Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦٠
era
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٠٦٩ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلَ: ((لَا تَمْنَعُوا
[رواه أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ)).
الشَّرْحُ
١٠٦٩ - قوله: (وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ) أي: صلاتهن في بيوتهن خير لهن من
صلاتهن في المساجد لو علمن ذلك، لَكِنَّهُنَّ لم يعلمن فيسألن الخروج إلى
الجماعة يعتقدن أن أجرهن في المساجد أكثر، وجه كون صلاتهن في البيوت
أفضل: تحقيق الأمن من الفتنة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) في الصلاة وسكت عنه هو والمنذري، وأصله في ((الصحيحين))
بدون قوله: ((وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ))، وهذه الزيادة أخرجها ابن خزيمة والحاكم (ج١
ص٢٠٩) وصححه، والبيهقي (ج ٣ ص١٣١) وللطبراني بإسناد حسن نحوها.
١٠٧٠ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((صَلَاةُ
الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مُخْدَعِهَا أَفْضَلُ
مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا».
[رواه أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٠٧٠ - قوله: (صَلَةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا) أي: الداخلاني لكمال سترها.
(أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا) أي: صحن الدار. قال ابن الملك: أراد بالحجرة
ما تكون أبواب البيوت إليها وهي أدنى حالاً من البيت. (وَصَلَاتُهَا فِي مُخْدَعِهَا)
(١٠٦٩) أَبُو دَاوُد (٥٦٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّلَاةِ.
(١٠٧٠) أَبُو دَاوُد (٥٧٠) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهَا.
١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٦١
بضم الميم وتفتح وتكسر مع فتح الدال في الكل، وهو البيت الصغير الذي يكون
داخل البيت الكبير، يحفظ فيه الأمتعة النفيسة من الخدع، وهو إخفاء الشيء أي :
خزانتها. (أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا)؛ لأن مبنى أمرها على التستر، وحاصل
الأحاديث الواردة في خروج النساء إلى المساجد: أن الإذن للنساء من الرجال إلى
المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة؛ من طيب أو حلي أو أي
زينة، واجب على الرجال أو مندوب على اختلاف القولين، وأنه لا يجب مع يدعو
إلى ذلك، ولا يجوز ويحرم عليهن الخروج لقوله: ((فلا تشهدن)) وصلاتهن على كل
حال في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المساجد لحديث ابن مسعود هذا، ولما
روى أحمد والطبراني والبيهقي من حديث أم حميد الساعدية: أنها جاءت إلى
رسول اللَّهُ وََّ فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك، فقال ◌َ: ((قَدْ
عَلِمْتُ، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ
خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارَكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارَكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدٍ
قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدٍ قَوْمِكَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ الجَمَاعَةِ))، قال
الحافظُ: إسناده حسن. وقال الهيثمي بعد عزوه لأحمد: رجاله رجال الصحيح،
غير عبد الله بن سويد الأنصاري، وثقة ابن حبان، وأخرج أحمد وأبو يعلى عن أم
سلمة: أن رسول اللَّه وَلَه قال: ((خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بِيُوتِهِنَّ))، وفي إسناده ابن
لهيعة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في
((صحيحه)) والحاكم (ج١ ص٢٠٩) والبيهقي (ج ٣ ص ١٣١).
١٠٧١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِّي أَبَا الْقَاسِم
صَلى له
وَسَم
يَقُوْلُ: ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ امْرَأَةٍ تَطَيَّيَتْ لِلْمَسْجِدِ، حَتَّى تَغْتَسِلَ غُسْلَهَاً مِنَ
الْجَنَابَةِ».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٠٧١ - قوله: (سَمِعْتُ حِبِّي) بكسر الحاء المهملة أي: محبوبي. (تَطَيِّبَتْ
(١٠٧١) أَبُو دَاوُد (٤١٧٤) فِي اللِّبَاسِ، وَابن مَاجَهْ (٤٠٠٢) عَنْهُ.
٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لِلْمَسْجِدِ) أي: للخروج إلى المسجد، وفي ((المصابيح)): ((لِهَذَا الْمَسْجِدِ)) كما في
أبي داود. وقال ابن الملك: إشارة إلى جنس المسجد لا إلى مسجد مخصوص.
(حَتَّى تَغْتَسِلَ) وفي ((المصابيح)): ((حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ)) وكذا وقع في أبي داود.
(غُسْلَهَا) أي: مثل غسلها. (مِنَ الْجَنَابَةِ) بأن تبالغ في الغسل من الطيب كما تبالغ
في غسل الجنابة حتى يزول عنها الطيب بالكلية، ثم تخرج إن شاءت، وقال
القاري: بأن تعم جميع بدنها بالماء إن كانت طيبت جميع بدنها ليزول عنها الطيب،
وأما إذا أصاب موضعًا مخصوصًا فتغسل ذلك الموضع. قلتُ: الحديث ساكت
عن هذا التفصيل. قال ابن الملك: وهذا مبالغة في الزجر؛ لأن ذلك يهيج الرغبات
وتفتح باب الفتن. وقيل: شبه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال
التي هي رائد الزنا بالزنا، وحكم عليها بما يحكم على الزاني من الاغتسال من
الجنابة مبالغة وتشديدًا .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الترجل من طريق الثوري، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب العمري، عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة، وقد
سكت عنه أبو داود، لكن إسناده ضعيف؛ لضعف عاصم بن عبيد الله، ولكنه لم
ينفرد برواية هذا الحديث كما ستعرف، فمعناه صحيح لثبوته من وجه آخر، فقد
أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) والبيهقي من طريق موسى بن يسار، عن أبي
هريرة، ورواه أحمد خمس مرات في أربعة منها: عاصم بن عبيد الله، والخامسة
من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الكريم، عن مولى أبي رهم، وأخرجه النسائي
من طريق صفوان بن سليم عن رجل ثقة عن أبي هريرة، وقد بوب له ابن خزيمة
باب: إيجاب الغسل على المطيبة للخروج إلى المسجد، ونفي قبول صلاتها إن
صلت قبل أن تغتسل، إن صح الخبر، ولفظه: عن موسى بن يسار قال: مرت بأبي
هريرة امرأة وريحها تعصف، فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى
المسجد، قال: وتطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت
رسول اللَّه يقول: ((لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِ امْرَأَةٍ صَلَاَةً خَرَجَتْ إِلَى المَسْجِدِ وَرِيحُهَا تَعْصِفُ
حَتَّى تَرْجِعُ وَتَغْتَسِلَ)). قال المنذري في ((الترغيب)) بعد عزوه لابن خزيمة: إسناده
متصل ورواته ثقات، وعمرو بن هاشم البيروتي ثقة، وفيه كلام لا يضر، ورواه أبو
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٦٣
داود وابن ماجه من طريق عاصم بن عبيد الله العمري، وقد مشاه بعضهم ولا يحتج
به، وإنما أمرت بالغسل لذهاب رائحتها، انتهى.
(وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) وكذا البيهقي الطيالسي. (نَحْوَهُ) ولفظ النسائي: ((إِذَا
خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْتَغْتَسِلْ مِنَ الطَّيِبِ كَمَا تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ)»، أخرجه
في كتاب الزينة من طريق صفوان بن سليم عن رجل ثقة، عن أبي هريرة به.
١٠٧٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي مُؤْسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: «كُلّ عَيْن
زَانِيَةٌ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا))، يَعْنِي :
زَانِيَةً.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠٧٢ - قوله: (كُلُّ عَيْنِ زَانِيَةٌ) أي: كل عين نظرت إلى أجنبية عن شهوة
فهي زانية؛ لأن زناها النظر، أو لأنه من مقدمات الزنا. (إِذَا اسْتَعْطَرَتْ) أي:
استعملت العطر. (فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ) أي: مجلس الرجال وهو أعم من المسجد.
(فَهِيَ كَذَا وَكَذَا) كناية عن كونها زانية. (يَعْنِي: زَانِيَةً) بالنصب على أنه مفعول
يعني، وقيل: بالرفع يعني: هي زانية؛ لأنها قد هيجت شهوة الرجال بعطرها
وحملتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها فقد زنى بعينه، فإذا هي سبب زناه بالعين
فتكون آثمة بإثم الزنا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الاستيذان وقال: حديث حسن صحيح.
ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. (وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) أخرجه أبو
داود في الترجل والنسائي في الزينة. قال المنذري في ((الترغيب)) بعد عزوه لأبي
داود والترمذي: ورواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) ولفظهم:
قال النبيِ وَِّ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ، وَكُلَّ
عَيْنٍ زَانِيَةٌ))، ورواه الحاكم أيضًا، وقال: صحيح الإسناد.
(١٠٧٢) أَبُو دَاوُد (٤١٧٣) فِي التَّرَجُلِ بِاخْتِصَارٍ، وَالتِّرْمِذِي (٢٧٨٦) فِ الاسْتِئْذَانِ، وَصَحَّحَهُ، وَكَذَا
ابْنُ حِبَّان (٤٤٢٤)، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُوسَى، والنَّسَائِي (١٥٣/٨).
٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٠٧٣ - [١٥] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَوْمًا
الصُّبْحَ فلما سَلَّمَ قَالَ: ((أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟) قَالُوا: لَا، قَالَ: ((أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟))
قَالُوا: لَا، قَالَ: ((إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ
تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَيْئُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًّا عَلَى الرُّكَبِ، وَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ عَلَى
مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيَتُهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ
الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتَهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ] {حسن}
الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ)).
الشَّرْحُ
١٠٧٣ - قوله: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ) أي: أمّنا فالباء للتعدية. (الصُّبْحَ)
أي: صلاته. (أَشَاهِدٌ) بهمزة الاستفهام أي: أحاضر صلاتنا هذه. (أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟)
أي: آخر. (إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ) أي: العشاء والصبح، والإشارة إليهما لحضور
الصبح، واتصال العشاء بها مما تقدم. وقال القاري: أي: صلاة الصبح ومقابلتها
باعتبار الأول والآخر، يعني: الصبح والعشاء. وقال ابن حجر: وأشار إلى العشاء
لحضورها بالقوة؛ لأن الصبح مذكرة بها نظرًا إلى أن هذه مبتدأ النوم وتلك منتهاه.
(أَنْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ) فيه: أن الصلاة كلها عليهم ثقيلة، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، ولكن الأثقل عليهم صلاة
العشاء؛ لأنها في وقت الراحة والسكون وصلاة الفجر؛ لأنها في وقت لذة النوم،
وليس لهم داع ديني ولا تصديق بأجرهما حتى يبعثهم على إتيانهما، ويخف عليهم
الإتيان بهما، ولأنهما في ظلمة الليل، وداعي الرياء الذي لأجله يصلون مُنْتَفٍ؛
لعدم مشاهدة من يراؤونه من الناس إلا القليل، فانتفى الباعث الديني منهما كما
انتفى في غيرهما، ثم انتفى الباعث الدنيوي الذي في غيرهما؛ ولذا قال ناظرًا إلى
انتفاء الباعث الديني عندهم: ((ولو يعلمون ما فيهما))، كما في رواية أحمد والنسائي
والبيهقي. (وَلَوْ تَعْلَمُونَ) أنتم أيها المؤمنون. (مَا فِيهِمَا) من الأجر والثواب الزائد؛
(١٠٧٣) أَبُو دَاوُد (٥٥٤)، وَالنَّسَائِي (٢/ ١٠٤)، وَابن مَاجَهْ (٧٩٠) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٦٥
لأن الأجر على قدر المشقة. (لَأَتَيْتُمُوهُمَا) أي: إلى المسجد لأجلهما. وهذا لفظ
