Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨١٩ - [٢] وَعَنْ عَلِيّ رَْتَهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيِنَّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ -
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا افْتَحَ الصَّلَاةَ - كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِن الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدَُ، ظَلَمْتُ
نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ
أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفٍْ عَنِّي
سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّتَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ كُلَّهُ فِي
يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ
وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)).
وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ
سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِيٍ)) فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا
لَكَ الْحَمْدُ مِْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ))
وَإِذَا سَجِدَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ
وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ))
ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ
وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي،
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}ُ
أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيُّ: ((وَالشَّرُ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالَمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَا بِكَ
وَإِلَيْكَ، لَا مَنْجَى مِنْكَ وَلَا مَلْجَأ إِلَّ إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ))(*).
الشَّرْحُ
٨١٩- قوله: (إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: مكتوبة كانت أو نافلة، فإنه ليس فيه ما
(٨١٩) مُسْلِمٌ (٢٠١ / ٧٧١) عَنْهُ فِيهَا .
(*) سنن الترمذي (٣٤٢٢) مسند الشافعي (٢١٦) الباب السادس صفة الصلاة.

٤٤١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
يدل على كون هذا الذكر مخصوصًا بالنوافل دون الفرض. وقد روى أيضًا هذا
الحديث الترمذي وأبو داود والنسائي وابن حبان والدار قطني والشافعي، وليس في
رواية لهؤلاء المخرجين أنه كان في صلاة الليل، بل وقع في رواية للترمذي وأبي
داود: ((إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ)). ووقع في رواية للدار قطني: ((إذا ابتدأ
الصلاة المكتوبة)).
وقال الشوكاني: وأخرجه أيضًا ابن حبان وزاد: ((إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ».
وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضًا بالمكتوبة وكذا غيرهما، فالقول بأن هذا الذكر
مخصوص بصلاة التطوع، ولا يكون مشروعًا في الفريضة كما هو مذهب الحنفية
باطل جدًّا. وإيراد مسلم هذا الحديث في ((صحيحه)) في صلاة الليل لا يدل على
أنه وَلّ كان يقوله في التهجد دون الفرض ما لم يدل الحديث على ذلك كما لا
يخفى، وأما ما وقع في حديث محمد بن مسلمة عند النسائي: كان إذا قام يصلي
تطوعا قال: ((اللَّهُ أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ... )) إلخ. فليس فيه دليل على كونه
مخصوصا بالتطوع لوجود التقييد بالمكتوبة في أكثر روايات علي رضي الله عنه،
ولا منافاة بينهما؛ لأنه ◌َّلو كان يقول هذا الذكر في الفريضة، وصلاة الليل
كلتيهما، فقال علي في روايته: ((إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ)).
وقال محمد بن مسلمة: ((إِذَا قَامَ يُصَلِّ تَطَوُّعًا)). وأجاب بعض الحنفية عن
الروايات التي فيها التقييد بالمكتوبة: بأنه كان في أول الأمر كما في ((شرح المنية))
لابن أمير الحاج، وفيه: أن هذا ادعاء محض لا دليل عليه، فهو مردود على قائله.
(وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا انْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: وَجَّهَتْ) هذا صريح في أن هذا الذكر
بعد تكبير التحريمة لا كما ذهب إليه المتأخرون من الحنفية وغيرهم من أنه قبل
التكبير؛ ليكون أبلغ في إحضار القلب، وجمع العزيمة، وقولهم هذا مما لا أصل
له في السنة، بل هو منابذ للسنة الصحيحة الثابتة. لأن الثابت في الأحاديث
التوجيه في الصلاة أي: بعد التحريمة لا قبلها. (وَجْهِيَ) بسكون الياء وفتحها،
أي: توجهت بالعبادة بمعنى أخلصت عبادتي لله، وقيل: صرفت وجهي وعملي
ونيتي، أو أخلصت وجهتي وقصدي. (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) أي: ابتدأ
خلقهما من غير مثال سبق. (حَنِيفًا) حال من ضمير (وَجَّهْتُ) أي: مائلًا إلى الدين
الحق ثابتا علیه .

٤٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الجزري: الحنيف المائل إلى الإسلام، الثابت عليه، والحنيف عند العرب
من كان على دين إبراهيم تعالَّلا، وأصل الحنف الميل. (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) بيان
للحنيف وإيضاح لمعناه. والمشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم،
ويهودي ونصراني ومجوسي ومرتد وزنديق وغيرهم. (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي) النسك
- بضم النون والمهملة - الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، وعطفه
على الصلاة من عطف العام على الخاص. (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أي: حياتي
ومماتي، ويجوز فتح الياء فيهما و إسكانهما، والأكثرون على فتح ياء محياي،
وإسكان مماتي. (لِلَّهِ) أي: هو خالقهما ومقدرهما، أو هو المالك لهما والمختص
بهما لا تصرف لغيره فيهما. وقيل: طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات
كالوصية والتدبير، أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي وما أموت عليه خالصة
لوجه الله. (رَبِّ الْعَالَمِينَ) بدل أو عطف بيان؛ أي: مالكهم، ومربيهم وهم ما
سوى الله على الأصح.
