Indexed OCR Text

Pages 601-620

=DNE
٦٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإمام: سمع الله لمن حمده. (قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ) أي: في الزمان. (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِهِ) أي: من الصغائر. قال الخطابي: في هذا دلالة على أن الملائكة يقولون مع
المصلي هذا القول، ويستغفرون ويحضرون بالدعاء والذكر.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي.
٨٨٢- [٨] وَعَنْ عَبْد اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِذَا
رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ،
مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
٨٨٢- قوله: (إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ) أي: حيث شرع في رفعه. (مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ:
سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: وإذا انتهى إلى الاعتدال قال قبل أن يميل إلى السجود.
(اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ) بكسر الميم وبنصب الهمزة بعد اللام، وهو
الأكثر والأشهر على أنه صفة مصدر محذوف. وقيل: على أنه حال، أي: مالئًا.
وقيل: على نزع الخافض، أي: بملءٍ السموات، وبرفع الهمزة على أنه صفة
الحمد، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، والملءُ: اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ،
وهو مجاز عن الكثرة، قال المظهر: هذا تمثيل وتقريب؛ إذ الكلام لا يقدر
بالمكائيل ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد حتى لو قدر أن تلك
الكلمات تكون أجسامًا تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما تملأ السموات
والأرضين. وقيل: المراد بذلك تعظيم القدر كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق
الأرض. وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها.
(وَمِلْءَّ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) أي: بعد ذلك، أو غير ما ذكر كالعرش والكرسي
ونحوهما مما في مقدور اللَّه تعالى. قال التُّورْبَشْتِي: هذا أي: ملء ما شئت، يشير
(٨٨٢) مُسْلِم (٢٠٢ / ٤٧٦)، وَأَبُو دَاوُد (٨٤٦) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الرُّكُوع
٦٠١
إلى الاعتراف بالعجز عن أداءِ حقِّ الحمد بعد استفراغ الجهد، فإنه حمده ملء
السموات والأرض، وهذا نهاية إقدام السابقين، ثم ارتفع وترقى فأحال الأمر فيه
على المشيئة؛ إذ ليس وراء ذلك للحمد منتهى، ولهذه الرتبة التي لم يبلغها أحد من
خلق اللَّه استحق عليه الصلاة والسلام أن يسمى أحمد، انتهى.
وفي هذا الحديث وحديثي أبي سعيد ورفاعة الآتيين دليل على مشروعية تطويل
الاعتدال من الركوع، والذكر المذكور في هذه الأحاديث، ولا دليل لمن حملها
على النافلة .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود، وابن ماجه.
٨٨٣- [٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِذَا رَفَعَ
رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ
وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِّنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا
لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ
مِنْكَ الْجَدُّ).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٨٣- قوله: (اللَّهُمَّ) لم أجد هذا اللفظ في مسلم في رواية أبي سعيد،
ووجدتها في رواية ابن عباس. (أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ) بالنصب على الاختصاص أو
المدح، أو بتقدير: يا أهل الثناء، أو بالرفع بتقدير: أنت أهل الثناء. والثناء:
الوصف الجميل، والمدح. والمجد: العظمة، ونهاية الشرف. (أَحَقُّ مَا قَالَ
الْعَبْدُ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، و((ما)) موصولة، أو موصوفة، أو
مصدرية، و(ال) للجنسِ، أو للعهد، والمعهودُ النبي ◌َّل، أي: أنت أحق بما قال
العبد لك من المدح من غيرك، أو يكون التقدير: هذا الكلام - أي: ما سبق من
قوله: ربنا لك الحمد ... إلخ - أحق ما قاله العبد، أو أحق قول العبد.
(٨٨٣) مُسْلِم (٢٠٥ / ٤٧٧)، وَالنَّسَائِي (٢/ ١٩٨) عَنْهُ فِيهَا.

Beext
٦٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الأميرُ اليماني: وإنما لم يجعل ((لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ)) خبرًا و((أَحَقُّ)) مبتدأ؛
لأنه محذوف في بعض الروايات، فجعلناه جملة استئنافية إذا حذف تم الكلام من
دون ذكره، انتهى. وقيل: الأظهر والأولى أن يجعل ((أَحَقُّ)) مبتدأ وخبره ((لَا مَانِعَ
لِمَا أَعْطَيْتَ))، و((كُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ)) اعتراض بين المبتدأ والخبر، ومثل هذا الاعتراض
كثير في القرآن وأشعار العرب، وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب للاهتمام
به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره هنا: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت،
وكلنا لك عبد، فينبغي لنا أن نقوله، وإنَّما كان ((أحق ما قاله العبد))؛ لما فيه من
التفويض إلى الله تعالى والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا
حول ولا قوة إلا به، وأن الخير والشر منه، والحث على الزهادة في الدنيا،
والإقبال على الأعمال الصالحة.
(لَا مَانِعَ) من أحد. (لِمَا أَعْطَيْتَ) أي: لعبد شيئًا من العطاء. (وَلَا مُعْطِيَ) من
أحد. (لِمَا مَنَعْتَ) أي: للشيء الذي منعته من الأشياء، أو من الإعطاء أحد، وهو
مقتبس من قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ
لَهُ مِنْ بَعْدِهِةٍ﴾ [فاطر: ٢]. (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ) المشهور فيه فتح الجيم، ومعناه: الحظ
والغنى والعظمة والسلطان، منك: ((مِنْ)) بمعنى عند، والمعنى: لا ينفع ذا الحظ
في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان والغنى منك، أي: عندك حظه وغناه،
وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح. وقيل: المعنى: لا يسلمه من عذابك غناه،
أي: لا يمنع عظمة الرجل وغناه عذابك إن شئت عذابه. وقيل: ((مِنْ)) بمعنی بدل،
أي: لا ينفع ذا الحظ والإقبال بدلك - أي: بدل طاعتك وتوفيقك - حفظه وإقباله.