أبي داود، ورواية أحمد والنسائي والبيهقي: ((ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما))، أي:
بلفظ الغيبة. قيل: عدل عن الغيبة في رواية أبي داود تغليبًا. (وَلَوْ حَبْوًا عَلَى
الرُّكَبِ) بضم الراء وفتح الكاف جمع الركبة، والحبو بفتح الحاء المهملة وسكون
الموحدة هو أن يمشي على يديه وركبتيه أو استه، وَحَبًا البعير: إذا برك ثم زحف
من الإِعياء، وَحَبًا الصبي إذا زحف على استه، أي: تزحفون إذا منعكم مانع من
المشي كما يزحف الصغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء. ((ولو حبوًا
على المرافق والركب)). وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني: ((ولو حبوًّا على يديه
ورجليه))، وفيه حث بليغ على الإتيان إليهما، وأن المؤمن إذا علم ما فيهما أتى
إليهما على أي حال، فإنه ما حال بين المنافق وبين هذا الإتيان إلا عدم تصديقه بما
فيهما. قال الطيبي: ((حبوًا)) خبر كان المحذوف، أي: ولو كان الإتيان حبوًا،
ويجوز أن يكون التقدير أتيتموها حبوًا، أي: حابين تسمية بالمصدر مبالغة. (وَإِنَّ
الصَّفَّ الْأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ) أي: على أجر أو فضل هو مثل أجر صف
الملائكة أو فضله، وظاهره أن الملائكة أكثر أجرًا وفضلاً من بني آدم. وقال
الطيبي: شبه الصف الأول في قربهم من الإمام بصف الملائكة من اللّه تعالى،
والجار والمجرور خبر ((إِنَّ)) والمتعلق كائن أو مقاس. (وَلَوْ عَلِمْتُمْ) هذا لفظ أبي
داود، ولفظ أحمد والنسائي والبيهقي: ((ولو تعلمون)). (ما فَضِيلَتُهُ) أي: الصف
الأول. (لَا بْتَدَرْتُمُوهُ) أي: سبق كل منكم على آخر لتحصيله. قال الطيبي: وفي
قوله: ((وَلَوْ تَعْلَمُونَ)) مبالغة من حيث عدل من الماضي إلى المضارع إشعارًا
بالاستمرار. (وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ) أي: أكثر أجرًا
وأبلغ في تطهير المصلي وتكفير ذنوبه من صلاته منفردًا، لما في الاجتماع من
الرحمة والسكينة دون الانفراد. قال الطيبي: الزكاة بمعنى النمو، فيكون المعنى:
إن الصلاة مع الجماعة أكثر ثوابًا، أو بمعنى الطهارة، فيكون المعنى: إن المصلي
مع الجماعة أمن من رجس الشيطان وتسويله، وفيه أن الرجل مع الرجل جماعة
كما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي، أنه قال: الرجل مع الرجل جماعة،
لهما التضعيف خمسًا وعشرين، انتهى.
وقد بوب عليه النسائي ((باب الجماعة إذا كانوا اثنين)) والبيهقي (ج ٣: ص ٦٧)
٤٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بلفظ: باب الاثنين فما فوقهما جماعة. قال الأمير اليماني: فيه دلالة على أن أقل
صلاة الجماعة إمام ومأموم، ويوافقه حديث أبي موسى الآتي في الفصل الثالث
بلفظ: ((اثنان فما فوقهما جماعة)). (وَصَلَاتَهُ) بالنصب أو بالرفع. (مَعَ الرَّجُلَيْنِ
أَزْكَى) أي: أفضل. (من صلاة مع الرجل) أي: الواحد. (وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَىَ
اللَّهِ) قال ابن الملك: ((مَا)) هذه موصولة والضمير عائد إليها، وهي عبارة عن
الصلاة، أي: الصلاة التي كثر المصلون فيها فهو أحب، وتذكير ((هُوَ)) باعتبار لفظ
((ما))، انتهى.
ولفظ النسائي: وما كانوا أكثر فهو أحب إلى الله. قال السندي: أي: قدر كانوا
أكثر، فذلك القدر أحب مما دونه. وفي رواية لأحمد: وما كان أكثر فهو أحب إلى
الله، وذكره المنذري في ((الترغيب)) بلفظ: ((كلما كثر فهو أحب إلى الله))، وفيه أن
ما كثر جمعه فهو أفضل مما قل جمعه، وأن الجماعات تتفاوت في الفضل وإن
كونها تعدل سبعًا وعشرين صلاة يحصل لمطلق الجماعة، وأحاديث التضاعف إلى
هذا المقدار لا ينفي الزيادة في الفضل لما كان أكثر، لاسيما مع وجود النص
المصرح بذلك، كما في هذا الحديث، ففيه رد على من ذهب إلى القول بتساوى
الجماعات في الفضل سواء كثرت الجماعة أو قلت، واستدل بقوله: ((أَزْكَى)) على
عدم وجوب الجماعة؛ لأنَّ صيغة أفعل تدل على الاشتراك في أصل الزكاء،
والمشترك هاهنا لابد أن يكون هو الإجزاء والصحة، وإلا فلا صلاة فضلاً عن
الزكاء؛ لأن ما لا يصح لا زكاء فيه، وقد تقدم الكلام في ذلك مبسوطًا. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ) وسكت عنه. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ : ص ١٤٠) وابن خزيمة
وابن حبان في (صحيحيهما)) والحاكم (ج١: ص٢٤٧) والبيهقي (ج ٣: ص ٦١ -
٦٨ و١٠٢) قال المنذري في ((الترغيب)): وقد جزم يحيى بن معين والذهلي بصحة
هذا الحديث. وقال الشوكاني: صححه ابن السكن والعقيلي والحاكم، وأشار ابن
المديني إلى صحته. وقال الحافظُ: وله شاهد قوي في الطبراني من حديث قباث
ابن أشيم ولفظه: قال رسول اللَّه وَالَ: ((صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى
عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة
ثمانية تترى))، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى. قال
المنذري في ((الترغيب)): رواه البزار والطبراني بإسناد لا بأس به. وقال الهيثمي بعد
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٦٧
عزوه إلى البزار والطبراني في ((الكبير)): ورجال الطبراني موثقون، انتهى.
وأخرجه أيضًا البخاري في ((تاريخه)) والبيهقي (ج ٣: ص٦١).