(لَا شَرِيكَ لَهُ) هو تأكيد لقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) المفهوم منه الاختصاص.
(وَبِذَلِك) أي: بالتوحيد الكامل الشامل للإخلاص قولًا واعتقادًا. (وَأَنَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ) قال السندي: كأنه كان يقول أحيانًا كذلك لإرشاد الأمة إلى ذلك،
ولاقتدائهم به فيه، وإلا فاللائق به وَّله (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) كما جاء في كثير من
الروايات، انتهى. قلتُ: وقع في رواية أبي داود وكذا في رواية لمسلم: (وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُسْلِمِينَ) أي: من هذه الأمة؛ لأنه وَّ كان أول مسلمي هذه الأمة. قال في
((الانتصار)): إن غير النبي إنما يقول: (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وهو وهم منشأه توهم أن
معنى (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) أني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل
عنه، وليس كذلك، بل معناه بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره: ﴿قُلٌ
[الزخرف: ٨١] وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في
إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَمِدِينَ
قوله: (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وقوله: (أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) بين الرجل والمرأة، وهو
صحيح على إرادة الشخص. وفي ((المستدرك)) للحاكم من رواية عمران بن حصين
أن النبي وَ لّ قال لفاطمة: ((قُومِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكِ وَقُولِي: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي))،
إلى قوله: ((وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) فدل على ما ذكرناه.

٤٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
(اللَّهُمَّ) أي: يا الله، والميم بدل عن حرف النداء ولذا لا يجمع بينهما إلا في
الشعر. (أَنْتَ الْمَلِك) أي: القادر على كل شيء، المالك الحقيقي لجميع
المخلوقات. (وَأَنَا عَبْدُلَكَ) أي: معترف بأنك مالكي ومدبري وحكمك نافذ في.
(ظَلَمْتُ نَفْسِي) أي: اعترفت بالتقصير. قدمه على سؤال المغفرة أدبًا؛ كما قال
آدم وحواء عليهما السلام: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
(فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي) أي: تقصيراتي. (إِنَّهُ) بالكسر استئناف فيه معنى التعليل
والضمير للشأن. (لَا يَغْفِرُ الذَّنُوبَ) أي: جميعها. (وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ) أي:
أرشدني لأكملها وأفضلها، ووفقني للتخلق بها، وثبتني عليها. (وَاصْرِفْ عَنِّي
سَيِّئَهَا) أي: قبيحها. (لَبَّيْكَ) أي: أقيم على طاعتك، وامتثال أمرك إقامة متكررة.
يقال: لب بالمكان لبَّ وألب إلبابًا أي: أقام به. وثنى هذا المصدر مضافًا إلى
الكاف، وأصل (لَبَّيْكَ) لَبَّيْنَ حذفت النون للإضافة، وأريد بالتثنية التكرير من غير
نهاية. (وَسَعْدَيْكَ) أي: أسعد أمرك واتبعه إسعادًا متكررًا.
(وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ) معناه: الإقرار بأن كل خير واصل إلى العباد ومرجو
وصوله فهو في يديه تعالى (وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) أي: لا يضاف إليك على انفراده،
فلا يقال: يا رب الشر، ويا خالق القردة والخنازير، ونحو هذا، وإن كان خالق كل
شيء ورب كل شيء، ففيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله، ومدحه بأن
يضاف إليه محاسن الأمور دون مساوئها على جهة الأدب، وليس المقصود نفي
شيء عن قدرته، أو إثبات شيء لغيره. وقيل: معنى الشر ليس مما يتقرب به إليك،
بل هو سبب إبعاد، والتقدير: والشر ليس مقربًا إليك. ولا بد من حذف لأجل خبر
ليس فيقدر هنا خاصًّا. وقيل: معناه: الشر لا يصعد إليك، فإنه إنما يصعد إليه
الكلم الطيب والعمل الصالح. وقيل: معناه الشر ليس شرًّا بالنسبة إليك، فإنك
خلقته لحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين. وقيل: هذا كقول
القائل: فلان إلى بني تميم. إذا كان عداده فيهم، أو وصفوه معهم، حكى هذه
الأقوال النووي. وقال: إنه مما يجب تأويله؛ لأن مذهب أهل الحق أن كل
المحدثات فعل الله تعالی وخلقه سواء خيرها وشرها.

٤٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَنَا بِكَ وَإِلَيْك) أي: توفيقي بك والتجائي، وانتمائي إليك، أو وجودي
بإيجادك، ورجوعي إليك، أو بك أعتمد، وإليك ألتجئ، أو نحو هذا الكلام.
