ، وَإِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَقُولُ: (لَا تُصَلَّوا صَلَاةً فِي يَوْمِ مَرَّتَيْنِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُوَّدَاوُدَ والنَّسَائِيُّ ] {حسن}
الشَّرْجُ
١١٦٤ - قوله. (عَنْ سُلَيْمَانَ) ابن يسار الهلالي المدني. (أَتَيْنَا ابْنَ عُمَرَ) وفي
أبي داود: ((أتيت ابن عمر))، والسياق المذكور هنا موافق لما ذكره الجزري (ج٦
ص٤٢٣، ٤٢٤). (عَلَى الْبَلَاطِ) بفتح الباء ضرب من الحجارة يفرش به الأرض.
وفي ((المصباح)): البلاط: كل شيء فرشت به الدار من حجر وغيره. وفي
((القاموس)): البلاط: كسحاب الأرض المستوية الملساء، والحجارة التي تفرش
في الدار، وكل أرض فرشت بها، أو بالآجر، وهو موضع المدينة. وقال في
((النيل)): هو موضع مفروش بالبلاط بين المسجد والسوق بالمدينة. وقال الحافظ
(١١٦٤) أَحْمَد (١٩/٢)، وأَبُو دَاوُد (٥٧٩) عنه فيها .

٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في مقدمة ((الفتح)): هو موضع قريب من مسجد المدينة، اتخذه عمر لمن يتحدث.
(وَهُمْ) أي: أهله. (يُصَلَّونَ) أي: على البلاط لا في المسجد، وابن عمر قد صلى
قبلهم في المسجد بالجماعة، وهو الذي فهمه النسائي، يدل عليه ترجمته على هذا
الحديث بلفظ: سقوط الصلاة عمن صلى مع الإِمام في المسجد جماعة. (قَالَ: قَدْ
صَلَيْتُ) لم يدخل في صلاتهم، لأنه صلى جماعة، كما فهمه النسائي. وقال
النووي: إنما لم يعدها ابن عمر؛ لأنه كان صلاها في جماعة، انتهى.
وقيل: كان الوقت صبحًا أو مغربًا، فقد روي عنه أنه كان يقول: من صلى
المغرب أو الصبح، ثم أدركهما مع الإمام، فلا يعد لهما. وقد ذكره المصنف بعد
هذا الحديث، ورواه عبد الرزاق بلفظ: إن كنت قد صليت في أهلك، ثم أدركت
الصلاة في المسجد مع الإمام، فصل معه، غير الصبح والمغرب، فإنهما لا
تصليان مرتين: (وَإِنِّي سَمِعْتُ) وفي أبي داود والنسائي: ((إِنِّي سَمِعْتُ)) أي: بدون
الواو. (لَا تُصَلَّوا صَلَاةً) أي: واحدة. (فِي يَوْم) أي: في وقت واحد. (مَرَّتَيْنِ).
هذا لفظ أحمد وأبي داود. ولفظ النسائي: ((لاَ تُعَادُ الصَّلَاةُ فِي يَوْمِ مَرَّتَيْنٍ))، قال
الشوكاني: قد تمسك بهذا الحديث القائلون: إن من صلى في جمَّاعة، ثم أدرك
جماعة لا يصلي معهم، كيف كانت؛ لأن الإعادة لتحصيل فضيلة الجماعة، وقد
حصلت له، وهو مروي عن الصيدلاني والغزالى وصاحب ((المرشد))، والحديث
يخالف الأحاديث السابقة، والذي مر من الأثر من ابن عمر نفسه من إفتائه به رجلًا
سأله، واختلف في وجه الجمع فقيل: يحمل هذا الحديث على من صلى
بالجماعة، والأحاديث الأخر على من صلى منفردًا.
قال البيهقي (ج٢ ص٣٠٣): إن صح هذا الحديث يحمل على ما إذا صلاها مع
الإمام، أي: في جماعة، وإلى هذا التوجيه أشار النسائي في ترجمته المتقدمة،
وبوب عليه أبو داود بلفظ: إذا صلى جماعة، ثم أدرك جماعة، هل يعيد الصلاة؟
وقيل: المراد بحديث ابن عمر هذا: النهي عن أن يصليهما على وجه الفرض. قال
في ((الاستذكار)): اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه على أن معنى قوله وَائيل :
((لَا تُصَلَّوا صَلَةً فِي يَوْمِ مَرَّتَيْنٍ)) أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه، ثم
يقوم بعد الفراغ منها، فيعيدها على جهة الفرض أيضًا. وأما من صلى الثانية مع
الجماعة على أنها نافلة اقتداء بالنبي ◌َّليّ في أمره بذلك، فليس ذلك من إعادة

٢٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب مَنْ صَلَّىِ صَلَاة مَرَّتَيْنِ
الصلاة في يوم مرتين؛ لأن الأولى فريضة، والثانية نافلة، فلا إعادة حينئذٍ، انتهى.
وقيل: هو محمول على ما إذا لم تكن عن سبب. قال الخطابي في ((المعالم))
(ج١ ص١٦٦): هذه صلاة الإيثار والاختيار دون ما كان لها سبب، كالرجل يدرك
الجماعة، وهم يصلون فيصلي معهم؛ ليدرك فضيلة الجماعة؛ توفيقًّا بين الأخبار،
ورفعًا للاختلاف بينها، انتهى. (رَوَاهَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا
الطحاوي وابن حزم في ((المحلى))، وصححه، والدار قطني والبيهقي وابن خزيمة
وابن حبان في صحيحيهما.
