Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(كَانَتْ) أي: المثوبة. (قَالَ) أي: أنس، قال رسول اللَّه وَ له: (تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ)
صفة لحجة وعمرة، كررها ثلاثًا للتأكيد، وقيل: أعاد القول؛ لئلا يتوهم أن التأكيد
بالتمام، وتكراره من قول أنس، قال الطيبي: هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص
بالكامل؛ ترغيبًا للعامل، أو شبه استيفاء أجر المصلي تامًا بالنسبة إليه باستيفاء أجر
الحاج تامًا بالنسبة إليه. وأما وصف الحج والعمرة بالتمام فإشارة إلى المبالغة،
انتھی .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه، وفي سنده أبو ظلال هلال بن أبي هلال، ويقال: هلال
ابن أبي مالك. واختلف أيضًا في اسم أبيه القسملى البصري الأعمى، ضعفه
أكثرهم، وجعله البخاري مقارب الحديث فيما رواه الترمذي عنه، وقال الذهبي في
((الميزان))، والحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قال البخاري: عنده مناكير. وقال
الذهبي في ((الكنى)): واوٍ بمرة. وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف مشهور
بكنيته، انتهى. وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده، منها: حديث أبي أمامة عند
الطبراني، قال المنذري في ((الترغيب))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠ :
ص١٠٤): إسناده جيد، ومنها: حديث أبي أمامة، وعتبة بن عبد عند الطبراني
أيضًا. قال المنذري: وبعض رواته مختلف فيه. قال: وللحديث شواهد كثيرة،
انتهى. وقال الهيثمي بعد ذكره: رواه الطبراني، وفيه الأحوص بن حكيم وثقه
العجلي وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف لا يضر،
انتهى. وفي الباب أحاديث عديدة ذكرها المنذري في ((الترغيب))، والهيثمي في
«مجمع الزوائد» (ج١: ص١٠٤).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
٢٠١
الفصل الثالث
٩٧٩ - [١٤] عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسِ قَالَ: صَلَّى بِنَا إِمَامٌ لَنَا يُكْنَى: أَبَا
رِمْثَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ - أَوْ مِثْلَّ هَذِهِ الصَّلَاةِ - مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ. قَالَ:
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدِّمِ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ
التَّكْبِيرَةَ الْأُوَلَى مِنَ الصَّلَاةِ، فَصَلَّى نَبِيُّ اللّهِّ ◌َّهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ
يَسَارِهِ حَتَّى رَأَبْنَا بَيَاضَ خَدَّيْهِ، ثُمَّ انْفَتَلَ كَانْفِتَالٍ أَبِي رِمْئَةَ - يَعْنِي: نَفْسَهُ -
فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِي أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ يَشْفَعُ، فَوَثَبَ عُمَرُ،
فَأَخَذَ بِمِنْكَبَيْهِ فَهَزَّهُ، ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ، فَإِنَّهُ لَنْ يُهْلِك أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ
يَكُنْ بَيْنَ صَلَاتِهِم فَصْلٌ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ وَّهِ بَصَرَهُ، فَقَالَ: ((أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا
ابْنَ الْخَطَّابِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٩٧٩ - قوله: (عَنِ الأَزْرَقِ) بفتح الهمزة وتقديم الزاي المعجمة على الراء
المهملة آخره قاف. (بْنِ قَيْسٍ) الحارثي البصري، ثقة من أوساط التابعين، مات
بعد العشرين والمائة. (يُكْنَىَّ) بالتخفيف ويشدد. (أَبَا رِمْثَةَ) بكسر أوله وسكون
الميم، بعدها مثلثة البلوي التيمي من تيم الرباب، ويقال: التميمي. ويقال: هما
اثنان، قيل: اسمه رفاعة بن يثربي، ويقال: عكسه. ويقال: يثربي بن عوف.
ويقال: عمارة بن يثربي، وقيل: حيان بن وهيب. وقيل: حبيب بن حبان. وقيل :
جندب. وقيل: خشخاش. صحابي له أحاديث، قال ابن سعد: مات بإفريقية. قال
في (الإصابة)) (ج٤: ص ٧٠): روى عنه إياد بن لقيط، وثابت بن منقذ. روى له
أصحاب السنن الثلاثة، وصحح حديثه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. (قَالَ)
أي: أبو رمثة. وفي أبي داود ((فَقَالَ)) أي: بزيادة الفاء (صلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ) قال
القاري: الإشارة هنا ليست للخارج؛ لأن عين المشار إليه الواقع في الخارج لم
(٩٧٩) أَبُو دَاوُد (١٠٠٧) في الصَّلاة عنه.

٢٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يصله معه عليه السلام، وإنما الذي صلاه معه نظيره، فتعينت الإشارة للحقيقة
الذهنية الموجودة في ضمن هذه الخارجية وغيرها؛ ولذا قال: (أَوْ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ)
على الشك. (قَالَ) أي: أبو رمثة. (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّم
عَنْ يَمِينِهِ) لقوله ◌َّهِ: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)). وقوله: ((إن الله وملائكتةً
يصلون على ميامن الصفوف)). وفيه: إفادة الحث على أنه يسن تحري الصف
الأول، ثم تحري يمين الإمام؛ لأنه أفضل.
(قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى) أي: تكبيرة التحريمة، فإنها الأولى حقيقة. (مِنَ
الصَّلَاةِ) احتراز من التكبير المعتاد بعد الصلاة، ووجه ذكر التكبيرة الأولى أي:
تكبير التحريمة التنبيه على أن مدركها إنما قام عقب صلاته لصلاة السنة، لا لكونه
مسبوقًا بقي عليه شيء يقوم لإكماله. (ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ) أي: سلم
مجاوزًّا نظره عن يمينه وعن يساره، كما يسلم أحد على من في يمينه ويساره. (حَتَّی
رَأَيْنَا) متعلق بالمقدر المذكور. (بَيَاضَ خَدَّيْهِ) أي: من طرفي وجهه أي: خده
الأيمن في الأولى، والأيسر في الثانية.