(تَبَارَكْتَ) أي: استحققت الثناء. وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري:
تبارك العباد بتوحيدك. وقيل: تكاثر خيرك. وأصل الكلمة للدوام والثبوت.
(وَتَعَالَيْتَ) أي: ارتفع عظمتك، وظهر قهرك، وقدرتك على من في الكونين.
وقيل: أي عن مشابهة كل شيء. (لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ) في تقديم الجار إشارة
إلى التخصيص. (وَلَكَ أَسْلَمْتُ) أي: لك ذللت وانقدت، أو لك أخلصت وجهي.
(خَشَعَ) أي: خضع وتواضع، وأقبل عليك أو سكن من قولهم: خشعت الأرض،
إذا سكنت واطمأنت. (لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي) خصهما من بين الحواس؛ لأن أكثر
الآفات بهما، فإذا خشعتا قلت الوساوس. (وَمُخِّي) بضم الميم وتشديد المعجمة .
قال ابن رسلان: المراد به هنا: الدماغ، وأصله الودك الذي في العظم، وخالص
كل شيء. (وَعَصَبِي) العصب بفتحتين طنب المفاصل، وهو ألطف من العظم.
(فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي: من الركوع قال أي بعد قوله: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. كما في
رواية للترمذي.
(مِلْءَ السَّمَوَاتِ) بكسر الميم ونصب الهمزة بعد اللام ورفعها، والنصب أشهر
صفة مصدر محذوف، وقيل: حال، أي: حال كونه مالئًا لتلك الأجرام على تقدير
تجسمه، والرفع على أنه صفة الحمد. (وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) بالبناء على
الضم، أي: بعد السموات والأرض وما بينهما كالكرسي والعرش وغيرهما مما لم
يعلمه إلا الله. والمراد: الاعتناء في تكثير الحمد.
(سَجَدَ وَجْهِيَ) أي: خضع وذل وانقاد. (وَصَوَّرَهُ) زاد مسلم في رواية وأبو
داود: ((فَأَحْسَنَ صُوَرَهُ)) وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤].
(أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أي: المصورين والمقدرين، فإنه الخالق الحقيقي المنفرد
بالإيجاد والإمداد وغيره، إنما يوجد صورًا مموهة ليس فيها شيء من حقيقة الخلق
[٩٦ ﴾ [الصافات: ٩٦].
مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦، والزمر: ٦٢]. (ثُمَّ يَكُونُ) أي: بعد فراغه من ركوعه
وسجودہ .

٤٤٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
EXDE
(مَا قَدَّمْتُ) من سيئة. (وَمَا أَخَّرْتُ) من عمل، أي: جميع ما فرط مني، قاله
الطيبي: وقيل: ما قدمت قبل النبوة وما أخرت بعدها. وقيل: ما أخرته في علمك
مما قضيته علي. وقيل: معناه إن وقع مني في المستقبل ذنب، فاجعله مقرونًا
بمغفرتك. فالمراد من طلب المغفرة قبل الوقوع: أن يغفر إذا وقع.
(وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ) أي: جميع الذنوب؛ لأنها إما سر أو علن. (وَمَا
أَسْرَفْتُ) أي: جاوزت الحد. (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) أي: من ذنوبي التي لا أعلمها
عددًا وحكمًا. (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قال البيهقي: قدم من شاء التوفيق إلى
مقامات السابقين، وأخر من شاء عن مراتبهم. وقيل: قدم من أحب من أوليائه
على غيرهم من عبيده وأخر من أبعده عن غيره، فلا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما
قدم. وقيل: أنت الرافع والخافض، والمعز والمذل على ما تقتضيه حكمتك.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي مطولًا وابن
ماجه مختصرًا وابن حبان والدار قطني والشافعي. (وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ) أي: لا
مهدي إلا من هديته، وترك مقابله وهو لا ضال إلا من أضللته لما تقدم من مراعاة
الأدب، أو هو من باب الاكتفاء بمقابله كقوله تعالى: ﴿سَرَبِلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾
[النحل: ٨١]. (لا مَنْجًا) بالقصر لا غير. وهو مصدر ميمي أو اسم مكان، أي: لا
موضع ينجو به اللائذ. (مِنْكَ) أي: من عذابك.
(وَلَا مَلْجَأَ) الأصل فيه الهمز، ومنهم من يلين همزتِه ليزدوج مع (منجا)، أي: لا
ملاذ عند نزول النوائب وحصول المصائب. (إِلَّا إِلَيْكَ) فإنك المفرج عن
المهمومين، والمعيذ للمستعيذين. أو المراد: لا مهرب ولا مخلص، ولا ملاذ
لمن طالبته إلا إليك. والحديث: يدل على مشروعية الاستفتاح بما في هذا
الحديث. قال النووي: إلا أن يكون إمامًا لقوم لا يرون التطويل. وفيه: استحباب
الذكر في الركوع، والسجود، والاعتدال، والدعاء قبل السلام.