١٠٧٤ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: «مَا مِنْ
ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ، لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ،
فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذُّتْبُ الْقَاصِيَةَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ] {حسن}
الشّرْحُ
١٠٧٤ - قوله: (مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ) أي: رجال، وتقييده بالثلاثة المفيد ما فوقهم
بالأولى نظرًا إلى أقل أهل القرية غالبًا، ولأنه أقل الجمع، وأنه أكمل صور
الجماعة وإن كان يتصور باثنين، قاله القاري. (فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ) بفتح الباء وسكون
الدال أي: بادية. قال في ((القاموس)): البدو والبادية والباداة والبداوة خلاف
الحضر. (لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ) أي: الجماعة. (إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ)
أي: غلبهم واستولى عليهم وحولهم إليه فأنساهم ذكر الله، وهذه كلمة مما جاء
على أصله بلا إعلال خارجة عن أخواتها كاستقال واستقام. (فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ)
أي: الزمها فإن الشيطان بعيد عن الجماعة ويستولي على من فارقها. قال الطيبي:
قوله: (فعليك)) من الخطاب العام تفخيمًا للأمر، والفاء مسببة عن قوله: ((قَدٍ
اسْتَحْوَذَ)) والفاء في قوله: (فَإِنَّمَا) مسببة عن الجميع يعني إذا عرفت هذه الحالة
فاعرف مثاله في الشاهد. (يَأْكُلُ الذُّتْبُ الْقَاصِيَةَ) أي: الشاة المنفردة عن القطيع
البعيدة عنه لبعدها عن راعيها، فإن عين الراعي تحمي الغنم المجتمعة. قيل:
المراد أن الشيطان يتسلط على من يخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقيل :
عن طاعة الإمام المجتمع على أمره وإطاعته والأوفق بالحديث أن المنفرد ما ذكره
السائب بن حبيش أحد رواة هذا الحديث عند النسائي والبيهقي بقوله: يعني:
((بالجماعة)) الجماعة في الصلاة، أي: يتسلط على من يعتاد الصلاة بالانفراد ولا
(١٠٧٤) أَبُو دَاوُد (٥٤٧)، وَالنَّسَائِي (٢/ ١٠٦) عَنْهُ فِيهَا .
٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يصلي مع الجماعة، وهو الذي فهمه أبو داود والنسائي حيث بوبا عليه: ((باب
التشديد في ترك الجماعة))، وبوب عليه البيهقي: ((باب فرض الجماعة في غير
الجمعة على الكفاية)). والحديث استدل به على وجوب الجماعة؛ لأن استحواذ
الشيطان وهو غلبته إنما يكون بما يكون معصية كترك الواجب دون السنة. قال
القاري: ظاهر الحديث يدل على أن الجماعة فرض عين أو واجب على مختار
مذهبنا، ولا يدل على أنها فرض كفاية وإنما قيد بالثلاثة؛ لأنها أقل كمال الجماعة
في غير الجمعة، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا
ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))، والحاكم (ج١ : ص٢٤٦) وصححه،
والبيهقي (ج٣: ص٥٤) وقال النووي: إسناده صحيح. قال المنذري في
((الترغيب)): وزاد رزين في ((جامعه)): وإن ذئب الإنسان الشيطان إذا خلا به أكله.
١٠٧٥ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَل: ((مَنْ سَمِعَ
الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ اتَّبَاعِهِ عُذْرٌ)) قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: ((خَوْفٌ، أَوْ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارُقُطْنِي ] {ضعيف}
مَرَضٌ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى)).
الشّرْجُ
١٠٧٥ - قوله: (مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ) أي: نداء المؤذن للصلاة المكتوبة. (فَلَمْ
يَمْنَعْهُ) أي: السامع قال ابن الملك: فيه حذف اعتمادًا على المعنى أي: فلم يتبعه
ولم يمنعه. (مِنَ اتِّبَاعِهِ) أي: اتباع المنادي بحضور المسجد للجماعة. قال ابن
حجر: أي من إتيانه إلى الجماعة التي دعي إليها، والتقييد بسماع النداء بالجماعة
التي يسمع مؤذنها جري على الغالب؛ لأن الإنسان إنما يذهب إلى الجماعة التي
يسمع مؤذنها، وإلا فلو ذهب لجماعة لم يسمع مؤذنها فقد أتى بالفرض، ولو لم
يسمع المؤذن ولا عذر له لم يسقط عنه الفرض؛ إذ عدم سماعه المؤذن ليس من
الأعذار، والحاصل: أن المراد من لزمه حضور الجماعة ولم يمنعه من المجيء
(١٠٧٥) أَبُو دَاوُد (٥٥١) فِيهَا، وَفِيهِ أَبُو جَنَابٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
٤٦٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
إليها. (عُذْرٌ) أي: نوع من الأعذار. (قَالُوا) أي: الصحابة للنبي وَّ. (قَالَ) أي :
النبيِ وَلَّه. (خَوْفٌ) أي: هو خشية على نفسه أو عرضه أو ماله. وقيل: خوف
ظلمه، وقد سبق أن من الأعذار المطر والبرد والريح وحضور الطعام ومدافعة
الأخبثين. (لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ) أي: من السامع القاعد في بيته من غير عذر. قال الطيبي:
((من سمع)) مبتدأ و((لم تقبلٍ)) خبرِه، يعني: وقع السؤال والجواب معترضين بين
الشرط والجزاء. (الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى) كذا في ((سنن أبي داود)) و ((سنن الدار قطني))،
وفي نسخ ((المصابيح)) ((صَلَّاهَا)) قال في ((شرح السنة)): اتفقوا على أن لا رخصة في
ترك الجماعة لأحد إلا من عذر لهذا الحديث والحديث الذي سبق؛ ولقوله تعالَلد
لابن أم مكتوم: ((فأجب))، قال الحسن: إن منعته أُمُّهُ عن العشاء الآخرة في
الجماعة شفقةً عليه؛ لم يطعها. وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة
والجماعات سمع النداء أو لم يسمع، قال النووي: في حديث الكهان والعراف
معنى عدم قبول الصلاة أن لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه
كالصلاة في الدار المغصوبة تسقط الفرض ولا ثواب فيها. (رواه أبو داود
والدارقطني) وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٢٤٥، ٢٤٦) والبيهقي (ج٣:
ص ٧٥) كلهم من طريق أبي جناب الكلبي عن مغراء العبدي عن عدي بن ثابت عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأبو جناب بجيم ونون خفيفتين يحيى بن أبي حية
الكلبي، ضعيف ومدلس وقد عنعن. قال الحافظُ: وقد رواه قاسم بن أصبغ في
((مسنده) موقوفًا ومرفوعًا من حديث شعبة عن عدي بن ثابت به، ولم يقل في
المرفوع: إلا من عذر، انتهى.