(ثُمَّ انْفَتَلَ) أي: انصرف النبي وَِّ. (كَاتْفِتَالِ أَبِي رِمْثَةَ) أي: كانفتالي جرد عن
نفسه أبا رمثة، ووضعه موضع ضميره؛ مزيدًا للبيان؛ واستحضارًا لتلك الحال في
مشاهدة السامع، كما قاله الطيبي. ولذا قال الراوي. (يَعْنِي) أي: يريد أبو رمثة
بقوله: أبي رمثة. (نَفْسَهِ) أي: ذاته لا غيره. (يَشْفَعَ) بالتخفيف ويشدد، قال
الطيبي: الشفع: ضم الشيء إلى مثله، يعني قام الرجل يشفع الصلاة بصلاة
أخرى. (فَوَثَبَ عُمَرُ) أي: قام بسرعة، وفي أبي داود ((فَوَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ)). (بِمَنْكِبَيْهِ)
بالتثنية. (فَهَزَّهُ) بالتشديد أي فحركه بعنف. (فَإِنَّه) أي: الشأن. (لَنْ يُهْلِكَ) كذا في
جميع النسخ ((للمشكاة))، وفي ((سنن أبي داود)) ((لَمْ يُهْلِك)). والظاهر أن ما في
((المشكاة)) خطأ من المصنف أو من الناسخ وهو بضم الياء.
(أَهْلَ الْكِتَابِ) بالنصبِ ويجوز فتح الياء ورفع أهل. (إِلَّا أَنَّهُ) أي: الشأن، وفي
بعض النسخ لأبي داود ((إِلَّا أَنَّهُمْ)). (لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَاتِهِم) أي: بين صلواتهم؛ إذ
(بَيْنَ)) لا يدخل إلا على متعدد. (فَصْلٌ) الفصل بين الفريضة والسنة قد يكون
بالتنحي والتحول، أي: التقدم أو التأخر، وقد يكون بالزمان سواء اشتغل فيه
بالذكر أو كان ساكنًا عنه، والظاهر أن المراد بالفصل هاهنا الفصل بالزمان لا

٢٠٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
الفصل بالتقدم أو التأخر؛ لأنه قال عمر للرجل الذي قام يشفع بعد السلام:
اجلس، ولم يقل: تقدم أو تأخر. وإيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب يدل
على أنه فهم من عدم الفصل فيه ترك الذكر بعد الصلاة، يعني فينبغي للمصلي أن
يشتغل بعد السلام بالذكر الوارد ثم يصلي الراتبة، ففيه دليل على عدم وصل
التطوع بالفريضة. قال الطيبي: يحتمل أن يراد بعدم الفصل ترك الذكر بعد
السلام، والتقدير: لن يهلكهم شيء إلا عدم الفصل، واستعمل ((لَنْ)) في الماضي
معنى ليدل على استمرار هلاكهم في جميع الأزمنة، قال الجوهري: هلكه يهلكه
وهلك بنفسه هلاكًا، انتهى. وفي ((القاموس)): هلك كضرب ومنع وعلم ملكًا -
بالضم - ومهلکة و تهلکة مثلثي اللام مات، وأهلكه واستهلكه وهلکه یھلکه لازم
ومتعدٍ، انتهى. وعلى تقدير كونه لازمًا في الحديث فالتقدير: ما هلكوا إلا لعدم
كون الفصل بين صلاتهم. وقال ابن حجر: أي: ما هلك أهل الكتاب بشيء فعلوه
عقب صلاتهم فإنهم هلكوا بأشياء كثيرة غير هذا، فتعين رعاية خصوص ما قدرت؛
خلافًا لمن قدر عامًّا بسائر أحواله، انتهى. قال القاري: يريد به ابن حجر
الاعتراض على الطيبي، والظاهر أن هذا الهلاك مختص بمصليهم بخلاف سائر
أسباب الهلاك، أو الحصر ادعائي للمبالغة، والله أعلم، انتهى.
(فَرَفَعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بَصَرَهُ) أي: إليهما. (أَصَابَ اللَّهُ بِكَ) قيل: الباء زائدة، وقيل:
الباء للتعدية والمفعول محذوف، أي: أصاب اللَّه بك الرشد. وقال الطيبي: من
باب القلب، أي: أَصَبْتَ الرشد فيما فعلت بتوفيق الله وتسديده، ونظيره: عرضت
الناقة على الحوض، أي: عرضت الحوض على الناقة، وهو باب واسع في
البلاغة. وقال ابن حجر: الهمزة للتعدية، والباء زائدة للتأكيد، والتقدير: أصابك
اللَّه الحق، أي: جعلك مصيبًا له في سائر أقوالك وأفعالك. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
وسكت عنه، وقال المنذري: في إسناده أشعث بن شعبة، والمنهال بن خليفة،
وفيهما مقال، انتهى. ويشهد له ما روى أحمد وأبو يعلى، عن عبد الله بن رباح،
عن رجل من أصحاب النبي وَله: أن رسول اللَّه وَ له صلى العصر، فقام رجل
يصلي، فرآه عمر، فقال له: اجلس، فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم
فصل، فقال رسول اللَّه وَلّ: ((أحسن ابن الخطاب)). ذكره الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج٢: ص٢٣٤) وقال: رجال أحمد رجال صحيح.

٢٠٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
٩٨٠ - [١٥] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نُسَبِّحَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ
ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ، وَنَحْمَدَ ثَلَّا وَثَّلَاثِينَ، وَنُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَأُنِيَ رَجُلٌ فِي
الْمَنَامِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ أَنْ تُسَبِّحُوا فِي دُبُرٍ كُلُّ
صَلَاقٍ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي مَنَامِهِ: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْعَلُوهَا خَمْسًا
وَعِشْرِينَ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى
النَّبِيِّ وَّهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((فَافْعَلُوا)) .
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِي وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشّرْجُ
٩٨٠ - قوله: (أُمِرْنَا) بصيغة المجهول أي: أمر ندب. (فِي دُبُرِ كُلُّ صَلَاةٍ)
أي: عقب كل فريضة، ورواية النسائي بلفظ: قال، أي: زيد بن ثابت: أمروا أن
يسبحوا دبر كل صلاة ... إلخ. (وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) أي: في دبر كل صلاة.
(وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ) أي: تكملة للمائة. (فَأَتِيَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول.
(رَجُلٌ فِي الْمَنَامِ مِنَ الأَنْصَارِ) أي: فأتاه ملك في منامه. قال الطيبي: لعل هذا
الآتي من قبيل الإِلهام بنحو ما كان يأتي لتعليم رسول اللَّه وَّل في المنام، ولذا قرره
بقوله يعني الآتي ((فَافْعَلُوا)) وهذه الصورة أجمع لاشتمالها على التهليل أيضًا،
والعدد العدد، انتهى.