قال النووي: إسناده صحيح. وفي سنده عمرو بن شعيب روى عن سليمان بن
يسار مولى ميمونة قال في ((تهذيب التهذيب)) (ج٨ ص٤٩): قال إسحاق بن
منصور عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أو
سليمان بن يسار أو عروة فهو ثقة عن هؤلاء. وقال ابن حبان: عمرو بن شعيب في
نفسه ثقة يحتج يخبره إذا روى عن غير أبيه .
١١٦٥ - [٩] وَعَنْ نَافِعِ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ
صَلَّى الْمَغْرِبَ أَوِ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَدْرَكَهُمَا مَعَ الْإِمَامِ، فَلَ يَعُدْ لَهُمَا.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٦٥ - قوله: (وَعَنْ نَافِعِ) أي: مولى ابن عمر. (قَالَ) أي: نافع. (فَلَا يَعُدْ)
بفتح الياء وضم العين من العودً. (لَهُمَا) أي: للصبح والمغرب؛ لأن الصلاة الثانية
تكون نافلة، والتنفل بعد صلاة الصبح منهي عنه؛ ولأن النافلة لا تكون وترًا، وبه
قال النخعي والأوزاعي، ولم يذكر ابن عمر النهي عن الصلاة بعد العصر؛ لأنه
كان يحمله على أنه بعد الاصفرار، ومن جوز الإعادة مع كون الوقت وقت كراهة،
قال: أحاديث الإعادة مخصصة؛ لعموم أحاديث النهي كما تقدم.
(١١٦٥) مَالِك عنه موقوفًا.

٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
(رَوَاهُ مَالِك) وأخرجه أيضًا عبد الرزاق ولفظه: إن كنت قد صليت في أهلك، ثم
أدركت الصلاة في المسجد مع الإمام، فصل معه غير الصبح والمغرب، فإنهما لا
يصليان مرتين. وأما ما ذكره القاري في ((المرقاة)) من أن الدار قطني أخرج عن ابن
عمر، أن النبي ◌ََّ قال: ((إِذَا صَلَّيْتَ فِي أَهْلِكَ، ثُمَّ أَدْرَكْتَ فَصَلِّها إِلَّ الْفَجْرَ
وَالْمَغْرِبَ))، ففيه: إني لم أجد هذا الحديث في ((سنن الدار قطني)) لا مرفوعًا ولا
موقوفًا. والظاهر: أنه وهم من القاري.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّئَنِ وَقَضَائِلَهَا
٢٧
٣٠ - بَابُ السُّنَنِ وَفَضَائِلَهَا
(بَابُ السُّنَنِ) أي: المؤكدة والمستحبة. (وَفَضَائِلِهَا) قال في ((اللمعات)): أراد
بالسنن الصلاة التي تؤدى مع الفرائض في اليوم والليلة، وكان رسول اللَّه وَل
يواظب عليهما مؤكدة أو غير مؤكدة، وسمى القسم الأول الرواتب مأخوذ من
الرتوب وهو الدوام والثبوت، يقال: رتب رتوبًا ثبت، ولم يتحرك، ومنه الترتيب،
ويمكن أن يجعل الرواتب أعم من المؤكد، وقد جعل صاحب ((سفر السعادة)) -
يعني: مجد الدين الفيروز آبادي صاحب ((القاموس)) - سنة العصر من الرواتب،
انتهى. واختلف الفقهاء في مشروعية الرواتب القبلية والبعدية للفرائض
وتحديدها، فذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة الشافعي وأحمد وأبو حنيفة إلى
مشروعيتها، وأنها مؤقته تستحب المواظبة عليها. وذهب مالك في المشهور عنه :
إلى أنه لا توقيت في ذلك، ولا تحديد حماية للفرائض، لكن لا يمنع من تطوع بما
شاء، إذا أمن من ذلك. وذهب العراقيون من أصحابه إلى موافقة الجمهور، ففي
((المدونة)): قلت: هل كان مالك يوقت قبل الظهر للنافلة ركعات معلومات، أو
بعد الظهر، أو قبل العصر، أو بعد المغرب، فيما بين المغرب والعشاء، أو بعد
العشاء؟ قال: لا، وإنما يوقت في هذا أهل العراق، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)): لهم ندب نفل في كل وقت يحل فيه، وتأكد الندب بعد
صلاة المغرب كبعد ظهر وقبلها كقبل عصر بلا حد يتوقف عليه، بحيث لو نقص
عنه أو زاد فات أصل الندب، بل يأتي بركعتين وبأربع وست، وإن كان الأكمل ما
ورد من أربع قبل الظهر وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وست بعد المغرب،
انتهى. وفيه أيضًا وهي أي: صلاة الفجر يعني: سنة رغيبة أي: رتبتها دون السنة
وفوق النافلة تفتقر لنية تخصها وتميزها عن مطلق النافلة، بخلاف غيرها من
النوافل المطلقة، فيكفي فيه نية الصلاة، وكذا النوافل التابعة للفرائض بخلاف
الفرائض، والسنن، والرغيبة وليس عندنا رغيبة إلا الفجر، انتهى.
