Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
IXE
*
الفصل الثالث
١٠٢٩ - [٩] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ صَلَّى
الْعَصْرَ، وَسَلَّمَ فِي ثَلاَثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مََّزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ:
الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، فَخَرَجَ
غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((أَصَدَقَ هَذَا؟)) قَالُوا: نَعَمْ
فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٠٢٩ - قوله: (صَلَّى الْعَصْرَ) وفي رواية الطحاوي: ((صلى بهم الظهر)).
وفي رواية لأحمد والبيهقي: ((صلى الظهر أو العصر)) بالشك. قلتُ: الجزم قاض
على الشك. ثم رواية العصر أرجح لتوافق أكثر الروايات عليها، ولأنها مخرجة في
((صحيح مسلم)) وأبي داود والنسائي وابن ماجه و((مسند أحمد)).
(وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) وفي رواية معتمر عن خالد الحذاء عند أحمد (ج٤ :
ص٤٣١): ((صلى ثلاث ركعات فسلم)). وفي رواية شعبة عن خالد عند أحمد
أيضًا: ((صلى ثلاث ركعات ثم سلم)). ولفظ الكتاب أصح وأرجح لتوافق أكثر
الرواة عن خالد الحذاء عليه. وهم: إسماعيل بن علية عند مسلم وأحمد، وعبد
الوهاب الثقفي عند مسلم أيضًا وابن ماجه والبيهقي، ويزيد بن زريع عند أبي داود
والنسائي والبيهقي. ومسلمة بن محمد عند أبي داود. (ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) وفي رواية:
((فدخل الحجرة)). فيه أن ترك استقبال القبلة والمشي الكثير سهوًّا لا يبطل الصلاة.
(فَقَامَ إِلَيْهِ) أي: في أثناء دخول منزله. (رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ) بكسر الخاء
المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة، وفي آخره قاف، اسمه. قال ابن حجر:
أسلم في أواخر زمن النبي ◌َّر، وعاش حتى روى عنه متأخرو التابعين، وهو ذو
(١٠٢٩) رَوَاهُ مُسْلِم (٥٧٤) عنه فيها .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّهْوِ
٣٤١
اليدين السابق، كما قاله المحققون، وغير ذي الشمالين خلافًا لمن وهم فيه،
کالزهري والطيبي هنا، انتهى.
قلتُ: ما ذكره ابن حجر من أن الخرباق اسم ذي اليدين السابق هو صنيع من
يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران، وإلى توحيد الحديثين ذهب الأكثر، وهو
الذي رجحه الحافظ، وعده من الحنفية السندي الأظهر، وصاحب ((فيض الباري))
الأصوب، وقواه النيموي في ((تعليق آثار السنن))، وهو الظاهر عندي أيضًا، لكن
الخرباق ذا اليدين السلمي هذا غير ذي الشمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة
الخزاعي المستشهد بيدر، لا كما زعمه الحنفية أنهما رجل واحد.
(وَكَانَ فِ يَدَيْهِ طُولٌ) أي: بالنسبة إلى سائر الناس؛ ولذا كان يقال له: ذو
اليدين. وفي رواية لمسلم: فقام رجل بسيط اليدين. (فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ) أي: من
تسليمه في ثلاث ركعات، وأن ذلك هل هو لنسيان أو لقصر الصلاة؟ (فَخَرَجَ) أي:
من منزله. (غَضْبَانَ) لأمر. (يَجُرُّ رِدَاءَهُ) أي: مستعجلًا، يعني: لكثرة اشتغاله
بشأن الصلاة خرج يجر رداءه، ولم يتمهل ليلبسه. (ثُمَّ سَلّمَ) أي: للتحلل من
الصلاة. (ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) أي: للسهو بعد السلام. (ثُمَّ سَلَّمَ) لسجود السهو.
هذا، وقد تقدم أنه ذهب الأكثر إلى أن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين،
وحديث عمران هذا قضية واحدة. وجنح ابن خزيمة ومن تبعه كالنووي وأبي حاتم
بن حبان إلى التعدد .
قال الحافظ في ((الفتح)): والحامل لهم على ذلك: الاختلاف الواقع في
السياقين. ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه يَّ قام إلى خشبة
في المسجد. وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات وأنه دخل منزله لما فرغ
من الصلاة. فأما الأول فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به
أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة. يعني: في إرادة ابتداء الثالثة، واستبعده، ولكن
طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه
يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي ◌َّعن ذلك، واستفهم النبي ◌َّ
الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني: فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى
جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله لكون الخشبة كانت في جهة منزله. فإن كان

٣٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه
الشافعي وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على
سياقه، كما أخرجه أبو بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد في ((زيادات المسند))، وأبو
بكر بن أبي حثمة وغيرهم. وقد تقدم ما يدل على أن محمد بن سيرين راوي
الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي
هريرة: نبئت أن عمران بن حصين قال: (ثُمَّ سَلَّمَ))، انتهى كلام الحافظ.
وقال السندي في ((حاشية النسائي)): كلام المصنف يشير إلى أن الواقعة متحدة،
وهو أظهر. وعلى هذا كونه سلم من ركعتين أو ثلاث، و كذا كونه دخل البيت أو
قعد في ناحية المسجد وغير ذلك مما اشتبه على الرواة لطول الزمان. ويحتمل
تعدد الواقعة .
وقال في ((حاشية ابن ماجه)): الظاهر أن اختلاف الرواية ليس محمله اختلاف
الواقعة، بل محمله نسيان بعض الرواة بعض الكيفيات بمضي الأزمنة، وهم ما
كانوا يكتبون الوقائع، بل كانوا يحفظونها بالقلب. وهذا غير مستبعد عند من تتبع
الأحاديث.