وفيه أن الإلهام يغاير المنام كما لا يخفى. (فَقِيلَ لَهُ) أي: فقال الآتي في المنام
للرجل الأنصاري النائم. (أَمَرَكُمْ) بتقدير الاستفهام. (كَذَا وَكَذَا) أي: من العدد،
والإبهام من المصنف؛ لأن العدد المذكور قبل موجود هاهنا عند الثلاثة. (قَالَ)
أي: الآتي: إذا كنتم تأتون بمائة ولا بد. (فَاجْعَلُوهَا) أي: الأذكار الثلاثة.
(وَاجْعَلُوا فِيهَا) أي: في الأذكار.
(التَّهْلِيلِ) أي: لا إله إلا اللَّه خمسًا وعشرين أيضًا؛ لأنه أفضل الأذكار وفي
حديث ابن عمر: ((وهللوا خمسًا وعشرين))، فيكون مجموع هذه الأذكار مائة
(٩٨٠) أَحْمَد (٥/ ١٨٤)، والنَّسَائِي (٣/ ٧٦) في الصَّلاة عنه.

كِتَابُ الصَّلاةِ
t axE
بَابُ الذكَّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
٢٠٥
أيضًا، قال الطيبي: الفاء للتسبب مقررة من وجه ومغيرة من وجه، أي: إذا كانت
التسبيحات هذه، والعدد مائة فقرروا العدد، وأدخلوا فيها التهليل، انتهى.
والظاهر أن يكون التهليل قبل التكبير مراعاة للترتيب المشهور الوارد في
((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر))، ويؤيده لفظة ((فِيهَا)). (فَلَمَّا
أَصْبَحَ) أي: الأنصاري. (غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ◌ََّ) أي: ذهب إليه في الغدو أي أول
النهار. (فَأَخْبَرَهُ) بما رأى في المنام. (فَافْعَلُوا) لعل المراد فاعملوا به أيضًا. وقال
ابن حجر: إن رأيتم ذلك ولا بد، فافعلوا، ومر أن ذلك أعني الخمس والعشرين
من الأنواع الأربعة سنة، والحجة على ذلك هي قوله تعالَّ ((فَافْعَلُوا)) لا مجرد ذلك
المنام؛ لأنه لا عبرة بخواطر من ليس بمعصوم لا في اليقظة ولا في النوم، كذا في
((المرقاة)). قلتُ: قوله وَّه: ((فَافْعَلُوا)) تقرير لرؤيا الأنصاري؛ لكونها صالحة
صحيحة، والرؤيا الصالحة من اللَّه فصار هذا بتقريره وَّيّ أحد طرق هذا الذكر،
وإن لم يقرره وَل لم يكن حجة، ورواية النسائي بلفظ: ((اجعلوها كذلك)) قال
السندي: هذا يقتضي أنه الأولى لكن العمل على الأول لشهرة أحاديثه، والله
أعلم. وليس هذا من العمل برؤيا غير الأنبياء بل هو من العمل بقوله وَل، فيمكن
أنه علم بحقيقة الرؤيا بوحي أو إلهام، أو بأي وجه كان، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص١٨٤، ١٩٠). (وَالنَّسَائِيُّ) قال مَيْرَك: واللفظ له.
قلتُ: اللفظ الذي ذكره المصنف هو لأحمد (ج٥: ص١٨٤) وليس للنسائي ولا
للدارمي، وبين ألفاظ هؤلاء الأئمة الثلاثة اختلاف يسير، كما لا يخفى على من
جعل ألفاظ الثلاثة نصب عينه. (والدَّارِمِي) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان
في ((صحيحيهما))، والحاكم في ((المستدرك)) (ج١: ص٢٥٣) وصححه ووافقه
الذهبي، وأخرج النسائي، وجعفر الفريابي عن ابن عمر بنحو حديث زيد بن
ثابت. قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر لفظيهما: واستنبط من هذا أن مراعاة العدد
المخصوص في الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن أن يقال لهم: أضيفوا لها التهليل
ثلاثًا وثلاثين، وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب
الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتي بها على العدد المذكور، لا
يحصل له ذلك الثواب المخصوص، لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة
وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد.

Beex
٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي في ((شرح الترمذي)): وفيه نظر؛ لأنه أتى
بالمقدار الذي رتب الثواب على الإتيان به فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من
جنسه كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله، انتهى. ويمكن أن يفترق
الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة
فالأمر كما قال شيخنا لا محالة، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب رتب على عشرة
مثلًا فرتبه هو على مائة فيتجه القول الماضي. وقد بالغ القرافي في ((القواعد))، فقال:
من البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا؛ لأن شأن العظماء إذا
حددوا شيئًا أن يوقف عنده، ويعد الخارج عنه مسيئًا للأدب، انتهى.
وقد مثله بعض العلماء بالدواء يكون فيه مثلًا أوقية سكر، فلو زيد فيه أوقية
أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء ثم استعمل من السكر
بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع، ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل
منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد
المخصوص. لما في ذلك من قطع الموالاة، لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك
حكمة خاصة تفوت بفواتها، انتهى كلام الحافظ.
٩٨١ - [١٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ عَلَى أَعْوَادِ هَذَا
الْمِنْبَرِ يَقُولُ: ((مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبِرِ كُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولٍ
الْجَنَّةَ إِلَّا الْمَوْتَ، وَمَنْ قَرَأَهَا حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعُهُ آمَنَهُ اللهُ عَلَى دَارِهِ وَدَارٍ
جَارِهِ وَأَهْلِ دُويْرَاتٍ حَوْلَهُ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي شُعَبِ الْإِيْمَانِ،
وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ] {موضوع}
الشَّرْجُ
٩٨١ - قوله: (وَعَنْ عَلِيّ) بن أبي طالب. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ﴾) حال كونه.