٤٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٨٢٠- [٣] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ، فَدَخَلَ الصَّفَّ، وَقَدْ حَفَزَهُ
النَّفَسُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَّمَّدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيًِّا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى
رَسُولُ اللَّهِنَّهِ صَلاَتَهُ قَالَ: ((أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟)) فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ:
((أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا)) فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِ النَّفَسُ،
فَقُلْتُهَا. فَقَالَ: (لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًّا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا)).
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٨٢٠- قوله: (وَقَدْ حَفَزَهُ) بفتح الحاء المهملة والفاء والزاي المعجمة.
(النَّفَسُ) بفتحتين، أي: جهده النفس من شدة السعي إلى الصلاة. وأصل الحفز
الدفع العنيف، قاله الخطابي. وقال النووي: أي: ضغطه لسرعته. (حَمْدًا كَثِيرًا)
قال الطيبي: منصوب بمضمر يدل عليه الحمد، ويحتمل أن يكون بدلًا منه جاريًا
على محله. وقوله: (طَيًِّا) وصف له، أي: خالصًا عن الرياء والسمعة. وقوله:
(مُبَارَكًا فِيهِ) يقتضي بركة وخيرًا كثيرًا يترادف إرفاده، ويتضاعف إمداده. قال
ابن الملك: أى: حمدًا جعلت البركة فيه، يعني: حمدًا كثيرًا غاية الكثرة.
(أَيُّكُمُ الْمُتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَاتِ) أي: المذكورات المسموعة آنفًا. (فَأَرَمَّ الْقَوْمُ) بفتح
الراء المهملة وتشديد الميم، أي: سكتوا. ويحتمل إعجام الزاي وتخفيف الميم
من الأزم وهو الإمساك، أي: أمسكوا عن الكلام، والأول أشهر رواية، أي:
سكت القائل خوفًا من الناس، قاله السندي. (فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟
فَأَرَمَّ الْقَوْمُ) كذا وقع مكررًا في بعض نسخ ((المشكاة))، ووقع في بعضها مرة واحدة
موافقًا لما في ((صحيح مسلم)). (فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا) قال الطيبي: يجوز أن يكون
مفعولًا به، أي: لم يتفوَّه بما يؤخذ عليه، وأن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: ما قال
قولًا يشدد عليه.
(٨٢٠) مُسْلِم (١٤٩ / ٦٠٠) عَنْهُ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
٤٤٧
(فَقَالَ رَجُلٌ) الظاهر: ((فقال الرجل)). كما في رواية أبي داود. (يَبْتَدِرُونَهَا) أي:
كل منهم يريد أن يسبق على غيره في رفعها إلى محل العرض أو القبول. وقال ابن
الملك: يعني: يسبق بعضهم بعضًا في كتب هذه الكلمات، ورفعها إلى حضرة الله
لعظمها، وعظم قدرها. وتخصيص المقدار يؤمن به ويفوض إلى علمه تعالى.
(أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا) هذه الجملة حال، أي: قاصدين ظهور أيهم يرفعها. قال القاري:
مبتدأ وخبر، والجملة في موضع نصب أي: يبتدرونها، ويستعجلون أيهم يرفعها .
قال أبو البقاء: في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل عمران:
٤٤] (أَيُّهُمْ) مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي: يقترعون أيهم، فالعامل فيه ما دل
عليه ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾. كذا ذكره الطيبي. وقيل: المراد أيهم يرفعها أول.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي، ولم يخرج البخاري في هذا عن
أنس شيئًا، إنما أخرج عن رفاعة في فضل هذه الكلمات وسيأتي في باب الركوع،
وقال أبو داود بعد رواية هذا الحديث: زاد حميد فيه أي عن أنس: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَمْشِ نَحْوَ مَا كَانَ يَمْشِي فَلْيُصَلِّ مَا أَدْرَلَكَ وَلْيَقْضِ مَا سَبَقَهُ)) .

٤٤٨
*** * gest
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٨٢١- [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَ إِذَ افْتَتَحَ
الصَّلَاةَ قَالَ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارََكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا
إِلَهَ غَيْرُكَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٢١- قوله: (إِذَا اقْتَتَحَ الصَّلَاةَ) أي: بالتكبير. (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) قال ابن
الملك: ((سُبْحَانَ)) اسم أقيم مقام المصدر وهو التسبيح، منصوب بفعل مضمر
تقديره: أسبحك تسبيحًا أي: أنزهك تنزيهًا من كل السوء والنقائص، يعني:
اعتقدت براءتك من السوء، ونزاهتك عما لا ينبغي لجلال ذاتك، وكمال صفاتك.
