Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: حديث أم الحصين أخرجه، إسحاق بن راهويه في ((مسنده)): أنها صلت
خلف رسول اللَّه ◌ََّ فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: ((آمِينَ))، فَسَمِعَتْهُ وهي في
صف النساء، ذكره الحافظ في ((الدراية))، والزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١ :
ص٣٧١) وسكتا عنه. وذكره العيني في ((شرح البخاري)) عن كتاب ((المعرفة))
للبيهقي. وسكت هو أيضًا عليه، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ :
ص١١٤) وقال بعد ذكره: رواه الطبراني في ((الكبير)). وفيه إسماعيل بن مسلم
المكي وهو ضعيف، انتهى. قلتُ: إسماعيل بن مسلم المكي اثنان، أحدهما:
إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق، كان من البصرة، ثم سكن مكة، وهو
ضعيف الحديث. والثاني: إسماعيل بن مسلم المخزومي مولاهم المكي، وهو
صدوق. والظاهر: أن في سند حديث ابن راهوية والطبراني إسماعيل بن مسلم
المخزومي، يدل على ذلك سكوت الزيلعي، والحافظ، والعيني عن الكلام على
هذا الحدیث.
ومنها: حديث عليٍّ أخرجه الحاكم بلفظ: قال: سمعت رسول اللَّه وَلَه يقول:
((آمِينَ)) إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ وأخرج أيضًا عنه أن
النبي ◌َّ كان إذا قرأ: ﴿وَلا الضَّالِینَ﴾ رفع صوته بـ((آمین)). وأخرج ابنِ ماجه من
حديث علي، قال: سمعت رسول اللَّه وَ لَه إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ قال:
((آمِين)). قال السندي: والسماع يدل على الجهر. وفي سنده محمد بن عبد الرحمن
ابن أبي ليلي ضعفه الجمهور. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وباقي رجاله ثقات.
وقال أبو حاتم: هو خطأ من ابن أبي ليلي.
واعلم: أنه قد ثبت إجماع الصحابة على الجهر بالتأمين على طريق الحنفية؛
فقد أخرج عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له: أكان ابن الزبير
يؤمن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمن مَنْ وراءه حتى أن للمسجد لَلَجَّة.
وروى البيهقي من وجه آخر عن عطاء، قال: أدركت مائتين من أصحاب رسول الله
﴿َّ في هذا المسجد، إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ سمعت لهم رَجَّةً بـ((آمين))،
انتهى. فلما ثبت أن ابن الزبير كان يؤمن بالجهر، وكذلك يؤمن بالجهر كل من
يصلي وراءه من الصحابة حتى يكون للمسجد للجة، ولم ينكر عليهم أحد، ثبت
إجماع الصحابة على الجهر بالتأمين على طريق الحنفية، فإنهم قالوا: إن ابن الزبير

٥٤١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
أفتى في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح مائها، وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر
عليه أحد فكان إجماعًا، فكذلك يقال: إن ابن الزبير أمن بالجهر في المسجد
بمحضر من الصحابة، ولم ینکر علیه أحد، بل وافقوه، فکانوا یجهرون معه بآمین
حتى يكون للمسجد للجة، فكان إجماعًا منهم على الجهر بالتأمين.
قلتُ: ويدل على إجماع الصحابة على ذلك حديث نعيم المجمر المتقدم أيضًا،
فإنه يدل على جهر الصحابة والتابعين بآمين خلف أبي هريرة، ولم يثبت عن أحد
من الصحابة خلاف ما ثبت عن هؤلاء الصحابة، وكذا لم يثبت عن أحد منهم
الإنكار على من جهر به.
واعلم أيضًا: أن الحنفية استدلوا على ما ذهبوا إليه من الإسرار بالتأمين بحديث
وائل بن حجر: أنهمَ لَّصلى فلما بلغ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال:
((آمِين))، وأخفى بها صوته. أخرجه أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو يعلي في
مسانيدهم، والطبراني في (معجمه)) والدارقطني في ((سننه))، والحاكم في
((المستدرك))، كلهم من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس،
عن علقمة بن وائل، عن أبيه. وأخرجه الحاكم في أوائل ((التفسير)) (ج٢ :
ص٢٣٢) ولفظه: ويخفض بها صوته. والجواب: أن حديث وائل هذا لا يصلح
للاستدلال، فإن شعبة قد تفرد بهذا اللفظ، وهو مضطرب من جهة المتن، ومن
جهة الإسناد أيضًا؛ لأن شعبة لم يضبط إسناده ولا متنه، بل اضطرب فيهما، أما
اضطرابه في الإسناد فظاهر لمن تأمل في طرقه، وأما اضطرابه في المتن فقال مرة:
((رافعًا الروايات تشكّل صوته))، كما في رواية البيهقي في سننه، وقال مرة: أخفى
بها صوته، وقال مرة: خفض بها صوته، كما تقدم. وهذه الألفاظ متباينة
المفاهيم، مخالفة المعاني. ولو سلم أن حديث شعبة سالم عن الاضطراب في
الإسناد والمتن فلفظ: ((أخفى بها صوته))، أو ((خفض بها صوته)) فيه شاذ، فإنه قد
تفرد بهذا اللفظ شعبة، عن سلمة بن كهيل، ولم يتابعه عليه أحد لا ثقة ولا ضعيف،
ومع ذلك قد خالف فيه ثلاثة ثقات وضعيفًا من أصحاب سلمة بن کھیل.
أما الثقات فالأول: منهم سفيان الثوري، وهو أحفظ من شعبة، فإنه رواه عن
سلمة بن كهيل بلفظ: ((رَفَع بِهَا صَوْتَهُ)). وقد تقدم التنبيه عليه. والثاني: علي بن

٥٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صالح، فإنه رواه عن سلمة بن كهيل بلفظ: فجهر بـ( آمين))، وروايته في ((سنن أبي
داود))، وعلي بن صالح هذا ثقة. والثالث العلاء بن الصالح، قال الترمذي في
(جامعه)): روی العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة بن کھیل نحو رواية سفيان،
والعلاء بن صالح ثقة. قال الخزرجي في ((الخلاصة)): وثقه ابن معين. وأما
الضعيف فمحمد بن سلمة بن كهيل. قال الدارقطني بعد رواية حديث شعبة: هكذا
قال شعبة: وأخفى بها صوته. ويقال: إنه وهم؛ لأن سفيان الثوري، ومحمد بن
سلمة، وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل، فقالوا: ((ورفع بها صوته))، انتهى.