قال ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) (ج١ ص ١٧٠): في تقديم السنن على

٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفرائض وتأخيرها عنها معنى لطيف مناسب، أما في التقديم؛ فلأن الإنسان
يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها، فتتكيف النفس في ذلك بحالة بعيدة عن حضور
القلب في العبادة، والخشوع فيها الذي هو روحها، فإذا قدمت السنن على
الفريضة، تأنست النفس بالعبادة، وتكيفت بحالة تقرب من الخشوع، فيدخل في
الفرائض على حالة حسنة لم يكن يحصل له لو لم تقدم السنة، فإن النفس مجبولة
على التكيف بما هي فيه، لا سيما إذا كثر أو طال، وورود الحالة المنافية لما قبلها
قد تمحو أثر الحالة السابقة أو تضعفه. وأما السنن المتأخرة، فلما ورد أن النوافل
جابرة لنقصان الفرائض، فإذا وقع الفرض ناسب أن يكون بعده ما يجبر خلاًا فيه إن
وقع، انتھی.
قلت: يشير بقوله: ما ورد، إلى ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم
من حديث تميم الداري مرفوعًا: ((أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ
كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا، قَالَ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ
لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّع، فَتُكْمِلُونَ بِهَا فَرِيضَتَهُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبٍ
ذَلِكَ))، انتهى.ً وأخرجه الترمذي وأبو داود أيضًا من حديث أبي هريرة، قال
النووي: تصح النوافل وتقبل وإن كانت الفريضة ناقصة لهذا الحديث، وخبر: ((لا
تقبل نافلة المصلى، حتى يؤدي الفريضة ضعيف))، ولو صح حمل الراتبة البعدية؛
لتوقفها على صحة الفرض، انتهى.
قيل: والسنن في حقه وَّر؛ لزيادة الدرجات. قال القاري: السنة، والنفل،
والتطوع، والمندوب، والمستحب، والمرغب فيه ألفاظ مترادفة معناها واحد،
وهو ما رجح الشارع فعله على تركه، وجاز تركه، وإن كان بعض المسنون آكد من
بعض، انتهى. وقال الشامي في ((حاشيته على الدر المختار)) (ج١ ص٩٥):
المشروعات على أربعة أقسام: فرض، وواجب، وسنة، ونفل، فما كان فعله أولى
من تركه مع منع الترك، إن ثبت بدليل قطعي ففرض، أو بظني فواجب، وبلا منع
الترك إن كان مما واظب عليه الرسول و سل و أو الخلفاء الراشدون من بعده فسنة، وإلا
فمندوب ونفل. والسنة نوعان: سنة الهدى، وتركها يوجب إساءة وكراهية، وسنة
الزوائد، وتركها لا يوجب ذلك. سميت بذلك؛ لأنها ليست من مكملات الدين
وشعائره بخلاف سنة الهدى، وهي السنن المؤكدة القريبة من الواجب، التي

٢٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّنَنِ وَقَضَائِلَهَا
يضلل تاركها؛ لأن تركها استخفاف بالدين. وبخلاف النفل، فإنه كما قالوا: ما
شرع لنا زيادة على الفرض، والواجب، والسنة بنوعيها، ولذا جعلوه قسمًا رابعًا،
وجعلوا منه المندوب، والمستحب وهو: ما ورد به دليل ندب يخصه، فالنفل: ما
ورد به دليل ندب عمومًا، أو خصوصًا، ولم يواظب عليه النبي ◌َّ، ولذا كان دون
سنة الزوائد. وقد يطلق النفل على ما يشمل السنن الرواتب، ومنه قولهم: باب
الوتر والنوافل، ومنه تسمية الحج نافلة؛ لأن النفل الزيادة، وهو زائد على الفرض
مع أنه من شعائر الدين العام. انتهى مختصرًا.

٣٠
MENSE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١١٦٦ - [١] عَنْ أُمّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((مَنْ صَلَّى فِي
يَوْمِ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بُنِيَ لَهُ بَيْتُ فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظَّهْرِ
وَرَتْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ
قَبْلَ صَلَةِ الْفَجْرِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] (صحيح}
- وَفِي رِوَايَةٍ لْمُسْلِمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ
عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلِّ يَوْمِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ
لَهُ بَيْتًا فِيَّ الْجَنَّةِ - أَو - إِلَّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ))(*).
الشّرْحُ
١١٦٦ - قوله: (عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) هي: أخت معاوية بن أبي سفيان، زوجة
النبي ◌َّ* اسمها رملة - بفتح راء وسكون ميم وبلام - بنت أبي سفيان صخر بن
حرب بن أمية الأموية، أم المؤمنين مشهورة بكنيتها. وقيل: اسمها هند،
والمشهور رملة. قال ابن عبد البر: وهو الصحيح عند جمهور أهل العلم بالنسب
والسير والحديث والخبر، وكذلك قال الزبير، أسلمت قديمًا، وأمها صفية بنت
أبي العاص بن أمية، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي
أسد خزيمة، وتنصر هو هناك، ومات، فتزوجها رسول اللّه وَّر، وهي هناك سنة
ست. وقيل: سنة سبع، توفيت سنة اثنتين أو أربع. وقيل: تسع وأربعين. وقيل:
وخمسين. (مَنْ صَلَّى فِي يَوْم وَلَيْلَةٍ) أي: في كل يوم وليلة، فهو من عموم النكرة
في الإثبات مثل ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ﴾ ونحوه؛ لأن المقصود المواظبة، كما يدل عليه قوله
الآتي: ((يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْم))، وكما يدل عليه حديث عائشة عند الترمذي والنسائي
وابن ماجه بلفظ: ((مَنْ ثَأَبَرَ)) أي: واظب ولازم وداوم، وفيه أن الأجر المذكور
(١١٦٦) وَالتِّرْ مِذِي (٤١٥)، وَالنَّسَائِي (٢٦٢/٣، ٢٦٣)، وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ؛ كُلُّهُمْ فِي الطَّهَارَةِ عَنْهَا .
