Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سجد فيها. وروى الطبراني بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر: أنه
قرأ النجم في الصلاة فسجد فيها، ثم قام فقرأ ((إِذَا زُلْزِلَتْ)). وفي هذا رد على من
زعم أن عمل أهل المدينة استمر على ترك السجود في المفصل مطلقًا، أو في
الصلاة خاصة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي
والبيهقي .
١٠٣٥ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿هَا قَالَ: سَجْدَةُ﴿ِصَّ﴾ لَيْسَ مِنْ
عَزَائِم السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَسْجُدُ فِيهَا.
- وَفِي رَوَايةٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَأَسْجُدُ فِي ﴿صََّ﴾؟ فَقَرَأَ:
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ حَتَّي أَتَى: ﴿فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾ فَقَالَ:
نَبِيُّكُمِ نَّهِ مِمَّن أَمَرَ أَنَ يَقْتَدِيَ بِهِم(*).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٠٣٥ - قوله: (سَجْدَةُ ﴿صَ﴾) بسكون أو فتح أو کسر، بتنوین وبدونه. وقد
تكتب ثلاثة أحرف باعتبار اسمها، ذكره ابن حجر. قال القاري: والأول أولى لما
عليه الجمهور من القراء. (لَيْسَ) تذكيره؛ لأنها بمعنى السجود. وقال ابن حجر:
أي: ليس فعلها. (مِنْ عَزَائِم السُّجُودِ) أي: ليست مما ورد في السجود فيها أمر ولا
تحريض ولا تحضيض ولاً حث، وإنما ورد بصيغة الإخبار عن داودعلِّلّ بأنه
فعلها، وسجد نبينا وَّل فيها اقتداء به؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام:
٩٠]. وفيه دلالة على أن المسنونات قد يكون بعضها آكد من بعض. قال الحافظُ:
المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلاً، بناء على أن بعض
المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب. وقد روى ابن المنذر وغيره
عن علي بإسناد حسن أن العزائم: ((حم)) و((النَّجْمَ)) و((اقْرَأْ)) و((آلم تَنْزِيلُ)). وكذا
(١٠٣٥) البُخَارِي (١٠٦٩)، وَأَبُودَاوُد(١٤٠٩)، والتِّرْ مِذِي (٥٧٧)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١١١٧٠) فِيهَا
عَنْهُ.
(*) البُخَارِي (٣٤٢١ - ٤٦٣٢) فِي تفسير ﴿صَّ﴾ عَنْهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
٣٦١
ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر. وقيل: ((الأَعْرَافِ)) و((سُبْحَانَ)) و((حم) و((آلم))
أخرجه ابن أبي شيبة، انتهى.
(وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَسْجُدُ فِيهَا) أي: في سجدة ﴿صَّّ﴾ في الصلاة وغيرها.
وفي البخاري في تفسير ﴿صَّّ﴾ من طريق مجاهد، وكذا لابن خزيمة أنه سأل عن
ابن عباس: من أين سجدت في ﴿صَّّ﴾؟ ولفظ ابن خزيمة من أين أخذت سجدة
وَصََّّ﴾ فقال: من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ إلى قوله:
فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةْ﴾، ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية. وفي
رواية الباب أنه أخذه عن النبي وَّر، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يكون استفاده
من الطريقين. قال الشوكاني: وإنما لم تكن السجدة في ﴿صَّ﴾ من العزائم؛ لأنها
وردت بلفظ الركوع، فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي:
للبخاري في أحاديث الأنبياء. (فَقَرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِهِ﴾) أي: من ذرية نوح. (حَتَّى
أَتَّى) أي: وصل قوله تعالى، أو حتى أتى على قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى
اَللَّهُ﴾. (﴿فَبِهُدَنُهُمُ أُقْتَدِةُ﴾) بهاء السكت للجمهور، وبهاء الضمير للشامي قصرًا
ومدًّا، أي: افعل كما فعلوا من تبليغ الرسالة، وتحمل الأذى في سبيلي، قاله ابن
الملك. والظاهر: أن معناه اقتد بسيرهم السنية وأخلاقهم البهية، كذا في
((المرقاة)). (فَقَالَ) أي: ابن عباس للاستدلال على إتيان السجدة، ولاستنباط وجه
سجود النبيِ وَّر فيها من الآية. (نَبِيَّكُمْ وََّ) مبتدأ، خبره. (مِمَّن أَمَرَ أَنَ يَقْتَدِي)
بصيغة المعلوم. (بِهِمْ) أي: بهؤلاء الأنبياء. ومن جملتهم داود، وهو قد سجد لله
تعالى، فأنت أولى بالاقتداء بهم، أو به عليه السلام، فإنه اقتدى بداود، وسجد
فيها. وهذا بإطلاقه أيضًا يشمل الصلاة وغيرها. قال الطيبي: الجواب من أسلوب
الحكيم، أي: إذا كان النبي وَّر مأمورًا بالاقتداء بهم فأنت أولى، وإنما أمر
النبي وَّه بالاقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة، وخصائلهم الحميدة،
وهي نعمة ليس وراءها نعمة، فيجب عليه الشكر لذلك. قال الرازي: الآية دالة
على فضل نبينا ◌َّله على الأنبياء؛ لأنه تعالى أمره بالاقتداء بهداهم، ولابد من
امتثاله بذلك، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وخلائقهم المتفرقة، انتهى
هذا. وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعًا: ((سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنسْجُدُهَا
شُكْرًا))، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث. واستدل الشافعي بقوله: ((شكرًا))
٣٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SE
على أنه لا يسجد فيها في الصلاة؛ لأن سجود الشاكر لا يشرع داخل الصلاة. قال
العيني: لا خلاف بين الحنفية والشافعية في أن ﴿صَّّ﴾ فيها سجدة تفعل، وهو
أيضًا مذهب سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق. غير أن الخلاف في كونها من
العزائم، أم لا؟ فعند الشافعي ليست من العزائم، وإنما هي سجدة شكر تستحب
في غير الصلاة، وتحرم فيها في الصحيح. وهذا هو المنصوص عنده، وبه قطع
جمهور الشافعية. وعند أبي حنيفة وأصحابه هي من العزائم، وهو قول مالك
أيضًا. وعن أحمد كالمذهبين، والمشهور منهما كقول الشافعي، انتهى.