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((عمدة الرعاية)): اتفق الحفاظ - وإليهم
المرجع في تنقيد الأسانيد - على أن في سنده - أى: في سند حديث شعبة - خدشة
وخطأ من شعبة - أحد رواته - والصحيح: ((فَجَهَرَ بِهَا))، انتهى. وقال بحر العلوم
اللكنوي: وأما الإسرار بالتأمين فهو مذهبنا، ولم یرو فیه إلا ما روی الحاکم، عن
علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه صلى مع رسول اللّه وَ ل فإذا بلغ ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾
قال: ((آمِينَ))، وأخفى بها صوته، وهو ضعيف. وقد بيَّن في: فتح القدير وجه
ضعفه، انتهى .
وقال البيهقي: قد أجمع الحفاظ: البخاري وغيره على أن شعبة أخطأ في هذا
الحديث، فقد روى من أوجه: ((فَجَهَرَ بِهَا»، انتهى. واستدلوا أيضًا بما تقدم من
حديث سمرة بن جندب: أنه حفظ عن رسول اللَّه ◌َ ل سكتتين: سكتة إذا كبر،
وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ قالوا: الأظهر أن
السكتة الثانية كانت للتأمين سرًّا، والجواب: أن السكتة الثانية لم تكن للتأمين
سرًّا؛ لأنه ◌َّ ه كان يجهر صوته بالتأمين، ولم يثبت عنه ◌َّه الإسرار بالتأمين أصلًا،
فكيف يقال: إنها كانت للتأمين سرًّا؟ بل السكتة الثانية كانت؛ لأن يتراد إليه نَفَسُهُ،
كما صرح به قتادة في بعض رواياته. واستدلوا أيضًا بقوله عليه السلام: ((لَا تُبَادِرُوا
اِمَامَ، إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: وَلَا الضَّالِّينَ، فَقُولُوا: آمِينَ)) أخرجه مسلم من
حديث أبي هريرة.
قالوا: يستفاد منه: أن الإمام لا يجهر بـ((آمين))؛ لأن تأمين الإمام لو كان
مشروعًا بالجهر لما علق النبي وَ لَ تأمينهم بقوله: ﴿ وَلَا الضَّالِينَ﴾ قالوا: ويؤيد

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
٥٤٣
KEEE
Be
ما قلنا من أنه يستفاد منه أن الإمام لا يجهر بـ((آمين)) ما رواه أحمد، والدارمي،
والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
وَلَا الضَّالِينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ:
آمِينَ .. )) الحديث. فإن قوله: (( وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ، آمِينَ)» يدل على أن الإمام يقولها
سرًّا، وإلا لا يبقى لهذا القول فائدة.
والجواب: أنه علق النبي رَليل تأمينهم بتأمين الإمام، كما تقدم من حديث
أبي هريرة بلفظ: ((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا))، وهو أصح الروايات وأشهرها في حديث
أبي هريرة، فهو الأصل. والمعنى: إذا قال الإمام: ((آمين))، فقولوا: ((آمين))،
وهذا هو المراد بقوله: إذا قال: ((ولا الضالين)) فقولوا: ((آمين)). فإن المراد به إذا
قال: ((ولا الضالين))، وقال: ((آمين))، فقولوا: ((آمين)) مع تأمينه؛ لأن الروايات
يفسر بعضها بعضًا. ومعية الإمام في التأمين على سبيل اليقين لا تكون إلا إذا جهر
بالتأمين كما تقدم. وأما قوله: ((إن الإمام يقول: آمين))، فهو بيان للواقع، لا
لإعلامهم بأن الإمام يقول: آمين، حتى يدل على الإسرار، بل كانوا يسمعونها منه
حين يجهر بها كما ورد في الروايات السابقة الصحيحة، ومقصوده ◌َّل عنه ترغيبهم
في موافقة الإمام في التأمين في الزمان، أي: كما أن الإمام يقول: ((آمين))،
فقولوا أنتم أيضًا لتوافقوه فيها. واستدلوا أيضًا بأثر عمر، وعلي، روى الطحاوي
وابن جرير عن أبي وائل، قال: كان عمر وعلي لا يجهران ب﴿يِسْمِ اللَّهِ الََّمَنِ
الرَّحَيَةِ ﴾﴾، ولا بالتعوذ، ولا بـ((آمين)). والجواب: أن هذا الأثر ضعيف
جدًّا؛ فإن في سنده سعيد بن المرزبان البقال، وقد تركه الفلاس، وقال ابن معين :
لا یکتب حديثه .
وقال البخاري: منكر الحديث. ونقل ابن القطان أن البخاري قال: كل من قلت
فيه: منكر الحديث، فلا تحل الرواية عنه. كذا في ((الميزان)) للذهبي. واستدلوا
أيضًا بقول إبراهيم النخعي: خمس يخفيهن الإمام: سبحانك اللهم وبحمدك،
والتعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، واللهم ربنا لك الحمد. رواه
عبد الرزاق. والجواب: أن قول إبراهيم النخعي هذا مخالف للأحاديث
الصحيحة، فلا عبرة به .

٥٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((السعاية)): أما أثر النخعي ونحوه فلا يوازي
الروايات المرفوعة، انتهى.
وأجاب الحنفية عن أحاديث الجهر بوجوه: منها: الكلام فيها سندًا ومعنى، كما
صنعه النيموي في ((آثار السنن)). وقد رد عليه شيخنا في أبكار المنن (ص ٣٦٩ -
٤١٣) ردًّا حسنًا، وأجاب عن كل ما أورد النيموي على هذه الأحاديث بما لا مزيد
عليه، فعليك أن ترجع إليه .
ومنها: أن ((آمين)) دعاء، والأصل في الدعاء الإخفاء؛ لقوله تعالى: ﴿اَدْعُواْ
رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، فعند التعارض يرجح الإخفاء بذلك. وفيه: أنه
لم يثبت عن النبي وَّ الإسرار بالتأمين أصلًا كما تقدم، فدعوى التعارض باطلة.
ثم لا نسلم أن ((آمِينَ)) دعاء بل نقول: إنها كالطابع والخاتم للدعاء كما في حديث
أبي زهير النميري عند أبي داود: أن ((آمِينَ)) مثل الطابع على الصحيفة. ثم ذكر
قوله وَلِلّ: ((إن ختم بـ((آمين)) فقد أوجب)). ولو سلم أن ((آمِينَ)) دعاء فنقول: إنها
ليست بدعاء مستقل بالأصالة بل هي من توابع الدعاء، ولذلك لا يدعي بـ((آمين))
وحدها، بل يدعي بدعاء أولًا، ثم تقال هي عقيبه، فالظاهر أن يكون الجهر بها
والإخفاء بها تابعًا لأصل الدعاء، إن جَهْرًا فجهرًا، وإن سِرًّا فَسِرًّا. ولو سلم أن
((آمِينَ)) دعاء بالأصالة فنقول: إن الجهر بالتأمين مخصوص منه لأحاديث الجهر
بِالتأمين، كما خص منه قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيِمَ ﴾ صِرَطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ
[الفاتحة: ٧] فإنه دعاء، ويقرأ
٧
في الصلاة الجهرية، وكذلك كثير من الأدعية قد ثبت الجهر بها بالاتفاق، فهذا
الاعتذار من الحنفية مما لا يلتفت إليه.