ورواه بقي بن مخلد وابن ماجه وابن حبان من طريق هشيم بن بشير عن شعبة
والدار قطني (ص١٦١) والحاكم (ج١: ص٢٤٥) ومن طريقه البيهقي (ج٣:
ص٥٧) ومن طريق قراد أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان وهشيم بن بشير عن شعبة
مرفوعًا، وزادوا في رواياتهم: إلا من عذر، وقد ذكره المصنف في الفصل
الثالث. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد أوقفه غندر
وأكثر أصحاب شعبة، وهشيم وقراد أبو نوح ثقتان، فإذا وصلاه فالقول فيه قولهما،
ثم ذكر لهما متابعين وهما: سعيد بن عامر، وداود بن الحكم عن شعبة، ثم أخرج
رواية مغراء العبدي متابعة لشعبة، ثم أخرج له شواهد منها عَنْ أَبِي مُوسَى
٤٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأَشْعَرِيِّ مرفوعًا بلفظ: ((من سمع النداء فارغًا صحيحًا فلم يجب فلا صلاة له))،
ورواه البزار مرفوعًا وموقوفًا، وصحح البيهقي وقفه، وقال بعد رواية حديث ابن
عباس من طريق قراد أبي نوح عن شعبة مرفوعًا، وكذلك رواه هشيم بن بشير عن
شعبة، ورواه الجماعة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا على ابن عباس،
ورواه مغراء العبدي عن عدي بن ثابت مرفوعًا، وروي عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ
مسندًا وموقوفًا، والموقوف أصح، انتهى.
١٠٧٦ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَله
يَقُوْلُ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ، فَلْيَبْدَأُ بِالْخَلَاءِ».
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِي وَرَوَى مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٠٧٦ - قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَرْقَمَ) بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن
زهرة القرشي الزهري صحابي معروف، أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي ◌َّ ثم لأبي
بكر وعمر، وكان على بيت المال أيام عمر ثم عثمان، ثم استعفى عثمان فأعفاه،
وكان جده عبد يغوث خال النبي وّل، كانت آمنة بنت وهب أمه وَلّ عمة أبيه
الأرقم، قال السائب بن يزيد وعبد الله بن عتبة: ما رأيت أخشى لله من عبد الله بن
أرقم. وقال عبد الله بن الزبير: إن النبي ◌َّ استكتب عبد الله بن الأرقم، وكان
يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك
فيكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج٥ :
ص١٤٦): روى له الأربعة حديثًا واحدًا في البداءة بالخلاء لمن أراد الصلاة،
ويقال: ليس له مسند غيره، قال ذلك البزار في ((مسنده)). وقال الخزرجي في
((الخلاصة)): له أحاديث وعندهم، أي: عند الأربعة فرد حديث. وقال المنذري في
((مختصر السنن)): روى عن النبي وَخلال حديثًا واحدًا، ليس له في هذه الكتب سوى
(١٠٧٦) أَبُو دَاوُد (٨٨)، والتِّرْ مِذِي (١٤٢)، والنَّسَائِي (٢/ ١١٠)، وابن مَاجَهْ أيضًا (٦١٦) عَنْ عَبْدِ الله
ابْنِ الأَرْقَمِ فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٧١
هذا الحديث. توفي في خلافة عثمان، وكذا ذكره البخاري في ((التاريخ الصغير))،
ووقع في ((ثقات ابن حبان)): أنه توفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وهو
وهم فاحش. (وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلاَءَ) أي: وجد أحدكم احتياجه إلى البراز.
(فَلْيَبْدَأُ بِالْخَلَاءِ) أي: فليبدأ بما احتاج إليه من قضاء الحاجة فيفرغ نفسه ثم يرجع
فيصلي؛ لأنه إذا صلى قبل ذلك تشوش خشوعه واختل حضور قلبه، فيجوز له ترك
الجماعة لهذا العذر، ولفظ الشافعي: ((ووجد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط)).
ولفظ مالك: ((إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)). ولفظ أبي داود: ((إذا
أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء)). والحديث فیه: دليل
على أنه لا يقوم إلى الصلاة وهو يجد شيئًا من الغائط والبول. قال في ((الشرح
الكبير)) (ص): يكره أن يصلي وهو حاقن سواء خاف فوت الجماعة أو لا، لا نعلم
فيه خلافًا وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، لرواية عائشة عند مسلم.
يعني التي تقدمت في الفصل الأول ولأن ذلك يشغله عن خشوع الصلاة، فإن
خالف وفعل صحت صلاته. أي: إن أكملها ولم يترك شيئًا من فرائضها وهو قول
أبي حنيفة والشافعي، وقال ابن أبي موسى: إن من به من مدافعة الأخبثين ما
يزعجه ويشغله عن الصلاة أعاد في الظاهر من قوله. وقال مالك: أحب إلى أن يعيد
إذا شغله ذلك لظاهر الخبر. ولنا أنه إن صلى بحضرة الطعام وقلبه مشغول بشيء
من الدنيا صحت صلاته كذا هاهنا، وخبر عائشة أريد به الكراهة، بدليل ما لو صلى
بحضرة الطعام. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام،
فأكمل صلاته أن صلاته تجزئه، فكذلك إذا صلى حاقًا، انتهى.
واختلفوا في تعليل هذا الحكم، فقيل: لأنه يشغل القلب ولا يوفي الصلاة حقها
من الخشوع. وقيل: العلة فيه انتقال الحدث، وانتقال الحدث سبب لخروجه، فلا
يكون أقل من مس الذكر. وقيل: لأنه حامل للنجاسة؛ لأنها متدافعة للخروج،
فإذا أمسكها قصدًا فهو كالحامل لها، والظاهر هو الأول. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال
حديث حسن صحيح.
(وَرَوَى مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٤٨٣، ج٤:
ص٣٥) والشافعي والدارمي والبيقهي (ج٣: ص٧٢) وابن خزيمة وابن حبان
والحاكم (ج ١: ص١٦٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وفيه
٤٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قصة كما سيأتي، كلهم من طريق هشام عن عروة عن عبد الله بن أرقم، ورواه
بعضهم عن هشام عن عروة عن رجل عن عبد الله، ورجح البخاري فيما حكاه
الترمذي في ((العلل المفرد)) رواية من زاد فيه عن رجل، ومال الترمذي إلى ترجيح
الرواية الأولى أي: رواية من قال عن عروة عن عبد الله، حيث قال بعد رواية
الحديث من طريق أبي معاوية عن هشام عن عروة عن ابن أرقم هذا حديث حسن
صحيح، هكذا روى مالك ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن أرقم، وروى وهيب وغيره عن هشام عن أبيه
عن رجل عن عبد الله بن أرقم، انتهى.