وروي الجد - بالكسر للجيم - أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك جده واجتهاده،
وعمله، وإنما ينفعه رحمتك، وفضلك، والقبول منك بعمله. وقد ضعفت رواية
الكسر. والحديث دليل على مشروعية هذا الذكر في هذا الركن لكلِّ مُصَلٍّ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود، والنسائي، وأخرج مسلم والنسائي نحوه،
عن ابن عباس أيضًا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكوع
٦٠٣
٨٨٤- [١٠] وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِع قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ وَرَاءَ النَّبِيِّ وَهِ، فَلَمَّا
رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا
وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيَِّا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((مَنِ الْمُتَكَلِّمُ
آنفا؟)) قَالَ: أَنَا. قَالَ: ((رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًّا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا
أَوَّلُ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْخُ
٨٨٤- قوله: (كُنَّا نُصَلَّ وَرَاءَ النَّبِيِّ وَّهِ﴾ أي: في يوم من الأيام. وظاهر
السياق يدلُّ على أنه كان في صلاة الجماعة، ومن المعلوم أن المعتاد في الصلاة
جماعة هو الفرض لا النفل. ونقل الحافظ في ((الفتح)) أن في رواية بشر بن عمران
الزهراني، عن رفاعة بن يحيى: أن تلك الصلاة كانت المغرب، وهي صريحة في
الرد على من زعم أنه التطوع.
(فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي: فلما شرع في رفع رأسه. (مِنَ الرَّكْعَةِ) أي: الركوع.
(قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وأتمه في الاعتدالِ. (فَقَالَ رَجُلٌ) هو رفاعة بن رافع
راوي الخبر، قاله ابن بشكوال، وبه جزمَ الحافظُ، واستدلَّ على ذلك بما رواه
الترمذي وغيره، عن قتيبة، عن رفاعة بن يحيى الزرقي، عن عم أبيه معاذ بن
رفاعة، قال: صليتُ خلف النبيِ وَّ فعطست، فقلتُ: الحمد لله ... الحديث.
قيل: هذا التفسير فيه نظر؛ لاختلاف سياق السبب والقصة. وأجيب: بأنه لا
تعارض بينهما؛ لاحتمال أنه وقع عطاسه عند رفع رأس النبي ◌َّ، ولم يذكر نفسه
في حديث الباب، بل كثَّى عنها لقصد إخفاء عمله وطريق التجريد. ويجوز أن
يكون بعض الرواة نسي اسمه وذكره بلفظ: الرَّجُلِ، وأما ما عدا ذلك من
الاختلاف فلا يتضمن إلا زيادة لعلَّ الراوي اختصرها، فلا يضر ذلك.
(وَرَاءَهُ) أي: وراء النبيِ نَّه. (وَلَكَ الْحَمْدُ) أي: لَكَ النعمة، ولك الحمد.
(حَمْدًا) منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله: لك الحمد. (طَيِّبًا) أي: خالصًا عن
(٨٨٤) البُخَارِي (٧٩٩) عَنْهُ فيهَا.

٦٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الرياء والسمعة. (مُبَارَكًا فِيهِ) أي: كثير الخير. وأما قوله في رواية رفاعة بن يحيى
عند الترمذي: ((مُبَارَكًا عَلَيْهِ)) فالظاهرُ: أنه تأكيد للأول. وقيل: الأول بمعنى
الزيادة، والثاني بمعنى البقاء، وزاد أيضًا في الرواية المذكورة: ((كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا
وَيَرْضَى))، وفيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد. (فَلَّمَّا
انْصَرَفَ) أي: النبي ◌َّ من صلاته. (مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟) زاد في روایة رفاعة بن یحیی:
((فِيِ الصَّلَاةِ؟»، فلم يتكلم أحد، ثم قالِها الثانية: ((مَنِ الْمُتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ؟» فلم
يتكلّم أحد، ثم قالها الثالثة: ((مَنِ الْمُتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ؟» فقال رفاعة بن رافع: أنا يا
رسول الله، قال: ((كَيْفَ قُلْتَ؟» فَذكره، فقال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)) ... الحديث.
(قَالَ: أَنَا) أي: قال الرجلُ: أنا المتكلم بذلك، أرجو الخير. فإن قلتَ: لِمَ أَخَّرَ
رفاعة إجابة الرسول وَل حتى كرر سؤاله ثلاثًا، مع وجوب إجابته عليه؛ بل وعلى
غيره ممن سمع، فإنه عليه الصلاة والسلام عَمَّمَ السؤال حيث قال: ((مَنِ
الْمُتَكَلِّمُ؟».
أجيب: بأنه لما يعين واحدًا بعينه لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم، ولا
من واحد بعينه، وكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو
في حقه شيء، ظنًّا منهم أنه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه، ويدل له ما
في رواية سفيان، عن عبد الجبار، عن رفاعة بن يحيى، عند ابن قانع: قال رفاعة:
فوددت أني خرجت من مالي، وأني لم أشهد مع النبي وَّتلك الصلاة، وكأنه وَه
لما رأى سكوتهم فَهِمَ ذلك، فعرَّفهم أنه لم يقل بأسًا، ويدل لذلك حديث مالك بن
ربيعة عند أبي داود: قال: ((مَنِ الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا)»، فقال: أنا قلتها،
لم أرد بها إلا خيرًا. والحكمةُ في سؤاله ◌َّ له عمن قال، أن يتعلَّم السامعون كلامه
فيقولوا مثله. (بِضْعَةً) بكسر الباء وتاء التأنيث، وهي من الثلاث إلى تسع.