ومنها: أن الجهر كان أحيانًا للتعليم، كما جهر عمر بن الخطاب بالثناء عند
الافتتاح، كذلك كان الجهر بالتأمين تعليمًا. وفيه: أن القول بأن جهره وَ لّ بالتأمين
كان للتعليم باطلٌ؛ فإنه ادعاء محض لا دليل عليه، ويدل على بطلانه أن الصحابة
كانوا يجهرون خلف الإمام حتى كان للمسجد رَجَّةٌ، فلو كان جهره وَالّ بالتأمين
للتعليم لم يجهروا بالتأمين خلف إمامهم، وأيضًا لو كان جهره به للتعليم كان أحيانًا
لا على الدوام. وقد روى أبو داود وغيره بلفظ: ((كان رسول اللَّه وَ له إذا قرأ: ﴿وَلَا

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٤٥
الضَّالِينَ﴾ قال: «آمِينَ)) ورفع بها صوته)). فهذا يدل على أنه وَلَه كان يداوم على
الجهر .
ومنها: أن الجهر بـ((آمين)) كان في ابتداء الأمر ثم ترك. وفيه: أن هذا أيضًا ادعاء
محض فلا يلتفت إليه. ومما يدل على بطلانه أن الجهر روي من حديث وائل بن
حجر وهو إنما أسلم في أواخر الأمر كما ذكره الحافظ في ((الفتح)) وغيره.
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في السعاية: وجدنا بعد التأمل والإمعان أن القول
بالجهر بـ((آمين)) هو الأصح؛ لكونه مطابقًا لما روي عن سيد بني عدنان، ورواية
الخفض عنه بقوله ضعيفة لا توازي روايات الجهر، ولو صحت وجب أن تحمل على
عدم القرع العنيف. وأي ضرورة داعية إلى حمل روايات الجهر على بعض
الأحيان، أو الجهر للتعليم؟ مع عدم ورود شيء من ذلك في رواية. والقول بأنه
كان في ابتداء الأمر أضعف؛ لأن الحاكم قد صححه من رواية وائل بن حجر، وهو
إنما أسلم في أواخر الأمر، كما ذكره ابن حجر في ((فتح الباري))، انتهى. وقد ظهر
بهذا كله أن القول برفع الصوت بالتأمين والجهر به هو الراجح القوي.
وقد اعترف بذلك الشيخ عبد الحي، حيث قال في ((التعليق الممجد)): الإنصاف
أن الجهر قوي من حيث الدليل، انتهى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه. (وَأَبُو دَاوُدَ)
وسكت عليه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وَأَقَرَّهُ. (والدَّارِمِيُّ وابْنُ مَاجَهْ)
وأخرجه أيضًا الدار قطني وابن حبان كلهم من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل،
عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر. قال الحافظ في ((التلخيص)): سنده
صحیح، وصححه الدارقطني، انتهى.
وقد اعترف غير واحد من العلماء الحنفية: بأن حديث وائل هذا صحيح؛
كالشيخ عبد الحق الدهلوي في ((ترجمة المشكاة))، والشيخ أبي الطيب السندي،
والشيخ سراج أحمد السرهندي في شرحيهما للترمذي، وقد تقدم أن شعبة روى
هذا الحديث فقال فيه: ((وَأَخْفَى بِهَا صَوْتَه)). وفي رواية: ((خَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ)). وقد
أسلفنا أنه اتفق الحفاظ على غلطه فيها، وأن الصواب المعروف: «مَدَّ وَرَفَعَ بِهَا
صَوْتَهُ)). وارجع لتفصيل الكلام وبسطه إلى ((تحفة الأحوذي)) (ج١: ص٢٠٩ -
٢١٢) و((أبكار المنن)) (ص ١٨٥ - ١٩٣ / ٣٦٩ - ٤١٣).

٥٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨٥٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي زُهَيْرِ النُّمَيْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ
ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلِ قَدْ أَلَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَوْجَبَ إِنْ
خَتَمَ)) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوَّمِ: بِأَِّ شَيْءٍ يَخْتِمُ؟ قَالَ: بـ(( آمِينَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٨٥٢- قوله: (عَنْ أَبِي زُهَيْرِ النُّمَيْرِيِّ) بالتصغير فيهما، قيل: هو أبو زهير
الأنماري، الذي يقال له: أبو الأزهر، والراجح أنه غيره، وهو صحابي سكن
الشام. قال المنذري: قيل: اسمه فلان بن شرحبيل. وقال أبو حاتم الرازي: إنه
غير معروف بكنيته، فكيف يعرف اسمه؟ وذكر له أبو عمر النمري هذا الحديث
وقال: ليس إسناد حديثه بالقائم، يقال: اسمه فلان بن شرحبيل. (فَأَتَيْنَا) أي:
مررنا. (قَدْ أَلَخَّ فِي الْمَسْأَلَةِ) أي: بالغ في السؤال والدعاء من الله. (أَوْجَبَ) أي:
الجنة لنفسه، أو الإجابة لدعائه، يقال: أوجب الرجل، إذا فعل فعلًا قد وجبت له
به الجنة أو النار، أو المغفرة لذنبه، أو الإجابة لدعائه. وقد تقرر في موضعه، أنه
لا يجب على الله شيء، فذلك إنما هو لمحض الفضل والوعد الذي لا يُخْلَفُ كما
أخبر تعالى به، كذا في ((المرقاة)). (إِنْ خَتَمَ) أي: المسألة. (قَالَ: بِ «آمِينَ))) وتمام
الحديث: ((فإنه إن ختم بـ(آمين)) فقد أوجب)). فانصرف الرجل الذي سأل النبي وَلّ
فأتى الرجل فقال: اختم يا فلان بـ((آمين)) وأبشر.
وفي الحديث: دلالة على أن من دعا يستحب له أن يقول بعد دعائه: ((آمِينَ)).