(*) مُسْلِم (٧٢٨/١٠١) بِمَعْنَاهُ.

٣١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّنَنِ وَفَضَائِلَهَا
منوط بالمواظبة على هذه النوافل، لا بأن يصلي يومًا دون يوم. (ثِْتَىْ عَشْرَةَ)
بسكون النون. (رَكْعَةً) بسكون الكاف. أي: تطوعًا غير فريضة كما في الرواية
الآتية، (بُنِيَ لَهُ) أي: بهذه الرِكعات. (بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ) مشتمل على أنواع النعمة .
(أَرْبَعًا) بدل تفصيل. (قَبْلَ الظَّهْرِ) فيه دلالة على أن السنة الراتبة المؤكدة قبل الظهر
أربع ركعات، وإليه ذهبت الحنفية. وقال الشافعي وأحمد: الراتبة قبل الظهر
ركعتان، واستدل لهما بحديث ابن عمر الآتي، وسيأتي البسط فيه وبيان القول
الراجح. ثم إن قوله: ((أربعا)) المتبادر منه أنها بسلام واحد، ويحتمل كونها
بسلامين، والأقرب أن إطلاقها يشمل القسمين، قاله السندي. (وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا)
فيه: أن السنه بعد الظهر ركعتان، ويدل عليه أيضًا حديث ابن عمر بعد ذلك،
وحديث علي قال: كان النبي وَ ل يصلي قبل الظهر أربعًا وبعدها ركعتين. أخرجه
الترمذي وحسنه، وحديث كريب المتقدم في باب أوقات النهي، وفيه قوله وقالت :
(أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللََّيْنِ بَعْدَ الظَّهْرِ))، ويؤيده
حديث عائشة عند الترمذي وابن ماجه مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً
مِنَ السُّنَّةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْنَا فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعْ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظَّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنٍ بَعْدَهَا .. ))
إلخ. وحديث أبي هريرة عند ابن عدي في الكامل، وفيه محمد بن سليمان
الأصبهاني، وهو ضعيف، ولا يعارض ذلك مايأتي من حديث أم حبيبة أول
أحاديث الفصل الثاني؛ لأنه يحمل على أن الأمر فيه للتَوَسع، ويقال: ركعتان من
الأربع مؤكدة وركعتان مستحبة، وهذا؛ لأنه لم يصح عنه ◌َّ في فعل الأربع بعد
الظهر شيء غير هذا الحديث الواحد القولي، وقد تكلم فيه بعضهم كما ستعرف.
وقيل: الأربع أفضل وآكد.
(وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ... ) إلخ، قال القاري: كل هذه السنن مؤكدة وآخرها
آكدها، حتى قيل بوجوبها. قال ابن حجر: وهو صريح في رد قول الحسن البصري
وبعض الحنفية بوجوب ركعتى الفجر. وفي رد قول الحسن البصري أيضًا بوجوب
الركعتين بعد المغرب، انتهى. قلت: اختلف في ترتيب سنن الرواتب، فقيل:
أفضلها سنة الفجر، ثم المغرب ثم سنة الظهر والعشاء سواء في الفضيلة وهذا عند
الحنابلة. وقالت الشافعية: أفضلها بعد الوتر ركعتا الفجر، ثم سائر الرواتب، ثم
التراويح، ثم اختلفوا بعد ذلك: هل القبلية أفضل أو البعدية؟ ولهم فيه قولان:

٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أحدهما: أن البعدية أفضل؛ لأن القبلية كالمقدمة وتلك تابعة والتابع يشرف بشرف
متبوعة. والثاني: أنهما سواء، واختلفت أقوال الحنفية في ترتيب الرواتب؛ فقال
في ((البحر)) عن ((القنية)): اختلف في آكد السنن بعد سنة الفجر، فقيل: كلها سواء،
والأصح: أن الأربع قبل الظهر آكد. وقال في ((الدر المختار)): آكدها سنة الفجر
اتفاقًا، ثم الأربع قبل الظهر في الأصح، ثم الكل سواء، وهكذا صححه في
((العناية)) و((النهاية))، واستحسنه في ((فتح القدير)). وقد تقدم أن سنة الفجر رغيبة
عند المالكية، والباقي تطوعات ونوافل.