قلتُ: سجدة ﴿صََّ﴾ سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا؛ لما أنعم الله
على داود من قبول التوبة، ومع ذلك فهي سجدة تلاوة أيضًا؛ لأن سجدة التلاوة
ليس سبب مشروعيتها إلا التلاوة. وسبب مشروعية هذه السجدة تلاوة هذه الآية،
التي فيها الإخبار عن هذه النعم على داود. وإطماعنا في نيل مثله. فالحق عندي أن
يسجد في ﴿صَّّ﴾ اتباعًا للنبي وَّ في الصلاة، وخارج الصلاة، لإطلاق
الأحاديث، ويرى أن هذه السجدة ليست من عزائم السجود. كما قال ابن عباس؛
ولا منافاة بين فعله وَّله وبين قول ابن عباس. لأن ابن عباس لم ينف السجود في
﴿صََّّ﴾ بل نفى كونه عزيمة، وفعله وَ لّ لا يدل على كونه من عزائم السجود.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي، وفي الباب
عن أبي سعيد عند أبي داود والحاكم وابن خزيمة وأبي هريرة عند الدار قطني
والطبراني في ((الأوسط)).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
٣٦٣
الفصل الثاني
١٠٣٦ - [٦] عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهِ عَلـ
خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
سَجْدَتَینِ.
الشَّرْحُ
١٠٣٦ - قوله: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ) كذا في
بعض النسخ بلفظ: ((أَقْرَأَني))، وهكذا وقع في ((جامع الأصول)) (ج٦: ص ٣٦١)
وفي بعض نسخ المشكاة، أقرأه أي: عمرًا. وفي ((المصابيح))، عن عمرو بن
العاص، أن النبي ◌َّ أقرأه. وكذا وقع في ((سنن أبي داود)) وابن ماجه والبيهقي
(ج٢: ص٣١٦). (خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) قال الطيبي: أي: حمله أن يجمع في
قراءته خمس عشرة سجدة. (فِي الْقُرْآنِ) قال الجزري في ((النهاية)): إذا قرأ الرجل
القرآن، أو الحديث على الشيخ يقول: أقرأني فلان، أي: حملني أن أقرأ عليه،
انتهى. وفيه دليل على أن مواضع السجود خمسة عشرة موضعًا. وإليه ذهب أحمد
والليث وإسحاق وابن وهب من المالكية، وابن المنذر من الشافعية، وطائفة من
أهل العلم. قال الطيبي: اختلفوا في عدة سجدات القرآن، فقال أحمد: خمس
عشرة، آخذًا بظاهر حديث عمرو بن العاص، فأدخل سجدة ﴿صَّّ﴾ فيها. وقال
الشافعي: أربع عشرة سجدة، منها ثنتان في الحج، وثلاث في المفصل، وليست
سجدة ﴿صَّ﴾ منهن، بل هي سجدة شكر. وقال أبو حنيفة: أربع عشرة، فأسقط
الثانية من الحج، وأثبت سجدة ﴿صَّّ﴾. وقال مالك: إحدى عشرة، فأسقط
سجدة ﴿صَ﴾. وسجدات المفصل، انتهى.
(١٠٣٦) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١٤٠١)، وَابن مَاجَهْ (١٠٥٧) عَنْهُ فِيهَا وَأَخْرَ جَاهُ، وَالتِّرْ مِذِي (٥٦٨) مِنْ
حَدِيثٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ أَبُو دَاوُد رَِفْتَهُ: إِسْنَادُهُ وَاهٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: غَرِيبٌ.
SCHE
٣٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الشيخ في ((شرح الترمذي)) بعد نقل كلام الطيبي: الظاهر هو ما ذهب إليه
الإِمام أحمد، وهو مذهب الشافعي أيضًا على ما حكاه الترمذي، وهو رواية عن
مالك، ومذهب الليث وغيره، كما تقدم. واعلم أن أول مواضع السجود: خاتمة
الأعراف. وثانيهما: عند قوله في الرعد: ﴿بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾. وثالثها: عند قوله في
النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. ورابعها: عند قوله في بني إسرائيل: ﴿وَيَزِيدُهُمْ
خُشُوعًا﴾. وخامسها: عند قوله في مريم: ﴿خَرُواْ سُجَّدًا وَئِكِيًّا﴾ . وسادسها: عند قوله
في الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. وسابعها: عند قوله في الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ
تُفُورًا﴾. وثامنها: عند قوله في النحل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. وتاسعها: عند قوله
في الم تنزيل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وعاشرها: عند قوله في ص: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا
وَأَنَابَ﴾. وعند الحنفية، يسجد عقيب قوله: ﴿وَحُسْنَ مَثَارٍ﴾. الحادي عشر: عند
(@). وقال أبو حنيفة
قوله في حم السجدة: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
والشافعي والجمهور عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾. والثاني عشر، والثالث عشر،
والرابع عشر: سجدات المفصل. والخامس عشر: السجدة الثانية من الحج. كذا
في ((النيل)).
(مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ) وهي ((النَّجْمَ)) و((انْشَقَّتْ)) و((اقْرَأْ))، وقد علم محالها.
(وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَينٍ) أي: وذكر في الحج أو أقرأه في الحج، سجدتين.
أي: عقب ﴿مَا يَشَآءُ﴾ و ﴿تُفْلِحُونَ﴾ .
قال السندي: ومن لا يقول بالثانية يحملها على السجدة الصلاتية لقرانها
بالركوع، ويعتذر عن هذا الحديث بأن في إسناده ابن منين وهو مجهول، كما قاله
ابن القطان، لكن قد جاء أحاديث متعددة في الباب، فيؤيد بعضها بعضًا، بحيث
یصیر الکل حجة، انتهى.
قلت: الظاهر: أن هذا الحديث حسن، كما ستعرف. وأما حمل السجدة الثانية
على سجدة الصلاتية، فسيأتي جوابه مع بسط الكلام في المسألة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا الدار قطني والحاكم والبيهقي، كلهم من طريق الحارث
ابن سعيد العتقي عن عبد الله بن منين عن عمرو بن العاص، وقد سكت عنه أبو
داود والمنذري. وقال الحافظ في ((التلخيص)): حسنه المنذري والنووي، وضعفه
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآن
Bes
٣٦٥
عبد الحق وابن القطان، انتهى.