وفيه: أن ختم الدعاء بـ: ((آمين)) موجب لإجابة الدعاء، سواء كان المؤمن الداعي
نفسه أو غيره. وقد أخرج الحاكم عن حبيب بن مسلمة الفهري: سمعت رسول الله
وَه يقول: ((لا يَجْتَمِعُ مَلأْ فَيَدْعُو بَعْضُهُمْ، وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إِلَّا أَجَابَهُمُ اللهُ تَعَالَى))،
وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيُؤَمِّنْ عَلَى دَعَاءِ نَفْسِهِ))،
ومناسبة الحديث للباب من حيث أن فاتحة الكتاب تشتمل على الدعاء، فمن قرأها
(٨٥٢) أَبُو دَاوُد (٩٣٨) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
Be
٥٤٧
إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا داخل الصلاة أو خارجها يؤمن عقبها، ويختمها
بـ«آمین)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من طريق الفريابي، عن صبيح بن محرز، عن أبي مصبح
المقرئي، قال: كنا نجلس إلى أبي زهير النميري - وكان من الصحابة - فيتحدث
أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال: اختمه بـ((آمين))؛ فإن آمين مثل
الطابع على الصحيفة. قال أبو زهير: أخبركم عن ذلك؟ خرجنا مع رسول الله
وَلره ... إلخ. والحديث سكت عنه أبو داود، وأخرجه ابن منده. وقال: هذا
حديث غريب، تفرد به الفريابي عن صبيح، كذا في ((الإصابة)) (ج٤: ص٧٨) .
وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (ج٢: ص٦٥٢): أبو زهير الأنماري -
وقيل: النميري - حديثه عن النبي ◌َّلَ في الدعاء، وفيه: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَخْتِمْ
بِ((آمِينَ))؛ فَإِنَّ آمِينَ فِي الدُّعَاءِ مِثْلِ الطَّابع عَلَى الصَّحِيفَةِ))، وليس إسناد حديثه
بالقائم، انتهى. وذكر المنذري كلام ابن عبد البر وسكت عليه، والظاهر: أن هذا
الحديث لا ينحط عن درجة الحسن؛ فإن محمد بن يوسف الفريابي ثقة فاضل،
وصبيح بن محرز مقبول، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأبو مصبح المقرئي أيضًا
ثقة .
٨٥٣ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ رُّا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ صَلَّى
الْمَغْرِبَ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٥٣- قوله: (صَلَّى الْمَغْرِبَ بِسُورَةِ الأَعْرَافِ فَرَّقَهَا) من التفريق. (فِي
رَكْعَتَيْنٍ) فيه: دليل على جواز أن يقسم المصلي سورة بين ركعتين في الفريضة من
غير كراهة. قال الزرقاني: وكره مالك أن يقسم المصلي سورة بين ركعتين في
الفريضة؛ لأنه لم يبلغه أن النبي ◌َّ﴾ فعله، ذكره ابن عبد البر.، أو بلغه وحمله على
(٨٥٣) النَّسَائِي (٢/ ١٧٠) عَنْ عَائِشَةَ فِيهَا، وَفِي الْبُخَارِي (٧٦٤) نَحْوُهُ عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ
بالتَّفْرِقَةِ.

٥٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بيان الجواز، انتهى. قلتُ: الظاهر هو ما قاله ابن عبد البر، وقد أخرج أحمد،
والطبراني عن أبي أيوب أو عن زيد بن ثابت: ((أن النبي وَّ قرأ في المغرب
بالأعراف في الركعتين)).
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص١١٨): رجال أحمد رجال
الصحيح، وأخرج الطبراني في ((الكبير)) عن أبي أيوب: أن النبي وَ لّكان يقرأ في
المغرب سورة الأنْفَال قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وفي هذه الأحاديث رد
على مالك في كراهة قراءة السور الطوال في المغرب.
(رَوَاهُ الَّسَائِيُّ) بسند حسن. قال الشوكاني: وقد أخرج نحوه ابن أبي شيبة في
((مصنفه)) عن أبي أيوب، وأخرج نحوه ابن خزيمة عن زيد بن ثابت. ويشهد لصحته
ما أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي من حديث زيد بن ثابت، أن النبي وَلّ قرأ
في المغرب بطولى الطوليين. زاد أبو داود: قلت: ما طولى الطوليين؟ قال:
الأعراف.
٨٥٤ - [٢٧] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِ نَاقَتَهُ
فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لِي: ((يَا عُقْبَةُ، أَلَا أَعَّلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا؟)) فَعَلَّمَنِي:
وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾﴾ قَالَ: فَلَمْ يَرَنِي
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
سُرِرْتُ بِهِمَا جِدًّا، فَلَمَّا نَزَلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى بِهِمَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ،
فَلَمَّا فَرَغَ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: (يَا عُقْبَةُ كَيْفَّ رَأَيْتَ؟)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ] {صحيح}
الشّرْجُ
٨٥٤- قوله: (كُنْتُ أَقُودُ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ نَاقَتَهُ) أي: أَجُرُّهَا من قدامها لصعوبة
تلك الطريق، أو صعوبة رأسها، أو شدة الظلام. (أَلَا أُعَلَّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَنَا)
أي: في باب التعوذ مع سهولة حفظهما. قال الطيبي: أي: إذا تقصيت القرآن
المجيد إلى آخره سورتين سورتين ما وجدت في باب الاستعاذة خيرًا منهما،
(٨٥٤) رَوَاهُ فِي ((المُسْنَدِ)) (٤/ ١٤٩ - ١٥٠، ١٥٣)، وَأَبُو دَاوُد (١٤٦٢)، وَالنَّسَائِي (١٥٨/٢) عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٤٩
انتهى. (فَلَمْ يَرَنِي) أي: النبيِ نَّهِ. (سُرِرْتُ) على بناء المفعول، أي: جعلت
مسرورًا. (بِهِمَا) أي: بهاتين السورتين (جِدًّا) أي: سرورًا كثيرًا، لعله لكونهما
قصيرتين، وأراد أن يعلمه النبي وَ ل سورة طويلة. وقيل: لأنه ما رأى النبي وَل قط
أنه اعتنى بهما، وصلى بهما في صلاة.
وقال السندي: أي: ما حصل لي السرور الكامل؛ كأن القلب كان مشغولاً بما
كان في الوقت من الظلمة وغيرها، فما ظهر في القلب السرور على أكمل وجه
بذلك كما هو حال الحزين، انتهى. ونصب (جِدًّا) على المصدر.
(صَلَّى بِهِمَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ) أي: أَمَّ الناس بهاتين السورتين في صلاة
الفجر؛ لكونه مسافرًا، والسفر يطلب فيه التخفيف، وليبين بذلك أنهما عظيمتان
تقومان مقام سورتين عظيمتين، كما هو المعتاد في صلاة الفجر.