والراجح عندي: أن آكد السنن الوتر، ثم ركعتا الفجر، ثم التي قبل الظهر، ثم
الكل سواء. والله تعالى أعلم. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن صحيح. فيه
اعتراض على محيي السنة صاحب ((المصابيح))، حيث ذكره في الصحاح وترك
الصحيح الآتي، مع أن هذا اللفظ ليس بتمامه في ((الصحيحين)) ولا في أحدهما،
إنما هو لفظ الترمذي، فكان حق البغوي أن يذكر حديث مسلم الآتي في
الصحاح، وحديث الترمذي في الحسان؛ ليكون الإجمال مسلم كالبيان،
والحديث المذكور رواه النسائي مفصلًا كالترمذي، ولكن قال: ((وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ
الْعَصْرِ)» ولم یذکر ر کعتين بعد العشاء، و کذلك فسره ابن حبان في «صحيحه)) رواه
عن ابن خزيمة بسنده، وكذلك رواه الحاكم في ((المستدرك)) (ج١ ص٣١١) وقال:
صحيح على شرط مسلم والبيهقي (ج٢ ص٢٧٢، ٢٧٣)، وجمع الحاكم في لفظ
بين الروايتين فقال فيه: ((رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَرَكْعَتَينٍ بَعْدَ العِشَاءِ))، وكذلك عند
الطبراني في معجمه، كذا في نصب الراية (ج٢ ص١٣٨).
قلت: وكذا وقع إثبات ركعتين قبل العصر، وركعتين بعد العشاء في حديث أبي
هريرة عند ابن ماجه وابن عدي في ((الكامل)) لكن في سنده محمد بن سليمان
الأصبهاني، وهو ضعيف. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهَا) أي: أم حبيبة. (يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ
يَوْم) أي: وليلة. (تَطَوُّعًا) وهو ما ليس بفريَّضة، والمراد هنا: السنة، قاله ابن
المَلك. (غَيْرَ فَرِيضَةٍ) قال الطيبي: تأكيد للتطوع، فإن التطوع التبرع من نفسه بفعل
من الطاعة، وهي قسمان: راتبة وهى التي داوم عليه رسولِ الله وَله، وغير راتبة
وهذا من القسم الأول، والرتوب: الدوام، انتهى. (إِلَّا بَنَّى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي
الْجَنَّةِ ... ) إلخ، وهذا الحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُنَنِ وَفَضَائِلَهَا
ges
٣٣
(ج١ ص٣١٢) وأبو داود الطيالسي والبيهقي (ج٢ ص ٤٧٢).
١١٦٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ نَّهِ رَكْعَتَيْنِ
قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنٍ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ
الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، قَالَّ: وَحَدَّثَتْنِي حَقْصَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ كَانَ يُصَلِّي
رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١١٦٧ - قوله: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَالَّ) قال السندي: الظاهر أنه المراد به
المعية في مجرد المكان والزمان، لا المشاركة والاقتداء في الصلاة؛ إذ المشاركة
في النوافل الرواتب ما كانت معروفة، ويحتمل - على بعد - أنه اتفق المشاركة
أيضًا. وقال القاري: أراد به معية المشاركة لا معية الجماعة، ونظيره قوله تعالى
حاكيًا: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] وقال الحافظ: المراد بقوله:
((مع)) التبعية، أي: أنهما اشتركا في كون كل منهما صلى صلاة لا التجميع، فلا
حجة فيه لمن قال: يجمع في رواتب الفرائض، وسيأتي من رواية أيوب عن نافع
عن ابن عمر قال: حفظت من النبي وَّل عشر ركعات ... فذكرها، انتهى. وقال
العيني: المراد من المعية هذه: مجرد المتابعة في العدد، وهو أن ابن عمر صلى
ركعتين وحده كما صلى بَله ركعتين، لا أنه اقتدى به عليه الصلاة والسلام فيهما.
(رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظَّهْرِ) هذا متمسك الشافعي في أن السنة قبل الظهر ركعتان، وهو
قول الأكثرين من أصحابه، وعد جمع من الشافعية الأربع قبل الظهر من الرواتب،
كما هو مذهب الحنفية. وقد روى البخاري في (صحيحه)) عن عائشة: ((كان لا يدع
أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة)). واختلف في وجه الجمع بين الحديثين،
فقيل: يحتمل أن ابن عمر قد نسي ركعتين من الأربع. ورد: بأن هذا الاحتمال
بعيد، وقيل: هو محمول على أنه كان إذا صلى في بيته صلى أربعًا، وإذا صلى في
المسجد اقتصر على ركعتين. قال ابن القيم في ((زاد المعاد)) (ج١ ص ٨٠): وهذا
(١١٦٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١١٧٢)، ومُسْلِم (٧٢٩) فيه عنه.

٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أظهر، قلت: ويقوي ذلك ما سيأتي في حديث عبد الله بن شقيق عن عائشة، كان
يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج، فيصلي بالناس.