(وَبِحَمْدَِ) قيل: الواو للحال والباء إلصاقية والتقدير: أسبحك تسبيحًا وأنا
متلبس بحمدك. وقيل: الواو زائدة، والجار والمجرور حال، أي: أسبحك
تسبيحًا حال كوني متلبسًا ومقترنًا بحمدك، فالباء للملابسة والواو زائدة، وعلى
التقديرين هو حال من فاعل: أسبح. المفهوم من: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)، وقيل: الواو
بمعنى مع، أي: أسبحك مع التلبس بحمدك. وقيل: الواو عاطفة عطف جملة
فعلية على مثلها والباء سببية، أي: أنزهك تنزيهًا، واعتقدت نزاهتك بسبب الثناء
الجميل عليك. ويصح أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: أسبحك تسبيحًا
مقرونًا بشكرك؛ إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب
توفيقًا إلهيًّا.
قال الخطابي في ((معالم السنن)) (ج١: ص١٩٧): أخبرني ابن الخلاد قال:
سألت الزجاج عن الواو في: (وَبِحَمْدِكَ) فقال: معناه: سبحانك اللهم وبحمدك
سبحتك. قال الطيبي: قول الزجاج يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الواو
(٨٢١) أَبُو دَاوُد (٧٧٦)، وَالتِّرْمِذِي (٢٤٣)، وَابن مَاجَهْ (٨٠٦) فِي الصَّلَاةِ عَنْهَا.

٤٤٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
***===* **
بَابُ مَا يُقْرَأْ بَعْدَ التَّكبير
للحال، وثانيهما: أن يكون عطف جملة فعلية على مثلها؛ إذ التقدير: أنزهك
تنزيهًا وأسبحك تسبيحًا مقيدًا بشكرك، وعلى التقديرين: (اللَّهُمَّ) معترضة،
والجار والمجرور أعني: (بِحَمْدَِ) إما متصل بفعل مقدر والباء سببية، أو حال من
فاعل والباء إلصاقية، أو صفة لمصدر محذوف؛ كقوله: ﴿وََحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ﴾
[البقرة: ٣٠] أي: نسبح بالثناء عليك، أو نسبح متلبسين بشكرك، أو نسبح تسبيحًا
مقيدًا بشكرك. (وَتَبَارََكِ اسْمُك) أي : كثرت بر کة اسمك إذ وجد كل خير من ذكر
اسمك. وقيل: تعاظم ذاتك، أو هو على حقيقته؛ لأن التعاظم إذا ثبت لأسمائه
تعالى فأولى لذاته، ونظيره: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَ ﴾﴾
[سورة الأعلى: ١].
(وَتَعَالَى جَدَُّ) الجدُّ العظمة و(تَعَالَى) تفاعل من العلو، أي: عَلَى جَلَالُكَ
وعظمتك على عظمة غيرك غاية العلو. وقيل: تَعَالَى غناؤك أن ينقصه إنفاق، أو
يحتاج إلى معين ونصير. والحديث: يدل على مشروعية الاستفتاح بهذه
الكلمات، وقد اختلف العلماء فيما يستفتح به الصلاة من الذكر بعد التكبير،
فذهب الشافعي إلى ما رواه علي وهو حديث: ((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ... )) إلى آخره.
وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى حديث عائشة، وكان مالك لا يقول شيئًا من ذلك،
﴾﴾ وأحاديث الباب ترد عليه فيما
إنما يكبر ويقرأ: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (
ذهب إليه من عدم استحباب الافتتاح بشيء. وقد روي عن النبي ◌َّ أنواع من الذكر
في استفتاح الصلاة، ذكر المصنف خمسة منها، وترك بعضًا آخر وهو من
الاختلاف المباح، فبأيها استفتح الصلاة كان جائزًا، لكن الأولى بالاختيار عندنا
حديث أبي هريرة الذي جاء فيه دعاء الافتتاح بلفظ: ((اللّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي ... )) إلخ؛ لأنه
أصح ما ورد في ذلك. قال ابن الهمام في ((فتح القدير)) بعد ذكر هذا الحديث: وهو
أصح من الكل؛ لأنه متفق عليه، انتهى. ثم بعد ذلك أولى بالاختيار حديث علي؛
لأنه رواه مسلم، ثم بعد ذلك ما روي عن أبي سعيد، قال: كان رسول اللَّه ◌َلّهِ إِذا
قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدَِ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ
وَتَعَالَى جَدَُّكَ ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ))، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا))، ثُمَّ يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ
السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ))، أخرجه أحمد
والترمذي وأبو داود والنسائي. وهو حديث صحيح أو حسن، وسيأتي في باب: ما
يقول إذا قام من الليل .

٤٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
G تنبيه:
قال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)) بعد ذكر حديث عائشة والإشارة إلى حديث
أبي سعيد هذا: وأخرج مسلم في ((صحيحه)) أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات
يقول: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارََ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدَُّ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ)).
وروى سعيد بن منصور في ((سننه)) عن أبي بكر الصديق أنه كان يستفتح بذلك،
وكذلك رواه الدار قطني عن عثمان بن عفان، وابن منذر عن عبد الله بن مسعود،
وقال الأسود: كان عمر إذا افتتح الصلاة قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك
اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك))، يسمعنا ذلك ويعلمنا. رواه الدار قطني.