(يَبْتَدِرُونَهَا) أي: يُسارعون في كتابةٍ هذه الكلمات. (أَيُّهُمْ) بالرفع على أنه مبتداً،
وخبره هو قوله: ((يَكْتُبُهَا)) قاله الطيبي وغيره. و((أَيُّ)) استفهامية، وتعلقت هذه
الجملة الاستفهامية بمحذوف دلَّ عليه ((يَبْتَدِرُونَهَا)) والتقدير: يبتدرونها ليعلموا
أيهم يكتبها أول. ويجوزُ في ((أَيُّهُمْ)) النصب بأن يقدر المحذوف أي: فينظرونَ
أيهم. (يَكْتُبُهَا) أي: هذه الكلمات، و((أيُّ)): موصولة عند سيبويه، والتقدير:
يبتدرون الذي هو يكتبها أوَّل. وأنكرَ جماعةٌ من البصريين ذلك. (أَوَّلُ) مبني على

٦٠٥
*
بَابُ الرُّكُوعِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الضمِّ؛ لأنه ظرف قطع عن الإضافة لفظًا لا معنى، أي: أولهم، والمعنى: أن كل
واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى
لعظم قدرها. ويروى ((أَوَّلَ)) بالفتح، ويكون حالًا وهو غير منصرف. وقال ابنُ
الملك: أول بالنصبِ هو الأوجه، أي: أول مرة. قال في ((المفاتيح)): نصبه على
الحال أو الظرف. وفي رواية رفاعة بن يحيى عند الترمذي: ((أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا))، ولا
تعارض بين الروايتين؛ لأنه يحمل على أنهم يكتبونها ثم يصعدون بها.
وأورد المصنف هذا الحديث في باب الركوع ليستدل به على مشروعية الذكر
المذكور فيه الاعتدال من الركوع، وعلى جواز تطويل الاعتدال، ورفع الصوت به
ما لم يشوش على من معه. لكن لا يتم هذا الاستدلال إلا إذا قيل: إن القصة
المذكورة فيه غير قصة العطاس المذكورة في رواية رفاعة بن يحيى عند التر مذي.
وأما إذا قيل باتحاد القصة والواقعة كما جزم به الحافظ وابن بشكوال، يكون الذكر
المذكور ذكر العطاس الذي اتفق وقوعه عند رفع الرأس من الركوع، لا ذكر
الاعتدال، ويكون الحديث دليلًا على أن العاطس في الصلاة يحمد الله بغير
كراهة، وأن المتلبس بالصلاة لا يتعين عليه تشميت العاطس.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أبو داود، والنسائي. والعجب أن الحاكم روى
حديث رفاعة بن رافع هذا في ((مستدركه على الصحيحين))، وهو في البخاري،
ورجال الحاكم رجاله، إلا أن في ((المستدرك)) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن
مالك، وفي البخاري: عن القعنبي، عن مالك، وقيل: إنه يكفي هذه المغايرة
بينهما للاستدراك.

٦٠٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٨٨٥- [١١] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنصاريِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِ: ((لَا
تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ] {صحيح }
الشَّرْجُ
٨٨٥- قوله: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) قال ابنُ سعد في ((الطبقات)) (ج٦ :
ص٩) في ترجمته: شهد ليلة العقبة وهو صغير، ولم يشهد بدرًا، وشهد أحدًا.
وفي ((التهذيب)): قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: لم يشهد بدرًا، وهو قول
ابن إسحاق، ونقل بعضهم أنه علل نسبة البدري بأنه نزل ماء ببدر، فنسب إليه، ثم
ردَّ الحافظ ذلك في ((التهذيب)) و(الإصابة)) بأنه ثبت في أحاديث صحاح أنه شهد
بدرًا، وأن هذه الأقوال لا ترد الأحاديث الصحيحة، ولذلك عده البخاري ومسلم
وأبو عبيدة والحاكم أبو أحمد فيمن شهد بدرًا، وانظر ((فتح الباري))، كذا في
((تعليق الترمذي)) للشيخ أحمد محمد شاكر.
(لَا تُجْزِئُ) من أجزأ بهمزة في آخره، أي: لا تجوز، ولا تصح، ولا تكفي
(صَلَاةُ الرَّجُلِ) وفي حكمهِ المرأة. (حَتَّى يُقِيمَ) أي: يعدل ويسوي. (ظَهْرَهُ فِي
الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) هذا لفظ أبي داود، ولفظ البقية: ((لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ
فِيهَا صِّلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ))، قال في ((المجمع)): أي: لا يجوز صلاة من لا
يسوي ظهره في الركوع والسجود، والمراد الطمأنينة، انتهى.
والحديثُ: دليل على فرضية الطمأنينة في الركوع والسجود، فإنه نص صريح
في أن من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود لا تجوز صلاته، وهو المراد بفرضية
(٨٨٥) أَبُو دَاوُد (٨٥٥)، التِّرْ مِذِي (٢٦٥)، النَّسَائِي (١٨٣/٢)، ابن مَاجَهْ (٧٨٠) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فِي
الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكُوع
XEReeserEre
٦٠٧
الطمأنينة في الركوع والسجود، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد
والجمهور، وهو مذهب أبي يوسف، وهو الحق لحديث الباب، ولحديث
المسيء في صلاته، وقد تقدم. ولحديث حذيفة وأبي قتادة في الفصل الثالث.