وقيل: يحمل على حالين، فكان تارة يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعًا، فحكى
كل من ابن عمر وعائشة ما شاهده. وقيل: يحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته
ركعتين، ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر مافي المسجد دون
ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين. وقيل: كان يصلي في بيته أربعًا، فرأته
عائشة، وكان يصلي ركعتين إذا أتى المسجد تحيته، فظن ابن عمر أنها سنة الظهر،
ولم يعلم بالأربع التي صلاها في البيت. وهذا أيضًا بعيد مثل الأول. وقيل: يمكن
أن يكون مطلعًا على الأربع، لكنه ظنها صلاة فيء الزوال لا سنة الظهر. قال ابن
القيم في ((زاد المعاد)) (ج١ ص ٨٠، ٨١): وقد يقال: إن هذه الأربع لم تكن سنة
الظهر، بل هي صلاة مستقلة كان يصليها بعد الزوال، كما سيأتي في حديث
عبد الله بن السائب. وفي حديث أبي أيوب قال: فهذه هي الأربع التي أرادت
عائشة أنه كان لا يدعهن، وأما سنة الظهر، فالركعتان اللتان قال عبد الله بن عمر،
قال: فتكون هذه الأربع التي قبل الظهر وردًا مستقلًا؛ سببه انتصاف النهار وزوال
الشمس. قال القسطلاني لحديث ثوبان عند البزار: إنه وَ ل#كان يستحب أن يصلي
بعد نصف النهار، وقال: ((إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ
بِالرَّحْمَةِ)). قلت: وأولى الوجوه عندي هو الوجه الثالث، أعني: أن يحمل ذلك
على اختلاف الأحوال، ويقال: كان يصلي تارة أربعًا، وتارة ركعتين، فحكى كل
من ابن عمر وعائشة ما رأى، ورجحه الحافظ أيضًا، لكن المختار فعل الأكثر
الأكمل. قال ابن جرير الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في
قليلها. قلت: هذا هو الظاهر لكثرة الأحاديث في ذلك، منها: حديث أم حبيبة
السابق. ومنها: حديث عبد الله بن شقيق عن عائشة، وسيأتي. ومنها: حديث
عائشة أيضًا عند الترمذي وابن ماجه، وقد ذكرنا لفظه. ومنها: حديث عائشة أيضًا
في ((السنن)): أن رسول اللّه وَ ليلهكان إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر صلاهن بعدها.
ومنها: حديث علي عند الترمذي، وحسنه قال: كان النبي ◌ُّ يصلي قبل الظهر
أربعًا وبعدها ركعتين. قال الترمذي بعد روايته: والعمل على هذا عند أكثر أهل
العلم من أصحاب النبي وقّ ومن بعدهم، يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر

٣٥
بَابُ السُّنَنِ وَفَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
أربع ركعات، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق.
قال القسطلاني: قيل في وجه عند الشافعي: إن الأربع قبل الظهر راتبة عملًا
بحديث عائشة. قلت: ويؤيد تأكد استحباب الأربع حديث أم حبيبة الآتي،
وحديث البراء بن عازب عند الطبراني في «الأوسط))، وسعيد بن منصور في ((سننه))
مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ صَلَّى قَبْلَ الظَّهْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كَانَ كَمَنْ تَهَجَّدَ بِهِنَّ مِنْ
لَيْلَتِهِ ... ))، الحديث. (وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ) الظاهر أن
قوله: ((في بيته)) قيد للأخيرة، ويؤيد ذلك قوله: (وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ)
وهذا لفظ البخاري في رواية. وفي لفظ له: ((فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ))، قال
الحافظ: استدل به على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد
بخلاف رواتب النهار، وحكي ذلك عن مالك والثوري. وفي الاستدلال به لذلك
نظر. والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد، وإنما كان ◌َّ يتشاغل بالناس في النهار
غالبًا، وبالليل يكون في بيته غالبًا. وأغرب ابن أبي ليلى، فقال: لا تجزئ سنة
المغرب في المسجد، حكاه عبد الله بن أحمد عنه عقب روايته لحديث محمود بن
لبيد رفعه: أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ مِنْ صَلَاةِ الْبُيُوتِ، وقال: إنه حكى ذلك لأبيه
عن ابن أبي ليلى، فاستحسنه، انتهى.
قلت: الظاهر: أن فعل الركعتين بعد المغرب في البيت أفضل، وأن ذلك وقع
عن رسول اللّه وَ ل عن عمد، يدل عليه حديث محمود بن لبيد عند أحمد بلفظ:
((ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْبُيُوتِ))، وحديث كعب بن عجرة الآتى، واختلفوا
في أن التطوع في المسجد أفضل أو في البيت؛ قال ابن عبد البر: قد اختلفت الآثار
وعلماء السلف في صلاة النافلة في المسجد، فكرهها قوم لهذا الحديث. والذي
عليه العلماء: أنه لا بأس بالتطوع في المسجد لمن شاء، إلا إنهم مجعمون على أن
صلاة النافلة في البيوت أفضل لقوله وَ له: (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي
مَسْجِدِي، إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ))، انتهى. وفرق المالكية بين الرواتب والنفل المطلق،
وبين الغرباء وأهل المدينة، ففي ((الشرح الكبير)) لهم: وندب إيقاع نفل بمسجد
المدينة بمصلاه وَّله. قال الدسوقي: إن قلت: هذا يخالف ما تقرر، أن صلاة
النافلة في البيوت أفضل من فعلها في المسجد، قلت: يحمل كلام المصنف على
الرواتب؛ فإن فعلها في المساجد أولى كالفرائض بخلاف النفل المطلق، فإن

٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فعلها في البيوت أفضل ما لم يكن في البيت ما يشغل عنها، أو يحمل كلامه على
من صلاته بمسجده النّ أفضل من صلاته في البيت كالغرباء، فإن صلاتهم النافلة
بمسجد النبي ◌َّ أفضل من صلاتهم لها في البيوت، سواء كانت النافلة من
الرواتب أو كانت نفلاً مطلقًا، بخلاف أهل المدينة، فإن صلاتهم النفل المطلق في
بيوتهم أفضل من فعله في المسجد، انتهى.