(٩٨١) البَيْهَقِي (٢٣٩٥) في ((الشُّعَب)) عنه، وقالَ: سنده ضعيف. قلت: له شاهد في النَّسَائِي في
((الكبرى)) (٩٩٢٨) صحيح عن أبي أمامة. وغفل ابنُ الجوزيِّ تَخْلَهُ فذكرَهُ في ((الموضوعات))
(٤٧٦) وهو من أسمج ما وقع له.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
٢٠٧
(عَلَى أَعْوَادِ هَذَا الْمِنْبَرِ) ذكر هذا للدلالة به على مزيد البيان والاستحضار لتلك
الواقعة. (دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) أي: مكتوبة، كما في رواية أبي أمامة عند الطبراني،
والنسائي، وابن حبان. (لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ) أيُّ: مانع. (إِلَّا الْمَوْتَ)
الحديث بظاهره مشكل؛ لأن الموت ليس بمانع من دخول الجنة، بل هو موصل
إلى دخولها، فكان الظاهر أن يقول: لم يمنعه من دخول الجنة إلا الحياة، فإن
استمرار الحياة وبقاء الإنسان في هذا العالم هو الذي يمنعه من دخولها، فما دام
الرجل حيًّا لا يدخل الجنة. وأجيب عنه: بأن المضاف فيه محذوف، أي: لا يمنعه
من دخولها إلا عدم موته، حذف لدلالة المعنى عليه، واختصت آية الكرسي بذلك
لما اشتملت عليه من أصول الأسماء والصفات الإلهية، والوحدانية، والحيوة،
والقيومية، والعلم، والملك، والقدرة، والإرادة. وقيل: المعنى لم يمنعه من
دخول الجنة معجلًا إلا حصول الموت وكونه شرطًا لدخولها، ولو لم يكن الموت
شرطًا لدخولها لدخل الجنة معجلا وبالفعل، ويقرب منه، ما قال التفتازاني من أن
معنى الحديث: أنه لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت، فكأن الموت يمنع،
ويقول لا بد من حضوري أولا ليدخل الجنة. وقيل: المراد من الموت في
الحديث: كون العبد في البرزخ قبل البعث فإذا بعث يوم القيامة يدخل الجنة من
غير توقف. وقيل: المقصود أنه لا يمنع من دخول الجنة شيء من الأشياء البتة،
فإن الموت ليس بمانع من دخول الجنة بل قد يكون موجبًا لدخولها، فهو من قبيل
[قول النابغة من الطويل]:
بِهِنَّ فَلُول مِنْ قِرَاع الْكَتَائِبِ
وَلَا غَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سيُوفَهُم
وهذا ليس بعيب فلا عيب فيهم أصلًا، فيكون من باب تأكد المدح بما يشبه
الذم. وقال الطيبي: أي: الموت حاجز بينه وبين دخول الجنة، فإذا تحقق وانقضى
حصل دخوله، ومنه قوله عليه السلام: ((الموت قبل لقاء الله))، انتهى. (مَضْجَعهُ)
أي: مكانه للنوم. (آمَنَهُ اللَّهُ) أي: جعله آمنًا أي: أمن خوفه من كل مكروه. (علی
داره) أي: على ما في داره.
(وَدَارِ جَارِهِ) أي: مالاً ونفسًا، وغيرهما. (وَأَهْلِ دُويْرَاتٍ) جمع دويرة تصغير
دار. (حَوْلَهُ) بالنصب ظرف. قال ابن حجر: أي: وإن لم يلاصق داره، فأريد
بالجار هنا حقيقته وهو الملاصق، وإن كان عرفًا يشمله وغيره إلى أربعين دارا من

٢٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كل جهة من الجهات الأربع. قال الطيبي: عبر عن عدم الخوف بالأمن وعداه
بـ((على))، أي: لم يخوفه على أهل داره وهو أهله، ودويرات حوله أن يصيبهم
مكروه أو سوء كقوله تعالى. ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١]. قال صاحب
الكشاف: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير؟، انتهى. والحديث يدل على فضيلة
آية الكرسي، واستحباب قراءتها دبر كل صلاة مكتوبة، وعند النوم.
(رَوَاهُ الْبَيْهَِي). (وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيف) قلتُ: هو ضعيف جدًّا فإن فيه ضعيفًا
وآخر كذابًا، ولذلك أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) من رواية الحاكم،
وعنه رواه البيهقي، ثم قال ابن الجوزي: حبة ضعيف، ونهشل كذاب، انتهى.
نعم، للشطر الأول من الحديث شاهد قوي، رواه النسائي وابن حبان والطبراني
من حديث أبي أمامة بلفظ: قال رسول اللّه وَله: ((من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة
لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)). قال الحافظ في ((بلوغ المرام)):
رواه النسائي، وصححه ابن حبان، وزاد فيه الطبراني. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
[الإِخلاص: ١] انتهى.
وقال المنذري في ((الترغيب)): رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح.
وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط البخاري، وابن حبان في كتاب الصلاة
وصححه، وزاد الطبراني في بعض طرقه ((وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ))، وإسناده بهذه الزيادة
جيد أيضًا، انتهى. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠: ص١٠٢): رواه
الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد أحدها جيد، انتهى. قال الشوكاني في ((تحفة
الذاكرين)) (ص١١٧): وقد أخرج هذا الحديث الدمياطي من حديث أبي أمامة،
وعلي، وعبد الله بن عمرو، والمغيرة، وجابر وأنس رضي الله عنهم، وقال: وإذا
انضمت هذه الأحاديث بعضها إلى بعض أحدثت قوة، انتهى. قلتُ: اختلاف
طرق الحديث وتعدد مخارجه يدل على أن للحديث أصلًا صحيحًا، ويؤيده ما روي
عن الحسن بن علي مرفوعًا بلفظ: ((من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة
كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى))، قال المنذري والهيثمي: رواه الطبراني
بإسناد حسن.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
**
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
Beact
٢٠٩
٩٨٢ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمِ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((مَنْ قَالَ
قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَيَثْنِيَ رِجْلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْلُكَ، وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، يُخْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ. كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَتْ
عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ،
وَحِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِذَنْبِ أَنْ يُدْرِكُهُ إِلَّ الشِّرْكُ، وَكَانَ مِنْ
أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا، إِلَّا رَجُلًّا يَفْضُلُهُ يَقُولَُ أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ)).
الشَّرْجُ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
٩٨٢ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَْم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون.
أشعري، مختلف في صحبته، وذكره العجَّلي في كبار ثقات التابعين، وهذا هو
الحق. قال ابن عبد البر: عبد الرحمن بن غنم الأشعري جاهلي، كان مسلمًا على
عهد رسول اللَّه ◌َ له ولم يره، ولازم معاذ بن جبل منذ بعثه النبي ◌َّ إلى اليمن إلى
أن مات معاذ، وكان من أفقه أهل الشام. وهو الذي فقّه عامة التابعين بالشام،
وكانت له جلالة، وقد روى عن قدماء الصحابة مثل عمر بن الخطاب، ومعاذ بن
جبل. مات سنة (٧٨) وذكره الحافظ في ((الإصابة)) (ج ٣: ص٩٧، ٩٨) في القسم
الثالث من حرف العين؛ وقال: تابعي شهير، له إدراك وهاجر في زمن عمر،
واختص هذا القسم للمخضرمين الذين أدركوا زمن النبي ◌َّ ولم يروه، سواء
أسلموا في حياته أم لا: قال: وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث،
وإن كان بعضهم قد ذكر بعضهم في كتب معرفة الصحابة فقد أفصحوا بأنهم لم
يذكروهم إلا لمقاربتهم لتلك الطبقة، لا أنهم من أهلها، وممن أفصح بذلك ابن
عبد البر، وقبله أبو حفص بن شاهين، وأحاديث هؤلاء عن النبي ◌َّ مرسلة
بالاتفاق بين أهل العلم بالحديث، وقد صرح ابن عبد البر نفسه بذلك في ((التمهيد))
(٩٨٢) أَحْمَد (٤/ ٢٢٧) من حديث عبدالرحمن بن غنم. والتِّرْمِذِي (٣٤٧٤) في الدعوات من طريق
عبدالرحمن المذكور عن أبي ذرِّ رَوَّهُ.

٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وغيره من كتبه. (قَبْل أَنْ يَنْصَرِفَ) أي: من مكان صلاة. (وَيُثْنِي) بفتح الياء أي
وقبل أن يثني. (رِجْلَيْهِ) بالتثنية أي يعطفهما ويغيرهما عن هيئة التشهد، وفي
((المسند)) (ج٤: ص ٢٢٧) ((رِجْلَهُ)) بالإفراد، وكذا في ((مجمع الزوائد)) (ج١ :
ص ١٠٧).
(مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْح) تنازع فيه الفعلان، وفي حديث عبد الرحمن بن
غنم عن أبي ذر عند الترمذي: ((من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجليه قبل أن
يتكلم)). قال الجزري: أي: عاطف رجليه في التشهد قبل أن ينهض. وقوله: ((من
قال قبل أن يثنى رجليه)) هذا ضد الأول في الأول ومثله في المعنى؛ لأنه أراد قبل أن
يصرف رجله عن حالته التي هو عليها في التشهد. (كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ) أي: من
المرات أو من الكلمات. (وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ) والمحو أبلغ من الغفران.
(وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ) يجوز في مثل هذا تذكير الفعل وتأنيثه، ولذا ذكر الفعل فيها
وفي القرينة الأولى، أما التأنيث فلاكتساب لفظ عشر التأنيث من الإضافة، وأما
التذكير فبظاهر اللفظ. (وَكَانَتْ) أي: الكلمات. (لَهُ) أي: للقائل وليس هذا اللفظ
في ((المسند)). (حِرْزًا) حفظًا. (مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ) من الآفات. (وَحِرْزًّا مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّجِيم) تخصيص بعد تعميم؛ لكمال الاعتناء به، وفي حديث أبي ذر: وكان. (أى
القائل) يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان. (وَلَمْ يَحِلَّ)
بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام، وفي حديث أبي ذر: ((لم ينبغ)) أي: لم يجز.
(لِذَنْبِ أَنْ يُدْرِكَهُ) أي: يهلكه ويبطل عمله، زاد في حديث أبي ذر: ((في ذلك
اليوم). (إِلَّا الشِّرْكُ) أي: إن وقع منه، وهو بالرفع، قال الطيبي: فيه استعارة ما
أحسن موقعها فإن الداعي إذا دعا بكلمة التوحيد فقد أدخل نفسه حرمًا آمنًا فلا
يستقيم للذنب أن يحل ويهتك حرمة الله، فإذا خرج عن حرم التوحيد أدركه الشرك
لا محالة، والمعنى: لا ينبغي لذنب أي ذنب كان أن يدرك الداعي ويحيط به من
جوانبه، ويستأصله سوى الشرك، كما قال تعالى. ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَخَطَتْ
بِهِ، خَطِيَتَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] يعني: استولت عليه، وشملت جملة أحواله حتى صار
كالمحاط بها، لا يخلو عنها شيء من جوانبه، وهذا إنما يصح في شأن المشرك؛
لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم يحط به، انتهى.
وقيل: المعنى لم يؤاخذ بذنبه إلا بذميمة الشرك. قال الله تعالى. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
٢١١
يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨]. (إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ) فيه دليل
على أن الزيادة على العدد المذكور لا تكون مزيلة لذلك الثواب، بل تكون سببًا
لزيادة الأجر. (يَقُولُ) بدل أو بيان لقوله: ((يَفْضُلُهُ)) وقوله: (أفضل مما قال) يحتمل
أنه يدعو به أكثر، وأنه يأتي بدعاء أو قراءة أكثر منه، قاله الطيبي.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص٢٢٧). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠ :
ص١٠٨): رجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وحديثه حسن، انتهى.
قلتُ: رواية أحمد هذه مرسلة؛ لأن عبد الرحمن بن غنم تابعي على القول
الصحيح، أدرك النبي ◌َّ ولم يَرَه، ولم يسمع منه، والظاهر أنه أخذ هذا الحديث
من أبي ذر كما يدل عليه رواية الترمذي.
٩٨٣ - [١٨] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: ((إِلَّ الشِّرُْك)
وَلَمْ يَذْكُر: ((صَلَاةَ الْمَغْرِبِ)) وَلَا ((بِدِهِ الْخَيْرِ)).
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
الشَّرْجُ
٩٨٣ - قوله: (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) أي: في الدعوات من طريق شهر بن
حوشب عن عبد الرحمن بن غنم. (عَنْ أَبِي ذَرٍّ ... ) إلخ. وحديث أبي ذر هذا أخرجه
أيضًا النسائي، والطبراني في ((الأوسط)). وفي الباب عن جماعة من الصحابة،
ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ١٠: ص ١٠٧، ١٠٨).
G تنبيه:
ظاهر أحاديث الباب أن هذه الفضائل لكل ذاكر، وذكر القاضي عن بعض
العلماء أن الفضل الوارد في مثل هذه الأعمال الصالحة والأذكار إنما هو لأهل
الفضل في الدين، والطهارة من الجرائم العظام، وليس من أصر على شهواته،
(٩٨٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح

٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وانتهك دين اللَّه وحرماته بلاحق بالأفاضل المطهرين من ذلك، ويشهد له قوله
تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَجُوْ اُلسَّيِّئَاتِ أَن ◌َّْعَلَهُمْ كَذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾
الآية [الجاثية: ٢١]، ونحو ذلك نقل الزرقاني عن ابن بطال، ولا يتوهم من هذا أن
ذلك يذهب ضائعًا بلا فائدة، بل المراد أن من كان هذا شأنه لا يحصل له ما وعد
على هذه الأذكار من الأجر والثواب ولا يلتحق بأهل الفضل والكمال في الدين
بإدمان الذكر مع الإصرار على الشهوات والمعاصي، وإن كان ذلك لا يخلو عن
فائدة ونفع .