وحكى نحوه أبو داود أيضًا قال بعد روايته من طريق زهير عن هشام عن أبيه عن
ابن أرقم: روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبو ضمرة هذا الحديث عن
هشام بن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن الأرقم، والأكثر الذي رووه
عن هشام قالوا كما قال زهير، انتهى. وقال الزرقاني في ((شرح الموطأ)) (ج١ :
ص٢٨٨) قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في هذا الإسناد. أي في روايته
عن هشام عن عروة عن ابن أرقم وتابعه زهير بن معاوية، وسفيان بن عيينة، وحفص
ابن غیاٹ، ومحمد بن إسحاق، وشجاع بن الوليد، وحماد بن زيد، وو کیع، وأبو
معاوية، والمفضل بن فضالة، ومحمد بن كنانة، کلهم رووه عن هشام، كما رواه
مالك. ورواه وهيب بن خالد، وأنس بن عياض، وشعيب بن إسحاق، عن هشام
ابن عروة، عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن الأرقم، فأدخلوا بين عروة وبين
عبد الله بن الأرقم رجلًا، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب بن موسى عن
هشام بن عروة عن أبيه قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم
الزهري، فأقام الصلاة ثم قال: صلوا وذهب لحاجته، فلما رجع قال إن رسول الله
وَالر قال: ((إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط))، فهذا الإسناد
يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه متصلة لتصريحه بأن عروة سمعه من عبد الله بن
الأرقم، وابن جريج وأيوب ثقتان حافظان، انتهى.
٤٧٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
١٠٧٧ - [١٩] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ثَلَاثٌّ لَا يَحِلُّ
لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمَّنَّ رَجُلٌ قَوْمًا، فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ
ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلَِّكَ فَقَدْ
خَانَهُم، وَلَا يُصَلَّي وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوَهُ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٠٧٧ - قوله: (ثَلَاثٌ) أي: ثلاث خصال بالإضافة، ثم حذف المضاف إليه
ولهذا جاز الابتداء بالنكرة. (لَا يَحِلَّ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ) المصدر المنسبك من ((أَنْ)) والفعل
فاعل ((يَحِلَّ)) أي: لا يجوز فعلهن. (لَا يَؤُمَّنَّ) بنون التأكيد في جميع النسخ وهكذا
في ((جامع الأصول)) (ج٦: ص٣٨٧) ووقع في ((المصابيح)): (لَا يُؤَمُّ)) بغير النون
كما في أبي داود. وقوله: ((لَا يُؤَمُّ) بالرفع نفي بمعنى النهي، ويجوز أيضًا فتح
الميم على الجزم بالنهي. (فَيَخُصَّ) بالنصب للجواب. وقال المناوي: منصوب
بأن المقدرة لوروده بعد النفي على حد: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾. قيل: ويجوز
الرفع عطفًا على لا يؤم. (نَفْسَهُ) مفعول ليخص. (بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ) أي: دون
مشاركتهم في دعائه. (فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ) وفي ((المصابيح)): ((فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ
خَانَهُمْ)) أي: بدون لفظ ذلك، وكذا في أبي داود و((جامع الأصول)). قال الطيبي:
نسب الخيانة إلى الإمام؛ لأن شرعية الجماعة ليفيض كل من الإمام والمأموم
الخير على صاحبه ببر كة قربه من الله تعالى، فمن خص نفسه فقد خان صاحبه. قال
القاري: وإنما خص الإمام بالخيانة فإنه صاحب الدعاء، وإلا فقد تكون الخيانة من
جانب المأموم، وفيه دليل على كراهة أن يخص الإمام نفسه بالدعاء في الصلاة ولا
يشارك المأمومين فيه، فإن قُلتَ: قد ثبت أنه وَ ل ◌ّ كان يدعو في صلاته وهو إمام
بلفظ الإفراد، كما في دعاء الافتتاح والركوع والسجود والتشهد وغير ذلك. قلتُ:
ذكروا في دفع هذا الاختلاف وجوهًا: منها: أن حديث ثوبان هذا موضوع. قال ابن
(١٠٧٧) أَبُو دَاوُد (٩٠) فِي الطَّهَارَةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٧)، وَابن مَاجَهْ (٩٢٣) فِي الصَّلاَةِ عَنْ ثَوْبَانَ.
٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
خزيمة في ((صحيحه)) وقد ذكر حديث: ((اللهم باعد بيني وبين خطاياى ... ))
الحديث. قال: في هذا دليل على رد الحديث الموضوع: ((لا يؤم عبد قومًا فيخص
نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم))، حكى ذلك عنه ابن القيم في ((زاد
المعاد)). وفيه: أن الحكم على هذا الحديث بأنه موضوع ليس بصحيح، بل هو
حسن كما سيأتي. ومنها: أنه مختص بالقنوت ونحوه. قال ابن القيم: سمعت شيخ
الاسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام لنفسه
وللمأمومین ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه، انتهى.
وقال العزيزي: هذا في دعاء القنوت خاصة بخلاف دعاء الافتتاح والركوع
والسجود والجلوس بين السجدتين والتشهد، انتهى. ولذلك استحب الشافعية
والحنابلة للإمام أن يقول في دعاء القنوت المروي عن الحسن بن علي: ((اللهم
اهدنا فيمن هديت))، بضمير الجمع مع أن المشهور في حديثه: ((اللهم اهدني))
بإفراد الضمير، إلا في رواية البيهقي في قنوت الصبح، فإن فيها: ((اللهم اهدنا))
بضمير الجمع. ومنها: أن معناه تخصيص نفسه بالدعاء في الصلاة والسكوت عن
المقتدين. ومنها: أن المراد نفيه عنهم كارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، ولا
شك أن هذا ممنوع. ومنها: أن المراد بالتخصيص المنهي عنه هو أن ينوي الإمام
بالأدعية الواردة بلفظ الإفراد نفسه خاصة ولا ينوي بها العموم والشمول لنفسه
وللمقتدين. قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): قول الشافعية وغيرهم أنه يستحب
للإمام أن يقول: ((اللهم اهدنا)) بجمع الضمير فيه أنه خلاف المأثور، والمأثور إنما
هو بإفراد الضمير، فالظاهر أن يقول الإمام بإفراد الضمير أي: في دعاء القنوت
وغيره كما ثبت لكن لا ينوي به خاصة نفسه، بل ينوي به العموم والشمول لنفسه
ولمن خلفه من المقتدین، انتهى.