ولحديث أنس المتقدم بلفظ: ((أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ)). ولحديث علي بن شيبان
مرفوعًا: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ))
أخرجه أحمد وابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)).
قال في ((الزوائد)): إسناده صحيح، ورجاله ثقات. قال السندي في ((حاشية
النسائي، وابن ماجه)): المقصود - أي: من حديث الباب - الطمأنينة في الركوع
والسجود، ولذلك قال الجمهور بافتراض الطمأنينة، والمشهورُ من مذهب أبي
حنيفة ومحمد عدم الافتراض، لكن نص الطحاوي في ((آثاره)) أن مذهب أبي حنيفة
وصاحبيه افتراض الطمأنينة في الركوع والسجود، وهو أقرب للأحاديث، انتهى.
وقد أسلفنا الكلام فيه مفصلًا في شرح حديث المسيء في أول صفة الصلاة فتذكر.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (والتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ)
وأخرجه أيضًا أحمد. (وَقَالَ الَّتْرِ مِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وقال الشوكاني :
إسناده صحيح، ونقل المنذري كلام الترمذي وأقره.
٨٨٦- [١٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ
اُلْعَظِيمِ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((اجْعَلُوْهَا فِي رُكُوعِكُمْ)) فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّح
اُسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِي] {حسن}
الشَّرْجُ
٨٨٦- قوله: (اجْعَلُوهَا) أي: مضمونها ومحصولها. (فِي رُكُوعِكُمْ) يعني:
قولوا: سبحان ربي العظيم. (اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ) أي: قولوا: سبحان ربي
(٨٨٦) أَبُو دَاوُد (٨٦٩)، وَابن مَاجَهْ (٨٨٧) عَنْهُ فِيهَا .

٦٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأعلى، كما يدل عليه حديث ابن مسعود، وحديث حذيفة بعد هذا، ففيهما بيان
كيفية هذا الجعل. والحكمة: في تخصيص الركوع بالعظيم، والسجود بالأعلى:
أن السجود لما كان فيه غاية التواضع لما فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف
الأعضاء على مواطئ الأقدام، كان أفضل وأبلغ في التواضع من الركوع، فحسن
تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل وهو الأعلى، بخلاف التعظيم، جعلًا للأبلغ
مع الأبلغ، والمطلق مع المطلق، وأيضًا قد صحَّ: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ
وَهُوَ سَاجِدٌ))، فربما يتوهم قرب المسافة فندب: سجان ربي الأعلى؛ دفعًا لذلك
التوهم، وأيضًا في السجود غاية انحطاط من العبد فيناسبه أن يصف فيه ربه بالعلو .
والحديث يصلح متمسكًا للقائلين بوجوب تسبيح الركوع والسجود، وقد تقدم
جواب الجمهور عنه.
قال الطيبي: الاسم هاهنا صلة بدليل أنه تعالَّلا كان يقول في سجوده: سبحان ربي
الأعلى، فحذف الاسم، وهذا على قول من زعم أن الاسم غير المسمى، وقيل:
الاسم يجوز أن يكون غير صلة، والمعنى تنزيه اسمه عن أن يبتذل، وأن لا يذكر
على وجه التعظيم، قال الرازي: كما يجب تنزيه ذاته عن النقائص، يجب تنزيه
الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب. وقال السندي في حاشية ابن
ماجه: قوله: ((اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ))، أي: اجعلوا التسبيح المستفاد منها، وجاء
بيان ذلك التسبيح: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم))، وهذا يفيد أن لفظ الاسم في قوله:
[الواقعة: ٧٤] مقحم، وكذا قوله: ((اجْعَلُوهَا فِي
٧٤
﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ
سُجُودِكُمْ)). وقد يقال: بيان الآية بهذا التسبيح مبني على أن مفعول ((سَبِّحْ))
محذوف أي سبحه، وقوله: ((بِاسْم رَبِّك)) حال، أي: حال كونه متلبسًا باسمه،
و((الْعَظِيم)) هو بيان الاسم، وهذا أقرب إلى تطبيق الآية بالبيان فليفهم، إلا أنه لا
يوافق آیةَ السجود، انتھی.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وابْنُ مَاجَهْ، والدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه))،
والحاكم في ((مستدركه)) وقال: صحيح. قال الذهبي: في إسناده أياس بن عامر،
وليس بالمعروف، وفي ((تهذيب التهذيب)) (ج ١: ص٣٨٩)، ومن خط الذهبي في
((تلخيص المستدرك)»: ليس بالقوي، انتهى.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكوع
٦٠٩
قلتُ: أياس هذا قال العجلي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وصحح له ابن خزيمة. وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق. وسكت على حديثه
هذا أبو داود، والمنذري، وقال النووي: إسناده حسن.
٨٨٧- ٨٨٧ - [١٣] وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ وَِّ: ((إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ
الْأَعْلَى، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ ابْنُ مَاجَهْ]
- وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِل؛ لأَنَّ عَوْنًا لَم يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ.
الشَّرْجُ
٨٨٧- قوله: (وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّه) أي: ابن عتبة بن مسعود، ثِقة، سمع
جماعة من الصحابة، وكان كثير الإرسال. وعبد الله بن مسعود عم أبيه. (سُبْحَانَ
رَبِّيَ الْعَظِيمِ) بفتح ياء (رَبِّي)) ويسكن. (فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ) أي: كمل. (وَذَلِكَ) أي:
المذكور مَن الذكر. (أَدْنَاهُ) في الموضعين، أي: أدنى التمام، وهذا المعنى هو
المتبادر من هذا السوق، قال ابن الملك: أي أدنى الكمال في العدد وأكمله سبع
مرات. قال: فالأوسط خمس مرات.