قلتُ: وذهب بعض العلماء إلى ترجيح حديث أبي هريرة على حديث عمران
كما رأيت في كلام الحافظ. ولعل الإمام البخاري جنح إليه كما يفهم من صنيعه،
حيث أخرج حديث أبي هريرة في ((صحيحه))، وأعرض عن حديث عمران بن
حصين. والله اعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ٤٢٧ - ٤٣١ - ٤٤١) وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والطحاوي والبيهقي. وفي الباب عن ابن عباس عند البزار
والطبراني في ((الكبير)). وفي سنده إسماعيل بن أبان الغنوي العامري، وهو
متروك. وله حديث آخر عندهما أيضًا مختصر من الأول. وفي سنده جابر الجعفي
وثقه شعبة والثوري وضعفه الناس، كذا في ((مجمع الزوائد» (ج٢: ص١٥٢).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَّھْو
٣٤٣
١٠٣٠ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
وَ يقول: ((مَنْ صَلَّى صَلَةً يَشَُكَ فِيَ النُّقْصَانِ، فَلْيُصَلِّ حَتَّى يَشُكَ فِي
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الزِّيَادَةِ».
الشَّرْجُ
١٠٣٠- قوله: (مَنْ صَلَّى صَلَاةً يَشُكُكَ فِي النُّقْصَانِ) يعني: أنه يشك في
الرباعية مثلاً بأنه صلى ثلاثًا أو أربعًا. (فَلْيُصَلِّ) أي: فليين على الأقل المتيقن،
فيجعلها في الصورة المذكورة ثلاثًا ويصلي ركعة أخرى. (حَتَّى يَشُكَ فِي الزِّيَادَةِ)
أي: يشك في أنه صلى أربعًا أو خمسًا لاحتمال أن يكون قد صلى في الواقع أربعًا،
وتكون التي زادها ركعة خامسة. فمن بنى على الثلاث وصلى ركعة أخرى فهو
يشك الآن أنها رابعة أو خامسة، وهذا هو المراد بالشك في الزيادة. والحاصل:
أن جعل الشك في جانب الزيادة أولى من جعله في جانب النقصان.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) في (ج١ : ص١٩٥) عن محمد بن يزيد عن إسماعيل بن مسلم
المكي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، أنه كان يذاكر عمر
شأن الصلاة، فانتهى إليهم عبد الرحمن بن عوف، فقال: ألا أحدثكم بحديث
سمعته من رسول اللَّه وَ لهم؟ قالوا: بلى، قال: فأشهد أني سمعت رسول اللَّه وَله
يقول: ((من صلى ... )) الحديث. وإسماعيل بن مسلم المكي ضعيف. وهذه الرواية
من زيادات أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، راوي المسند
عن عبد الله بن أحمد.
قال القطيعي: قال أبو عبد الرحمن يعني: عبد الله بن أحمد: وجدت هذا
الحديث في كتاب أبي بخط يده، ثنا محمد بن يزيد ... إلخ.
وأخرجه أيضًا إسحاق بن راهويه والهيثم بن كليب في ((مسنديهما))، والبيهقي
في ((سننه)) (ج٢: ص٣٣٣ - ٣٤٦) بلفظ: ((إذا كان أحدكم في شك من النقصان في
(١٠٣٠) روَاهُ أَحْمَد (١ / ١٩٥) عنه.

٣٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صلاته فليصل حتى يكون في شك من الزيادة))، وفي إسنادهم أيضًا إسماعيل بن
مسلم المكي. وهذا حديث مختصر من حديث طويل أخرجه أحمد (ج١ :
ص١٩٠) والترمذي وصححه. وأبو داود وابن ماجه والبيهقي (ج٢: ص٣٣٢) من
حديث كريب عن عبد الله بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف. وقد ذكرنا لفظه في
شرح حديث أبي هريرة أول أحاديث الفصل الأول من هذا الباب.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١١٣) بعد عزوه للترمذي وابن ماجه: هو
حديث معلول، فإنه من رواية ابن إسحاق عن مكحول عن كريب. وقد رواه أحمد
في ((مسنده)) (ج١: ص١٩٣)، وكذا البيهقي (ج٢: ص٣٣٢) عن ابن علية عن ابن
إسحاق عن مكحول مرسلاً. قال ابن إسحاق: فلقيت حسين بن عبد الله، فقال
لي: هل أسنده لك؟ قلتُ: لا، فقال: لکنه حدثني ان کریبًا حدثه به، وحسین
ضعيف جدًّا. ورواه إسحاق بن راهويه والهيثم بن كليب في ((مسنديهما)) من طريق
الزهري عن عبيد الله بن عبد اللَّه عن ابن عباس مختصرًا فذكر لفظه، قال: وفي
إسنادهما إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف، وتابعه بحر بن كنيز السقاء فيما
ذكر الدار قطني في ((العلل)). وذكر الاختلاف فيه أيضًا على ابن إسحاق في الوصل
والإرسال، انتهى.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
٣٤٥
٢١ - بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
(بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ) أي: سجدة التلاوة، وهي سنة مؤكدة عند الشافعية
والحنابلة، وسنة أو فضيلة، قولان مشهوران للمالكية، وواجبة عند أبي حنيفة.
قال ابن قدامة في ((المغني)) (ج١: ص٦٥٦): سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليس
بواجب عند إمامنا أَحْمَدُ ومالك والأوزاعي والشافعي، وهو مذهب عمر وابنه عبد
الله، وأوجبه أبو حنيفة وأصحابه، انتهى.
واستدل الحنفية على الوجوب بما روى مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة
مرفوعًا: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أمر ابن آدم
بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار))، قالوا: الأصل أن
الحكيم إذا ذكر من غير الحكيم كلامًا، ولم يعقبه بالإنكار دل ذلك على أنه
صواب، فكان في الحديث دليل على كون ابن آدم مأمورًا بالسجود. ومطلق الأمر
للوجوب، مع أن آي السجدة تفيده أيضًا؛ لأنها ثلاثة أقسام:
١ - قسم فيه الأمر الصريح به، كقوله: ﴿فَأَتْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ ﴾ (٢)﴾ [النجم: ٦٢].
﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [العلق: ١٩].
٢ - وقسم تضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث أمروا به، وهو قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا
﴾ [الإنشقاق: ٢٠، ٢١] وقوله: ﴿وَإِذَا
يُؤْمِنُونَ (٢٥) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾
[الفرقان: ٦٠] .
قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ◌ٌ (@):
٣ - وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء السجود، والثناء على الذين يخرون سجدًا عند
سماع كلامه، وكل من الامتثال ومخالفة الكفرة والاقتداء واجب، إلا أن يدل دلیل
على عدم لزومه، لكن دلالتها ظنية، فكان الثابت الوجوب لا الفرض، كذا في
((البرهان))، و((فتح القدير)) وغيرهما.
وأجيب بأن كون الأمر في الآيتين، وفي قول إبليس للوجوب ممنوع، بل هو
محمول على الندب. والدليل على ذلك: حديث زيد بن ثابت الآتي قال: قرأت

٣٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على رسول اللَّهِ وَال ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فلم يسجد. والظاهر أن ترك السجدة حينئذٍ كان
لبيان الجواز كما جزم به الشافعي في اختلاف الحديث؛ لأنه لو كان واجبًا لأمره
بالسجود ولو بعد ذلك. ويدل عليه أيضًا ما رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم من
حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قرأ رسول اللَّه وَله، وهو على المنبر ﴿صَّ﴾
فلما بلغ السجدة نزل، فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما
بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال رسول اللّه وَ الر: ((إنما هي توبة نبي، ولكني
رأيتكم تشزنتم للسجود))، فنزل فسجد وسجدوا. وقد سكت عنه أبو داود
والمنذري. قال بعض الحنفية: إن ذلك إنما كان حين لا يرى السجدة عزمة في
سورة ﴿صَّّ﴾، بل كانت رخصة إذ ذاك، فلما عزم الأمر تحتم بالسجود، انتهى.
وفيه أن هذا يحتاج إلى دليل ولا يثبت بالادعاء شيء فهو مردود على قائله، وأيضًا لو
كان كذلك لما قال ابن عباس بعده وَلّ: ((﴿صََّ﴾ ليس من عزائم السجود))، ولما
سكت الصحابة الحاضرون في خطبة عمر عن قوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه،
ولأنكروا على منعهم من السجدة. ويدل على كون الأمر للندب أيضًا ما قاله ابن
رشد: اتبع مالك والشافعي في مفهوم الأوامر الصحابة؛ إذ كانوا هم أقعد بفهم
الأوامر الشرعية، وذلك كما ثبت عن عمر بن الخطاب بمحضر الصحابة، فلم
ينقل عن أحد منهم خلافه، وهم أفهم بمغزى الشرع.
قلتُ: يشير بذلك إلى ما رواه البخاري والبيهقي والأثرم عن عمر: أنه قرأ يوم
الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس،
حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة، قال: يا أيها
الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه،
ولم يسجد عمر. وزاد نافع عن ابن عمر: إن اللَّه لم يفرض علينا السجود إلا أن
نشاء. وفي رواية الأثرم: فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء،
فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا. وهذا حديث مرفوع خلافًا لظاهره الذي
أشبه على العيني وأمثاله؛ لأن عمر حكى أن اللَّه لم يفرض السجود علينا ... إلخ.
ويقول ذلك بحضرة كبار الصحابة، وهو لا يريد من هذا اللفظ أن هذا رأيه
واستنباطه، کما هو بين بديهي.
قال الكرماني: قوله: من لم يسجد فلا إثم عليه، دليل صريح في عدم

٣٤٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآن
الوجوب، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًّا على ذلك، وهو حجة عند
الحنفية، وكذا قوله: لم يفرض: دليل آخر، ثم عدم سجوده ومنعه الناس من
السجدة دليل ثالث، وقوله: إلا أن نشاء دليل رابع؛ لأنه يدل على أن المرأ مخير
في السجود، والتخيير ينافي الوجوب. قال صاحب ((التوضيح)): ترك عمر مع من
حضر السجود ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب. ولا إنكار ولا مخالف، ولا
يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن الإنكار على غيره في قوله: ومن
لم يسجد فلا إثم عليه. وقال الحافظُ: استدل بقوله: إلا أن نشاء، على أن المرأ
مخير في السجود، فيكون ليس بواجب، انتهى.
وأجاب بعض الحنفية عن مخالفة الإجماع السكوتي بأنه ضعيف؛ لأن إنكار
المختلف فيه غير لازم، سيما إن كان قائله إمامًا، وفيه أنه لم يرد عمر بقوله: إن الله
لم يفرض السجود علينا، أن هذا رأيه واجتهاده واستنباطه. وأيضًا لم يثبت عن أحد
الصحابة أنه كان يرى سجدة التلاوة واجبة، حتى يكون ذلك مسألة اجتهادية
مختلفًا فيها بينهم، ولو سلم فلا يجوز أن يكون عند بعضهم واجبًا، ويسكت عن
الإنكار على غيره في قوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، وكانوا ينكرون في ترك
المستحبات فضلاً عن الواجبات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلاف قول عمر
وفعله. وأجابوا عن قوله: لم يفرض، على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض
والواجب، بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب. وتعقب: بأنه اصطلاح لهم
حادث. وما كان الصحابة يفرقون بينهما. ويغني عن هذا قول عمر: ومن لم يسجد
فلا إثم عليه. قال بعضهم: يمكن أن يقال: إن النفي في قوله: من لم يسجد فلا إثم
عليه، راجع إلى القيد. والمعنى: أن السجدة ليست واجبة بعينها، فمن لم يسجد
فلا إثم عليه؛ لأن الركوع أيضًا ينوب عنها، وحينئذٍ معنى قوله: إن الله لم يفرض
السجود إلا أن نشاء، أي: لم يفرض علينا السجود بخصوصه، بل يكفي عنه
الركوع أيضًا، إلا أن نشاء السجدة فنأتي بها. ولا يخفى ما فيه من التكلف
والتعسف، على أنه لم ينقل أن عمر ومن معه ركعوا في هذه الواقعة لتلاوة آية
السجدة نيابة عن السجدة. وفيه أيضًا: أن سجدة التلاوة سجود مشروع، فلا ينوب
عنه الركوع كسجود الصلاة. وأما قوله تعالى. ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] فالمراد
به السجود؛ لأنه قال: ﴿وَخَرَّ﴾ ولا يقال للراكع: ﴿وَخَرَّ﴾، وإنما روي عن

٣٤٨
are
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
داود غلّلاّ السجود لا الركوع، إلا أنه عبر عنه بالركوع، وقال بعضهم: أراد عمر
بقوله: فلا إثم عليه، أنه ليس على الفور، فلا إثم بتأخيره عن وقت السماع، فلا
يدل ذلك على عدم الوجوب. وفيه: أن هذا باطل مردود على قائله؛ لأنه لا دليل
على هذا التأويل ويدل على بطلانه أيضًا قوله: لم يسجد عمر، ومنعهم أن
يسجدوا، وما قيل: إنه يحتمل أنه لم يسجد في ذلك الوقت لعارض مثل انتقاض
الوضوء، أو يكون ذلك منه إشارة إلى أنه ليس على الفور. ففيه أن هذا أيضًا يحتاج
إلى دليل ولا يكفي فيه الاحتمال. والظاهر - بل المتعين - أن عمر لم يسجد أصلاً
لبيان أن سجدة التلاوة ليست بواجبة؛ لأنه لم يكن هناك عذر أو مصلحة في
تأخيرها عن وقت التلاوة. قال صاحب ((العرف الشذي)): وأما قول: إن تأخير
السجدة؛ لأن الأداء لا يجب على الفور فبعيد؛ لأنه لا عذر ولا نكتة لترك السجدة
الآن بخلاف ما مر من واقعة النبي رَّ، انتهى.
وأجابوا عن قوله: إلا أن نشاء، بأن المعنى: إلا أن نشاء قراءتها فيجب. ولا
يخفى بُعْده، بل يرده تصريح عمر بقوله: ومن لم يسجد فلا إثم عليه، فإن انتفاء
الإِثم عمن يترك الفعل مختارًا يدل على عدم وجوبه. والحق أن الاستدلال بحديث
عمر على عدم وجوب السجدة، وعلى كون الأوامر للندب استدلال صحيح بَيِّنٌ لا
خفاء فيه. وليس عند الحنفية جواب شاف عنه. وقد أنصف صاحب ((فيض الباري))
حيث قال: قصة عمر هذه أقوى ما يمكن أن يحتج به على سنية السجود، فإنه تلا
سورة النحل يوم الجمعة، فسجد لها مرة ثم لم يسجد لها في الجمعة التالية، ثم
قال: إنما نمر بالسجود. فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وذلك
بمحضر الصحابة، ولم أر عنه جوابًا شافيًا بعد، انتهى.
وأجيب عن الآية التي تدل على ذم الكفرة بتركهم السجدة بأن الذم فيها إنما
يتعلق بترك السجود إباءً وإنكارًا واستكبارًا واستنكافًا، كما يدل عليه قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾
[الفرقان: ٦٠]. وكما قال إبليس: أمرت بالسجود فأبيت، فمعنى قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ
عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْبُدُونَ ﴾ ﴾﴾ [الانشقاق: ٢١] أي: إباءً واستكبارًا ونفورًا عن الطاعة.
قال ابن قدامة في ((المغني)): فأما الآية فإنه ذمهم لترك السجود غير معتقدين فضله
ومشروعیته، انتهى.

٣٤٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
ge
فمن ترك سجدة التلاوة معتقدًا مشروعيته وفضله لكونه ليس بلازم عنده لا
استكبارًا واستنكافًا عنه لا يقال: إنه لم يخالف الكفرة، فلا يتعلق به الذم الذي
تعلق بهم. وقال صاحب ((فيض الباري)): وللشافعية أن يقولوا: إن الوعيد معقول
على ترك المستحب إذا قارن تركه ترك الواجبات أيضًا؛ ألا ترى أنه ينكر على
المعصية من طالح ما لا ينكر على تلك المعصية إذا كانت من صالح، فتلك
المعصية وإن تذكر في السياق، لكن تراعي عند الوعيد أفعاله الأخر أيضًا، وحينئذٍ
يمكن أن يكون الوعيد على تركهم سجود التلاوة في الذكر فقط. ويكون محطه
تركهم السجود الصلوية أيضًا، والحاصل: أن الوعيد وإن كان على ترك سجود
التلاوة لكنه نظرًا إلى تركهم السجود الصلوية أيضًا. انتهى كلامه بلفظه.
وقد تبين بفعله وَله وحديث أبي سعيد وحديث عمر المذكورين، وقول ابن
عباس: ﴿صََّّ﴾ ليس من عزائم السجود، أن سجود التلاوة غير واجب، وفيه دلالة
واضحة على أن اقتداء الأنبياء في ذلك ليس على سبيل الوجوب واللزوم. ومن
الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه الطحاوي من أن الآيات التي
في سجود التلاوة: منها: ما هو بصيغة الخبر. ومنها: ما هو بصيغة الأمر. وقد
وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر، هل هي فيها سجود أو لا؟ وهي ثانية ((الحج))،
وخاتمة ((النجم))، و((اقرأ)). فلو كان سجود التلاوة واجبًا لكان ما ورد بصيغة الأمر
أولى أن يتفق على السجود فيه ما ورد بصيغة الخبر، انتهى. واختلفوا في مواضع
السجود، وفي أنه هل يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة وستر العورة
واستقبال القبلة وغيرها؟ أما الأول: فسيأتي الكلام فيه في شرح حديث عمرو بن
العاص في الفصل الثاني، وأما الثاني: فذهب الجمهور إلى أنه يشترط فيه ما
يشترط في الصلاة. وقال جماعة: لا يشترط، منهم: ابن عمر والشعبي وأبو
عبد الرحمن السلمي. قال البخاري في ((صحيحه)): كان ابن عمر يسجد على غير
وضوء. وفي ((مسند ابن أبي شيبة)): كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم
يركب، فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، ووافقه الشعبي على ذلك، وأخرج عن
أبي عبد الرحمن السلمي، أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى
غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء. وروى البيهقي (ج ٢ ص ٣٢٥) عن ابن عمر أنه
لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، وجمع بين قوله وفعله بأنه أراد بقوله: طاهر،

٣٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة، أو الثاني
على الأولوية، والأول على الجواز والإباحة. وروى عثمان بن عفان في الحائض
تسمع السجدة تومئ برأسها، وبه قال سعيد بن المسيب، قال: ويقول: اللهم لك
سجدت. ذكره ابن قدامة. قال الأمير اليماني: الأصل أنه لا يشترط الطهارة إلا
بدليل. وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة والسجدة فيها، فلا تشمل السجدة
الفردة، انتهى.
وقال الشوكاني ما ملخصه: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار
أن يكون الساجد متوضئًا، وهكذا ليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة
الثياب والمكان. وأما ستر العورة واستقبال القبلة مع الإمكان، فقيل: إنه معتبر
اتفاقًا، انتهى.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (ج١ ص ٨٠): السجود في القرآن ليس ركعة، أو
ركعتين، فليس صلاة، وإذا كان ليس صلاة فهو جائز بلا وضوء، وللجنب
والحائض وإلى غير القبلة كسائر الذكر. ولا فرق؛ إذ لا يلزم الوضوء إلا للصلاة،
ولم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، فإن قيل:
السجود من الصلاة، وبعض الصلاة صلاة. قلنا: والتكبير بعض الصلاة.
والجلوس والقيام والسلام بعض الصلاة، فهل يلتزمون أن لا يفعل أحد شيئًا من
هذه الأقوال والأفعال إلا وهو على وضوء؟ لا يقولونه ولا يقوله أحد، انتهى.
قلتُ: عدم الاشتراط هو الأرجح والأقوى عندي، لكن الأحوط في العمل هو ما
روي عن ابن عمر أنه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
٣٥١
الفصل الأول
١٠٣١ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِالَّجْمِ، وَسَجَدَ
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (صحيح)
مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ.
الشَّرْجُ
١٠٣١ - قوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِالنَّجْم) أي: بسورتها .
زاد الطبراني في ((الأوسط)): ((بمكة). فأفاد أن قصة ابن مسعودَ الآتية في الفصلِ
الثالث. وقصة ابن عباس هذه متحدة، وإنما سجد النبي وَل هذه السجدة؛ امتثالاً
لأمر الله سبحانه بالسجود؛ وشكرًا للنعم العظيمة المعدودة في أول السورة من أنه
لا ينطق عن الهوى، وقربه من الله تعالى، وإراءته إياه من آیاته الکبری. وفیه دلیل
على مشروعية السجدة في المفصل، خلافًا لمالك في ظاهر الرواية عنه.
(وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ) متابعة له بََّ في امتثال الأمر وإتيان الشكر.
(وَالْمُشْرِكُونَ) أي: الذين كانوا عنده. قال النووي: إنه محمول على من كان
حاضرًا قراءته. وفيه مشروعية السجود لمن حضر عند القاري للآية التي فيها
السجدة. وإنما سجد المشركون؛ لاستماع أسماء آلهتهم من اللات والعزى
ومناة. أو لما ظهر من سطوة سلطان العز والجبروت وسطوع الأنوار والكبرياء من
توحيد اللّه رَى، وصدق رسول اللَّه وَ ل حتى لم يبق لهم شك ولا اختيار ولا أثر
جحود واستكبار إلا مِنْ أشقى القوم وأطغاهم وأعتاهم، وهو الذي أخذ كفَّا من
الحصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. وسيأتي مزيد الكلام فيه.
(وَالْجِنُّ) كأن ابن عباس استند في ذلك إلى أخبار النبي ◌َّ إما مشافهة له وإما
بواسطة؛ لأنه لم يحضر القصة لصغره. وأيضًا فهو من الأمور التي لا يطلع الإنسان
عليها إلا بتوقيف، وتجويز أنه كشف له عن ذلك بعيد؛ لأنه لم يحضرها قطعًا، قاله
الحافظ. وقال شيخه العراقي: الظاهر أن الحديث من مراسيل ابن عباس عن
(١٠٣١) البُخَارِي (١٠٧١)، وَالتِّرْ مِذِي (٥٧٥) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٣٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصحابة، وإنه لم يشهد تلك القصة، خصوصًا إن كانت قبل فرض الصلاة،
ومراسيل الصحابة مقبولة على الصحيح. والظاهر: أن ابن عباس سمعه من
النبي ◌ََّ يحدث به. (وَالإِنْسُ) إجمال بعد تفصيل نحو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ
كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] قاله الكرماني. وزاد صاحب ((اللامع الصبيح)): أو تفصيل بعد
إجمال؛ لأن كلًّا من المسلمين والمشركين شامل للإنس والجن.
قال الكرماني: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها أول سجدة نزلت،
فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو
خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم، انتهى. وفي هذا الأخير نظر؛ لأن
المسلمين حينئذٍ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس، وقد ذكر
المفسرون في هذه القصة، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ
وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [٢٢: ٥٢]. أنه جرى على لسانه وَل
من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، وهي: ((تلك الغرانيق(*) العلى. وإن
شفاعتهن لترتجى))، فلذلك سجد المشركون معه، حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد
ذلك بيننا وبينه؛ لأنه يثني على آلهتنا، لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثین، بل
الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه عليه السلام، والقصة موضوعة، كما
قال الذهبي وغيره من المحدثين. وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير
المخلوقات أنه تسلط عليه الشيطان - حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات، ثم
حاشا هذا - وقد قال تعالى في حق عامة الصلحاء: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]. فأفاد نفيه بكل الوجوه، فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع
في المحشر، بل الحق أن المشركين إنما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته عليه
السلام، وسماع المواعظ البليغة في القرآن، فاضطروا إلى السجود ولم يبق
اختيارهم في أيديهم. وكيف يستبعد ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم
مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] وقال: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوا﴾ [النمل: ١٤]. كذا
في شرح تراجم أبواب ((صحيح البخاري)) للشاه ولي اللّه الدهلوي.
(*) الغرانيق: بفتح الغين المعجمة، طيور الماء، شُبِّهَتِ الأصنامُ المعتقدون فيها أنه تشفع لهم بالطيور
تعلو في السماء وترفع.

٣٥٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
قلتُ: جميع ما يذكر من الروايات في قصة الغرانيق إما مرسلة أو منقطعة لا
تقوم الحجة بشيء منها، كما قال البزار والبيهقي وابن خزيمة وابن كثير وغيرهم.
فالحق أن هذه القصة مكذوبة باطلة لا يصح فيها شيء من جهة النقل، لأنه لم يروها
أحد من أهل الصحة، ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل، وإنما رواها
المفسرون والمؤرخون والمولعون بكل غريب الملفقون من الصحف كل صحيح
وسقيم. وقد دل على عدم ثبوت هذه القصة اضطراب رواتها، وانقطاع سندها،
واختلاف ألفاظها. والذي جاء في الصحيح من حديث ابن مسعود عند الشيخين،
وحديث ابن عباس هذا لم يذكر فيه أن النبي ◌َّ ذكر تلك الألفاظ ولا قرأها.
والذي ذكره المفسرون عن ابن عباس في هذه القصة فقد رواه عنه الكلبي، وهو
ضعيف جدًّا، بل متروك لا يعتمد عليه. وكذا أخرجه النحاس بسند آخر، فيه
الواقدي. ولا يصح من جهة العقلِ أيضًا؛ لأن مدح إله غير اللَّه تعالى كفر، ولا
يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول اللَّه وَله، ومن جوّز على الرسول تعظيم الأوثان
فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوز
ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن
يكون كذلك، أي: مما ألقاه الشيطان على لسانه. ويبطل قوله: ﴿بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ
مِن رَّبِكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، فإنه لا فرق عند العقل بين
النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه. هذا وقد حاول الحافظ في ((الفتح)): أن يدعي
أن للقصة أصلًا حيث قال بعد ذكر طرق عديدة لها: إن الطرق إذا كثرت وتباينت
مخارجها دل ذلك على أن لها أصلًا، قال: وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على
شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به
لاعتضاد بعضها ببعض، قال: وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر،
وهو قوله ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لترتجى،
فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه وَ﴾ أن يزيد في القرآن عمدًا
ما ليس منه، وكذا سهوًا إذا كان مغايرًا لما جاءته من التوحيد لمكان عصمته، ثم
ذكر تأويلات للعلماء، ورَدَّ على كل واحد منها إلا تأويلًا واحدًا، فأقره وجعله
أحسن الوجوه، وهو أنه ◌َّليّ كان يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من
السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاکیًا نغمته، بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها

٣٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
من قوله وأشاعها. قلت: في هذا التأويل أيضًا نظر، فإن جواز ذلك أيضًا يخل
بالوثوق بالقرآن، ويرفع الاعتماد على قوله تغلّلا والأمان من شرعه؛ لاحتمال أن
يكون ذلك مما نطق به الشيطان في سكتة من سكتاته ظلَّلا، محاكيًا نغمته وصوته
بحيث سمعه من دنا إليه، فظنه من قوله وأشاعه. وأما قوله: إن الطرق إذا كثرت
وتباينت مخارجها ... إلخ. ففيه: أن هذا ليس قاعدة كلية.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)): وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه،
وهو حديث ضعيف، كحديث الطير، وحديث: ((الحاجم والمحجوم))، وحديث:
((من كنت مولاه فعليّ مولاه))، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفًا، انتهى
كلام الزيلعي .
واختلفوا في تفسير قوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ
وَلَا نَبٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنََّ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِىِّ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَفْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ
لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَنُ فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِم ◌َّرَضُ
ءَايَتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
، ومن أحسن ما قيل فيه : هو
٢٥٣
وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اُلَّلِمِينَ لَفِى شِفَاقٍ بَعِيدٍ
أن الله تعالى ما أرسل رسولًا ولا نبيًّا من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك
الرسول يتمنى الإيمان لأمته، ويحبه لهم، ويرغب فيه، ويحرص عليه غاية
الحرص، ويعالجهم أشد المعالجة في ذلك. ومن جملتهم نبينا وّ الذي خاطبه
اللَّه تعالى بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَ ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا
[يوسف:
١٠٣
[الكهف: ٦] وبقوله: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
١٠٣]، وبقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَقَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، ثم الأمة
تختلف كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]،
ج
فمن كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة في الرسالة والنبوة الموجبة
لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو عن وساوس؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في
الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب التعلقات. إذا تقرر
هذا، فمعنى تمنى: أنه يتمنى الإيمان لأمته ويحب لهم الخير والرشد والصلاح
والنجاح، فهذه هي أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في
قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ثم يرحمهم الله فينسخ
ذلك من قلوب المؤمنين، ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة،

كِتَابُ الصَّلَاةِ
* *=
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
ORBa X xxees
٣٥٥
ويبقى ذلك في قلوب المنافقين والكافرين، فيفتتنوا به، فخرج من هذا أن
الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تستمر في قلوب المؤمنين
ولا تبقى، بل تزول وتنمحي بخلاف المنافقين والكافرين، فإنها تدوم وترسخ في
قلوبهم. والله أعلم. وقد بسط العلامة الآلوسي الكلام في تفسير هذه الآية في
((روح المعاني)) (ج ١٧ ص ١٧٢ - ١٨٦) وأجاد، فعليك أن تراجعه.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والبيهقي (ج٢ ص٣١٤).
١٠٣٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَّهَ فِي: ﴿إِذَا
١﴾ و﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [ العلق: ١].
السَّمَاءُ اُنشَقَّتْ
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرُْ
١٠٣٢ - قوله: (سَجَدْنَا مَعَ النَّبِّ وَلَ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴾﴾ و﴿اقْرَأْ بِأَسِْ
رَيِّكَ﴾) هما من المفصل، فهو دليل صريح في ثبوت السجود في المفصل مثل
الحديث السابق. و(شرح الموطأ)) للزرقاني قال بالسجود في المفصل الخلفاء
الأربعة والأئمة الثلاثة وجماعة. ورواه ابن وهب عن مالك وروى عنه ابن القاسم.
والجمهور أن لا سجود فيها؛ لأن أبا سلمة قال لأبي هريرة: لقد سجدت في سورة
ما رأيت الناس يسجدون فيها، فدل هذا على أن الناس تركوه وجرى العمل بتركه.
ورده ابن عبد البر بأن أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفى والخلفاء الراشدين
بعده، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. وروى البخاري وغيره عن أبي رافع قال:
[ الانشقاق: ١] فسجد
صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ. ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ
فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت فيها خلف أبي القاسم وَله، فلا أزال أسجد فيها حتى
ألقاه. ورواه ابن خزيمة بلفظ: ((صليت خلف أبي القاسم فسجد بها))، وكذلك
أخرجه الجوزقي واستدل به البخاري على قراءة السجدة في الصلاة المفروضة
الجهرية. وإليه ذهب الشافعي، ولم يفرق بين الفريضة والنافلة والسرية
(١٠٣٢) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٧٨) فِيهَا، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٥٧٨/١٠٨).

٣٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والجهرية، وهو الحق لحديث أبي هريرة السابق، ولما روى أحمد وأبو داود
والطحاوي والبيهقي والحاكم عن ابن عمر أن النبي ◌َّ سجد في صلاة الظهر ثم
قام فركع، فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة. وروي عن عمر أنه صلى الصبح فقرأ
﴿وَالنَّجْرِ﴾ فسجد فيها. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير أنه صلى الظهر أو
العصر فقال له رجل: صليت خمسًا، فقال: ((إني قرأت بسورة فيها سجدة)). وهذا
كله حجة على من كره ذلك في الصلاة المفروضة مطلقًا، وهو منقول عن مالك،
وعنه كراهته في السرية دون الجهرية، وهو قول بعض الحنفية والحنابلة أيضًا لما
أن فيه إيهامًا وتخليطًا على المأموم إن سجد. قال ابن قدامة في ((المغني)): واتباع
النبي وَلَه أولى، انتهى. وأما القول بأن المنع لعارض وهو شيوع الجهل فلا يشكل
عليه بما ورد في الأحاديث من قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة الجهرية
والسرية، ففيه أن الواجب حينئذٍ تعليم الناس السنة، ورفع جهلهم بالعمل بالسنة
الثابتة لا تركها لجهلهم. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والبيهقي.
١٠٣٣ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ
وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَّعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا
يَسْجُدُ عَلَيْهِ.
[متفق عليه]
الشّرْجُ
١٠٣٣ - قوله: (يَقْرَأُ السَّجْدَةَ) أي: آية سجدة متصلة بما قبلها أو بما بعدها
أو منفردة لبيان الجواز. وقيل: التقدير: يقرأ سورة السجدة، أي: سورة فيها آية
السجدة. ويؤيده ما في رواية للبخاري: ((يقرأ علينا السورة التي فيها السجدة)).
زاد في رواية لأبي داود ((في غير الصلاة)). واحتج به بعضهم على أنه لا يسجد في
الفرض. وهذا تمسك بالمفهوم، وهو لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن القائل بذلك
ذكر صفة الواقعة التي وقع فيها السجود المذكور. وذلك لا ينافي ما ثبت من
(١٠٣٣) مُتَفَقُ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٠٧٥، ١٠٧٦)، ومُسْلِم (١٠٤ / ٥٧٥) فِيهَا عَنْهُ.

٣٥٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ
ـنورة
exnear
سجوده وَّ في الصلاة، كما تقدم. (وَنَحْنُ عِنْدَهُ) جملة حالية. (فَيَسْجُدُ) وَلَه.
(وَنَسْجُدُ) نحن (مَعَهُ فَتَزْدَحِمُ) لضيق المكان، وكثرة الساجدين. وقال القاري: أي
نجتمع حيث ضاق المكان بنا. (حَتَّى مَا يَجِدُ) بالرفع: وقيل: بالنصب. (أَحَدُنَا)
أي: بعضنا، وليس المراد كل واحد، ولا واحد معين، بل البعض غير المعين.
(لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) أي: معهم لضيق الموضع، وشدة الزحام. واختلاط
الناس. وقوله: (يسجد عليه)) في محل النصب؛ لأنه وقع صفة لـ((موضعًا))
المنصوب على المفعولية لـ((يجد)). وقد اختلف فيمن لم يجد مكانًا يسجد عليه،
فقال عمر: يسجد على ظهر أخيه. أخرجه البيهقي بسند صحيح. وبه قال الكوفيون
وأحمد وإسحاق. وقال عطاء والزهري: يؤخر حتى يرفعوا. وبه قال مالك
والجمهور. وهذا الخلاف في سجود الفريضة.
قال الحافظُ: وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة.