٩٨٤ - [١٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَوْتَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ بَعَثَ بَعْنًا قِبَلَ
نَجْدٍ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ، فَقَالَ رَجَلٌ مِنَّا لَمْ يَخْرُجْ: مَا
رَأَبْنَا بَعْثًا أَسْرَعَ رَجْعَةً وَلَا أَفْضَلَ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ ! فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلِ: ((أَا
أَدُلَّكُمْ عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلَ غَنِيمَةً وَأَفْضَلَ رَجْعَةً؟ قَوْمٌ شَهِدُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمّ
جَلَسُوا يَذْكُرُونَّ اللَّهَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأُولَئِكَ أَسْرَعُ رَجْعَةً، وَأَفْضَلُ
غَنِیمَةٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،
وَتَّادُ بْن أَبِي ◌ُمَيْدِ الراوي هَوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ] {ضعيف}
الشّرُْ
٩٨٤ - قوله: (بَعَثَ بَعْثًا) أي: أرسل جماعة، قال الطيبي: البعث: بمعنى
السرية، من باب تسمية المفعول بالمصدر. (قِبَلَ نَجْدٍ) بكسر القاف وفتح
الموحدة، أي: إلى جهته، قال في ((النهاية)): والنجد ما ارتفع من الأرض، وهو
اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق، انتهى. وقد يراد به العراق نفسها كما
في حديث: ((هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان)). (وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ)
أي: الرجوع إلى المدينة. (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا) بطريق الغبطة على وجه التعجب،
وقيل: تحسرًا على ما فاته من المال. (لَمْ يَخْرُجْ) صفة رجل. (وَلَا أَفْضَلَ) أي:
أكثر أو أنفس. (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ لَّ) أي: مزهدًا لهم في الدنيا؛ مرغبًا لهم في العقبى
(٩٨٤) التِّرْ مِذِي (٣٥٦١) عنه فيها .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
ECCEN *
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
٢١٣
مُنَبِّهًا على أن الذكر أفضل من كثير من العبادات الشاقة الصعبة، وأن ثواب الآخرة
أفضل مما فاتهم من المال. (أَلَا أَدُلَّكُمْ عَلَى قَوْمِ أَفْضَلُ غَنِيمَةً) أي: لبقاء هذه
ودوامها، وفناء تلك وسرعة انقضائها. (وأَفْضَلُ رَجْعَةً) كذا في أكثر نسخ
((المشكاة) ووقع في بعضها ((أَسْرَعَ رَجْعَةً)) وكذلك وقع في ((جامع الترمذي))،
وهكذا نقله المنذري في ((الترغيب)) (ج٢: ص٣٩) والجزري في ((جامع الأصول))
(ج٥: ص٣٤٣) ونسبا الحديث للترمذي، والظاهر أن ما وقع في أكثر نسخ
((المشكاة)) خطأ من النساخ، والله أعلم .. (قَوْمًا) أي: أعنى أو أذكر قومًا على
المدح، وفي بعض النسخ ((قَوْمٌ)) وكذا وقع في ((جامع الترمذي)) أي: هم قوم.
(شَهِدُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ) أي: حضروا جماعتها. (فَأُولَئِكَ أَسْرَعُ رَجْعَةً) أي: إلى
أهلهم ومعايشهم؛ لانتهاء عملهم الموعود عليه بذلك الثواب العظيم بعد مضي
نحو ساعة زمانية، وأهل الجهاد لا ينتهي عملهم غالبًا إلا بعد أيام كثيرة.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) أي: في الدعوات من ((جامعه)). قال المنذري في ((الترغيب))
بعد ذكر هذا الحديث وعزوه للترمذي: ورواه البزار وأبو يعلى وابن حبان في
((صحيحه)) من حديث أبي هريرة بنحوه، وذكر البزار فيه أن القائل ((مَا رَأَيْنَا)) هو أبو
بكر رضي الله عنه، وقال في آخره. فقال النبي صَ لَّ: ((يا أبا بكر ألا أدلك على ما هو
أسرع إيابًا وأفضل مغنمًا؟ من صلى الغداة في جماعة، ثم ذكر الله حتى تطلع
الشمس)). وقال: ورجال إسناد أبي يعلى رجال الصحيح. (وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ)
هو محمد ابن أبي حميد المدني أبو إبراهيم الأنصاري، فلقبه حماد، واسمه
محمد، وكنيته أبو إبراهيم. (الرَّاوِي) بسكون الياء. (هُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ)
أي: ضعيف عند أهل الحديث، أو ضعيف في حديثه. وقال البخاري: فيه أنه منکر
الحديث، وكذا قال أبو حاتم وابن معين والساجي، وقال الدوري عن ابن معين:
ضعيف ليس حديثه بشيء، وقال الجوزجاني: واهي الحديث ضعيف. وقال أبو
زرعة: ضعيف الحديث.

٢١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩ - بَابُ مَا لَا يَجُوُزُ مِنَ الْعَمَلِ
في الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
(بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ) يعم المحرمات والمكروهات
والمفسدات وغيرها. (وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ) أي: من العمل فيها .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢١۵
الفصل الأول
٩٨٥ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمْ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
ونَ﴿ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم، فَقلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَرَمَانِي الْقَوْمُ
بِأَبْصَارِهِمْ، فَقلتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْأُ مَا شَأَنْكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ
بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمَا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا
مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا
يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ))
أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ. قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ،
وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: ((فَلَّا تَأْتِهِمْ))
قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: ((ذَكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا
يَصُدَّنَّهُمْ) قَالَ: قلتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ: ((كَانَ نَبِيٌّ مِن الأَنْبِيَاءِ يَخُطَّ،
فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاَ)).
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}
قَوْلُهُ: لَكِنِّي سَكَتُّ، هَكَذَا وُجِدَتْ فِي ((صَحِيح مُسْلِم)) وَ(«كِتَابُ
الْحُمَيْدِيِّ)) وَصحِّحَ فِي ((جَامِعِ الْأُصُولِ)) بِلَفْظَّةٍ: ((كَذَا)»َ فَوْقَ: لَكِنِّى.