(كَيْفَ رَأَيْتَ؟) أى: علمت ووجدت عظمة هاتين السورتين المشتملتين على
التعوذ من الشرور كلها، حيث أقيمتا مقام الطويلتين، يعني: لو لم تكونا عظيمتي
القدر لما قرأتهما في الصلاة، ولم تَسُدَّا مَسَدَّ الطُّوَالِ.
قال التُّورْبَشْتِي: أشار ◌ِ له بقوله: ((خَيْرَ سُورَتَيْنٍ)) إلى الخيرية في الحالة التي
كان عقبة عليها، وذلك أنه كان في سفر، وقد أظلم عليه الليل، ورآه مفتقرًا إلى
تعلم ما يدفع به شر الليل، وشر ما أظلم عليه الليل، فعين السورتين لما فيهما من
وَجَازَةِ اللفظ، والاشتمال على المعنى الجامع مع سهولة حفظهما، ولم يفهم عقبة
المعنى الذي أراده النبي ◌ّله من التخصيص؛ فظن أن الخيرية إنما تقع على مقدار
طول السورة وقصرها؛ ولذلك قال: فلم يرني سررت بهما جدًّا، وإنما صلى
النبي وَلّ بهما ليعرفه أن قراءتهما في الحال المتصف عليها أمثل من قراءة غيرهما.
وتبين له أنهما يسدان مسد الطويلتين، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص١٤٩، ١٥٠، ١٥٣). (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) من حديث
القاسم مولى معاوية عن عقبة، والسياق لأبي داود وقد سكت عنه هو، ورواه أيضًا
الحاكم (ج١: ص٥٦٧) وصححه ووافقه الذهبي. وقال المنذري: القاسم هو أبو
عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن القرشي الأموي مولاهم الشامي. وثقه يحيى
ابن معين وعدة، وتكلم فيه غير واحد، انتهى. قلتُ: أصل الحديث - أي: في

٥٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فضل هاتين السورتين - قد روي عن عقبة بن عامر من طرق بعضها في ((صحيح
مسلم)). وزاد ابن حبان فيه من وجه آخر عن عقبة بن عامر: ((فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا
تَفُوتَكَ قِرَاءتْهُمَا فِي صَلَاةٍ فَافْعَلْ))، ورواية مسلم تقوي هذا الحديث، وتشهد
لصحته، ويؤيده أيضًا ما رواه أحمد من طريق أبي العلاء بن الشِّخِير، عن رجل من
الصحابة: أن النبي وَّ أقرأه المعوذتين، وقال له: ((إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ فَاقْرَأُ بِهِمَا))،
وإسناده صحيح، ولسعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل: ((أن النبي ◌ُّ صلى
الصبح فقرأ فيهما بالمعوذتين)).
٨٥٥ - [٢٨] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَِّي ◌َِّ يَقْرَأُ فِي صَلَاةٍ
الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ ﴾﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] (صحيح}
الشّرْحُ
٨٥٥- قوله: (يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) أي: في فرضه. (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)
في الركعة الأولى. (وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الركعة الثانية. (رَوَاهُ) البغوي صاحب
((المصابيح)). (فِي شَرْح السُّنَّةِ) أي: بإسناده، وأخرجه أيضًا ابن حبان، وفي سنده
سعيد بن سماك، وهو متروك.
وقال الشيخ الألباني: رواه ابن حبان في ((الثقات)) (ج٢: ص١٠٤) والبيهقي
(ج٢: ص ٣٩١) من طريق سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه، قال: لا أعلمه إلا عن
جابر بن سمرة، فذكره.
وقال ابن حبان: والمحفوظ عن سماك، أن النبي وَّر ... فذكره، يعني: أن
الصواب فيه مرسل، ليس فيه ذكر جابر، والذي ذكره إنما هو سعيد هذا، وهو وإن
أورده ابن حبان في ((الثقات))، فقد قال فيه ابن أبي حاتم (٣٢/١/٢) عن أبيه:
متروك الحديث، واعتمده الحافظ في الفتح، وقال: والمحفوظ أنه قرأ بهما في
(٨٥٥) البَغَوِيُّ (٦٠٥) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)).

كِتّابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
٥٥١
BXSE
الركعتين بعد المغرب. قلتُ: أخرجه أبو داود وغيره من حديث ابن عمر بسند
صحيح وحسنه الترمذي، انتهى.
٨٥٦ - [٢٩] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ «لَيْلَةَ
الْجُمُعَةِ)).
{ضعيف}
الشَّرْجُ
٨٥٦- قوله: (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) قال الحافظُ: إن ظاهر إسناده
الصحة إلا أنه معلول. قال الدارقطني: أخطأ بعض رواته فيه، والمحفوظ أنه قرأ
بهما في الركعتين بعد المغرب.
٨٥٧- [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَيَهِ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةٍ
الْفَجْرِ بِ﴿قُلْ يَأَتُهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشّرْخُ
٨٥٧- قوله: (مَا أُحْصِي) من الإحصاء و((ما)) نافية، أي: ما أطيق أن أعد. (مَا
سَمِعْتُ) ((ما)) موصولة، وقيل: مصدرية، أي: سماعي. (رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقْرَأُ)
أي: لا أقدر أن أعد المرات التي كان يقرأهما فيها، أو مدة سمعت فيها رسول الله
وَلَّه يقرأ، وهو كناية عن الكثرة.
قال الطيبي: حال عن العائد إلى ما وكان الأصل: ما سمعت قراءته، فأزيل
المفعول به عن مقره وجعل حالًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا
(٨٥٦) وَهُوَ عِنْدَ ابن مَاجَهْ (٨٣٣) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، دُونَ قَوْلِهِ: لَيْلَةَ الجُمُعَةِ.
(٨٥٧) التِّرْ مِذِي (٤٣١) عَنْهُ فِيهَا .

٥٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يُنَادِى﴾ [آل عمران: ١٩٣] أي: نداء المنادي، انتهى.
(﴿قُلْ يَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ ﴾﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾)، فيه : استحباب قراءة
هاتين السورتين في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وفي سنده عبد الملك بن الوليد بن معدان، وقد تفرد بروايته،
وهو ضعيف ضعفه أبو حاتم. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس
بالقوي. وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف، فحديث ابن مسعود هذا ضعيف.
٨٥٨- [٣١] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((بَعْدَ
الْمَغْرِبِ ».
{صحيح}
الشَّرْجُ
٨٥٨- قوله: (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ) أي: ابن ماجه، أو أبا
هريرة. (لَمْ يَذْكُرْ: بَعْدَ الْمَغْرِبَ) أي: لم يذكر في الركعتين بعد المغرب.