وأما عند الحنفية والحنابلة: فالأفضل أداء التطوع في البيت مطلقًا، ولا كراهة
في المسجد. أما كون البيوت أفضل في حق التطوع مطلقًا، فللأحاديث التي
وردت عن جماعة من الصحابة في الترغيب في صلاة النافلة في البيت. ذكرها
المنذري في ((الترغيب)) (ج١ ص١٣٣)؛ ولأن هديه وَ لّ كان فعل عامة السنن
والتطوع الذي لا سبب له في البيت، وأما إنه لو فعلها في المسجد أجزأت من غير
كراهة، فلما يأتي من حديث ابن عباس في الفصل الثالث قال: كان رسول اللّه وَله.
يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد. ولما روى مسلم
من حديث أبي هريرة: ((إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الجُمُعَةِ فَصَلُّوا أَرْبَعًا))، زاد في رواية ((فَإِنْ
عَجِلَ بِكَ شَيْءٌ فَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ فِي المَسْجِدِ وَرَكْعَتَيْنِ إِذَا رَجَعْتَ))، ولما يأتي من
حديث أنس في الفصل الثالث قال: كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب
ابتدروا السواري ... الحديث، ولما روى الطبراني في (الكبير)) من حديث ابن
عمر مرفوعًا: ((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ فِي جَمَاعَةٍ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ أَنْ
يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ كَعِدْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، ولأن تقييد ابن عمر سنة المغرب
والعشاء والفجر بكونها في البيت يدل على أن ما عداها كان يفعله في المسجد،
أي: في بعض الأحيان، ولما روي عن حذيفة قال: أتيت النبي وَّ، فصليت معه
المغرب، فصلى إلى العشاء، رواه النسائي، قال المنذري: بإسناد جيد، وغير ذلك
من الأحاديث، هذا وقال ابن الملك: قيل: في زماننا إظهار السنة الراتبة أولى؛
ليعلمها الناس. قال القاري: أي: ليعلموا عملها، أو لئلا ينسبوه إلى البدعة. ولا
شك أن متابعة السنة أولى مع عدم الالتفات إلى غير المولى، انتهى. قلت: لا شك
أن متابعة السنة أولى، لكن من المعلوم أنه قد يترك بعض المختارات؛ من أجل
خوف أن يقع الناس في أشد من ترك ذلك المختار. فالأولى عندي اليوم: أداء
الرواتب في المسجد لا سيما للخواص من العلماء والمشائخ، فإن الناس تبع لهم

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّنَنِ وَفَضَائِلَهَا
٣٧
ISE
فيما يفعلون ويذرون، فيتركون أولًا فِعْلَهَا في المسجد في اتباعهم، ثم يتركونها
رأسًا لوقوع التواني في الأمور الدينية، والغفلة عنها سيما التطوعات والنوافل،
ولأنه لا يؤمن أن يتهمهم بعض الناس بترك الرواتب وإهمالهما، وقد شاهدنا ذلك
في أمر التراويح، حيث أنه لما سمع بعض الجهال أن صلاة الليل في البيت في آخر
الليل أفضل من أوله في المسجد، ورأوا بعض العلماء أنهم لا يصلونها في أول
الليل، ترك هؤلاء أيضًا التراويح في المسجد بالجماعة في أول الليل قائلين: إنا
نقوم في آخر الليل، لكنهم يتركونها رأسًا، فلا يصلونها لا في أول الليل ولا في
آخره! (قَالَ) أي: ابن عمر. (وَحَدَّثَتْنِي حَقْصَةُ) أي: أخته بنت عمر زوجة
النبيِ نَّهِ. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَينٍ خَفِيفَتَينِ حِيْنَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ) وفي
البخاري: ((بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ))، وزاد: وكانت ساعة لا أدخل على النبي وَّ فيها،
وفي لفظ له: ((وَرَكْعَتَّيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وكانت ساعة لا أدخل على النبي ◌َّ
فيها، حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن، وطلع الفجر صلى ركعتين)). قال
الحافظ: وهذا يدل على أنه إنما أخذ عن حفصة وقت إيقاع الركعتين قبل الصبح،
لا أصل مشروعيتهما انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضًا مالك
والترمذي والبيهقي (ج٢ ص ٤٧١ - ٤٧٧) وغيرهم.
١١٦٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كَاَنَّ النَّبِيُّ وَ لَا يُصَلِّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى
يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ.
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١١٦٨ - قوله: (كَانَ لَا يُصَلِّي) أي: شيئًا. (بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ) أي :
حتى يرجع إلى بيته. (فَيُصَلَّي) بالرفع. قال الطيبي: عطف من حيث الجملة لا من
حيث التشريك على ((ينصرف))، أي: لا يصلي بعد الجمعة، حتى ينصرف، فإذا
انصرف يصلي ركعتين. ولا يستقيم أن يكون منصوبًا عطفًا عليه لما يلزم منه أن
يصلي بعد الركعتين الصلاة. وهذا معنى قول ابن حجر: إذ يصير التقدير: لا
(١١٦٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٩٣٧)، ومُسْلِم (٨٨٢). عَنْهُ فِيهِ.

٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يصلي حتى يصلي، وليس مرادًا لفساده. (رَكْعَتَيْنِ) يريد بهما: سنة الجمعة. وفيه
دليل على أن السنة بعد الجمعة ركعتان. وبه استدل من قال به. وسيأتي الكلام على
ذلك مفصلاً في شرح حديث أبي هريرة الآتي في آخر الفصل.
(فِي بَيْتِهِ) عملًا بالأفضل. وقال القسطلاني: لأنهما لو صلاهما في المسجد،
ربما يتوهم أنهما اللتان حذفتا، وصلاة النفل في الخلوة أفضل. وقال الحافظ:
الحكمة في ذلك أنه كان يبادر إلى الجمعة، ثم ينصرف إلى القائلة بخلاف الظهر،
فإنه كان يبرد بها، وكان يقيل قبلها. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضًا
أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٢ ص ٤٧٧).
١١٦٩ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ عَنْ تَطَوُّعِهِ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظَّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ
يَخْرُجُ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ
الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُصِّلِّي بِالنَّاسَِ الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِيَ
فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ، وَكَانَ يُصَلٍِّ مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ، فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ
يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُو قَائِمٌ رَكَعَ
وَسَجَدَ وَهُو قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُو قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ
صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٦٩ - قوله. (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ) من ثقات التابعين. (عَنْ صَلَاةٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ) أي: ليلا ونهارًا ما عدا الفرائض، ولذا قال: (عَنْ تَطَوُّعِهِ) قال
الطيبي: بدل عن ((صلاة رسول اللَّه وَ لي))، كذا في ((صحيح مسلم)). وهذه العبارة،
يعني: بلفظ ((عن)) أولى مما في ((المصابيح)) وهو قوله: ((من التطوع))، انتهى.
(١١٦٩) مُسْلِم (٧٣٠/١٠٥) وأَبُو دَاوُد (١٢٥١) واللفظ له فِيهِ، وزادَ: ثم يخرجِ وَّ، فيصلي بالناس
صلاة الفجر. وبعضه في البُخَارِي (١١٨٢).

٣٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّئَنِ وَقَضَائِلَهَا
قلت: وقع عند أبي داود: ((من التطوع))، كما في ((المصابيح)). قال القاري: فتكون
((من)) بيانية، والأولوية باعتبار الأصحية. (كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظَّهْرِ أَرْبَعًا) فيه
دليل على أن المؤكدة قبلها أربع، وهو وجه عند الشافعي. (ثُمَّ يَخْرُجُ) أي: إلى
المسجد. (فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) أي: الفريضة. (ثُمَّ يَدْخُلُ) أي: بيتي. (فَيُصَلِّي
رَكْعَتَيْنٍ) ولعل وجه ترك العصر، لأنها بصدد بيان السنن المؤكدة. (وَكَانَ يُصَلِّي
بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ ... ) إلخ، الحديث دليل على استحباب أداء السنة في
البيت. (وَكَانَ) أي: أحيانًا. (يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ) أي: بعض أوقاته.
(تِسْعَ رَكَعَاتٍ) قال ابن حجر: أي: تارة، وإحدى عشرة تارة، وأنقص تارة،
انتهى. وجاء أنه كان يصلي ثلاث عشر ركعة. كما سيأتي في باب صلاة الليل.
(فِيهِنَّ) أي: في جملتهن. (الْوِتْرُ) وجاء بيان ذلك فيما روى مسلم وغيره عن سعيد
ابن هشام أنه قال لعائشة: أنبئينى عن وتر رسول اللَّه وَ له، فقالت: كنا نعد له سواكه
وطهوره، فيبعثه اللَّه متى شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع
ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده، ويدعوه، ثم ينهض،
ولا يسلم، ثم يقوم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده، ويدعوه، ثم
يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد. فتلك إحدى عشر
ركعة يا بني. فلما أسن رسول اللَّه وَّه، وأخذه اللحم أوتر بسبعٍ، وصنع فِي
الركعتين مثل صنيعه الأول. فتلك تسع يا بنيٍ ... إلخ. (وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا)
أي: زمانًا طويلًا من الليل. (قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا) قال في ((المفاتيح)): يعني:
يصلي صلاة كثيرة من القيام والقعود، أو يصلى ركعات مطولة في بعض الليالي
من القيام، وفي بعضها من القعود. (وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ)
أي: لا يقعد قبل الركوع، قاله ابن حجر.
وقال الطيبي: أي: ينتفل من القيام إليهما. وكذا التقدير في الذي بعده، أي:
ينتفل إليهما من القعود. (وَكَانَ إِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ) أي: لا يقوم
للركوع، كذا في ((المفاتيح)). وفيه: دليل على أن المشروع لمن قرأ قائمًا أن يركع
ويسجد من قيام، ومن قرأ قاعدًا أن يركع ويسجد من قعود. وفي رواية لمسلم:
فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا، وإذا افتتح الصلاة قاعدًا ركع قاعدًا. وروى
الشيخان وغيرهما عن عائشة: أنها لم تر النبي وَلّ يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى