Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١٠١ - [١١] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ
يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَلُونَ الصُّفُوفَ الْأُوْلَى، وَمَا مِنْ
خُطْوَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خُطْوَةٍ يَمْشِيهَا يَصِلُ بِهَا صَفًّا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
١١٠١ - قوله: (يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَلُونَ) أي: يقومون. قال ابن الملك: أو
يباشرون ويتولون، يعني: يصلون في الصفوف الأول. والمراد من الصلاة من
الله: إنزال الرحمة، ومن الملائكة: الدعاء بالتوفيق وغيره. (الصُّفُوفَ الْأُولَى)
كذا في جميع النسخ بضم الهمزة وسكون الواو تأنيث أول، وكذا في
((المصابيح))، ووقع في أبي داود: ((الأول)) أي: بضم الهمزة وفتح الواو جمع
أولى، وهكذا في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣٩٧) أي: فالأفضل الأول، فالأول.
وذكر المنذري هذا الحديث في ((ترغيبه)) بلفظ: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى
الصُّفُوفِ الأُوَلِ)). وعند أبي داود في حديث آخر عن البراء: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأُوَلِ)). وفي رواية النسائي: ((الصفوف المتقدمة)). قال
السندي: أي: على الصف المتقدم في كل مسجد، أو في كل جماعة، فالجمع
باعتبار تعدد المساجد، أو تعدد الجماعات، أو المراد الصفوف المتقدمة على
الصف الأخير، فالصلاة من اللَّه تعالى تشمل كل صف على حسب تقدمه إلا
الأخير، فلا حظَّ له منها لفوات التقدم.
(وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ) قال العيني: بفتح الخاء، وهي المرة الواحدة. وقال القرطبي:
بضم الخاء، وهي واحدة الخطا، وهي ما بين القدمين من البعد، والتي بالفتح
مصدر، انتهى. و((مِنْ)) زائدة و((خَطْوَةٍ)) اسم ((مَا)) وقوله: (أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) بالنصب
خبره. قال القاري: والأصح رفعه وهو اسمه و ((من خطوة)) خبره ((مِنْ خُطْوَةٍ)) متعلق
بـ((أَحَبُّ)) (يَمْشِيهَا) بالغيبة صفة ((خطوة)) أي: يمشيها الرجل، وكذا. (يَصِلُ بِهَا
(١١٠١) أَبُو دَاوُد (٥٤٣)، وَالنَّسَائِي (٢/ ٩٠) عَنِ الْبَرَاءِ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْويَّةِ الصُّفُ
٥٢١
صَفًّا) وفي حديث ابن عمر عند الطبراني: ((مَا مِنْ خُطْوَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ خُطْوَةٍ مَشَاهَا
رَجُلٌ إِلَى فُرْجَةٍ فِي الصَّفِّ، فَسَدَّهَا)).
قال الهيثمي: في إسناده ليث بن حماد، ضعفه الدار قطني. (رَواهُ أَبُو دَاودَ) في
حديث ذكره في باب الصلاة تقام ولم يأت الإمام ينتظرونه قعودًا. وفي سنده رجل
مجهول، فإنه رواه من طريق كهمس عن شيخ من أهل الكوفة عن عبد الرحمن بن
عوسجة عن البراء بن عازب. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن
خزيمة والبيهقي عن البراء حديثًا، فيه نحو هذه الرواية لكن بدون ذكر الخطوة،
وهو حديث صحيح رجاله ثقات. وفي الباب عن أبي أمامة وسيأتي. وعن النعمان
ابن بشير عند أحمد والبزار. قال الهيثمي: رجاله ثقات. وعن جابر عند البزار،
وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه كلام، وقد وثقه جماعة. وعن العرباض بن
سارية عند أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي، وعن عبد الرحمن بن عوف عند
ابن ماجه، وعن أبي هريرة عند البزار، وفيه أيوب بن عتبة، ضعف من قبل حفظه.
١١٠٢ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ رِ هَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {حسن}
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ)).
الشَّرْخُ
١١٠٢ - قوله: (عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ) جمع ميمنة، وفيه دليل على شرف
يمين الصفوف، واستحباب الكون في يمين الصف الأول، وما بعده من
الصفوف، وأما ما رواه ابن ماجه عن ابن عمر قال: قِيلَ لِلنَّبِّي وَّهِ: إِنَّ مَيْسَرَةَ
الْمَسْجِدِ تَعَطَّلَتْ فَقَالَ: ((مَنْ عَمَّرَ مَيْسَرَةَ الْمَسْجِدِ، كُتِبَ لَهُ كِفْلَانِ مِنْ الْأَجْرِ»، وما
رواه الطبراني في (الكبير)) عن ابن عباس قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَالَ: «مَنْ عَمَّرَ جَانِبَ
الْمَسْجِدِ الأَيْسَرَ لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَلَهُ أَجْرَانٍ)) ففي إسنادَيْهما مقال، فإن في سند حديث ابن
عمر ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وفي سند حديث ابن عباس بقية بن الوليد،
(١١٠٢) أَبُو دَاوُد (٦٧٦)، وَابن مَاجَهْ (١٠٠٥) عَنْ عَائِشَةَ رَّا فِيهَا .

٥٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهو مدلس، وقد عنعنه، وإن ثبتا فلا يعارضان حديث عائشة وما وافقه؛ لأن ما
ورد لمعنی عارض يزول بزواله.
قال السندي في ((حاشية ابن ماجه)) تحت حديث ابن عمر: فيه أن اليمين وإن كان
هو الأصل، لكن اليسار، إذا خلا فتعميره أولى من اليمين، وعلى هذا فلا بد من
النظر إلى الطرفين، فإن كانت زيادة، فلتكن في اليمين. (رَواهُ أَبُو دَاودَ) وأخرجه
أيضًا ابن ماجه والبيهقي (ج ٣ ص١٠٣) كلهم من رواية معاوية بن هشام عن سفيان
عن أسامة بن زيد عن عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة، وقد سكت عنه أبو
داود. وقال المنذري في ((الترغيب))، والحافظ في ((الفتح)): إسناده حسن. وقال
الشوكاني: رجاله رجال الصحيح على ما في معاوية بن هشام من المقال، انتهى.
وقال البيهقي: تفرد به معاوية بن هشام ولا أراه محفوظًا، والمحفوظ بهذا
الإِسناد عن النبي وَله: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلَّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ))،
وكذلك رواه الجماعة.
قلت: معاوية بن هشام هذا وثقه أبو داود، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال
الساجي: صدوق يهم، وقال أبوحاتم وابن سعد: صدوق. وقال في ((التقريب)):
صدوق له أوهام، ويؤيده حديث البراء عند مسلم وغيره قال: ((كُنَّ إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ أَحْبَيْنَا، أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ))، وعن أبي برزة
الأسلمي قال: قال رسول اللّه وَّ: ((إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَعَنْ
يَمِينِهِ)). أخرجه البيهقي (ج ٣ ص ١٠٤) ونسبه الهيثمي إلى الطبراني في «الأوسط))،
وقال: فيه من لم أجد له ذكرًا. وعن ابن عباس قال: ((عَلَيْكُمْ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ
وَعَلَيْكُمْ بِالْمَيْمَنَةِ مِنْهُ، وَإِيَّاكُمْ وَالصَّفِّ بَيْنَ السَّوَارِى)). رواه الطبراني في ((الأوسط))
و((الكبير))، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
٥٢٣
١١٠٣ - [١٣] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِلّه
يُسَوِّي صُفُوفَنَا إِذَا قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ. [رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٠٣ - قوله: (يُسَوِّي صُفُوفَنَا) ولفظ أبي داود: ((يسوي، يعني: صفوفنا))
أي: باليد، أو بالأشارة، أو بالقول.
(إِذَا قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ) وفي أبي داود : ((لِلصَّلَاةِ). وكذا في ((جامع الأصول)) (ج٦
ص٣٩٢). ووقع عند البيهقي: ((إلى الصلاة))، (فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ) أي: للإِحرام.
وفيه: دليل على أن السنَّة للإمام أن يسوي الصفوف، ثم يكبر. وأخذ بعضهم من
قوله: ((إِذَا قُمْنَا)): أن التسوية كانت بعد الإقامة، وأصرح منه في الدلالة على هذا
قوله: ((فَقَامَ حتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ ... )) إلخ، في حديث النعمان، وقوله: ((أُقِيمَتِ
الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ ... )) إلخ، في حديث أنس، وقد تقدما في الفصل
الأول. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٢ ص٢١) وسكت عنه أبو داود.
وقال المنذري: هو طرف من الحديث المتقدم، يعني: حديث النعمان أول
أحاديث هذا الباب.
١١٠٤ - [١٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ عَنْ يَمِيْنِهِ:
((اعْتَدِلُوا، سَوُوا صُفُوفَكُمْ)) وَعَنَّ يَسَارِهِ: ((اعْتَدِلُوا، سَوُوا صُفُوفَكُمْ)).
[رواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف }
الشَّرْجُ
١١٠٤ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِ يَقُولُ عَنْ يَمِيْنِهِ) أي: منصرفًا بوجهه عن
(١١٠٣) أَبُو دَاوُد (٦٦٥) عَنْهُ فِيهَا. قُلْتُ: وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ، البُخَارِي (٧١٧)، ومُسْلِم (٤٣٦).
(١١٠٤) أَبُو دَاوُد (٦٧٠) عَنْ أَنَسٍ فِيهَا .

EECHE
٥٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جهة يمينه متوجهًا إلى يمين الصف. ولفظ أبي داود: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ إِذَا قَامَ
إِلَى الصَّلَاةِ أَخَذَهُ) أى: العود المذكور في الرواية المتقدمة بـ((يَمِيْنِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ
فَقَالَ))، وكذا ذكره الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣٩٤) وهكذا وقع عند
البيهقي. (اعْتَدِلُوا) أي: في القيام يعني: استووا. (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ) بعدم تخلية
الفرجة، أو الثاني تفسير للأول، أو تأكيد له. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ومن طريقه البيهقي
(ج٢ ص٢٢) وسكت عنه أبو داود والمنذري.
١١٠٥ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَالَ: ((خِيَارُكُمْ
أَلْيَنْكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ».
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١١٠٥ - قوله: (أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ) نصب على التمييز، أي: أسرعكم انقيادًا
لمن يأخذ بمناكبكم الخارجة عن الصف يقدمها أو يؤخرها، حتى يستوي الصف.
قال المظهر: معناه: إذا كان في الصف، وأمره آخر بالاستواء، أو يضع يده على
منكبه ينقاد ولا يتكبر. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص١٨٤): معنى لينٍ
المنكب: لزوم السكينة في الصلاة، والطمأنينة فيها، لا يلتفت، ولا يحاك بمنكبه
منكب صاحبه، فالمعنى: أكثر كم سكينة وطمأنينة، قال: وقد یکون فيه وجه آخر،
وهو أن لا يمتنع على من يريد الدخول بين الصفوف ليسد الخلل، أو لضيق
المكان، بل يمكنه من ذلك، ولا يدفعه بمنكبه لتتراص الصفوف، وتتكاثف
الجموع، انتھی.
قال ميرك: والوجه الأول أليق بالباب، ويؤيده حديث أبي أمامة في الفصل
الثالث: ((وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ)). قلت: والوجه الثالث أيضًا أنسب بالباب.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ومن طريقه البيهقي (ج ٣ ص١٠١) وسكت عنه أبو داود والمنذري.
وفي سنده جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان. وجعفر هذا، قال ابن
المديني: مجهول. وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في
(١١٠٥) أَبُو دَاوُد (٦٧٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَْتَهُ، فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُفُ
٥٢٥
((الثقات))، وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول. وعمه عمارة بن ثوبان. قال
الذهبي في ترجمته: ما روى عنه الا ابن أخيه جعفر بن يحيى، لكنه قد وثق، وقال
في ترجمة جعفر: إن عمه - يعني: عمارة - لين. وقال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) في ترجمة عمارة: ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال عبد الحق: ليس
بالقوي. فرد ذلك عليه ابن القطان وقال: إنما هو مجهول الحال. وقال في
((التقريب)): عمارة بن ثوبان حجازي مستور، قلت: قول الذهبي: لكنه قد وثق،
وقوله: لين، وقول عبد الحق: ليس بالقوى، وذكر ابن حبان إياه في ((ثقاته)) يدل
على أنه ليس بمجهول الحال عندهم، ومن عرف حجة على من لم يعرف. قال
ميرك: وكان الأخصر أن يقول المصنف: روى جميع الأحاديث المذكورة في هذا
الفصل أبو داود.

٥٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
الفصل الثالث
١١٠٦ - [١٦] عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَنَّ النَِّيُّ وَ يَقُولُ: ((اسْتَوُوا،
اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي، كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ
بَیْنِ يَدَيَّ)».
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشّرْحُ
١١٠٦ - قوله: (اسْتَوُوا) أي: في صفوف الصلاة، بأن تقوموا على سمت
واحد، وتتراصوا حتى لا يكون بينكم فرجات. (اسْتَوُوا، اسْتَوُوا) كرر ثلاث مرات
للتأكيد، ويمكن أن يكون الأمر الأول وقع إجمالًا، والثاني لأهل اليمين، والثالث
لأهل اليسار. (إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي) رؤية حقيقة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) هذا وهم من
المصنف، فإن هذا الحديث ليس عند أبي داود، بل هو عند النسائي بوب عليه: كم
مرة يقول: ((اسْتَؤُوا)). رواه من طريق بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن
أنس، وقد عزاه العيني في ((شرح البخاري)) (ج٥ ص٢٥٤) للنسائي فقط، وكذا
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣٩٤).
(١١٠٦) أَبُو دَاوُد عنه فيها .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
٥٢٧
١١٠٧ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ،
وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّبَ الأَوَّلِ)) قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَى الثَّانِي،
قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ)) قَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ،
وَعَلَى الثَّانِي، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ)) قَالَوا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَىِ الثَّانِ، قَالَ: (وَعَلَى الثَّانِي)).
- وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَليهِ: ((سَوُوا صُفُوفَكُمْ، وَحَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ، وَلِينُوا فِي
أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِمَنْزِلَةِ
الْحَذَفِ)) يَعْنِي: أَوْلَادَ الضَأْنِ الصِّغَارَ.
[ رواه أحمد] {ضعيف}
الشّرُْ
١١٠٧ - قوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ) أي: يرحم الله
على أهل الصف الأول، ويدعو الملائكة لهم بالتوفيق وغيره. (وَعَلَى الثَّانِي)
المراد به غير الأول أو الثاني حقيقة؛ لكونه يماثل الصف الأول فافهم. والظاهر هو
الثاني، فإن قلت: قوله ◌َّله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ) خبر،
فما معنى قولهم: (وَعَلَى الثَّانِي؟) قلنا: هو في معنى طلب كون الثاني كذلك،
وسؤاله وَّليه من الله عزوجل أن يصلي عليهم أيضًا؛ لأنهمٍ قد سبقوا من غير تقصير
منهم، قاله في ((اللمعات)). وقال القاري: قوله: (يُصَلَّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ)
يحتمل أن يكون اخبارًا ودعاء، ويؤيد الثاني قولهم: (يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَى الثَّانِي؟)
أي: قل: وعلى الثاني، ويسمى هذا العطف عطف تلقين والتماس كما حقق في
قوله عليه السلام: ((اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ ... )) الحديث.
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَى الثَّانِي، قَالَ: وَعَلَى الثَّانِي) التكرار يفيد التأكيد
وحصول الكمال للأول، وتثليث الرحمة على الصف الأول، ويؤيده ما روى أحمد
والنسائي وابن ماجه والبيهقي عن العرباض بن سارية أن رسول اللّه ◌َ ليل كان يستغفر
للصف المقدم ثلاثًا، وللثاني مرة. (وَحَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ) أي: اجعلوا بعضها
(١١٠٧) أَحْمَد (٢٦٢/٥) عنه.

٥٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حذاء بعض، بحيث يكون منكب كل واحد من المصلين موازيًّا لمنكب الآخر،
ومسامتًا له، فتكون المناكب والأقدام على سمت واحد. (وَلِينُوا) بكسر اللام أمر
من لان يلين. (فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ) أي: إذا أمر أحدكم من يسوي الصفوف
بالإشارة بيده أن يستوي في الصف، أو وضع يده على منكبه فليستو، وكذا إذا أراد
أن يدخل في الصف فليوسع. (وَسُدُّوا) بضم السين المهملة. (الْخَلَلَ) أي:
الفرجة من الصفوف، ولا يكون ذلك إلا بإلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم
حقيقة .
(فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيْمَا بَيْنَكُمْ) ليشوش عليكم في صلاتكم بالإغواء
والاشتغال. (بِمَنْزِلَةِ الْحَذَف) بفتحتين أي: في صورتها. قال الجزري: الحذف
الغنم الصغار الحجازية واحدها حذفة، وقيل: هي غنم صغار ليس لها أذناب، يجاء
بها من جرش، سميت حذفًا؛ لأنها محذوفة من مقدار الكبار (يعني أَوْلَادَ الضَّأَنِ
الصِّغَارَ) تفسير من الراوي (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ ص٢٦٢).
قال المنذري في ((الترغيب)): بإسناد لا بأس به.
وقال الهيثمي: رجاله موثقون. وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير)).
١١٠٨ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَقِيمُوا
الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ،
وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتِ الشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفَّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهُ قَطَعَهُ
اللَّهُ)). [رواهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ: ((وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا .. ) إِلَى آَخِرِهِ] (صحيح)
الشَّرْحُ
١١٠٨- قوله: (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ) أى: عدلوها وسووها. (وَلِينُوا بِأَيْدِي
إِخْوَانِكُمْ) أى: كونوا لينين هينين منقادين، إذا أخذوا بها ليقدموكم، أو
(١١٠٨) أَبُو دَاوُد (٦٦٦) بتمامه، والنَّسَائِي (٢/ ٩٣) من قوله: ((مَن وَصَل .. )) إلى آخره، كلاهما عن
ابنِ عُمر في الصَّلاة.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
٥٢٩
يؤخروكم، حتى يستوي الصف؛ لتنالوا فضل المعاونة على البر والتقوى، ويصح
أن يكون المراد: لينوا بيد من يجركم من الصف أي: وافقوه، وتأخروا معه؛
لتزيلوا عنه علة الانفراد التى تبطل الصلاة بها، فقد ذهب أكثر أصحاب الشافعي
إلى أن من لم يجد فرجة ولا سعة في الصف يجذب إلى نفسه واحدًا، ويستحب
للمجذوب أن يساعده، ولا فرق بين الداخل في أثناء الصلاة، والحاضر في
ابتدائها في ذلك، وكرهه الأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق؛ لأنه لو جذب إلى
نفسه واحدًا لفوَّت عليه فضيلة الصف الأول، ولوقع الخلل في الصف، واستدل
الأولون بما رواه أبويعلى والطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي (ج٣ ص ١٠٥) من
حديث وابصة بن معبد: أنه وَلّ قال لرجل صلى خلف الصف: ((أيها المصلي
وحده: هَلََّّ دَخَلْتَ فِي الصَّفِّ أَوْ جَرَرْتَ رجلاً مِنَ الصَّفِّ، أَعِدْ صَلَاتَكَ)). وفيه
السري بن إسماعيل، وهو ضعيف، قاله الهيثمي. وقال الحافظ: إنه متروك، وله
طريق أخرى في ((تأريخ أصبهان))، وفيها قيس بن الربيع، وفيه ضعفٍ. وأخرج
الطبراني عن ابن عباس - قال الحافظ: بإسناد واوٍ - قال: قال رسول اللَّه وَالثّ: ((إِذَا
انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّفِّ وَقَدْ تَمَّ، فَلْيَجْذِبْ إِلَيْهِ رَجُلًا يُقِيمُهُ إِلَى جَنْبِهِ)). قال
الهيثمي: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وقال: لا يروى عن النبي ◌َّ إلا بهذا
الإسناد. وفيه بشر بن إبراهيم، وهو ضعيف جدًّا، ولأبي داود في ((المراسيل)) من
رواية مقاتل بن حيان مرفوعًا: ((إِنْ جَاءَ رَجُلٌ فَلَمْ يَجِدْ خَلَلَّا أَوْ أَحَدًا، فَلْيَخْتَلِجْ إِلَيْهِ
رَجُلًّا مِنَ الصَّفِّ فَلْيَقُمْ مَعَهُ، فَمَا أَعْظَمَ أَجْرُ الْمُخْتَلِجِ)).
قال الشوكاني في ((السيل الجرار)): أما مشروعية انجذاب من في الصف
المنسد لمن لحق ولم يجد من ینضم إلیه، فلم يثبت ما يدل على ذلك بخصوصه،
ولا يصح الاستدلال بما أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) بلفظ: ((إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ
إِلَى الصَّفِّ وَقَدْ تَمَّ، فَلْيَجْذِبْ إِلَيْهِ رَجُلًا يُقِيْمُهُ إِلَى جَنْبِهِ))؛ لأنه مع كونه مرسلًا، في
إسناده مقاتل بن حيان، وفيه مقال ولم يثبت له لقاء أحد من الصحابة، فثم انقطاع
بينه وبين الصحابي، فهو مرسل معضل، ولا يصح الاستدلال أيضًا بما أخرجه
الطبراني عن ابن عباس، وبما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي عن وابصة
بن معبد، فذكرهما مع الكلام فيهما بنحو ما تقدم، ثم قال: ولكن في الانجذاب
معاونة على البر والتقوى، فيكون مندوبًا من هذه الحيثية، انتهى.

٥٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَلَا تَذَرُوا) أي: لا تتركوا، ولا يستعمل من هذه المادة بمعنى الترك سوى
المضارع والأمر والنهي، فتقول: ذره ولا تذره ويذره أي: دعه واتركه، ولا تدعه
ولا تتركه، ويدعه ويتركه، فإذا أريد الماضي، قيل: ترك. أو المصدر قيل:
الترك، أو اسم الفاعل قيل: التارك. (فُرُجَاتِ الشَّيْطَانِ) بالإضافة في جميع النسخ،
وكذا في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣٩٥) ولفظ أبي داود: (فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ)،
أي: بتنوين فرجات، ودخول لام الجر على الشيطان، وكذا وقع عند البيهقي من
رواية أبي داود، والفرجات بضم الفاء والراء جمع فرجة، وهي المكان الخالي بين
الاثنين، والمعنى: لا تبقوا خللاً في الصف لدخول الشيطان فيه، فإنه إذا بقي فرجة
في الصف يدخلها الشيطان، كأنها الحذف كما تقدم.
(وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا) بأن كان فيه فرجة فَسَدَّهَا، أو نقصان فأتمه. (وَصَلَهُ اللَّهُ) أي:
برحمة. (وَمَنْ قَطَعَهُ) بأن قعد بين الصف بلا صلاة، أو منع الداخل من الدخول في
الفرجات مثلًا. وقال القاري: أي: بالغيبة، أو بعدم سد الخلل، أو بوضع شيء
مانع. (قَطَعَهُ اللَّهُ) أي: من رحمته، وفيه تهديد شديد، ووعيد بليغ. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٩٨) والبيهقي (ج٣
ص١٠١).
(وَرَوَى النَّسَائِيُّ) وابن خزيمة كذلك كما في ((الترغيب)) للمنذري وكذلك
الحاكم (ج١ ص٢١٣) وصححه هو وابن خزيمة. (مِنْهُ) أي من الحديث.
(قَوْلَهُ) بَِّ مفعول روى. (وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا .. ) إِلَى آخِرِهِ بيان المقول، أي:
لاصدر الحديث، وروي في صلة الصفوف وسد الفرج أحاديث عن جماعة من
الصحابة؛ منهم عائشة وأبو جحيفة وعبد الله بن زيد وابن عباس وأبوهريرة،
ذكرهم الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٢ ص ٩١، ٩٠).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
٥٣١
١١٠٩ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «تَوَسَّطُوا
الْإِمَامَ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشّرْجُ
١١٠٩ - قوله: (تَوَسَّطُوا الْإِمَامَ) كذا في جميع النسخ ((توسطوا)) أي: من
التوسط. وكذا وقع في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣٩٥) والبيهقي (ج ٣ ص ١٠٤)
ولفظ أبي داود: ((وَسِّطُوا)) أي: بفتح الواو وتشديد السين المكسورة من التوسيط،
وكذا نقله المجد ابن تيمية في ((المنتقى))، أي: اجعلوه مقابلًا لوسط الصف الذي
تصفون خلفه، يعني: قفوا خلفه، بحيث يكون الامام حذاء وسط الصف، ويكون
عن يمينه من المصلين ومن يساره سواء.
قال الطيبي: أي: اجعلوا إمامكم متوسطًا، بأن تقفوا في الصفوف خلفه، وعن
یمینه وشماله، انتھی.
وفي ((القاموس)): وسطهم، جلس وسطهم كتوسطهم، ووسطه توسيطًا جعله في
الوسط، فالظاهر أن يكون التقدير: توسطوا بالإمام، فيكون من باب الحذف
والإيصال.
(رَواهُ أَبُو دَاودَ) وكذا البيهقي (ج ٣ ص١٠٤) وسكت عنه أبو داود والمنذري،
وفي سنده يحيى بن بشير بن خلاد عن أمه واسمها أمة الواحد بنت يامين بن
عبد الرحمن بن يامين، سماها بقي بن مخلد في ((مسنده))، ولم يسمها أبو داود في
روايته. ويحيى مستور، وأمه مجهولة.
(١١٠٩) أَبُو دَاوُد (٦٨١) عنه فيها.

٥٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١١٠ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿يَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَا يَزَالُ
قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، حَتَّى يُؤَخِّرُهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ)).
[رواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١١١٠ - قوله: (يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ) أي: لا يهتمون لإدراك فضل
الصف الأول، ولا يبالون به. (حَتَّى يُؤَخِّرُهُمُ اللَّهُ) أي: يجعلهم اللَّه آخر الأمر.
(فِي النَّارِ) أو لا يخرجهم من النار في الأولين، أو يؤخرهم عن الداخلين في الجنة
أولًا: بإدخالهم النار أولًا وحبسهم فيها، ويمكن أن يكون المعنى: يوقعهم في
أسفل النار.
وقال الطيبي: أي: حتى يؤخرهم عن الخيرات، ويدخلهم في النار.
(رَوَاهُ أَبُو دَاودَ) وسكت عليه هو والمنذري. وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في
((صحيحه)) وابن حبان إلا أنهما قالا: ((حَتَّى يُخْلِفَهُمُ اللهُ فِي النَّارِ)).
وأخرجه البيهقي (ج ٣ ص١٠٣) من طريق أبي داود بلفظه.
١١١١ - [٢١] وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ رَجُلًا
يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّْمِذِي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ] (صحيح}
الشَّرْجُ
١١١١ - قوله: (عَنْ وَابِصَةَ) بكسر الموحدة فصاد مهملة. (بْنِ مَعْبَدٍ) بفتح
(١١١٠) أَبُو دَاوُد (٦٧٩) عن عائشة رضيّا فيها .
(١١١١) أَحْمَد (٤/ ٢٢٨)، وأَبُو دَاوُد (٦٨٢)، والتِّرْمِذِي (٢٣٠) فيها عن وابصةَ بن معبد، وقالَ
التِّرْمِذِي : حسن.

٥٣٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
الميم واسكان العين المهملة ابن عتبة بن الحارث بن مالك الأسدي أسد خزيمة،
وفد على النبي ◌َّل سنة تسع، ثم رجع إلى بلاد قومه، ثم نزل إلى الجزيرة
صحابي. قال البرقى: جاء عنه خمسة أحاديث، وعمَّر إلى قرب سنة تسعين،
وتوفي بالرقة، وقبره عند منارة مسجد جامع الرقة. (يُصَلِّ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ)
أي: منفردًا عن الصف. (فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ) فيه: دليل على أن الصلاة خلف
الصف وحده لا تصح. وأن من صلى خلف الصف وحده، فعليه أن يعيد الصلاة.