ولم يذكر ابن عمر في هذا الحديث ما كانوا يصنعون حينئذٍ، ولذلك وقع الخلاف
المذكور. ووقع في الطبراني من طريق مصعب بن ثابت عن نافع في هذا الحديث
أن ذلك كان بمكة لما قرأ النبي وَلِّ((النَّجْمَ))، وزاد فيه: ((حتى سجد الرجل على
ظهر الرجل)). قال الحافظُ: الذي يظهر أن هذا الكلام وقع من ابن عمر على سبيل
المبالغة في أنه لم يبق أحد إلا سجد، قال: وسياق حديث الباب مشعر بأن ذلك
وقع مرارًا، فيحتمل أن تكون رواية الطبراني بينت مبدأ ذلك. ويؤيده ما رواه
الطبراني أيضًا من رواية المسور بن مخرمة عن أبيه، قال: أظهر أهل مكة الإسلام
- يعني: في أول - الأمر حتى إن كان النبي ◌َّه يقرأ السجدة فيسجد، وما يستطيع
بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قدم رؤساء مكة، وكانوا في الطائف،
فرجعوهم عن الإسلام. والحديث يدل على مشروعية السجود لمن سمع الآية التي
يشرع فيها السجود إذا سجد القارئ لها. واستدل به البخاري على السجود لسجود
القارئ حيث بوب عليه باب من سجد لسجود القارئ، وقال ابن مسعود لتميم بن
حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة، فقال: اسجد، فإنك إمامنا فيها. قال الحافظُ في
الترجمة: إشارة إلى أن القارئ إذا لم يسجد لم يسجد السامع. ويتأيد بما أخرجه
ابن أبي شيبة مرفوعًا من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم، أن غلامًا قرأ عند النبي
وَّه السجدة، فانتظر الغلام النبي ◌َّ أن يسجد، فلما لم يسجد قال: يا رسول الله،

٣٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أليس في هذه السجدة سجود؟ قال: ((بلی. ولكنك كنت إمامنا فيها، ولو سجدت
لسجدنا»، رجاله ثقات إلا أنه مرسل. وقد روي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار
مرسلًا مرفوعًا نحوه أخرجه الشافعي والبيهقي (ج٢: ص ٣٢٤) وقال القسطلاني:
معنى قوله: أنت إمامنا أي: متبوعنا لتعلق السجدة بنا من جهتك، وليس معناه إن
لم تسجد لم نسجد؛ لأن السجدة كما تتعلق بالقارئ تتعلق بالسامع غير القاصد
السماع والمستمع القاصد، لكنها في المستمع والسامع عند سجود القارئ آكد
منها عند عدم سجوده؛ لما قيل: إن سجودهما يتوقف على سجوده، وإذا سجدا
معه فلا يرتبطان به، ولا ينويان الاقتداء به، ولهما الرفع من السجود قبله، انتهى.
وقال ابن قدامة: إذا لم يسجد التالي لم يسجد المستمع. عند الحنابلة، وبه قالت
المالكية وقال الشافعي: يسجد، انتهى. وبه قالت الحنفية. والظاهر عندي: ما
ذهب إليه الحنابلة والمالكية من أنه إذا لم يسجد القارئ لم يسجد السامع لحديث
زيد بن أسلم وعطاء، ولأثر ابن مسعود. واختلفوا أيضًا في اشتراط قصد السماع
قال ابن قدامة في ((المغني)): يسن السجود للتالي والمستمع لا نعلم في هذا خلافًا .
وقد دلت عليه الأحاديث، فأما السامع غير القاصد فلا يستحب له. روي ذلك عن
عثمان وابن عباس وعمران، وبه قال مالك. وقال أصحاب الرأي: عليه السجود،
وروي نحو ذلك عن ابن عمر والنخعي وسعيد بن جبير ونافع وإسحاق؛ لأنه سامع
للسجدة، فكان عليه السجدة كالمستمع. وقال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود،
وإن سجد فحسن. ولنا ما روي عن عثمان أنه قال: إنما السجدة على من استمع.
وقال ابن مسعود وعمران: ما جلسنا لها، وقال سلمان: ما غدونا لها. ونحوه عن
ابن عباس، ولا مخالف لهم في عصرهم، إلا قول ابن عمر: إنما السجدة على من
سمعها، فيحتمل أنه أراد من سمع عن قصد جمعًا بين أقوالهم، انتهى.
واختلفوا أيضًا في اشتراط ذكورة التالي، وكونه مكلفًا لسجود السامع. فذهب
الشافعية والحنفية إلى عدم اشتراط ذلك لعموم ما ورد من السجود على السامع،
وقالت الحنابلة والمالكية: يشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن
يكون إمامًا يصح أن يقتدى به. واستدلوا بما تقدم من قوله ◌ّ لتالٍ عنده لم يسجد :
((كنت أمامنا)). وأجاب عنه في ((البرهان)) بأن المراد منه: كُنْتَ حَقِيقًا أن تَسْجُدَ
قَبْلَنَا، لا حقيقة الإمامة. (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والبيهقي.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ سُجُودِ الْقُرْآن
Es* *
٣٥٩
١٠٣٤ - [٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ
وَالنَّجْرِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٠٣٤ - قوله: (قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه ﴿ وَالنَّجْرِ﴾﴾ أي: سورتها إلى
آخرها. (فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) لبيان الجواز؛ لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود.
واستدل بالحديث من لا يرى السجود في المفصل كمالك، أو أن النجم
بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور، وحمل ما جاء في سجود النجم على النسخ
لكونه كان بمكة، ولأنه لو كان باقيًا من غير نسخ ما عدل أهل المدينة عن العمل
به. وأجيب: بأن ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقًا لاحتمال
أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت
كراهة فأخره، فظن زيد أنه ترك مطلقًا، أو لكون القارئ إمامًا للسامع، فترك
السجود اتباعًا لزيد؛ لأنه القارئ فهو إمام، وترك زيد لأجل صغره، أو لعل معنى
كلام زيد أنه لم يسجد في الحال، أي: على الفور بل أخره، ذكره العيني وغيره من
الحنفية، أو ترك حينئذٍ لبيان الجواز.
قال الحافظُ: وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي؛ لأنه لو كان واجبًا
لأمره بالسجود ولو بعد ذلك. وقد تقدم حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة،
وهما صريحان في السجود في المفصل: وكذا حديث ابن مسعود الآتي. وروى
البزار والدار قطني عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي وقّ سجد في سورة النجم
وسجدنا معه. قال الحافظ في ((الفتح)): رجاله ثقات. وروى ابن مردويه في
((تفسيره)) بإسناد حسنه الحافظ عن أبي هريرة أنه سجد في خاتمة النجم، فسئل عن
ذلك، فقال: إنه رأى النبي والجلوسجد فيها. وقد تقدم أن أبا هريرة إنما أسلم بالمدينة
سنة سبع من الهجرة. قال الحافظُ: وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن
يزيد عن عمر أنه سجد في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾، ومن طريق نافع عن ابن عمر: أنه
(١٠٣٤) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٧٢)، ومُسْلِم (١٠٦ / ٥٧٧) فِيهَا عَنْهُ، والنَّسَائِي (١٦٠/٢).