قال عبد الحق في ((أحكامه)): وعبد الله بن منين لا يحتج به، قال ابن القطان:
وذلك لجهالته، فإنه لا يعرف روى عنه غير الحارث بن سعيد، وهو رجل لا يعرف له
حال، فالحديث من أجله لا يصح. كذا في ((نصب الراية)) (ج٢: ص ١٨٠). قلتُ:
عبد الله بن منين بنون مصغرًا، وثقه يعقوب بن سفيان، كما في ((تهذيب التهذيب))
و((التقريب)). والحارث بن سعيد العتقي، قال الحافظ في ((التقريب)): إنه مقبول.
فالظاهر أن الحديث لا ينحط عن درجة الحسن.
١٠٣٧ - [٧] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: فُضِّلَتْ
سُورَةُ (الحج) بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالُّ: ((نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا
يَقْرَأْهُمَا».
[رواه أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَديثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَويِّ،
وَفِي الْمَصَابِيحِ: ((فَلَا يَقْرَأْهَا)) كَمَا فِيَ شَرْحِ الشُّنَّةِ] (صحيح)
الشّرْحُ
١٠٣٧ - قوله: (فُضِّلَتْ) بتقدير همزة الاستفهام. ففي المسند: ((أَفضِّلَتْ))
وهو بضم الفاء من التفضيل. (وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا) أي: السجدتين. (فَلَا يَقْرَأْهُمَا)
أي: آيتي السجدة. قال العلامة الشيخ أحمد شاكر، في تعليقه على الترمذي (ج ٢ :
ص٤٧١): ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالحديث ظاهر اللفظ، وأن من أتى
على آية السجدة، ولم يرد السجود ترك الآية. وعن ذلك استدل به بعضهم على
وجوب سجود التلاوة. وأجاب بعض القائلين بأنها سنة، بأن ترك تلاوتها؛ لئلا
يتضرر القارئ بترك سنة السجود. وهذا كله عندي غير جيد. بل هو خطأ؛ لأن هذا
الكلام من كلام العرب، لا يراد به ظاهره، إنما هو تقريع وزجر؛ كقوله وَالخلال: ((إذا
لم تستح فاصنع ما شئت)) وأمثال ذلك مما يعرف من فقة كلام العرب ومناحيهم.
وإنما يريد ◌َّليه في هذا الحديث أن يحض القارئ على السجود في الآيتين. فكما أنه
(١٠٣٧) أَبُو دَاوُد (١٤٠٢)، وَالتِّرْ مِذِي (٥٧٨)، وَالحَاكِمُ (١/ ٢٢١) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ؛ قَالَ التِّرْ مِذِي:
لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وَأَوْرَدَه الحَاكِمُ شَاهِدًا.
٣٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لا ينبغي له أن يترك قراءتهما، لا ينبغي له إذا قرأهما أن يدع السجود فيهما، انتهى.
والحديث نص كالحديث السابق أن في سورة الحج سجدتين، وإليه ذهب أحمد
والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وهو قول عمر وعلي وعبد الله بن عمر
وأبي موسى وأبي الدرداء وعمار وأبي عبد الرحمن السلمي، رواه أبو داود
والترمذي، وأبي العالية وزر. وقال ابن عباس: فضلت سورة الحج بسجدتين،
قال ابن قدامة بعد ذكر هؤلاء الصحابة والتابعين: لم نعرف لهم مخالفًا في
عصرهم، فيكون إجماعًا. وقال أبو إسحاق: أدركت الناس منذ سبعين سنة،
يسجدون في الحج سجدتين. وقال ابن عمر: لو كنت تاركًا إحداهما لتركت
الأولى. وذلك لأن الأولى إخبار، والثانية أمر. واتباع الأمر أولى، انتهى.
وروى البيهقي في ((المعرفة))، وأبو داود في ((المراسيل)) عن خالد بن معدان
قال: ((فضلت سورة الحج بسجدتين)). وفي هذا كله رد صريح على أبي حنيفة
وغيره ممكن أنكر السجدة الأخيرة من سورة الحج، محتجًا بأن آخر الحج
السجود فيها سجود الصلاة؛ لاقترانه بالركوع بخلاف الأولى؛ فإن السجود فيها
مجرد عن ذكر الركوع، ولهذا لم يكن قوله تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أُقْنُتِ لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى
[ آل عمران: ٤٣] من مواضع السجدات بالاتفاق. قال ابن
وَأَزْكَعِى مَعَ الَّكِينَ
الهمام: والسجدة الثانية في الحج، للصلاة عندنا؛ لأنها مقرونة بالأمر بالركوع،
والمعهود في مثله من القرآن كونه من أوامر ما هو ركن الصلاة بالاستقراء نحو:
﴿وَأَسْجُدِى وَأَزَكَعِى مَعَ اُلَّكِعِينَ﴾ انتهى.
قلتُ: لا عبرة بمثل هذا الاستقراء والرأي الفاسد، بعد ما ثبت السجدة الأخيرة
من سورة الحج بالأحاديث وآثار الصحابة. فالحق أن في سورة الحج سجدتين،
كما ذهب إليه الشافعي وأحمد. قال الإمام ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (ج٢ :
ص٨): فأما الرأي فيدخل على فساده وجوه. منها: أنه مردود بالنص. ومنها: أن
اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا يخرجه عن كونه موضع سجدة. كما أن
اقترانه بالعبادة التي هي أعم من الركوع لا يخرجه عن كونه سجدة، وقد صح
سجوده في النجم، وقد قرن السجود فيها بالعبادة، كما قرنه بالعبادة في سورة
الحج، والركوع لم يزده إلا تأكيدًا. ومنها: أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن
متناولة لسجود الصلاة، ثم بينها، ثم قال: فإرادة سجود الصلاة بآية السجدة لا
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآن
Sese
٣٦٧
تمنع كونها سجدة، بل تؤكدها وتقويها. ثم ذكر ما يوضح ذلك. ثم قال: وهذا
السجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة هذه الآيات واستماعها؛ وقربة إليه؛
وخضوعًا لعظمته، وتذللا بين يديه. واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكد ذلك
ويقويه، لا يضعفه ويوهيه، وأما قوله تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أُقْنُتِى لِرَبِّكِ ... ﴾ إلخ، فإنما
لم يكن موضع سجدة؛ لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة بعينها أن تديم
العبادة لربها بالقنوت، وتصلي له بالركوع والسجود، فهو خبر عن قول الملائكة
لها ذلك، وإعلام من الله تعالى لنا أن الملائكة قالت ذلك لمريم. فسياق ذلك غير
سیاق آیات السجدات، انتھی.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر))
(ص٢٨٩) وأحمد في (المسند)) (ج٤: ص ١٥١ - ١٥٥) والدار قطني (ص ١٥٧)،
والحاكم (ج١: ص٢٢١ - ج٢: ص ٢٩٠) والبيهقي (ج ٢: ص٣١٧) كلهم من
طريق ابن لهيعة، عن مِشْرَع بن هاعان عن عقبة بن عامر. وقد ذكر الحاكم أنه تفرد
به ابن لهيعة. وأكده الحاكم، بأن الرواية صحت فيه من قول عمر وابنه وابن
مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى وعمار. ثم ساقها موقوفة عنهم.