وإليه ذهب إبراهيم النخعي والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وأكثر أهل الظاهر
وابن المنذر والحكم، وبه قال قوم من أهل الكوفة، منهم حماد بن أبي سليمان
وعبد الرحمن بن أبي ليلي ووكيع. قال ابن حزم: وبه يقول الأوازاعي والحسن بن
حي، وأحد قولي سفيان الثوري. ونقل عبد الله بن أحمد في ((المسند)) (ج٤
ص٢٢٨) بعد حديث وابصة قال: وكان أبي يقول بهذا الحديث، انتهى. وإليه
ذهب الدارمي أيضًا فقال في ((سننه)) بعد حديث وابصة: قال أبو محمد: أقول
بهذا .
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: صلاة من صلى خلف الصف منفردًا
صحيحة، لكنه يأثم، قال العيني: أما الجواز؛ فلأنه يتعلق بالأركان وقد وجدت،
وأما الإساءة؛ فلوجود النهي عن ذلك، والقول الأول هو الحق، يدل عليه حديث
وابصة، وهو حديث صحيح كما ستعرف، ويدل عليه أيضًا حديث علي بن شيبان
قال: رأى رسول اللَّه ◌َ له رجلًا يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل،
فقال له رسول اللَّهُ بَّ: ((اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ؛ فَإِنَّه لَا صَلَاةَ لِرَجُل فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ))
أخرجه أحمد (ج٤ ص٢٣) وابن ماجه وابن حزم في ((المحلى)) (ج٤ ص٥٣)
والبيهقي (ج٣ ص ١٠٥). ونسبه الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١ ص٢٤٤)
لابن حبان في ((صحيحه))، والبزار في ((مسنده))، وهو حديث صحيح. قال
البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وروى الأثرم عن
أحمد أنه قال: حديث حسن. وقال ابن سيد الناس: رواته ثقات معروفون، وهو
من رواية ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان
عن أبيه. قال ابن حزم في ((المحلى)): ملازم ثقة. وثقه أبوبكر بن أبي شيبة
وابن نمير وغيرهما، وعبد الله بن بدر ثقة مشهور، وعبد الرحمن ما نعلم أحدًا
عابه بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الله بن بدر. وهذا ليس جرحة، انتهى.

٥٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقد روى عنه أيضًا ابنه يزيد ووعلة بن عبد الرحمن، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) وأخرج له في ((صحيحه)). وقال العجلي: تابعي ثقة، ووثقة أيضًا
أبو العرب التميمي، كذا في ((تهذيب التهذيب)) (ج٦ ص٢٣٤). ويؤيد حديث علي
ابن شيبان ما أخرجه ابن حبان عن طلق بن علي مرفوعًا: ((لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ
الصَّفِّ))، ذكره الحافظ في ((بلوغ المرام)). ويؤيده أيضًا حديث ابن عباس قال:
(رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُصَلِّ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيْدَ
الصَّلَاةَ)). أخرجه البزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)). قال الهيثمي (ج٢
ص٩٦): وفيه النضر أبو عمر أجمعوا على ضعفه. ويؤيده أيضًا ما أخرجه الطبراني
في ((الأوسط)) عن أبي هريرة بمعنى حديث ابن عباس، وهو أيضًا حديث ضعيف.
قال الهيثمي: فيه عبد الله بن محمد بن القاسم، وهو ضعيف، وأجاب القائلون
بالجواز: بأن حديث وابصة معلول؛ للاضطراب في سنده كما نقل الزيلعي في
((نصب الراية)) (ج١ ص٢٤٤) عن البيهقي في ((المعرفة)) والبزار في ((مسنده)). قال
البيهقي: وإنما لم يخرجاه صاحبا الصحيح لما وقع في إسناده من الاختلاف. وقال
ابن عبد البر: إنه مضطرب الإسناد، ولا يثبته جماعة من أهل الحديث، وروي عن
الشافعي أنه كان يضعف حديث وابصة، ويقول: لو ثبت لقلت به، وأجيب عنه:
بأن البيهقي وهو من أصحابه قد أجاب عنه، فقال: الخبر المذكور ثابت، وبأن ابن
سيد الناس قال في ((شرح الترمذي)): ليس الاضطراب الذي وقع فيه مما يضره،
وبين ذلك وأطال وأطاب، ذكره الشوكاني، وأجابوا أيضًا: بأن الأمر بالإعادة في
حديث وابصة وما وافقه للاستحباب، والنفي في حديث علي وما وافقه محمول
على نفي الكمال.