وقال الماوردي: إن الكمال إحدى عشرة، أو تسع، وأوسطه خمس، ولو سبح
مرة حصل التسبيح، انتهى. وقيل: إن الكمال عشر تسبيحات، ويدل عليه حديث
ابن جبير عن أنس في الفصل الثالث بلفظ: فَحَزَرنا ركوعه عشر تسبيحات،
وسجوده عشر تسبیحات. وقال ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه: يستحب خمس
تسبيحات للإمام.
وقال الشوكاني: لا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم، بل ينبغي الاستكثار من
(٨٨٧) التِّرْ مِذِي (٢٦١) عَنْهُ فِيهَا، وَقَالَ ذَلِكَ.

Beexx
٦١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقييد بعدد، انتهى.
وسيأتي مزيد الكلام في شرح حديث ابن جبير في الفصل الثالث. وحديث ابن
مسعود هذا قد استدل به على استحباب أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود
من ثلاث تسبيحات، ويدل عليه أيضًا حديث حذيفة: أنه سمع رسول الله وح له يقول
إذا ركع: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم)) ثلاث مرات، وإذا سجد: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى))
ثلاث مرات. أخرجه ابن ماجه، وفي سنده ابن لهيعة.
وحديث أبي بكرة: أن رسول اللَّه وَ لَه كان يسبح في ركوعه: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ
الْعَظِيمِ)) ثلاثًا، وفي سجوده: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)) ثلاثًا. رواه البزار، والطبراني
في ((الكبير)). وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد،
وعبد الرحمن بن أبي بكرة صالح الحديث.
وحديث جبير بن مطعم: أن النبي ◌َّ كان يقول في ركوعه: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ
الْعَظِيم)) ثلاثًا، وفي سجوده: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)) ثلاثًا. رواه البزار، والطبراني
في ((الكبير)). قال البزار: لا يروى عن جبير إلا بهذا الإسناد، وعبد العزيز بن
عبيد الله صالح، ليس بالقوي.
وحديث أبي مالك الأشعري: أن رسول اللّه وَ ل صلى، فلما ركع قال: ((سُبْحَانَ
اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)) ثلاث مرات، ثم رفع رأسه. رواه الطبراني في ((الكبير)). وفيه شهر
ابن حوشب، وفيه بعض كلام، وقد وثّقه غیر واحد.
وحديث عبد الله بن مسعود، قال: إن من السنة أن يقول الرجل في ركوعه:
((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)). ثلاثًا، وفي سجوده: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى))، ثلاثًا. رواه
البزَّار. وفيه السري بن إسماعيل، وهو ضعيف عندَ أهل الحديث، ذكر هذه
الأحاديث الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص١٢٨).
وهذه الأحاديث وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن كلام، إلا أن بعضها يشد
بعضًا، وبمجموعها تصلح للاحتجاج بها على ذلك المطلوب. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا الشافعي.
(وَقَالَ الَّتْرِمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ؛ لِأَنَّ عَوْنًا لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ) وقال

كِتَابُ الصَّلَاةِ
CNseS *E
بَابُ الرُّكُوع
٦١١
أبو داودَ: هذا مرسلٌ، أي: منقطع؛ عون لم يدرك عبد الله، وذكره البخاري في
(تاريخه الكبير))، وقال: مرسل. والحديث مع انقطاعه، وعدم اتصال سنده، فيه
إسحاق بن يزيد الهذلي راويه عن عون، وهو مجهول، كما صرح به في
((التقریب)).
وقال الشوكاني: قال ابن سيد الناس: لا نعلمه وثق، ولا عرف إلا برواية ابن
أبي ذئب عنه خاصة، فلم ترتفع عنه الجهالة العينية ولا الحالية.
٨٨٨- [١٤] وَعَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ وَكَانَ يَقُولُ فِي
رُكُوعِهِ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)) وَفِي سُجُودِهِ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى)) وَمَا أَتَّى
عَلَى آيَةٍ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ، وَمَا أَتَّى عَلَى آيَةٍ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَىِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: ((الْأَعْلَى)). وَقَالَ
التّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] (صحيح )
الشَّرْحُ
صَلى الله
٨٨٨- قوله: (أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِّ وَ لَّ) وفي رواية مسلم: صليت مع النبي :
وَسِلاً
ذات ليلة، فافتتح الْبَقَرَةَ فقلتُ: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلتُ: يُصلي بها
ركعة، فمضى، فقلتُ: يركعُ بها، ثم افتتح النِّسَاءَ فقرأها، ثم افتتح. آلٍ عِمْرَانَ
فقرأها، يقرأ مترسلًا ... إلخ.
فظهر بهذه الرواية أن هذه الصلاة التي صلى بها حذيفة معه وَخلال كانت صلاة
الليل. (إِلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ) أي: الرحمة. (إِلا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ) أي: باللَّه من العذاب.
قال القاري: حمله أصحابنا والمالكية على أن صلاته كانت نافلة؛ لعدم
تجويزهم التعوذ والسؤال أثناء القراءة في صلاة الفرض، ويمكن حمله على
الجواز؛ لأنه يصح معه الصلاة إجماعًا، ويدل عليه ندرة وقوعه، انتهى.
قلتُ: رواية مسلم المتقدمة صريحة في أن ذلك كان في صلاة الليل، ولم نقف
(٨٨٨) مُسْلِمٍ (٧٧٢)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٦٢)، وَالنَّسَائِي (٢/ ١٩٠) عَنْهُ فِيهَا .