وأكده البيهقي بما رواه في ((المعرفة)) من طريق خالد بن معدان مرسلاً. (وَقَالَ)
أي: الترمذي. (هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) أي: للكلام الذي يذكر في ابن
لهيعة وابن هاعان. والظاهر أن الحديث حسن، وإسناده قوي. قال ابن القيم:
حديث ابن لهيعة يحتج منه، بما رواه عنه عبادلة كعبد الله بن وهب وعبد الله بن
المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ. قال أبو زرعة: كان ابن المبارك وابن وهب
يتبعان أصوله، وقال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه، مثل ابن
المبارك وابن المقرئ، أصح ممن كتب بعد احتراقها. قال ابن وهب: كان ابن
لهيعة صادقًا. وقد انتقى النسائي هذا الحديث من جملة حديثه، وأخرجه
واعتمده، وقال: ما أخرجت من حديث ابن لهيعة قط إلا حديثًا واحدًا - يعني:
هذا الحديث، ثم ذكره، انتهى كلام ابن القيم مختصرًا.
وهذا الحديث مما رواه عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ مع الآخرين
عن ابن لهيعة، فهو مما يحتج به من أحاديثه. وأما مِشْرَع بن هاعان، فقال الحافظ
في ((التقريب)): إنه مقبول. وقال الذهبي في ((الميزان)): صدوق لينه ابن حبان.
٣٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين: ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
فالظاهر أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن. وقد اعتضد بحديث عمرو بن
العاص المتقدم، وبرواية خالد بن معدان المرسلة، وبآثار الصحابة. وقال ميرك -
كما في المرقاة -: الحديث صحيح. (وفي المصابيح ((فلا يقرأها)) كما في شرح
السنة) أي: بإعادة الضمير إلى السورة. والمعنى أنه لا يقرأها بكمالها، وقيل:
الضمير لآية السجدة. قال ميرك نقلا عن ((التصحيح)): كذا وقع في أكثر نسخ
((المصابيح)): ((فلا يقرأها بغير ميم))، وهو غلط. والذي ثبت في أصول روايتنا:
((فلا يقرأهما بالتثنية))، انتهى.
وقال التُّورْبَشْتِي: كذا وجدناها في نسخ ((المصابيح))، وهو غلط. والصواب
((فلا يقرأهما))، بإعادة الضمير إلى السجدتين، وكذا وجدنا في كتابي أبي داود
والترمذي وغيرهما من كتب أهل الحديث. قلتُ: الأمر كما قال ميرك
والتوربشتي .
١٠٣٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ
قَامَ فَرَكَعَ، فَرَأَوْا أَنَّهُ قَرَأَ تَنْزِيلَّ السَّجْدَةِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
١٠٣٨ - قوله: (سَجَدَ) أي: سجدة التلاوة. (فِي صَلَاةِ الظَّهْرِ) وفي رواية
أحمد، في الركعة الأولى من صلاة الظهر. (ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ) قال ابن الملك: يعني
لما قام من السجود إلى القيام ركع، ولم يقرأ شيئًا من باقي السورة، وإن كانت
القراءة جائزة. قال القاري: بل القراءة أفضل، ولعلها كانت الصلاة تطول، أو
تركها لبيان الجواز، مع أنه لا نص في عدم قراءته ظلَّ آخر السورة، ثم أنه لم
يكتف بالركوع، وإن كان جائز أيضًا، كما هو مذهبنا اختيار للعمل بالأفضل،
انتھی .
(١٠٣٨) أَحْمَد (٨٣/٢)، وَأَبُو دَاوُد (٨٠٧)، وَالحَاكِمُ (٢٢١/١) عَنْهُ فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
٣٦٩
قلتُ: لا بد للقول بالاكتفاء بالركوع عن السجود من دليل من كتاب أو سنة، ولا
يكفي في مثل هذا القياس. (فَرَأَوْا) أي: علموا. (أَنَّهُ قَرَأَ تَنْزِيلَ السَّجْدَةِ) بنصب
تنزيل على المفعولية، وبرفعه على الحكاية. والسجدة مجرورة. ويجوز نصبها
بتقدير: أعني، ورفعها بتقدير: هو. والمعنى: سمعوا بعض قراءته؛ لأنه كان قد
يرفع صوته ببعض ما يقرأ به في الصلوات السرية، ليعلموا سنية قراءة تلك
السورة. والحديث يدل على مشروعية سجود التلاوة في الصلاة السرية. وقد
تقدم الكلام في ذلك .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من طريق معتمر ويزيد بن هارون وهشيم، عن سليمان التيمي،
عن أمية، عن أبي مجلز، عن ابن عمر. قال أبو داود: قال محمد بن عيسى -
يعني: شيخه - لم يذكر أمية أحد إلا معتمر. وسكت عنه المنذري، والحديث
أخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٨٣) والطحاوي والحاكم (ج١: ص٢٢١) لكن
بإسقاط أمية بين سليمان وأبي مجلز. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين،
ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي (ج٢: ص٣٢٢) على الوجهين. قال
الحافظ في ((التلخيص)) (ص١١٤): بعد أن نسب الحديث لأبي داود والحاكم:
وفيه أمية شيخ لسليمان التيمي، رواه له عن أبي مجلز، وهو لا يعرف، قاله أبو داود
في رواية الرملي عنه. وفي رواية الطحاوي عن سليمان عن أبي مجلز، قال: ولم
أسمعه منه، لكنه عند الحاكم بإسقاطه. ودلت رواية الطحاوي على أنه مدلس،
انتهى. وقال الذهبي في ((الميزان)) (ج١: ص١٢٨): أمية عن أبي مجلز لاحق لا
يُدْرَى من ذا. وعنه سليمان التيمي، والصواب إسقاطه من بينهما، انتهى.