قال الطيبي: إنما أمره بإعادة الصلاة تغليظًا وتشديدًا، يؤيده حديث أبي بكرة
في آخر الفصل الأول من باب الموقف. وقال ابن الهمام: حمل أئمتنا الأول -
أي: حديث وابصة - على الندب، والثاني - أي: حديث علي بن شيبان - على
نفي الكمال؛ ليوافقا خبر البخاري عن أبي بكرة، إذ ظاهره عدم لزوم الإعادة؛ لعدم
أمره بها، وأيضًا، فهو ظلَّ تركه حتى فرغ، ولو كانت باطلة لما أقره على المضي
فيها، وأجيب عنه: بأن حمل الأمر بالإعادة على الاستحباب، وحمل النفي على
نفي الكمال خلاف الظاهر والأصل؛ فإن الأصل في الأمر الوجوب، وفي نفي

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
** deese
٥٣٥
الجنس نفي الحقيقة والذات إن أمكن، وإلا فيحمل على أقرب المجازين إلى
الحقيقة، وهو نفي الصحة كما تحقق في موضعه. وأما الاستدلال على ذلك
بحديث أبي بكرة، ففيه: أن عدم أمره ◌َّه بالإِعادة في هذه الصورة الجزئية لا يدل
على أن أمره بالإعادة في حديث وابصة ليس للإيجاب، وأن النفي في حديث علي
ابن شيبان ليس لنفي الحقيقة، أو الصحة، فإنه لا يقال لمن فعل مثل ما فعل
أبوبكرة: إنه صلى خلف الصف. قال ابن سيد الناس: ولا يعد حكم الشروع في
الركوع خلف الصف حكم الصلاة كلها خلفه، فهذا أحمد بن حنبل يرى أن صلاة
المنفرد خلف الصف باطلة، ويرى أن الركوع دون الصف جائزة، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): جمع أحمد وغيره بين الحديثين، بأن حديث أبي
بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف، ثم
دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه الإعادة، كما في حديث أبي
بكرة، وإلا فيجب على عموم حديث وابصة وعلي بن شيبان، انتهى. وفي ((مسائل
الامام)) أحمد لأبي داود (ص٣٥) قال: سمعت أحمد سئل عن رجل ركع دون
الصف، ثم مشى حتى دخل الصف، وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصف،
قال: تجزئه ركعة، وإن صلى خلف الصف وحده أعاد الصلاة. وقيل: يحمل عدم
الأمر بالإِعادة على من فعل ذلك لعذر، وهو خشية الفوات لو انضم إلى الصف،
وأحاديث الإعادة على من فعل ذلك لغير عذر. وقيل: من لم يعلم ما ابتداء الركوع
على تلك الحال من النهي فلا إعادة عليه كما في حديث أبي بكرة؛ لأن النهي عن
ذلك لم يكن تقدم، فكان أبوبكرة معذورًا لجهله، ومن علم النهي وفعل بعض
الصلاة أو كلها خلف الصلاة لزمته الإعادة، يعني: أنه يحمل أمره بالإعادة لمن
صلى خلف الصف، بأنه كان عالمًا بالنهي.
قال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤ ص٥٨): فإن قيل: فهلا أمر رسول اللَّه وَّ أبا
بكرة بالإِعادة، كما أمر الذي أساء الصلاة، والذي صلى خلف الصف وحده؟
قلنا: نحن على يقين نقطع به أن الركوع دون الصف، إنما حرم حين نهى النبي وَلخلال،
فإذ ذلك كذلك، فلا إعادة على من فعل ذلك قبل النهي، ولو كان ذلك محرمًا قبل
النهي لما أغفل علَّلا أمره بالإعادة كما فعل مع غيره، انتهى.

٥٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤ ص٢٢٧ و ٢٢٨). (وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا ابن
ماجه وأبو داود الطيالسي والدارمي وابن الجارود والبيهقي (ج ٣ ص١٠٤ - ١٠٥)
وابن حبان والدارقطني والحاكم والطحاوي وابن حزم في ((المحلى)). (وَقَالَ
التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وسكت عنه أبو داود. ونقل المنذري كلام الترمذي
هذا وأقره. وقال الحافظ في ((الفتح)): صححه أحمد وابن خزيمة وغيرهما. وقال
ابن حجر المكي: صححه ابن حبان والحاكم. قلت: وأعله بعضهم بما وقع من
اختلاف في سنده، كما تقدم عن ابن عبد البر أنه قال: حديث مضطرب الإسناد،
وقد تقدم قول ابن سيد الناس : أن الاختلاف الذي وقع في سنده لیس مما يضره،
وقد بين ذلك في ((شرح الترمذي)) له، كما قال الشوكاني، وقد بينه أيضًا الشيخ
أحمد محمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)) (ج٢ ص ٤٥١)، وأطال الكلام فيه،
وحققه بما لا مزيد عليه، فعليك أن تراجعه، ولو لا خوف الإطناب لذكرنا كلامه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ المُؤْقِفِ
e
٥٣٧
*THE
٢٥ - بَابُ الْمُؤْقِفِ
(الْمَوْقِف) أي: موقف الإمام والمأموم.
الفصل الأول
١١١٢ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي
مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنَّ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ
ظَهْرِهِ، فَعَدَلَنِي كَذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١١١٢ - قوله (بتُّ) أي: رقدت، أو كنت ليلًا. (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةً)
بنت الحارث أم المؤمنين. (يُصَلَّي) أي: من الليل، والمراد به: التهجد. (فَقُمْتُ)
أي: وقفت. (عَنْ يَسَارِهِ) بفتح الياء وكسرها. ولفظ مسلم: ((ثُمَّ قُمْتُ إِلَى شِقِّهِ
الْأَيْسَرِ)). (فَأَخَذَ بِيَدِي) بسكون الياء بالإِفراد. (مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ) أي: وهو في
الصلاة. (فَعَدَلَنِي) بالتخفيف. وقيل: بالتشديد أي: أمالني، وصرفنى. ولفظ
مسلم: ((يُعَدِّلُنِي)) أي: بصيغة المضارع. (كَذَلِكَ) أي: آخذًا بيدي. (مِنْ وَرَاءِ
ظَهْرِهِ) بيان لذلك. (إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ) متعلق بـ((عَدَلَنِي)). قال الطيبي: الكاف صفة
مصدر محذوف أي: عدلني عدولًا مثل ذلك، والمشار إليه هي الحالة المشبهة
بها، التي صورها ابن عباس بيده عند التحدث، انتهى. وقد اختلف في كيفية
التحويل روايات الصحيح، ففي بعضها: ((أَخَذَ بِرَأْسِهِ، فَجَعَلَهُ عَنْ يَمِيْنِهِ))، وفي
بعضها: ((فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، فَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى فَفَتَلَها))، وفي بعضها:
(١١١٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٩٩)، ومُسْلِم (١٨١ / ١٦٣) عَنْهُ فِيهَا، وأَبُو دَاوُد (٥٠٤٣).

٥٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((فَأَخَذَ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي))، وفي بعضها: ((بِيَدِي))، ((أَوْعَضُدِي)).