٦١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
على نص يدل صريحًا على وقوع ذلك في صلاة الفريضة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، والدَّارِمِيُّ) أي: الحديث بكماله، وأخرجه أيضًا
أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم في ((صحيحه)).
(وروى النسائي، وابْنُ مَاجَهْ ... إِلَى قَوْلِهِ: الْأَعْلَى).
فيه: أنه أخرجه النسائي بنحوه مطولًا أيضًا.
قال الجزري: حديث حذيفة هذا رواه مسلم، والترمذي والنسائي، وابن ماجه
نحوه. وإيراد محيي السنة له في الحسان يدل على أنه ليس في واحد من
((الصحيحين)) لاسيما وقد قال: صحيح، كعادته في تصحيح ما لم يكن في واحد
منهما، فكان ينبغي أن يقدمه في الصحاح؛ لأنه في ((صحيح مسلم))، كذا نقله
ميرك ولم أجده في ((جامع الأصول))، ويمكنُ على بُعد أنه حمل حديث حذيفة عند
مسلم وحديثه عند الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه على قضيتين مختلفتين:
الأولى في صلاة الليل، والثانية في الفريضة، أي: جعلهما حديثين مختلفين لا
حديثًا واحدًا، وعلى هذا فلا اعتراض عليه في إيراده لحديث حذيفة الثاني في
الحسان؛ لكونه قد ذكره في محله، والله أعلم.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكوع
٦١٣
الفصل الثالث
٨٨٩- [١٥] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ، فَلَمَّا
رَكَعَ مَكُثَ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: ((سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ
وَالمَلَكُوتِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٨٩- قوله: (قُمْتُ) أي: مصليًا. (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ) أي: ليلة. (فَلَمَّا رَكَعَ
مَكْثَ) بضمِّ الكاف وفتحها، أي: لبث في ركوعه. قال في ((القاموس)): المكث -
مثلثًا، ويحرك - اللبث، والفعل كنصر وكرم.
(قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) وفي رواية أبي داود: قمت مع رسول اللّهِ وَ لَه ليلة؛ فقام فقرأ
سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف
فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه. وكذا في رواية للنسائي.
(سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ) هما مبالغة الجبر، وهو القهر، والغلبة.
والملك، وهو التصرف، أي: صاحب القهر والتصرف البالغ كل منهما غايته.
(وَالْكِبْرِيَاءِ) من الكبر - بكسر الكاف - وهو العظمة، فيكون على هذا عطفها
عليه في الحديث عطف تفسير.
وقيل: الكبرياء عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود قولان، ولا يوصف بها
إلا اللّه تعالى.
وقيل: الكبرياء عبارة عن كمال الذات، والعظمة عن كمال الصفات.
وقيل: الكبرياء الترفع والتنزه عن كل نقص، والعظمة تجاوز القدر عن
الإحاطة. ويدل على الفرق بينهما الحديث القدسي في الصحيح: ((الْكِبْرِيَاءُ
(٨٨٩) النَّسَائِي (٢/ ١٩١) عنه فيها.

٦١٤
BE*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رِدَائِ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فَيْهِمَا قَصَمْتُهُ)). أي: كسرته وأهلكته.
(وَالْعَظَمَةِ) زاد أبو داود في روايته: ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده
مثل ذلك ... إلخ. ورواية النسائي: ثم سجد بقدر ركوعه، يقول في
سجوده ... إلخ.
والحديث: يدل على مشروعية هذا الذكر في الركوع والسجود، وتطويلهما
بقدر القيام للقراءة، وكان فعله وَ لهر في ذلك مختلفًا، فتارة يمكث فيهما بقدر قيامه
للقراءة؛ فيستوي القيام والركوع والسجود، وفي أكثر الأحيان يكون القيام أطول
من الركوع والسجود.
وقيل: كان إذا طول القيام طول الذكر فيهما. وكان إذا خفف القيام خفف الذكر
فيهما، والله أعلم.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) أخرج النسائي هذا الحديث مختصرًا ومطولًا، وأخرجه أيضًا
أحمد، وأبو داود، لكن مطولًا فقط. وسكت عنه أبو داود، والمنذري، وقال
الشوكاني: رجال إسناده ثقات.
٨٩٠ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: مَا
صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَشْبَهَ صَلَةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ مِنْ
هَذَا الْفَتَى - يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قَالَ: فَحَزَرْنَا رُكُوعَهُ عَشْرَ
تَسْبِيحَاتٍ، وسُجُودَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٨٩٠- قوله: (وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ) هو سعيد بن جبير - بضم الجيم وفتح الموحدة
وسكون الياء - ابن هشام الأزدي الوالبي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله
الكوفي أحد الأعلام، كان فقيهًا، عابدًا، فاضلًا، ورغًا، إمامًا، حجة على
المسلمين .
(٨٩٠) أَبُو دَاوُد (٨٨٨)، والنَّسَائِي (٢/ ٢٢٤) عنه فيها.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكوع
٦١٥
2X39E
قال الحافظُ: هو ثقة، ثبت، فقيه، من أوساط التابعين، قتل بين يدي الحجاج
في شعبان سنة خمس وتسعين بواسط، ولم يكمل الخمسين، ثم مات الحجاج
بعده في رمضان من السنة المذكورة، ولم يسلط بعده على قتل أحد لدعاء سعيد
بعد ما قال الحجاج له: اختر يا سعيد اختر أي قتلة أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا
حجاج، والله لا تقتلني قتلة إلا قتلك اللهُ مثلها في الآخرة ... إلى آخر ما جرى
الكلام بينهما. حتى قال سعيد بعد أن كب على وجهه للذبح وشهد بالشهادتين :
اللهم لا تسلّطُه على أحدٍ يقتله بعدي. وقد بسط قصة قتله ابن خلكان فارجع إليه.