وفي ((تهذيب التهذيب)) (ج١: ص٣٧٣): أمية عن أبي مجلز عن ابن عمر في
الصلاة، قاله معتمر بن سليمان عن أبيه. ورواه غير واحد عن سليمان التيمي عن
أبي مجلز، قال الحافظ بعد ذكر قول أبي داود المتقدم في رواية الرملي: ويحتمل
أن هذا تصحيف من أحد الرواة، كان عن المعتمر عن أبيه، فظنه عن أمية، ثم کرر
ذکر أبيه، والله أعلم. لكن وقع عند أحمد عن یزید بن هارون عن سليمان عن أبي
مجلز به، ثم قال: قال سليمان: ولم أسمعه من أبي مجلز. وحكى الدار قطني: أن
بعضهم رواه عن المعتمر. فقال: عن أبيه عن أبي أمية، وزيفه، ثم جوز إن كان
٣٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
eSTE *
محفوظًا أن يكون المراد به عبد الكريم بن أبي المخارق، فإنه يكنى أبا أمية، وهو
بصري، والله أعلم، انتهى.
قلتُ: قد تحصل من هذا كله أن أمية هذا مجهول، وأن معتمر بن سليمان تفرد
بذكره، والصواب أن يكون سليمان عن أبي مجلز بإسقاط أمية بينهما، كما روى
غير واحد من أصحاب سليمان. وكذا وقع عند أحمد والطحاوي والحاكم، وعند
أبي داود والبيهقي أيضًا في رواية غير المعتمر. وأن سليمان لم يسمع هذا الحديث
من أبي مجلز، كما صرح به في رواية أحمد والطحاوي والبيهقي. وأنه دلس في
رواية الحاكم. وعلى هذا فالسند منقطع. وفي تصحيح الحاكم لهذا الحديث
عندي كلام، والله أعلم.
١٠٣٩ - [٩] وَعَنْه، أنه كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ
بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ، وَسَجَدْنَا مَعَهُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْجُ
١٠٣٩ - قوله: (فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ) فيه: أن المستمع
للقرآن إذا قُرِئ بحضرته السجدة، سجد مع القارئ. وفيه: أنه يشرع التكبير
السجود التلاوة. وإليه ذهب الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، سواء كان في
الصلاة أو غيرها. وبه قال مالك: إذا سجد في الصلاة، واختلف عنه في غير
الصلاة، وكان الثوري يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يعجبه لأنه كَبَّرَ؛ أي:
لأن فيه ذكر التكبير. ولم يرد ذكر التكبير لسجود التلاوة إلا في هذا الحديث. وهل
هو تكبير الافتتاح أو النقل؟ قال الأمير اليماني: الأول أقرب، ولكنه يجتزئ بها عن
تكبيرة النقل لعدم ذكر تكبيرة أخرى. وقيل: يكبر له. وعدم الذكر ليس دليلًا.
وقال في ((الشرح الكبير)) (ج١: ص٧٩٣): لا يشرع في ابتداء السجود أكثر من
تكبيرة. وقال الشافعي: إذا سجد خارج الصلاة كبر تكبيرتين للافتتاح والسجود،
كما لو صلى ركعتين. ولنا حديث ابن عمر، وظاهره أنه كبر واحدة، ولأن معرفة
(١٠٣٩) أَبُو دَاوُد (١٤١٣) عنه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
٣٧١
EXASE
ذلك من الشرع، ولم يرد به، ولأنه سجود منفرد، فلم يشرع فيه تكبيران كسجود
السهو، وقياسهم يبطل بسجود السهو. وقياس هذا على سجود السهو أولى من
قياسه على الركعتين لشبه به، ولأن الإحرام بركعتين يتخلل بينه وبين السجود أفعال
كثيرة، فلذلك لم يكتف بتكبيرة الإحرام عن تكبيرة السجود بخلاف هذا، انتهى.
ويشرع أيضًا التكبير لرفع الرأس من سجود التلاوة عند الشافعي وأحمد
وأصحاب الرأي في الصلاة وغيرها، ولا دليل على ذلك إلا اعتباره بسجدة
الصلاة، وبسجود السهو بعد السلام. واختلفوا في رفع اليدين مع تكبير السجود،
فعند الحنفية لا يرفع سواء كان في الصلاة أو غيرها. وقال الشافعي وأحمد: يرفع
يديه في تكبيرة الابتداء إن سجد خارج الصلاة؛ لأنه تكبيرة الإحرام، وإن كان في
الصلاة فكذلك، نص عليه أحمد لما روى وائل بن حجر: أنه رأى النبي وَل يكبر
إذا خفض، ويرفع يديه في التكبير. قال أحمد: هذا يدخل في هذا كله. ورواية
أخرى عنه: لا يرفع يديه في الصلاة، اختاره القاضي قال في ((الشرح الكبير)): وهو
قياس المذهب لقول ابن عمر: وكان لا يفعل ذلك في السجود، متفق عليه. ويتعين
تقديمه على حديث وائل بن حجر؛ لأنه أخص منه، ولذلك قدم عليه في سجود
الصلاة كذلك هاهنا، انتهى.
واختلفوا أيضًا في التشهد والتسليم بعد سجود التلاوة والقيام قبله. فذهبت
الحنفية إلى أنه لا تشهد فيه، ولا تسليم. واختلفوا في القيام، فقيل: يستحب أن
يقوم فيسجد، روي ذلك عن عائشة، ولأن الخرور الذي مدح به أولئك فيه أكمل.
وقيل: لا يستحب القيام. كذا في ((المرقاة)). والمشهور عن أحمد أن التسليم
واجب. وروي عنه أنه لا تسليم فيه، قال أحمد: أما التسليم فلا أدري ما هو؛ لأنه
لم ينقل عن النبي ◌ُّر فيه سلام. واختلف قول الشافعي فيه. وأما التشهد فنص
أحمد على أنه لا يفتقر إليه؛ لأنه لم ينقل عن النبي ◌ُّ ولا عن أحد من أصحابه.