وفيه: أن حديث أبي هريرة في قراءة سورتي الإخلاص في ركعتي الفجر رواه
مسلم، وأبو داود، والنسائي أيضًا كما تقدم، فعزوه إلى ابن ماجه فقط ليس بجید.
وأيضًا: الظاهر من عبارة المصنف: أن ابن ماجه لم يرو حديث ابن مسعود
هذا، وفيه أيضًا نظر؛ لأن ابن ماجه قد روى هذا الحديث عن ابن مسعود في باب:
ما يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفيه أيضًا عبد الملك بن الوليد المذكور، لكنه
ليس في روايته: ((في الركعتين قبل صلاة الفجر)).
(٨٥٨) صحيح.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
حجر
٥٥٣
٨٥٩ - [٣٢] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ
وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَةً بِرَسُولِ اللَّهِ وَِّ مِنْ فُلَانٍ. قَالَّ سُلَيْمَانُ: صَلَّيْتُ خَلْفَهُ
فَكَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظَّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَبَيْنِ، وَيُخَفِّفُ
الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ
الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِطُوَالِ الْمُفَصَّلِ.
[رَوَاهُ النَّسَائِي وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى: وَيُخَفِّف الْعَصْر] {حسن}
الشَّرْجُ
٨٥٩- قوله: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونة أم المؤمنين كان فقيهًا،
فاضلاً، ثِقَةً، عابدًا، وَرِعًا، حجة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة من كبار
التابعين. مات قبل المائة. وقيل: بعدها. وتقدم ترجمته في تطهير النجاسات.
(مِنْ فُلانٍ) زاد أحمد في روايته: لِمَام كَانَ بِالْمَدِينَةِ. وفي ((شرح السنة)
للبغوي: إِنَّ فُلَانًا. يريد به أميرًا كان على الَّمدينة، قيل: اسمه عمرو بن سلمة،
وليس هو عمر بن عبد العزيز كما قيل؛ لأن ولادة عمر بن عبد العزيز كانت بعد وفاة
أبي هريرة، والحديث مصرح بأن أبا هريرة صلى خلف فلان. (قَالَ سُلَيْمَانُ:
صَلَّيْتُ خَلْفَهُ) أي: خلف ذلك الفلان، وهذا لفظ أحمد، ولفظ النسائي من رواية:
فصلينا وراء ذلك الإنسان. (وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ) أي: بالنسبة إلى الظهر.
(فِي الْمَغْرِبِ) أي: في الأوليين منه، وكذا في العشاء. (بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ) بفتح
الواو والسين المهملة، والمفصل عبارة عن السُّبُع الأخير من القرآن، أوله سورة
الْحُجُرَاتِ. سمى مفصلًا؛ لأن سوره قصار، كل سورة كفصل من الكلام.
(بِطُوَلِ الْمُفَصَّلِ) بضم الطاء المهملة وفتح الواو جمع الطولى، كالكبر في
الكبرى. وقيل: بضم الطاء وسكون الواو، مصدر بمعنى الوصف. وفي بعض
النسخ: (بطوال المفصل)) - بكسر الطاء جمع الطويلة - والحديث قد استدل به
(٨٥٩) النَّسَائِى (٢/ ١٦٧)، وَابن مَاجَهْ (٨٢٧) عَنْهُ فِيهَا.

٥٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
على استحباب قراءة قصار المفصل في المغرب لما عرفت من إشعار لفظ: ((كَانَ))
بالمداومة. قيل: في الاستدلال به على ذلك نظر؛ لأن قوله: (أَشْبَهَ صَلَاةً) يحتمل
أن يكون في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها، ويمكن أن يقال في جوابه: إن
الخبر ظاهر في المشابهة في جميع الأجزاء، فيحمل على عمومه حتى يثبت ما
يخصصه. وقد تقدم الكلام في القراءة في صلاة المغرب مفصلًا.
وأن القول الراجح: هو أن القراءة فيها بطوال المفصل وقصاره سنة، والاقتصار
على نوع من ذلك إن انضم إليه اعتقاد أنه السنة دون غيره مخالف لهديه وَ اله . (رَوَاهُ
النَّسَائِيُّ) قال الحافظ في ((الفتح)): وصححه ابن خزيمة وغيره، وقال في ((بلوغ
المرام)): إسناده صحيح، انتهى. والحديث أخرجه أيضًا أحمد.
٨٦٠- [٣٣] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا خَلْفَ النَّبِيِّ بَّ فِي
صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَرَأَ، فَتَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: (لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ
خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟)) قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((لَا تَفْعَلُوا، إِلَّ بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي وَلِلنَّسَائِي مَعْنَاهُ] {حسن}
- وَفِي رِوَايَةٍ لِأَّبِي دَاوُدْ قَالَ: ((وَأَنَا أَقُولُ: مَا لِي يُنَازِعُنِي الْقُرْآنُ، فَلَا
تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِن الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ، إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ))(*).
الشَّرْحُ
٨٦٠- قوله: (فَقَرَأَ) أي: النبيِ نَ. (فَتَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ) أي: شق عليه
التلفظ والجهر بالقراءة، ويحتمل أن يراد به أنها التبست عليه القراءة بدليل ما في
رواية لأبي داود من حديث عبادة بلفظ: فالتبست عليه القراءة. قال المظهر:
عسرت القراءة على النبي ◌ُّية؛ لكثرة أصوات المأمومين بالقراءة. والسنة أن يقرأ
المأموم سرًّا بحيث يسمع كل واحد نفسه. (فَلَمَّا فَرَغَ) أي: من الصلاة. (لَعَلَّكُمْ
(٨٦٠) أَبُو دَاوُد (٨٢٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٣١١) عَنْهُ فِيهَا .
(*) أَبُو دَاوُد (٨٢٤)، وَالنَّسَائِي (٢/ ١٤١) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٥٥
ee
Be
تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟) قيل: هو سؤال فيه معنى الاستفهام للتقرير لا لطلب
التصديق، ويؤيده رواية الترمذي بلفظ: ((إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ))، وإنما
قال: ((خَلْفَ إِمَامِكُمْ))، وحق الظاهر ((خَلْفِي))؛ ليؤذن بأن تلك الفعلة غير مناسبة
لمن يقتدي بالإمام.
(قُلْنَا: نَعَمْ) زاد أبو داود في روايته ((هَذَّا)). قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ :
ص٢٠٥): الهَذّ: سرد القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال. وقيل: أراد بالهذ
الجهر بالقراءة، وكانوا يلبسون عليه قراءته بالجهر، وقد روي ذلك في حديث
عبادة من غير هذا الطريق، انتهى. (لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) قال الخطابي:
قوله: (لَا تَفْعَلُوا) يحتمل أن يكون المراد به الهذ من القراءة، وهو الجهر بها.