الشَّرْحُ
٩٨٥ - قوله: (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَم) بفتحتين، السلمي، صحابي، قال ابن
عبد البر: كان ينزل المدينة ويسكن في بنىَ سليم، له عن النبي وَّ حديث واحد في
الكهانة والطيرة والخط وتشميت العاطس وعتق الجارية. أحسن الناس له سياقة
يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء عنه، ومنهم من يقطعه فيجعله
أحاديث. قال الحافظُ: وله حديث آخر من طريق ابنه كثير بن معاوية عنه، انتهى.
(٩٨٥) مُسْلِم (٣٣/ ٥٣٧) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٢١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يعني بذلك ما أخرجه البغوي والطبراني وابن السكن وابن منده من طريق كثير
ابن معاوية بن الحكم السلمي عن أبيه قال: ((كنا مع النبي ◌َّ فأنزى أخي علي بن
الحكم فرسًا له خندقًا ... )) الحديث. وقد ذكره الحافظ في ترجمة علي بن الحكم
في القسم الأول من حرف العين من ((الإصابة)) (ج٢: ص ٥٠٦ - ٥٠٧) وقال
الخزرجي في ((الخلاصة)): له ثلاثة عشر حديثًا، انفرد له مسلم بحديث. (إِذ
عَطَسَ) بفتح الطاء من نصر وضرب. (فَقُلْتُ) أي: وأنا في الصلاة. (يَرْحَمُكَ اللَّهُ)
ظاهره أنه في جواب قوله الحمد لله. (فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ) أي: نظروا إليّ
حديدًا انكارًا وزجرًا وتشديدًا كما يرمى بالسهم.
قال الطيبي: المعنى أشاروا إلى بأعينهم من غير كلام، ونظروا إلي نظر زجر كي
لا أتكلم في الصلاة. (وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ) ((وَ)) حرف للندبة، و(ثُكْلَ)) بضم المثلثة
وإسكان الكاف وبفتحهما جميعًا، لغتان كالبخل والبخل حكاهما الجوهري
وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها وحزنها عليه لفقده، و((أُمِّيَاهْ)) بكسر الميم أصله
أمي، والثكل مضاف إلى أم المضاف إلى ياء المتكلم زيدت عليه ألف الندبة لمد
الصوت وأردفت بهاء السكت، نحو وا أمير المؤمنيناه، يستعمله العرب عند
التعجب من أمر واستبعاده، والمعنى: وافقدها لي فإني هلكت، وفي بعض
الروايات: واثكل أماه أي: من غير زيادة الياء. (مَا شَأَنْكُمْ) أي: ما حالكم
وأمركم. (تَنْظُرُونَ إِلَىَّ) نظر الغضب. (فَجَعَلُوا) أي: شرعوا. (يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ
عَلَى أَفْخَاذِهِمْ) أي: زيادة في الإنكار علي، وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع
التسبيح لمن نابه شيء في صلاته للرجال والتصفيق للنساء، وفيه: دليل على أن
الفعل القليل في الصلاة لا تبطل به الصلاة. (يُصَمِّتُونَنِي) بتشديد الميم من
التصميت أي: يسكتونني، يعني يأمرونني بالصمت والسكوت ويشيرونني إليه.
(لَكِنِّي سَكَتُّ) لا بد من تقدير جواب لما ومستدرك لكن ليستقيم المعنى، فالتقدير:
فلما رأيتهم يصمتونني غضبت وتغيرت ولكن سكت ولم أعمل بمقتضى الغضب،
قاله الطيبي. وقيل: المعنى لما عرفت أنهم يأمرونني بالصمت عجبت لجهلي بقبح
ما ارتكبت ومبالغتهم في الإنكار علي وأردت أن أخاصمهم لكن سكت امتثالاً؛
لأنهم أعلم مني، ولم أعمل بمقتضى غضبي ولم أسأل عن السبب.
(فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿) أي فرغ من الصلاة، وجوابه قوله: ((قال: إِنَّ هَذِهِ

٢١٧
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
الصَّلَاةَ))، وقوله: ((فبأبي وأمي ... )) إلى قوله: ((قال)) معترضة بين ((لما)) وجوابه،
والفاء فيه كما في قوله تعالى. ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ.
· [السجدة: ٢٣]، فإنه عطف ﴿وَجَعَلْنَهُ﴾ على ﴿ءَانَيْنَا﴾
وَجَعَلْنَهُ هُدِّى لِّبَنِىّ إِسْرَوِيلَ
وأوقعها معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، كذا قاله الطيبي. وتبعه ابن
حجر، وقال: واعترض بينهما بما فيه غاية الالتئام والمناسبة لهما.
وقال مَيْرَك: الأولى أن يقال: جواب قوله: ((فَلَمَّا صَلَّى)» محذوف، وهو ما دل
عليه جملة (فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ) أي:
اشتغل بتعليمي بالرفق وحسن الكلام، تم كلامه. وضمير ((هُوَ)) يعود إلى رسول
اللَّه ◌َ ل أي: هو مفدي بهما، وفي رواية: «فلما انصرف رسول اللّه ◌َ ل دعاني بأبي
وأمي هو ما ضربني ... )) إلخ. (فَوَ اللَّهِ مَا كَهَرَنِي) أي: ما انتهرني وزجرني، أو ما
استقبلني بوجه عبوس. قال الطيبي: الكهر والقهر والنهر أخوات. وقال الجزري:
يقال: كهره إذا زبره واستقبله بوجه عبوس. (وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي) أي: لا أغلظ
لي في القول. قال القاري: أراد نفي أنواع الزجر والعنف وإثبات كمال الإحسان
واللطف. (قَالَ) جواب ((لما)) على ما قاله الطيبي، واستئناف مبين لحسن التعليم،
على مختار غيره. (إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ) إشارة إلى جنس الصلاة فيشمل الفرائض
وغيرها. (لَا يَصْلُحُ) وفي رواية: ((لا يحل)). (فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ) أي: ما
يجري في مخاطباتهم ومحاوراتهم. قال الشوكاني: الظاهر أن المراد بكلام الناس
هاهنا التكليم للغير، وهو الخطاب للناس بشهادة السبب. وقال القاضي: أضاف
الكلام إلى الناس ليخرج منه الدعاء والتسبيح والذكر؛ فإنه لا يراد بها خطاب
الناس وأفهامهم، واستدل بإطلاق الحديث على تحريم الكلام في الصلاة مطلقًا،
أي: سواء كان لحاجة أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها وسواء كان
عمدًا أو نسيانًا أو جهلاً، وسواء كان قليلاً أو كثيرًا، وإليه ذهبت الحنفية، قالوا: لا
فرق بين كلام العامد والناسي والجاهل، والحق ما ذهب إليه مالك من الفرق بين
كلام العامد لغير مصلحة الصلاة وبين كلام العامد لمصلحة الصلاة وكلام الناسي
والجاهل فيحرم الأول ويفسد الصلاة به، وهذا هو محمل قوله ◌َ له : ((لَا يَصْلُحُ فِيهَا
شَيءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ))، وأما كلام العامد لمصلحة الصلاة وكلام الناسي والجاهل
فلا يفسد الصلاة به؛ لحديث ذي اليدين المشهور، ولحديث معاوية هذا؛ لأن

٢١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
iXE
النبي وَلـ لم يأمره بإعادة الصلاة لكن علمه تحريم الكلام فيما يستقبل، فيكون
حديث ذي اليدين وحديث معاوية هذا وما في معناهما مخصصين لعموم قوله: ((لَا
يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ))، وبناء العام على الخاص متعين، وسيأتي بسط
الكلام في هذه المسألة في شرح حديث ذي اليدين إن شاء الله، وفي الحديث
النهي عن تشميت العاطس في الصلاة، وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة
وتفسد به إذا أتى به عالمًا عامدًا، وأن من فعله جاهلًا لم تبطل صلاته حيث لم يأمره
بالإِعادة، وأما الحمد للعاطس في الصلاة فيجوز؛ لأنه ليس من كلام الناس.