واختار أبو الخطاب أنه يفتقر إلى التشهد قياسًا على الصلاة كذا في ((الشرح
الكبير)).
والحق عندنا: أنه لا يشرع الرفع مع تكبير السجود، سواء كان في الصلاة أو في
غيرها، وكذا لا يشرع فيه التشهد والتسليم والقيام؛ لأن معرفة ذلك من الشارع.
ولم ينقل فيه شيء عن النبي وَّة، ولا يجزئ القياس فيه.
٣٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه البيهقي (ج٢: ص٣٢٥) من طريقه، وسنده لين، لأنه
من رواية عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري. وقد
تكلم فيه غير واحد. وقال الذهبي: صدوق في حفظه شيء. وأخرج له مسلم
مقرونًا بأخيه عبيد الله بن عمر. والحديث أخرجه الحاكم أيضًا، لكن من رواية
أخيه عبيد اللّه المصغر، وهو ثقة، ولهذا قال: حديث صحيح على شرط الشيخين .
ووافقه الذهبي.
قال الحافظُ: وأصله في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر بلفظ آخر.
١٠٤٠ - [١٠] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ
سَجْدَةً، فَسَجَدَ النَّاسُ كُلَّهُمْ، مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ عَلَى الأَرْضِ، حَتَّى إِنَّ
الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٠٤٠ - قوله: (قَرَأَ عَامَ الْفَتْح) أي: فتح مكة. (سَجْدَةً) أي: آية سجدة،
بانضمام ما قبلها أو بعدها، أو منفردًا لبيان الجواز. (وَالسَّاجِدُ) أي: ومنهم
الساجد. (عَلَى الأَرْضِ) متعلق بالساجد، ولما كان الراكب لا يسجد على الأرض
جعل غير الساجد عليها قسيمًا له. ففيه إيماء إلى أن الراكب لا يلزمه النزول
للسجود على الأرض. (حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ) بكسر إن وتفتح. (لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ) أي :
الموضوعة على السرج أو غيره، ليجد الحجم حالة السجدة، قاله القاري،
والحديث نص في جواز سجود الراكب على يده في سجود التلاوة. وهو يدل على
جواز سجود التلاوة، لمن كان راكبًا من دون نزول؛ لأن التطوعات على الراحلة
جائزة، وهذا منها. قال ابن قدامة في ((المغني)) (ج١: ص٦٥٨): إذا كان على
الراحلة في السفر، جاز أن يومئ بالسجود، حيث كان وجهه كصلاة النافلة، فعل
ذلك علي وسعيد بن زيد وابن عمر وابن الزبير والنخعي وعطاء. وبه قال مالك
والشافعي وأصحاب الرأي.
(١٠٤٠) أَبُو دَاوُد (١٤١١)، والحَاكُم (٢١٩/١) عن ابن عمر فيها .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآن
٣٧٣
وقد روى أبو داود عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ◌َ ل قرأ عام الفتح ... الحديث.
ولأنها لا تزيد على صلاة التطوع، وهي تفعل على الراحلة، وإن كان ماشيًا سجد
على الأرض. وبه قال أبو العالية وأصحاب الرأي؛ لما ذكرنا من الحديث
والقياس. وقال الأسود بن يزيد وعطاء ومجاهد: يومئ، وفعله علقمة وأبو
عبد الرحمن السلمي، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي، كلهم من طريق مصعب بن
ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن نافع عن ابن عمر. وقد سكت عنه أبو داود. وقال
الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، فإنهما لم يخرجا عن مصعب بن
ثابت، ولم يذكراه بجرح، وأقره الذهبي. وقال المنذري: في إسناده مصعب بن
ثابت، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة، انتهى.
قلتُ: ضعفه أحمد وابن معين. وقال النسائي والدار قطني: ليس بالقوي. وقال
أبو حاتم: صدوق كثير الغلط ليس بالقوي. وقال الحافظ في ((التقريب)): لين
الحدیث، و کان عابدًا.
١٠٤١ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ
الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
١٠٤١ - قوله: (لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ) قد
احتج به لمالك في ترك السجود في المفصل، وتعقب بأنه حديث ضعيف لا يصلح
للاحتجاج، كما ستعرف. وإن صح لم يلزم منه حجة؛ لأن الأحاديث المقدمة
مثبتة، وهي مقدمة على النفي، ولا سيما مع إجماع العلماء على أن إسلام
أبي هريرة، كان سنة سبع من الهجرة، وهو يقول في حديثه السابق: سجدنا مع
رسول اللَّه ◌َلَه في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ .
(١٠٤١) أَبُو دَاوُد (١٤٠٣) عَنْهُ.
٣٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا ابن السكن في ((صحيحه))، والبيهقي (ج٢ :
ص٣٣) وفي إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد الإيادي البصري، عن مطر
الوراق. وأبو قدامة قال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث. وقال ابن معين:
ضعيف. وقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي؛ يكتب
حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كان ممن كثر وهمه، حتى خرج من جملة من
يحتج بهم إذا انفردوا. وقال الساجي: صدوق عنده مناكير، واستشهد به البخاري
متابعة في موضعين. ومطر الوراق كان سيئ الحفظ، حتى كان يشبه في سوء
الحفظ بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد عيب على مسلم إخراج حديثه،
وقال المنذري: في إسناده أبو قدامة، لا يحتج بحديثه، وقد صح أن أبا هريرة سجد
مع النبي وَّل في السنة السابعة من الهجرة، انتهى.
وقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر. وأبو قدامة ليس بشيء. وأبو هريرة لم
يصحب النبي وَّوَ إِلا بالمدينة، وقد رآه يسجد في ((الانشقاق)) و((الْعَلَقِ))، انتهى.
وقال النووي: حديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به. وقال عبد الحق في
((أحكامه)): إسناده ليس بالقوي، ويروى مرسلًا. والصحيح حديث أبي هريرة -
يعني الذي تقدم آنفًا - وإسلامه متأخر.