(مِنْ هَذَا الْفَتَى، يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أي: ابن مروان بن الحكم بن
العاص الأموي أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي
إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعُد مع
الخلفاء الراشدين. مات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة. ومدة
خلافته سنتان ونصف، كذا في ((التقريب)). قال ابن حجر: وعمر بن عبد العزيز
أدرك أنسًا، وأخذ عنه؛ لأنه ولد سنة إحدى وستين، وأنس توفي سنة إحدى
وتسعين .
(قَالَ) أي: ابن جبير. (قَالَ) أي: أنس. (فَحَزَرْنَا) بحاء مهملة ثم زاي معجمة
مفتوحتين، ثم راء مهملة، أي: قدَّرنا وخَمَّنًا. (رُكُوعَهُ) وفي أبي داود والنسائي:
فِي رُكُوعِهِ. أي: بزيادة: ((فِي)) قبل: ((رُكُوعَهُ)). يعني: ركوع عمر.
(عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ) المراد بالتسبيح هنا هو التسبيح المعروف، أي: سبحان ربي
العظيم، وسبحان ربي الأعلى. قيل: فيه حجة لمن قال: إن كمال التسبيح عشر
تسبيحات فلا يزيد الإمام على هذا القدر، ولا ينقص من ثلاث تسبيحات، كما
تقدم .
قال الشوكاني: والأصح أن المنفرد يزيد في التسبيح ما أراد، وكلما زاد كان
أولى. والأحاديث الصحيحة في تطويله و لو ناطقة بهذا. وكذلك إذا كان المؤتمون
لا يتأذون بالتطویل، انتهى.
قلتُ: الأولى للإمام بل المتعين أن يخفف في التسبيح في تمام، أي: لا يطول
في الركوع والسجود ما شاء، وإن كان المؤتمون لا يتآذون بالتطويل؛ لأمره وَاخيه-

٦١٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*ESooNe **
بالتخفيف مطلقًا، ولأنه لا يدري ما يطرأ عليهم. قال ابن عبد البر: ينبغي لكل إمام
أن يخفف لأمره وَله، وإن علم قوة من خلفه؛ فإنه لا يدري ما يحدث عليهم من
حادث، وشغل وعارض وحاجة وحدث، وغيره، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد.
قال الشوكاني: الحديث رجال إسناده كلهم ثقات إلا عبد الله بن إبراهيم بن
عمر بن كيسان أبو يزيد الصنعاني، قال أبو حاتم: صالح الحديث. وَقَالَ النَّسَائِيُّ:
ليس به بأس، وليس له عند أبي داود والنسائي إلا هذا الحديث، انتهى.
قلتُ: وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق، وسكت على حديثه أبو داود،
والمنذري. قلتُ: وفي سنده أيضًا وهب بن مانوس وهو مستور كما في ((التقريب))
وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
٨٩١- [١٧] وَعَنْ شَقِيقٍ قَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا
سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دَعَهُ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ
قَالَ: وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وَهِ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٩١- قوله: (عَنْ شَقِيقٍ) أي: ابن سلمة التابعي أبي وائل الكوفي مخضرم،
روى عن الخلفاء، وحذيفة وغيرهم، اتفقوا على توثيقه وجلالته، وقد تقدم ترجمته
أبسط من هذا.
(رَأَى رَجُلًا) لم يعرف اسمه، لكن عند ابن خزيمة وابن حبان أنه كندي. (لَا يُتِمُّ
رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ) جملة وقعت صفة لـ((رجلًا))، وفي رواية عبد الرزاق: فجعل
ينقر ولا يتم ركوعه. (فَلَمَّا قَضَى) أي: أدَّى الرجل (صَلَاتَهُ) الناقصة الركوع
(٨٩١) البُخَارِي (٧٩٣) عنه فيها.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكُوع
٦١٧
والسجود. (دَعَاهُ) لم أجد هذا اللفظ في البخاري. (فَقَالَ) وفي البخاري: فلما
قضى صلاته قال. (لَهُ) أي: للرجل. (مَا صَلَّيْتَ) أي: صلاة صحيحة، وما نافية.
وقال القسطلاني: نفي للحقيقة كقوله بَّ للمسيء صلاته: ((فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)).
وقال أيضًا: نفى عنه الصلاة؛ لأنَّ الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء تمام الركوع
والسجود يلزم منه انتفاء الركوع والسجود المستلزم لانتفاء الصلاة.
(قَالَ) أي: شقيق. (وَأَحْسِبُهُ) أي: أظن حذيفة. (قَالَ) للرجل. (وَلَوْ مُتَّ) أي:
على هذه الحالة وميم (مُتَّ) مضمومة، ويجوز كسرها على لغة من يقول: مات
يمات، كخاف يخاف. والأصل موت - بكسر العين - كخوف، فجاء مضارعه
على يفعل - بفتح العين - فعلى هذه الحالة يلزم أن يقال في الماضي المسند إِلى
التاء مِتَّ بكسر الميم. (مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ) أي: الطريقة أو السنة أو الملة. (الّتِي
فَطَرَ اللَّهُ) أي: خلق عليها. (مُحَمَّدًا وَلِّ) .