قلتُ: قد ورد دعاء القنوت بضمير الجمع من حديث ابن عباس عند البيهقي في
(السنن الكبرى)) (ج٢: ص٢١٠) فقد روى من طريق الوليد بن مسلم عن ابن
جريج عن ابن هرمز عن يزيد بن أبي مريم عن عبد الله بن عباس قال: كان
رسول اللَّه وَ ل يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح: ((اللهم اهدنا
فيمن هديت ... )) إلخ، لكن الأكثر الأشهر هو إفراد الضمير في هذا الدعاء، وفي
صحة حديث ابن عباس عندي نظر. (وَلَا يَنْظُرُ) بالرفع ويجوز الجزم. (فِي قَعْرِ
٤٧٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
بَيْتٍ) بفتح القاف وسكون العين أي داخل مكان مستور للغير. (قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ)
بالبناء للفاعل أي: أهله فيؤذن. قال ابن الملك: احترازًا أن يقع نظره على العورة.
(فَإِنْ فَعَلَ) أي: فإن نظر فيه قبل الاستيذان من جحر أو غيره. (فَقَدْ خَانَهُمْ) قال
الطيبي: شرعية الاستيذان لئلا يهجم قاصد على عورات البيت، فالنظر في قعر
البيت خيانة. قلتُ: وفي ((المصابيح)) وأبي داود و((جامع الأصول)) ((فَقَدْ دَخَلَ)) بدل
قوله: ((فَقَدْ خَانَهُمْ)) أي: فقد ارتكب إثم من دخل البيت بغير استئذان. قال ابن
العربي: الاطلاع على الناس حرام بالإجماع. فمن نظر في داره فهو بمنزلة من
دخل داره. (وَلَا يُصَلِّ) بكسر اللام المشددة وحذف حرف العلة للجزم. وفي بعض
النسخ ولا يصلي أي بإثبات الياء، وكذا وقع في المصابيح وأبي داود وجامع
الأصول. (وَهُوَ حَقِنٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر القاف، أي: وهو يؤذيه الغائط أو
البول، والجملة حال. قال الجزري: الحاقن والحقن بحذف الألف بمعنى،
والحاقن: هو الذي حبس بوله مع شدته، والحاقب: هو الحابس للغائط، والمراد
هنا بالحاقن: ما يعم حبس الغائط، وهو من باب الاكتفاء. (حَتَّى يَتَخَفَّفَ) بمثناه
تحتية مفتوحة ففوقية أي: يخفف نفسه بخروج الفضلة ويزيل ما يؤذيه من ذلك.
قلتُ: فإن فعل ذلك فقد خان نفسه. قال الطيبي: الصلاة مناجاة وتقرب إلى الله
سبحانه واشتغال عن الغير، والحاقن كأنه يخون نفسه في حقها، ولعل توسيط
الاستيذان بين حالتي الصلاة للجمع بين مراعاة حق الله تعالى وحق العباد، وخص
الاستيذان أي من حقوق العباد؛ لأن من راعى هذه الدقيقة فهو بمراعاة ما فوقها
أحرى، انتهى .
والحديث قد استدل به من ذهب إلى فساد صلاة من صلى وهو حاقن وإن أكمل
صلاته ولم يترك فرضًا من فرائضها خلافًا للجمهور. قال ابن رشد: والسبب في
اختلافهم، اختلافهم في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم ليس يدل على
فساده وإنما يدل على تأثيم من فعله فقط إذا كان أصل الفعل الذي تعلق النهي به
واجبًا أو جائزًا؟ وقد تمسك القائلون بفساد صلاته بحديث رواه الشاميون، منهم
من يجعله عن ثوبان، ومنهم من يجعله عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ◌َلَةٍ: ((لا
يحل لمؤمن أن يصلي وهو حاقن جدًا)). قال أبو عمر بن عبد البر: وهو ضعيف
السند لا حجة فيه، انتهى.
٤٧٦
ENTSE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلتُ: حديث ثوبان هذا ليس بضعيف بل صحيح أو حسن كما ستعرف، فهو
حجة بلا شك، لكن في الاستدلال به على فساد صلاة الحاقن نظر، وأما كراهة
صلاة الحاقن وكونه آئمًا فلا خفاء فيه. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوَهُ) وأخرجه
أيضًا أحمد (ج٥ ص ٢٨٠) وابن ماجه والبيهقي (ج ٣ ص ١٨٠) وحديث ابن ماجه
مختصر، كلهم من طريق يزيد بن شريح الحضر مي عن أبي حي المؤذن عن ثوبان،
وقد سکت علیه أبو داود.
وقال الترمذي: حديث حسن. واختلف فيه على يزيد بن شريح، فرواه حبيب بن
صالح عن يزيد عن أبي حي عن ثوبان. أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن
ماجه والبيهقي، وروى ثور بن يزيد الكلاعي عن يزيد عن أبي حي عن أبي هريرة،
أخرجه أبو داود والبيهقي، وروى معاوية بن صالح عن السفر بن نسير عن يزيد عن
أبي أمامة. أخرجه أحمد (ج٥ ص٢٥٠، ٢٦٠، ٢٦١) وفي الرواية الأخيرة زيادة
نصها: فقال شيخ لما حدثه يزيد: أنا سمعت أبا أمامة يحدث بهذا الحديث.
أخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير)) كما في ((مجمع الزوائد)) (ج ٢ ص٧٩، ٨٩، ج٨
ص٤٣) ورواه ابن ماجه والبيهقي مختصرًا. ومدار الحديث في طرقه كلها على
يزيد بن شريح كما ترى، وهو ثقة، فقيل: يحتمل أن يكون سمعه من الطرق الثلاث
وحفظه. وقيل: بل اضطراب حفظه فيها ونسي، فيكون الحديث ضعيفًا بطرقه
الثلاث للاضطراب في السند. وقيل: طريق ثوبان أرجح. قال الترمذي بعد ذكر
طريق أبي أمامة وأبي هريرة تعليقًا: وكان حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن
عن ثوبان في هذا أجود إسنادًا وأشهر، انتهى.
ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره. وقيل: رواية السفر بن نسير عنه عن
أبي أمامة أرجح؛ لما جاء عند أحمد (ج٥ ص٢٦١) من المتابعة من شيخ مبهم
يحكي أنه سمعه من أبي أمامة كما تقدم، وفيه: أن السفر بن نسير ضعيف كما
صرح به الحافظ في ((التقريب))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد))، وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، وقال الدار قطني: لا يعتبر به، والمتابع له عند أحمد مبهم، ففي كون
رواية السفر أرجح من رواية حبيب بن صالح وثور بن يزيد نظر قوي، وسكوت أبي
داود عن حديثي ثوبان وأبي هريرة بعد روايتهما يدل على أن هذين الطريقين
محفوظان صالحان للاحتجاج عنده، وإلیه یمیل قلبي، وفي کون حديث ثوبان
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٧٧
أجود سندًا من حديث أبي هريرة كلام عندي، فإن ثور بن يزيد أوثق وأثبت من
حبيب بن صالح. والله أعلم.
١٠٧٨ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ: ((لَا تُؤَخِّرُوا
الصَّلَاةَ لِطَّعَامِ، وَلَا لِغَيْرِهِ) .
[رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))] (ضعيف)
الشَّرْخُ
١٠٧٨ - قوله: (لَا تُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ) أي: عن وقتها. (لِطَعَام، وَلَا لِغَيْرِهِ)
كالحقن، قال التُّرْ بَشْتِي: المعنى: لا تؤخروها عن وقتها، وإنما حملَناه على ذلك
دون التأخير على الإطلاق لقوله وَّر: ((إِذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة ... ))
الحديث. فجعل له تأخير الصلاة مع بقاء الوقت. وعلى هذا فلا اختلاف بين
الحديثين. قال الطيبي: ويمكن أن يكون المعنى: لا تؤخروا الصلاة لغرض
الطعام، لكن إذا حضر الطعام أخروها للطعام، قدمت للاشتغال بها عن الغير
تبجيلًا لها، وأخرت تفريغًا للقلب عن الغير تعظيمًا لها. قال القاري: حاصله أن
الصلاة مقدمة على جميع الأمور بالذات وغاية الأمر أن بعض الأمور يتقدم عليها
لتحصيل كمالها إذا وسع الوقت، وأما عند ضيق الزمان فيجب تقديمها، فيكون في
تقديم الأمور وتأخيرها تقديم لأمر الصلاة تبجيلاً لها.
قال الطيبي: والوجه أن النهي في الحقيقة وارد على إحضار الطعام قبل أداء
الصلاة، أي: لا تتعرضوا لما أن حضرت الصلاة تؤخروها لأجله من إحضار
الطعام والاشتغال بغيرها، انتهى
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٤ ص ٢٤٢، ٢٤١): وجه الجمع بين الحديثين :
أن حديث ابن عمر إنما جاء فيمن كانت نفسه تنازعه شهوة الطعام وكان شديد
التوقان إليه، فإذا كان كذلك وحضر الطعام وكان في الوقت فضل بدأ بالطعام
لتسكن شهوة نفسه، فلا يمنعه عن توفية الصلاة حقها، وكان الأمر يخف عندهم
(١٠٧٨) أَبُو دَاوُد (٣٧٥٨) عَنْهُ فِي الصلاة.
٤٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في الطعام وتقرب مدة الفراغ منه، إذ كانوا لا يستكثرون منه ولا ينصبون الموائد
ولا يتناولون الألوان، وإنما هو مذقة من لبن أو شربة من سويق أو كف من تمر أو
نحو ذلك، ومثل هذا لا يؤخر الصلاة عن زمانها ولا يخرجها عن وقتها. وأما
حديث جابر فهو فيما كان بخلاف ذلك من حال المصلي وصفة الطعام ووقت
الصلاة، وإذا كان الطعام لم يوضع وكان الإنسان متماسكًا في نفسه وحضرت
الصلاة وجب أن يبدأ بها ويؤخر الطعام. وهذا وجه بناء أحد الحديثين على الآخر،
انتهى .
(رَوَاهُ) أي: البغوي. (في شرح السنة) وأخرجه أيضًا أبو داود في الأطعمة،
وسكت عنه .
وقال المنذري: في إسناده محمد بن ميمون أبو النضر الكوفي الزعفراني
المفلوج. قال أبو حاتم الرازي: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال
الدار قطني: ليس به بأس. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة الرازي:
كوفي لين. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق
الثقات، فكيف إذا انفرد بأوابده، انتهى.
قلتُ: ووثقه أبو داود، وقال النسائي: منكر الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد:
حديثه ليس بالقائم، له عند أبي داود هذا الحديث الواحد.
وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق له أوهام. فالظاهر: أن حديثه هذا ليس مما
لا يعتبر به. وأخرجه البيهقي (ج٣ ص٧٤) كان رسول اللّه ◌َ ل لا يؤخر الصلاة
لطعام، ولا لغيره. وفيه أيضًا محمد بن ميمون.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
٤٧٩
الفصل الثالث
١٠٧٩ - [٢١] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ
عَنِ الصَّلاةِ، إِلا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ، إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ
رَجُلَيْنٍ حتى يَأْتِي الصَّلاةَ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ
مِنْ سُنَّنِ الْهُدَىِ الصَّلاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَنْ
سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ
يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَىِ، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ
أنكم صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّ هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِّكُمْ،
وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلِ يَتَطَهَّرُ، فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثُمّ
يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَّ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا
حَسَنَّةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً وَلَقْدِ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا
مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النَّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، حَتَّى يُقَامَ
فِي الصَّفِّ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠٧٩ - قوله: (لَقَدْ رَأَيْتُنَا) أي: معاشر الصحابة أو جماعة المسلمين. قال
في ((اللمعات)): الرؤية هاهنا بمعنى العلم، ولذا اتحد ضمير الفاعل والمفعول وإن
كانا مختلفين بالإفراد والجمع و((ما يتخلف)) ساد مسد المفعول الثاني، والضمير
الراجع إلى المفعول الأول محذوف، انتهى.
وقال في ((أشعة اللمعات)): كفت ابن مسعود هرآئينه بتحقيق دانستم خودرا
وصحابه دیکر راکه حکم میکردیم باین که بس نمی ماند از نماز با جماعت مکر
منافقي كه بتحقيق معلوم بود وظاهر بود نفاق وى (*) .
(١٠٧٩) مُسْلِم (٦٥٤) عنه في الصَّلاة.
(*) ترجمة العبارة الفارسية: ((قال ابن مسعود: حقًّا، قد عرفت عن نفسي، وعن الصحابة =