(إِنَّمَا هِيَ) أي: الصلاة، وفي رواية: ((إنما هو))، أي: ما يحل فيها من الكلام.
(التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) قال النووي: معناه هذا ونحوه، فإن التشهد
والدعاء والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها، فمعناه لا يصلح
فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح وما في معناه من الذكر
والدعاء وأشباههما مما ورد به الشرع. وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن
تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة وجزء منها. وقد تمسك بالحديث الحنفية
والحنابلة على منع الدعاء في الصلاة بما لم يشبه المأثور من القرآن والسنة من
ملاذ الدنيا وحوائجها الجائزة المباحة، قالوا: لأن ذلك من كلام الناس. وفيه: أن
المراد بكلام الناس في الحديث مخاطبتهم بتوجيه الكلام إليهم، لا مخاطبة الله
تعالى بالدعاء المأذون به في الأحاديث الصحيحة بدليل سبب الحديث، وإن سلمنا
أنه يدخل في عمومه ما ذكروا خلافًا للظاهر المتبادر، كان لنا أن نقول: إن
الأحاديث الصحيحة بالأدعية المعينة والمطلقة وبتخيير الدعاء قد خصصت هذا
العموم، وقد كان تحريم الكلام بمكة، وأكثر الأدعية وكذا الأمر بتخيير الدعاء
كان في المدينة. (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ) للشك من الراوي، أي: عين هذا
الكلام قال أو مثله. (إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ) أي: جديده. (بِجَاهِلِيَّةٍ) متعلق بعهد، وما
قبل ورود الشرع يسمى جاهلية لكثرة جهالاتهم وفحشها، يعني: انتقلت عن الكفر
إلى الإِسلام ولم أعرف بعد أحكام الدين. (وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَام) هذا لا يتعلق
بما قبله، بل شروع في ابتداء سؤال منه عليه السلام، كما يدل عليه رواية النسائي
وبعض روايات أحمد (ج٥: ص٤٤٨). (وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُمَّانَ) بضم الكاف
جمع كاهن، وهو من يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدعي معرفة

٢١٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
الأسرار، ومن الكهنة من يزعم أن له تابعًا من الجن يلقي عليه الأخبار، ومنهم من
يدعي إدراك الغيب بفهم أعطيه، ومنهم من يدعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب
يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا القسم يسمى
عرافًا، كمن يدعي معرفة المسروق ومكان السرقة والضالة ونحوهما، والمنجم:
من ينظر في النجوم، أي: الكواكب ويحسب سيرها ومواقيتها ليعلم بها أحوال
العالم، ومنهم من يسمي المنجم كاهنًا. وقوله: (فَلَا تَأَتِهِمْ) يشمل النهي عن إتيان
هؤلاء كلهم والرجوع إليهم وتصديقهم فيما يدعونه. قال العلماء: وإنما نهي عن
إتيان الكهان؛ لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف
الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من الشرائع، وقد
تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون.
(وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ) التطير: أخذ الفأل الشؤم، من الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء
وقد تسکن.
قال في ((القاموس)): الطِيَرَةُ، والطِيْرَةُ، الطُوْرَةُ ما يتشاءم به من الفأل الرديء،
انتهى. وأصله أنهم كانوا يأتون الطير أو الظبي فينفرونه، فإن أخذ ذات اليمين
مضوا إلى ما قصدوا وعدوه حسنًا، وإن أخذ ذات الشمال انتهوا عن ذلك وتشاء موا
به، وكذا إن عرض في طريقهم، فإن مر عن يمينهم إلى الشمال تشاءموا، وإن مر
من الشمال إلى اليمين مضوا، والتفاؤل يجيء للتطير وغيره، وأكثر ما يستعمل في
الفأل الحسن، وهو غير ممنوع جدًّا. قال الجزري في ((النهاية)): الطيرة هي التشاؤم
بالشيء، وهي مصدر تطير طيرة، كما تقول تخير خيرة، ولم يجئ من المصادر
غيرهما، وأصل التطير التفاؤل بالطير، واستعمل لكل ما يتفاءل ويتشاءم به، وقد
كانوا في الجاهلية يتطيرون بالصيد كالطير والظبي فيتيمنون بالسوانح ويتشاء مون
بالبوارح، والبوارح على ما في ((القاموس)) - من الصيد: ما مر من ميامنك إلى
مياسرك، والسوانح ضدها. وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، ويمنع السير إلى
مطالبهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهاهم عنه.
(قَالَ: ذَاَكَ) أي: التطير. (شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ) أي : ليس له أصل يستند
إليه، ولا له برهان يعتمد عليه، ولا هو في كتاب نازل من لديه. وقيل: معناه أنه
معفو؛ لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نعم المشي على وَفْقِهِ منهي عنه، لذلك