الحديث: دليل على افتراض الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى أن الإخلال
بها مبطل للصلاة، وعلى تكفير تارك الصلاة؛ لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإسلام
عمن أخل ببعض أركانها فيكون نفيه عمن أخل بها كلها أولى، وهذا بناء على أن
المراد بالفطرة الدين، وقد أطلق الكفر على من لم يصل، كما رواه مسلم، وهو إما
على حقيقته عند قوم، وإما على المبالغة في الزجر عند آخرين.
وقال الخطابي: الفطرة الملة والدين، أراد بهذا الكلام توبيخه على سوء فعله
ليرتدع في المستقبل من صلاته عن مثل فعله، ولم يرد به أن تركه لذلك مخرج له
من دين الإسلام. وقد تكون الفطرة بمعنى السنة كما جاء: ((خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ:
السِّوَال ... )) الحديث.
قال الحافظُ: ويرجحه وروده من وجه آخر عند البخاري بلفظ: سُنَّةَ مُحَمَّدٍ وَلِلّهِ.
وهذه الزيادة تدل على أن حديث حذيفة المذكور مرفوع؛ لأن قول الصحابي: سنة
محمد رَّد. يفيد ذلك، وقد مال إليه قوم، وخالفه آخرون، والأول هو الراجح.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي.

٦١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨٩٢ - [١٨] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَسْوَأُ النَّاسِ
سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ
صَلَاتِهِ؟ قَالَ: (لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشّرْحُ
٨٩٢- قوله: (أَسْوَأُ النَّاسِ) أي: أقبحهم وأشرهم. (سَرِقَةً) بكسر الراء وتفتح
أيضًا على ما في ((القاموس))، وهو مصدر منصوب على التمييز، قال الراغب:
السرقة: أخذ ما ليس له أخذه في خفاء، وصار ذلك في الشرع لتناول الشيء من
موضع مخصوص وقدر مخصوص.
(الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ) خبر ((أسوأ)). (وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهَ؟ قَالَ: لاَ يُتِمُّ
رُكُوعَهَا وَلاَ سُجُودَهَا)، زاد في ((المسند)) (ج٥: ص ٣١٠): أَوْ قَالَ: ((لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ
فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)).
قال الطيبي: جعل جنس السرقة نوعين متعارفًا وغير متعارف، وهو ما ينقص من
هذا الركن الطمأنينة، ثم جعل غير المتعارف أسوأ من المتعارف، وإنما كان أسوأ؛
لأن السارق إذا أخذ مال الغير ربما ينتفع به في الدنيا، ويستحل من صاحبه، أو
تقطع يده فيتخلص من العقاب في الآخرة، بخلاف هذا السارق، فإنه سرق حق
نفسه من الثواب، وأبدل منه العقاب في العقبى، وليس في يده سوى الضرر
والتعقب، انتھی.
والحديث: يدل على افتراض الطمأنينة في الركوع والسجود؛ لأنه وَلّ جعل
ترك إقامة الصلب في الركوع والسجود، وعدم إتمامهما أقبح أنواع السرقة،
وجعل الفاعل لذلك أسوأ من تلبس بهذه الوظيفة الخسيسة التي لا أوضع ولا أخبث
منها، تنفيرًا عن ذلك، وتنبيهًا على تحريمه، وقد صرح بَّخلال بعدم إجزاء صلاة من لا
يقيم صلبه في الركوع والسجود، ونفى حقيقة الصلاة عمن لم يتم ركوعه وسجوده
(٨٩٢) أَحْمَد (٥/ ٣١٠) عن أبي قتادة.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الرُّكُوعِ
٦١٩
كما تقدم، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، كلها ترد على من لم يقل بافتراض
الطمأنينة فيهما.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص٣١٠) وأخرجه أيضًا الدارمي وابن خزيمة والحاكم،
وقال صحيح الإسناد. والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)). قال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج٢: ص١٢٠): رجاله رجال الصحيح، وأخرج نحوه أحمد والبزار وأبو
يعلى، عن أبي سعيد الخدري، والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وابن حبان في
((صحيحه))، والحاكم وصححه عن أبي هريرة، والطبراني في الثلاثة بإسناد جيد
عن عبد الله بن مغفل.
٨٩٣- [١٩] وَعَن التُّعْمَانِ بْن مُرَّةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: «مَا تَرَوْنَ
فِي الشَّارِبِ وَالزَّانِ وَالسَّارِقِ؟)) - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ فِيهِمُ الحْدُودُ - قَالُوا:
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي
يَسْرِقُ من صَلَاتِهِ)) قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لَا
يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ] {صحيح}
الشّرْحُ
٨٩٣- قوله: (عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ) الأنصاري الزرقي المدني، ثقة من كبار
التابعين، وَوَهِمَ من عده في الصحابة.
قال العسكري: لا صحبة له، وذكره البخاري ومسلم في التابعين. وقال أبو
حاتم: حديثه مرسل. قال ابن عبد البر: ليس للنعمان عند مالك غير هذا الحديث.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ) قال ابن عبد البر: هكذا الرواية عن مالك مرسلًا،
والحديث يتصل ويستند من وجوه صحاح من حديث أبي سعيد وأبي هريرة،
انتهى. (مَا تَرَوْنَ) بفتح التاء، أي: تعتقدون وفي نسخة بضمها، أي: تظنون، وهذا
اختبار منه وَّ بمسائل العلم على حسب ما يختبر به العالم أصحابه، ويحتمل أنه
(٨٩٣) رَوَاهُ مَالِكٌ (١/ ١٦٧/ ٧٢) رِفْتَهُ، مرسلًا؛ وعند الدَّارِمِي (١٣٢٨) نحوه.