١٠٤٢ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يَقُولُ فِي
سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ: ((سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ
بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ،
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] {صحيح }
الشّرْحُ
١٠٤٢ - قوله: (فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ) أي: في سجود التلاوة. (بِاللَّيْل) حكاية
للواقع لا للتقييد به. (سَجَدَ وَجْهِيَ) بفتح الياء وسكونها. (لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ،
(١٠٤٢) أَبُو دَاوُد (١٤١٤)، والتِّرْ مِذِي (٥٨٠)، والنَّسَائِي (٢٢٢/٢)، عَنْ عَائِشَةَ ◌ّ فِي الصَّلَاةِ،
وَصَحَّحَهُ التِّرْ مِذِي، وَالحَاكِمُ (٢٢٠/١).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
٣٧٥
وَبَصَرَهُ) تخصيص بعد تعميم، أي: فتحهما وأعطاهما الإدراك وأثبت لهما الإمداد
بعد الإيجاد. (بِحَوْلِهِ) أي: بصرفه الآفات عنهما. (وَقُوَّتِهِ) أي: قدرته بالثبات،
والإعانة عليهما. والحديث أخرجه الحاكم والبيهقي، وصححه ابن السكن، وقال
في آخره: (ثَلَاثًا))، وزاد الحاكم: ((فَتَبَارََكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) وزاد البيهقي:
((وَصَوَّرَهُ)) بعد قوله: ((خلقه)). ولمسلم نحوه من حديث علي في سجود الصلاة،
وللنسائي أيضًا نحوه من حديث جابر في سجود الصلاة أيضًا. وفيه وفي الحديث
الآتي دليل على مشروعية الذكر في سجود التلاوة بما اشتملا عليه، ويقول ذلك
فيه، في الصلاة فريضة كانت أو نافلة وفي غير الصلاة. ولا حجة لمن حمله على
خارج الصلاة، أو على النافلة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ) وأخرجه أيضًا
الدار قطني والحاكم (ج١ ص٢٢٠)، والبيهقي (ج٢ ص٢٢٥)، وابن السكن،
وسكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) نقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقرَّهُ.
١٠٤٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ
وَلِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُنِيَ اللَّيْلَةً وَأَنَا نَائِمٌ، كَأَنِّي أُصَلِّ خَلْفَ شَجَرَةٍ
فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا
عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا
تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدَِ دَاوُدَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَِّيُّ ◌َّهِ سَجْدَةً، ثُمَّ سَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ مَا
أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ:
وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٠٤٣ - قوله: (جَاءَ رَجُلٌ) هو أبو سعيد الخدري، كما جاء مصرحًا به من
(١٠٤٣) التِّرْمِذِي (٥٧٩) (٣٤٢٤)، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَابن مَاجَهْ (١٠٥٣) فِي الصَّلَاةِ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ
(٢١٩/١، ٢٢٠).
٣٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
:*
روايته عند أبي يعلى والطبراني في ((الأوسط))، ذكرها الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(ج٢ ص٢٨٤ - ٢٨٥)، وقال: وفيه اليمان بن نصر، قال الذهبي: مجهول.
(رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ) أي: أبصرت ذاتي البارحة. (وَأَنَا نَائِمٌ) حال فاعل أو مفعول. وفي
رواية البيهقي: ((رأيت البارحة فيما يرى النائم)). (فَسَجَدْتُ) أي: سجدة تلاوة في
سورة ﴿صَّّ﴾ كما في رواية البيهقي. (فَسَمِعْتُهَا) أي: الشجرة. (اكْتُبْ لِي) أي:
أثبت لأجلي. (بِهَا) أي: بسبب هذه السجدة أو بمقابلتها. والضمير للسجدة
المفهومة من سَجَدْتُ. (عِنْدَكَ) ظرف لـ(أكتب). (وَضَعْ) أي: أحطط، كما في
رواية ابن ماجه. وفي حديث أبي سعيد المذكور ((حط))، ووقع في بعض نسخ
((المشكاة)): ((حط))، بدل ((وضع))، وهو غلط، فإن الرواية بلفظ: ((ضع)). وكذا
وقع في ((المصابيح)). (وِزْرًا) أي: ذنبًا. (وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدََ ذُخْرًا) أي: كنزًّا.
قيل: ذخرًا بمعنى أجرًا، وكرر؛ لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب. وقيل: الأول
طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالمًا من محبط ومبطل. قال القاري: هذا هو
للتلاوة .
الأظهر. (كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدَِ دَاوُدَ) فيه إيماء إلى أن سجدة ﴿صـ
قال السيوطي في ((قوت المغتذي على جامع الترمذي)): قال القاضي أبو بكر بن
العربي: عسير علي في هذا الحديث أن يقول أحد ذلك، فإن فيه طلب قبول مثل
ذلك القبول، وأين ذلك اللسان، وأين تلك النية.
قلتُ: ليس المراد المماثلة من كل وجه، بل في مطلق القبول، وقد ورد في
دعاء الأضحية: ((وتقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك، ومحمد نبيك)) وأين
المقام من المقام، ما أريد بهذا إلا مطلق القبول. وفيه إيماء إلى الإيمان بهؤلاء
الأنبياء. وإذا ورد الحديث بشيء اتبع، ولا إشكال، انتهى.
قال السندي: ولا يخفى أن اعتبار التشبيه في مطلق القبول يجعل الكلام قليل
الجدوى. ولو قيل: وتقبلها مني قبولاً مثل ما تقبلتها من عبدك داود، في أن كلّا
منهما فرد من أفراد مطلق القبول، لم يكن في التشبيه كثير فائدة، ولم يكن إلا
تطويل بلا طائل. والأقرب أن يعتبر التشبيه في الكمال، ويعتبر الكمال في قبول كل
بحسب مرتبته، انتهى.
(فَقَرَأَ النَّبِيُّ ◌َ سَجْدَةً) أي: آية سجدة سورة ﴿مِّ﴾، كما في حديث أبي سعيد
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآن
٣٧٧
الخدري. قال ابن حجر: يحتمل أنه قصدها ليبين مشروعية ما سمعه أبو سعيد
بالفعل، الذي هو أبلغ من القول، وأن يكون قراءته وقعت اتفاقًا، فبين مشروعية
ذلك فيها. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا ابن حبان وابن خزيمة في
((صحيحيهما))، والحاكم (ج١ ص٢١٩ - ٢٢٠) والبيهقي (ج٢ ص ٣٢٠). (وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وفي نسخة الشيخ محمد عابد السندي: هذا حديث
حسن غريب، كما ذكره الشيخ أحمد محمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)). وفي
سنده محمد بن يزيد بن خنيس؛ عن الحسن بن محمد بن عبيدالله بن أبي یزید.