قال العيني: والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات، وقال أيضًا: ووجه الجمع
بين قوله: (فَأَخَذَ بِيَدِي)، وبين قوله: ((فَأَخَذَ بِرَأْسِي)). كون القضية متعددة، وإلا
فوجهه أخذ أولًا برأسه، ثم بيده، أو العكس، انتهى.
قلت: الغالب على الظن عدم تعدد قصة مبيت ابن عباس، فالجمع بين مختلف
الروايات فيها أولى. وقيل: رواية أخذ الرأس أرجح لاتفاق الأكثر عليها، وفي
الحديث دليل على أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام؛ إذ لو كان اليسار
موقفًّا له لما عدله وحوله في الصلاة، وإلى هذا ذهب الجماهير، وخالف النخعي
فقال: إذا كان الإمام وواحد، قام الواحد خلف الامام، فإن ركع الإمام قبل أن
يجيء أحد قام عن يمينه، أخرجه سعيد بن منصور. قال الحافظ: ووجهه بعضهم
بأن الإمامة مظنة الاجتماع، فاعتبرت في موقف الإمام حتى يظهر خلاف ذلك،
وهو حسن، لكنه مخالف للنص، وهوقياس فاسد، انتهى. وروي عن سعيد بن
المسيب أن موقف الواحد مع الإمام عن يساره، ولم يتابع على ذلك لمخالفته
للأدلة، وقد اختلف في صحة صلاة من وقف عن اليسار، فقيل: تصح لكنه
مسيء، وهو قول الجمهور. وتمسكوا بعدم بطلان صلاة ابن عباس لوقوفه عن
اليسار لتقريره وَل﴿ على أول صلاته وعدم أمره بالإعادة. وقيل: تبطل، وإليه ذهب
أحمد قال: وتقريره وَله لابن عباس لا يدل على صحة صلاة من وقف من أول
الصلاة إلى آخرها عن اليسار عالمًا، وغاية ما فيه تقرير من جهل الموقف،
والجهل عذر، وقد بوب البخاري على حديث ابن عباس: باب: إذا قام الرجل عن
يسار الإمام، وحوله الإمام من خلفه إلى يمينه، تمت صلاته. قال الحافظ: أي:
صلاة المأموم، ولا يضر وقوفه عن يسار الإمام أولًا مع كونه في غير موقفه؛ لأنه
معذور بعدم العلم بذلك الحكم، انتهى.
وأيضًا يجوز أن يكون ابن عباس ما كان قد أحرم بالصلاة. ثم قوله: (فَعَدَلَنِي
إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ) يحتمل المساواة، ويحتمل التقدم والتأخر قليلاًا، وفي رواية:
((فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِيْنِهِ))، وقد بوب عليها البخاري: باب: يقوم عن
يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين. قال الحافظ: قوله: بحذائه أخرج به من

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمُؤْقِفِ
se
٥٣٩
كان خلفه، أو مائلاً عنه، أو بجنبه لكن على بُعد منه، وقوله: ((سواء)) أي: لا يتقدم
ولا يتأخر، وفي انتزاع هذا من هذه الرواية بُعد، وكأن المصنف أشار بذلك إلى ما
تقدم في بعض طرقه وهو في الطهارة: ((فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ»، وظاهره المساواة. وفي
رواية للبخاري أيضًا: ((فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ)). قال العيني: يستفاد منها أن موقف
المأموم، إذا كان بحذاء الإمام على يمينه مساويًّا له، وهو قول عمر وابنه وأنس
وابن عباس والثوري وإبراهيم ومكحول والشعبي وعروة وأبي حنيفة ومالك
والأوزاعي وإسحاق، وعن محمد بن الحسن: يضع أصابع رجليه عند عقب
الإمام. وقال الشافعي: يستحب أن يتأخر عن مساواة الإمام قليلاً. قال الشوكاني:
وليس عليه فيما أعلم دليل، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء:
الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى الشق الأيمن، قلت: أيحاذي به
حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم، قلت: أتحب أن يساويه حتى
لا يكون بينهما فرجة؟ قال: نعم. وفي ((الموطأ)) عن عبد الله بن عتبة بن مسعود
قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة، فوجدته يسبح، فقمت وراءه
فقربني، حتى جعلني حذاءه عن يمينه.
والحديث له فوائد كثيرة: منها: أن الاثنين جماعة، وقد بوب عليه ابن ماجه :
بابٌ الاثنان جماعة. ومنها: انعقاد الجماعة باثنين أحدهما صبي، ففي لفظ:
((صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِّ وَّهِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ عَشْرٍ سِنِينَ، وَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي
فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ عَشْرٍ سِنِينَ)) أخرجه أحمد، وقد بوب عليه
ابن تيمية في ((المنتقى)): باب: انعقاد الجماعة باثنين أحدهما صبي. وقال العيني:
في الحديث جواز ائتمام صبي ببالغ، وعليه ترجم البيهقي في ((سننه)). قال
الشوكاني: ليس على قول من منع من انعقاد من معه صبي فقط دليل، ولم يستدل
لهم إلا بحديث ((رُفِعَ القَلَمُ))، ورفع القلم لا يدل على عدم صحة صلاته، وانعقاد
الجماعة به، ولو سلم لكان مخصصًا بحديث ابن عباس ونحوه، وقد ذهب
أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الجماعة لا تنعقد بصبي، وذهب الشافعي إلى الصحة من
غير فرق بين الفرض والنفل، وذهب مالك وأبو حنيفة في رواية عنه إلى الصحة في
النافلة. ومنها: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وقد بوب البخاري لذلك. وفي
المسألة خلاف، ومذهب الحنفية أن نية الإمامة في حق الرجال ليست بشرط؛ لأنه