ويحتمل أن يكون أراد بالنهي ما زاد من القراءة على فاتحة الكتاب، انتهى.
قلتُ: على الاحتمال الأول يكون الحديث بظاهره دليلًا على الإذن بقراء الفاتحة
جهرًا؛ لأنه استثني من النهي عن الجهر خلفه، لكن أخرج البخاري في جزء
القراءة، وابن حبان، والبيهقي في كتاب ((القراءة))، وأبو يعلى، والطبراني في
((الأوسط)) من حديث أنس، أن النبي وَلّ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل
عليهم بوجهه، فقال: ((أَتَقْرَؤُونَ فِي صَلَاتِكُمْ وَالإِمَامُ يَقْرَأُ؟))، فسكتوا، فقالها ثلاث
مرات، فقال قائل - أو قائلون -: إنا لنفعل. قال: ((فَلَا تَفْعَلُوا، وَلَيَقْرَأْ أَحَدُكُمْ
بِفَاتِحَة الكِتَابِ فِي نَفْسِهِ)). هذا لفظ البخاري.
(فَإِنَّهُ لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِهَا) قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص ٢٠٥): هذا
الحديث نص بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلى خلف الإمام، سواء
جهر الإِمام بالقراءة أو خَافَتَ بها. وإسناده جيد لا طعن فيه.
قلتُ: الأمر كما قال الخطابي، لا شك في أن هذا الحديث نص صريح في أن
قراءة فاتحة الكتاب واجبة على المأموم في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية؛
لأن الاستثناء من النفي عند الجمهور إثبات، فيكون ظاهر الحديث مفيدًا لإباحة
القراءة بالفاتحة خلف الإمام، لا الوجوب، لكنه هاهنا يحمل على إفادة الوجوب،
لا الإباحة والإذن والرخصة فقط، ولقوله وَ الَ: ((فَإِنَّهُ لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا»،
فقوله هذا دليل واضح وحجة صريحة لحمل الاستثناء السابق على إفادته الوجوب،

٥٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((السعاية)): قد ثبت بحديث عبادة وهو حديث
صحيح قوي السند: أمره وقال بقراءة الفاتحة للمقتدي، انتهى.
وقال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)): أما حديث عبادة فقد بين الأمر، وأخبر
عن رسول الله وَل أنه أمر المأمومين بالقراءة خلفه بفاتحة الكتاب. قلتُ: وقد ورد
الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام صريحًا في حديث أنسٍ، وقد تقدم لفظه. وفي
حديث عبادة عند الطبراني في ((الكبير)) ولفظه: ((مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ، فَلْيَقْرَأْ
بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))، كذا في ((كنز العمال)) (ج٤: ص٩٦) ووقع هذا الحديث في
((مجمع الزوائد» (ج٢: ص١١١). طبعة مصر القاهرة بلفظ: ((مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَام)
بدل ((مَنْ صَلَّى ... )) إلخ. والظاهر: أنه خطأ من النساخ، فقد ذكره السيوطي في
((الجامع الصغير)) بلفظ: (مَنْ صَلَّى)) كما في ((الكنز)).
قال الهيثمي: رجاله موثقون. وقال العلقمي في ((شرحه)): بجانبه علامة
الحسن. وفي حديث أبي هريرة عند البيهقي في كتاب القراءة بعد ذكر مثل هذه
القصة: ((اقرؤوا بفاتحة الكتاب)). فهذه الروايات صريحة في الأمر بقراءة الفاتحة
للمقتدي. وقد أجاب الحنفية عن حديث عبادة هذا بوجوه كلها مخدوشة مردودة،
ذكر هذه الوجوه الشيخ اللكنوي في ((إمام الكلام)) وحاشيته ((غيث الغمام)) مع بيان
ما فيها من الخدشات. وقد رد على هذه الوجوه شيخنا أيضًا ردًا حسنًا في: ((أبكار
المنن)) (٢٦٩ - ٣٦٩)، وفي: ((تحقيق الكلام)) (ص ١٩٧ - ١٩٩ و ٤٨٨ - ٤٨٩)،
وللعلامة المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الأمرتسري(*) كتاب نفيس في هذه
المسألة سماه: ((الكتاب المستطاب في جواب فصل الخطاب))، قد رد فيه على ما
جمعه الشيخ محمد أنور من تقريراته المنتشرة في هذه المسألة، فعليك أن تراجعه
أيضًا لتقف على تشغيبات الحنفية، ومراوغاتهم الجدلية، ودسائسهم الخبيثة
الواهية، وتمويهاتهم الباطلة المزخرفة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه.
(وَالتِّرْمِذِيُّ) وحسنه. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال الحافظ في
(*) المعروف بالعلامة عبد الله الروبي (١٩٦٥م - ١٣٨٤هـ). كان يحضر المدرسة الرحمانية بدلهي
أيام الاختبارات، أيام كان الشيخ صاحب ((المرعاة)) طالبًا فيها. وله معه في بعض الاختبارات قصة
مشهورة ضارة نافعة .

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
Berget
٥٥٧
((التلخيص)) بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه أحمد والبخاري في جزء القراءة.
وصححه أبو داود، والترمذي، والدار قطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من
طريق ابن إسحاق: حدثني مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة. وتابعه زيد
ابن واقد وغيره عن مكحول. وقال في ((الدراية)»: أخرجه أبو داود بإسناد رجاله
ثقات. وقال في ((نتائج الأفكار لتخريج أحاديث الأذكار)): هذا حديث حسن.
وقال القاري: قال مَيْرَك نقلًا عن ابن الملقن: حديث عبادة بن الصامت رواه أبو
داود والترمذي، والدار قطني، وابن حبان، والبيهقي، والحاكم. وقال الترمذي:
حسن. وقال الدارقطني: إسناده حسن رجاله ثقات. وقال الخطابي: إسناده جيد لا
مطعن فيه. وقال الحاكم: إسناده مستقيم. وقال البيهقي: صحيح، انتهى. (وَفِي
رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: قَالَ) أي: النبي ◌َّه.
(وَأَنَا أَقُولُ) أي: في نفسي. (مَا لِي يُنَازِعُنِي) أي: يعالجني ولا يتيسر. (الْقُرْآنُ)
بالرفع، أي: لا يتأتى لي، فكأني أجاذبه فيعصى ويثقل عليَّ، قاله الطيبي.
وبالنصب، أي: ينازعني من ورائي فيه بقراءتهم على التغالبٍ، يعني: تشوش
قراءتهم على قراءتي. (فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ، إِلَّا بِأَمِّ الْقُرْآنِ) أي:
سرًّا. قال المنذري: وأخرجه النسائي.
قلتُ: وإلى هذه الرواية أشار المصنف بقوله: وللنسائي معناه. ولحديث عبادة
هذا شواهد: منها: حديث أنس وقد ذكرنا لفظه ومن خرجه من الأئمة. ومنها:
حديث محمد بن عائشة، عن رجل من أصحاب النبي وَله، قال: قال رسول الله
وَالَ : (لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُوَنَ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ))، قالوا: إنا لنفعل، قال: ((لَا، إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ
بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))، أخرجه أحمد، والبخاري في جزء القراءة، والبيهقي. وفي رواية
البخاري: ((إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي نَفْسِهِ))، ونحوه في رواية البيهقي.
قال الحافظ في ((التلخيص)): إسناده حسن. وقال البيهقي في ((معرفة السنن)) بعد
روايته: هذا إسناد صحيح. وأصحاب النبي ◌َّ كلهم ثقة، فترك ذكر أسمائهم
في الإسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه. وقال في كتاب ((القراءة)): هذا
حديث صحيح، احتج به محمد بن إسحاق بن خزيمة في جملة ما احتج به في
هذا الباب. ومنها: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال

٥٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رسول اللَّهُ وَّةَ: ((أَتَقْرَؤُونَ خَلْفِي؟)) قالو: نعم يا رسول اللّه، إِنَّا لَنَهُذُّهُ هَذَّا. قال:
((فَلَا تَفْعَلُوا، إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ)»، أخرجه البخاري في جزء القراءة. والبيهقي في كتاب
((القراءة)). وإسناده حسن، رجاله ثقات. ومنها: حديث أبي قتادة قال: قال
النبي ◌َّ: (أَتَقْرَؤُونَ خَلْفِي؟)) قلنا، نعم، قال: ((فَلَا تَفْعَلُوا، إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))
أخرجه البيهقي في كتاب ((القراءة)).
ومنها: حديث عبادة، قال: قال رسول اللَّه ◌َّهِ: ((لَا صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ خَلْفَ الْإِمَام)) أخرجه أيضًا البيهقي في كتاب ((القراءة))، وقال: إسناده
صحيح، والزيادة التي فيه صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة، كذا في ((كنز العمال))
(ج ٤: ص٢٠٨).
٨٦١- [٣٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ
جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: ((هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًّا؟) فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا
رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِنِّي أَقُولُ: مَالِي أَنَازَعُ الْقُرْآنَ!)) قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَن
الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا
ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ .
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدٍ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي وَالنَّسَائِي، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٨٦١- قوله: (انْصَرَفَ) أي: فرغ. (مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ) وعند ابن
عبد البر: صلى رسول اللَّه وَلجر صلاة الصبح، وفي رواية لأبي داود: صلى بنا
رسول اللّهُ وَّله صلاة نظن أنها الصبح. (هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنفًا؟) بمد أوله
وكسر النون. يعني: الآن، وأراد به قريبًا. والمد هو المشهور، وقد يقصر،
والاستفهام للتقرير لا لطلب التصديق؛ لأن قراءة من قرأ خلفه كانت بالجهر،
فكانت مسموعة له وَلّ. والدليل عليه ما رواه البيهقي في جزء ((القراءة)) (ص١٣)
قال: حدثنا محمود: ثنا البخاري، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا الليث، عن
(٨٦١) الترمذي (٣١٢)، أَبُو دَاوُد (٨٢٦)، ابن مَاجَهْ (٨٤٨)، النَّسَائِي (٢/ ١٤٠، ١٤١) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلاةِ
Bese:
٥٥٩
الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة، قال: صلى النبي ◌َّ- صلاة تجهر فيها،
فلما قضى الصلاة قال: ((مَنْ قَرَأَ مَعِي؟)) قال رجل: أنا. قال: ((إِنِّي أَقُولُ: مَا لِي
أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟)) فهذه الرواية صريحة في أن السؤال ليس عن نفس القراءة وأصلها،
لأنها كانت بالجهر لا بالسر، بل عن تعيين القاري، فلا بد أن يحمل قوله هاهنا :
((هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ؟)) على ذلك، أي: يجعل محط السؤال قوله: ((أَحَدٌ مِنْكُمْ)).
(فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ) وفي رواية: ((فقال رجل: نعم أنا))، وهذا أيضًا يدل على أن
السؤال كان عن تعيين القاري لا عن نفس القراءة.
(إِنِّي أَقُولُ) في نفسي. (مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ) بفتح الزاي بالبناء لما لم يسم
فاعله، ونصب القرآن على أنه مفعول ثان بتقدير: فِي الْقُرْآنِ، أي: أجاذب في
قراءته كأني أجذبه إلى من غيري، وغيري يجذبه إليه منى. والظاهر: أنه أخبرهم
بهذا المعنى؛ نهيًا لهم عن ذلك، وإنكارًا لفعلهم. والظاهر أيضًا، بل المتعين: أن
الرجل جهر بالقراءة خلفه، فهو بمعنى التثريب واللوم له على ذلك، فيكون المنع
مخصوصًا بالجهر خلفه. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص٢٠٦): معناه
أداخل في القراءة، وأغالب عليها.
وقال الجزري في ((النهاية)): أي أجاذب في قراءته، كأنهم جهروا بالقراءة خلفه
فشغلوه فالتبست عليه القراءة. وأصل النزع الجذب، ومنه نزع الميت بروحه.
(قَالَ) أي: الزهري. (فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ) أي: تركوها. (فِيمَا جَهَرَ)
رسول اللّه ◌َلَه. (فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَواتِ) بيان لـ((ما)» الموصولة. قال القاري:
مفهومه: أنهم كانوا يسرون بالقراءة فيما كان يخفى فيه رسول اللّه وَ اثير، وهو مذهب
الأكثر وعليه الإمام محمد من أئمتنا.
(حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ) أي: ما ذكر من التثريب واللوم. زاد البخاري والبيهقي في
جزء ((القراءة)) لهما: وقرؤا في أنفسهم سرًا فيما لا يجهر فيه الإمام. واعلم أن
قوله: ((فَانْتَهَى النَّاسُ ... )) إلخ. ليس من رواية أبي هريرة في الحديث بل هو
مدرج من قول الزهري، وقد بين ذلك أبو داود في ((سننه))، قال: ورواه
عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري. وانتهى حديثه إلى قوله: ((مَا لِي أُنَازَعُ
الْقُرْآنَ؟». ورواه الأوزاعي عن الزهري، قال فيه: قال الزهري: فاتعظ المسلمون