ومحمد بن يزيد هذا مقبول، قاله الحافظ في ((التقريب)). وقال أبو حاتم: كان
شيخًا صالحًا كتبنا عنه بمكة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من خيار
الناس، ربما أخطا، يجب أن يعتبر بحديثه إذا بين السماع في خبره، انتهى.
قلتُ: روى محمد بن يزيد هذا الحديث، عن الحسن بن محمد بلفظ التحديث
عند الترمذي والحاكم. وأما الحسن بن محمد، فقال العقيلي: لا يتابع على
حديثه، وليس بمشهور النقل. وحكى الذهبي عمن لم يسمعه: أن فيه جهالة، ولم
يرو عنه غير ابن خنيس. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج هو وابن خزيمة
حديثه في ((صحيحيهما)). وقال الخليلي لما ذكر حديثه: هذا حديث غريب صحيح
من حدیث ابن جریج، قصد أحمد بن حنبل محمد بن یزید بن خنيس وسأل عنه،
وتفرد به الحسن بن محمد المكي، وهو ثقة، نقل ذلك الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) (ج٢ ص٣١٩). وقال الحاكم بعد إخراجه: هذا حديث صحيح، رواته
مكيون، لم يذكر واحد منهم بجرح، وهو من شرط الصحيح، ولم يخرجاه. وقال
الذهبي: صحیح؛ ما في رواته مجروح، انتهى.
وقد ظهَر بهذا كله أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن. وهو يدل على
صحة ما في مخطوطة الشيخ محمد عابد السندي من قول الترمذي: هذا حديث
حسن غريب.
٣٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
e
الفصل الثالث
١٠٤٤ - [١٤] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَرَأَ والنَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا،
وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا مِنْ قُرَيشِ أَخَذُّ كَفَّا مِنْ حَصَّىَ - أَوْ تُرَابٍ -
فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، قَالَّ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ، قُتِلَ
کافِرًا.
[متفق عليه]
وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
الشّرْجُ
١٠٤٤ - قوله: (قَرَأَ وَالنَّجْم) أي: سورة ((والنجم)) إلى آخرها بمكة. (فَسَجَدَ
فِيهَا) أي: في آخرها، أو لما فرغَ من قراءتها. (وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ) أي: من كان
حاضرًا قراءته من المسلمين والمشر کین والجن والإنس، كما تقدم عن ابن عباس،
حتى شاع أن أهل مكة أسلموا. (غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا مِنْ قُرَيش) هو أمية بن خلف، كما
يأتي. (أَخَذَ كَفَّا مِنْ حَصَّى) أي: حجارة صغار. (أَوْ تُرَابٍ) شك من الراوي.
(فَرَفَعَهُ) أي: كفه. (إِلَى جَبْهَتِهِ) وفي رواية للبخاري: فسجدَ عليه. (يَكْفِينِي) فإن
المقصود من السجود، التواضع والانقياد والمذلة بين يدي الله، ووضع أشرف
الأعضاء في أخس الأشياء، وهذا لما في رأسه من توهم الكبرياء والاستنكاف.
(قال عبد الله) أي: ابن مسعود.
(فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) أي: الشيخ المذكور. (بَعْدُ) أي: بعد هذه القضية. (قُتِلَ كَافِرًا)
أي: ببدر. والحديث فيه مشروعية السجود لمن حضر عند القارئ للآية التي فيها
السجدة: واستدل به على جواز السجود بلا وضوء، لأنه يبعد في العادة أن يكون
جميع من حضر من المسلمين كانوا عند قراءته الآية على وضوء؛ لأنهم لم يتأهبوا
لذلك، وإذا كان كذلك فمن بادر منهم إلى السجود بلا وضوء، وأقره النبي وَل
(١٠٤٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٧٠)، ومُسْلِم (٥٧٦) في الصَّلاة عنه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآن
٣٧٩
CHE
على ذلك، دل ذلك على عدم وجوب الوضوء لسجود التلاوة. ويؤيده ما تقدم في
رواية ابن عباس من التسوية، في السجود بين المسلمين والمشركين، وفيهم من لا
يصح منه الوضوء، فيلزم أن يصح السجود ممن كان بوضوء، وممن لم يكن
بو ضوء.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والبيهقي. (وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ) أي:
في تفسير سورة النجم. (وَهُوَ أَمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) أخو أبي بن خلف بن وهب. وقيل:
الشيخ المذكور هو الوليد بن المغيرة، كما وقع في سيرة ابن إسحاق. وفيه نظر؛
لأنه لم يقتل. وقيل: هو عتبة بن ربيعة، كما في تفسير سنيد. وقيل: إنه أبو أحيحة
سعيد بن العاص، رواه الطبري. وقيل: أبو لهب، ذكره أبو حبان في (تفسيره)) من
غير مستند. وقيل: المطلب بن أبي وداعة، رواه النسائي والبيهقي (ج٢ ص ٣١٤)
وفي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، ((سجدوا في النجم، إلا رجلين من
قريش))، أرادا بذلك الشهرة. قال القسطلاني والمنذري: الأول أصح، وهو الذي
ذكره البخاري. وقال الحافظ في الفتح: ومهما ثبت من ذلك فلعل ابن مسعود لم
يره، أو خص واحدًا بذكره لاختصاصه بأخذ الكف من التراب دون غيره.
١٠٤٥ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ سَجَدَ فِي ﴿صَّ﴾
وَقَالَ: ((سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَاً شُكْرًا)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠٤٥ - قوله: (سجد في ﴿مَ﴾) أي : في سورة ﴿م﴾ مکان سجدتها وهو
﴿أَنَبَ﴾ وقيل: ﴿وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [ص: ٤٠]. (تَوْبَةً) أي: لأجل التوبة. (وَنَسْجُدُهَا
شُكْرًا) منا على قبول توبته، وتوفيق الله تعالى إياه عليها، فحين يجري في القرآن،
ذكر من اللّه تعالى لتلك التوبة، نشكره تعالى على تلك النعمة. وكون السجدة
للشكر. لا يلزم منه أن لا يكون سجدة تلاوة. لأن سجدة التلاوة؛ لا شك أنها
تتعلق بقراءة آية السجدة أو سماعها، وتقع السجدة عند ثبوتهما. وهذا هو معنى
(١٠٤٥) النَّسَائِي (٢ / ١٥٩) في الصَّلاة عن ابن عباس؛ وأَصله في (البُخَارِي ) كما مضى.