ثم قال ابن تيمية: واختيار هؤلاء وجهر عمر به أحيانًا بمحضر من الصحابة؛
ليتعلمه الناس مع أن السنة إخفاؤه يدل على أنه الأفضل، وأنه الذي كان النبي وَال
يداوم عليه غالبًا، وإن استفتح بما رواه عليٍّ أو أبو هريرة فحسنٌ؛ لصحة الرواية،
انتهى. قال الشوكاني بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا: ولا يخفى أن ما صح عن
النبي وَسير أولى بالإيثار والاختيار، وأصح ما ورد في الاستفتاح حديث أبي هريرة
ثم حديث علي. إِلَى أَنْ قَالَ: وقال ابن خزيمة: لا نعلم في الافتتاح: بِ((سُبحَانَك
اللَّهُمَّ)) خبرًا ثابتًا، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال: لا نعلم أحدًا ولا
سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه، انتهى. (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ)
وأخرجه أيضًا ابن ماجه والدار قطني والحاكم.
٨٢٢- [٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَارِثَةَ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
{صحيح}
الشَّرْحُ
٨٢٢- قوله: (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي: مختصرًا مثل حديث
(٨٢٢) ابن ماجه (٨٠٤) باب افتتاح الصلاة.

٤٥١
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
عائشة، وأخرجه النسائي أيضًا مختصرًا، وأخرجه أحمد والترمذي وأبو داود
مطولًا كما ذكرنا لفظه. (وَقَالَ التِّرمِذِيُّ: هَذَا) أي: حديث عائشة. (حَدِيثٌ لَا
نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَارِثَةَ) أي: ابن أبي الرجال.
وقوله: (إِلَّا مِنْ حَارِثَةَ) كذا وقع في جميع نسخ ((المشكاة))، والذي في ((جامع
الترمذي)): إلا من حديث حارثة. والظاهر أنه سقط لفظ: ((حَدِيثٍ)) من نسخ
المشكاة. حديث عائشة هذا قد روي من غير طريق حارثة، وإن لم يعرفه
الترمذي. قال أبو داود في ((سننه)): حدثنا حسين بن عيسى: حدثنا طلق بن غنام:
حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن
عائشة، قالت: كان رسول اللَّه وَّجله إذا افتتح الصلاة قال: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ
وَبِحَمْدَِ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدَُّ، وَلَا إِلَّهَ غَيْرُلَكَ))، قال أبو داود: هذا الحديث
ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب لم يروه عنه إلا طلق بن غنام، وقد روى
قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكروا فيه شيئًا من هذا، يعني: دعاء الاستفتاح.
وأجيب عنه: بأن طلق بن غنام ثقة صدوق، أخرج عنه البخاري في ((الصحيح))،
وعبد السلام بن حرب أخرج له الشيخان، وقد زاد في قصة الصلاة ما رواه أبو
داود، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد روى هذه الزيادة أيضًا حارثة بن أبي الرجال
عن جدته عمرة، عن عائشة، ثم قد تأيدت روايتهما أعني: حارثة وطلقًا - بحديث
أبي سعيد، وقد صحح الحاكم حديث عائشة من طريق ابن غنام وأورد له شاهدًا
ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٨٦): رجال إسناده ثقات، لكن
فيه انقطاع، انتهى. لأن أبا الجوزاء لم يسمع من عائشة، قاله ابن عبد البر.
وقال البخاري: في إسناد أبي الجوزاء نظر. يريد: أنه لم يسمع من مثل ابن
مسعود وعائشة، لا أنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة. قلتُ: قال الحافظ في
((تهذيب التهذيب)) (ج١: ص٣٨٤): قال جعفر الفريابي في كتاب الصلاة: حدثنا
مزاحم بن سعيد ثنا ابن المبارك ثنا إبراهيم بن طهمان ثنا بديل العقيلي، عن أبي
الجوزاء، قال: أرسلت رسولًا إلى عائشة يسألها ... فذكر الحديث، فهذا ظاهره
أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها على
مذهب مسلم في إمكان اللقاء، انتهى. وظهر من هذا كله: أن حديث عائشة من

٤٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
طريق طلق بن غنام أَعَلَّوهُ بثلاثة وجوه: أولها: أنه ليس بالمشهور عن عبد السلام بن
حرب .
ثانيها: أن جماعة رووا قصة الصلاة عن بديل بن ميسرة، ولم يذكروا ذلك فيه.
ثالثها: أن فيه انقطاعًا، وهذه العلل الثلاث كلها مدفوعة كما بينا. فالظاهر: أن
حديث عائشة من طريق طلق بن غنام ليس بضعيف.
(وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج٢ :
ص١٦٦): وقال ابن حبان: كان ممن كثر وهمه وفحش خَطَؤُهُ، تركه أحمد
ويحيى. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أبو حاتم والبخاري: منكر
الحديث. وقال أبو زرعة: واهي الحديث ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه
منكر. وقال ابن خزيمة: حارثة ليس يحتج أهلُ الحديث بحديثه. وقال ابن عدي:
بلغني أن أحمد نظر في ((جامع إسحاق)) فإذا أول حديث فيه حديث حارثة في
استفتاح الصلاة، فقال: منكر جدًّا، انتهى.
٨٢٣- [٦] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّ صَلَاةً
قَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرْ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرْ كَبِيرًّا، اللَّهُ أَكْبَرْ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا،
وَالحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - ثَلَاثًا -
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْئِ وَهَمْزِهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ
إِلّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر: ((وَالحَمَّدُ لِلَّهِ كَثِيرًا)). وَذَكَرَ فِي آَخِرِهِ: (مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ))] (ضعيف}
وَقَالَ عُمَرُ: نَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَنَفْتُهُ: الشِّعْرُ، وَهَمْزُهُ: الْمُؤْتَةُ.
الشّرُْ
٨٢٣- قوله: (وَعَنْ جُبَيْرٍ) بمضمومة فمفتوحة وسكون ياء. (بْنِ مُطْعَم) بضم
الميم، ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي، النوفلي المدني أبو محمدًّ، قدم
على النبي ◌َّ في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، وقيل: يوم الفتح.
(٨٢٣) أَبُو دَاوُد (٧٦٤)، وَابن مَاجَهْ (٨٠٧) عَنْهُ فِيهَا .

٤٥٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
ذكر ابن إسحاق أن النبي وَلهر أعطاه مائة من الإبل، كان حليمًا، وقورًا، عارفًا
بالنسب، وكان أخذ النسب عن أبي بكر، وسلحه عمر سيف النعمان بن المنذر. له
ستون حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. توفي
بالمدينة سنة (٥٨) أو (٥٩).
(رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يُصَلِّ صَلَاةً) قال عمرو بن مرة الراوي للحديث: لا أدري
أي صلاة هي؟ ولفظ ابن حبان: كان رسول اللَّه وَ لَه إذا دخل في الصلاة. (قَالَ)
أي: عقب تكبيرة الإحرام، قاله ابن حجر. والظاهر: أنه هو عين التحريمة مع
الزيادة، والله أعلم. (اللَّهُ أَكْبَرُ) بالسكون ويضم. (كَبِيرًا) أي: كبرت كبيرًا،
ويجوز أن يكون حالًا مؤكدة، أو صفة لمصدر محذوف بتقدير: تكبيرًا كبيرًا،
وأفعل لمجرد المبالغة، أو معناه: أعظم من أن يعرف عظمته. قال ابن الهمام: إن
أفعل وفعيلًا في صفاته تعالى سواء؛ لأنه لا يراد بـ(أكبر)) إثبات الزيادة في صفته
بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة؛ لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء. (كَثِيرًا)
صفة لمحذوف مقدر، أي: حمدًا كثيرًا.
(بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أي: في أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية، والعامل:
(سُبْحَانَ) وخص هذين الوقتين؛ لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، كذا ذكره
الأبهري وصاحب ((المفاتيح)). ويمكن أن يكون وجه التخصيص تنزيه الله تعالى
عن التغير في أوقات تغير الكون.
وقال الطيبي: الأظهر أن يراد بها الدوام؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا
بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. (ثَلَاثًا) كالذي قبله. (مِنْ نَفْخِهِ) بدل اشتمال أي: من تكبره
يعني مما يأمر الناس به من التكبر. (وَنَفْئِهِ) أي: مما يأمر الناس به من إنشاء الشعر
المذموم مما فيه هجو مسلم أو كفر أو فسق. والنفث في اللغة: قذف الريق، وهو
أقل من التفل، والنفخ في اللغة: إخراج الريح من الفم، ونفخها في الشيء.
(وَهَمْزِهٍ) أي: من جعله أحدًا مجنونًا بنخسه وغمزه. كل من الثلاثة بفتح
فسكون. قال التُّورْبَشْتِي: النفخ كناية عما يسوله الشيطان للإنسان من الاستكبار
والخيلاء، فيتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه، ولهذا قال تعالَّلُ للذي رآه قد استطار
غضبًا: ((نَفَخَ فِيهِ الشَّيْطَانُ)). قال: ولعل المراد من النفث: السحر، فإنه أشبه لما

٤٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
[الفلق: ٤] وأما
شهد له التنزيل؛ قال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّئَتِ فِىِ الْعُقَدِ
الهمز، فالأشبه أن يراد به ما يوسوس به؛ قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ
﴾ [المؤمنون: ٩٧] وهمزاته: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، وقيل
(٩٧
الشَّيَطِینِ
في معنى الآية: إن الشياطين يحثون أولياءهم على المعاصي، ويغرونهم عليها،
كما يهمز الركضة الدواب بالمهماز حثًّا على المشي، انتهى مختصرًا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن حبان والحاكم، وابن حزم في
((المحلى)). والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري. (وابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُ) أي:
ابن ماجه. (لَمْ يَذْكُرْ: وَالْحُمْدُ للَّهِ كَثِيرًا) ولا يضر؛ لأنه زيادة ثقة لا تعارض المزيد
عليه فتقبل، قاله القاري، لكن في النسخ الموجودة في سنن ابن ماجه الحاضرة
عندنا هذه الزيادة موجودة.
(وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ: مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم) أي: المرجوم، وهي زيادة يعمل بها
كذلك؛ بأن يجمع بين الروايات بلحوق الزيادات، أو باعتبار التارات. قال الحافظ
في ((التلخيص)) (ص٨٦) بعد ذكر الحديث بلفظ ابن حبان مع هذه الزيادة: ولفظ
الحاكم نحوه، وحكى ابن خزيمة الاختلاف فيه، وقد أوضحت طرقه في
((المدرج))، انتهى. (وَقَالَ عُمَرُ) صوابه: عَمْرٌو بالواو كما صرح به صريحًا في
رواية ابن ماجه، وهو عمرو بن مرة أحد رواة إسناد هذا الحدیث. وروى ابن ماجه
أيضًا نحو حديث أبي سعيد مختصرًا من حديث ابن مسعود، وفي آخر هذا التفسير
أيضًا مصدرًا بلفظ: قَالَ، ولم يبين القائل، والظاهر أنه أحد رواة الإسناد. وعمرو
ابن مرة: هو عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي - بفتح الجيم والميم -
المرادي، أبو عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد، كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء،
من رواة الكتب الستة. مات سنة (١١٠) وقيل: قبلها. (نَفْخُهُ) بالرفع على
الإعراب، وبالجر على الحكاية.
(الْكِبْرُ) بكسر فسكون، أي: التكبر، وهو أن يصير الإنسان معظمًا كبيرًا عند
نفسه، ولا حقيقة له إلا مثل أنَّ الشيطان نفخ فيه فانتفخ، فرأى انتفاخه مما يستحق
به التعظيم مع أنه على العكس. قال الزمخشري في ((الفائق)): إنما سمي الكبر نفخًّا
لما يوسوس إليه الشيطان في نفسه، فيعظمها ويحقر الناس في عينه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يُقْرَأْ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
٤٥٥
BASE
(وَنَفْتُهُ: الشِّعْرُ) فإنه ينفثه من فيه كالرقية. والمراد: الشعر المذموم، وإلا فقد
جاء: ((إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً))، وقيل: إنما كان الشعر من نفثة الشيطان؛ لأنه يدعو
الشعراء المداحين الهجائين المعظمين المحقرين إلى ذلك.
(وَهَمْزُهُ: الْمُؤْتَةُ) بضم الميم وهمزة ساكنة - وقيل: بلا همز - بعدها مثناة
فوقية، نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد عليه كمال عقله.
وقال أبو عبيدة: المؤتة الجنون، سماه همزًا؛ لأنه جعله من النخس والغمز، و کل
شيء دفعته فقد همزته. قال ابن سيد الناس: وتفسير الثلاثة بذلك من باب المجاز،
انتھی .
والحديث: يدل على مشروعية الافتتاح بما ذكر فيه. وفيه أيضًا: مشروعية
التعوذ من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه، وقد ورد في التعوذ أحاديث أخرى:
منها: حديث أبي سعيد، وقد ذكرنا لفظه.
ومنها: حديث أبي أمامة، أخرجه أحمد بنحو حديث أبي سعيد.
ومنها: حديث ابن مسعود، أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والبيهقي.
ومنها: حديث أنس، أخرجه الدار قطني.
ومنها: ما روي عن عمر موقوفًا عند الدار قطني أيضًا، هذا مع ما يؤيد ثبوت هذه
السنة من عموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. ثم إن حديث
أبي سعيد مصرح بأن التعوذ المذكور يكون بعد الافتتاح بالدعاء المذكور في
الحديث .
قال الشوكاني: الأحاديث الواردة في التعوذ ليس فيها إلا أنه فعل ذلك في
الركعة الأولى، وقد ذهب الحسن وعطاء وإبراهيم إلى استحبابه في كل ركعة،
محتجين بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِدْ بِاللَّهِ﴾، ولا شك أن الآية تدل
على مشروعية الاستعاذة قبل قراءة القرآن، وهي أعم من أن يكون القارئ خارج
الصلاة أو داخلها. وأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة تدل على المنع منه حال
الصلاة من غير فرق بين الاستعاذة وغيرها مما لم يرد به دليل يخصه، ولا وقع
الإذن بجنسه، فالأحوط الاقتصار على ما وردت به السنة، وهو الاستعاذة قبل قراءة
الركعة الأولى فقط. وسيأتي حديث أبي هريرة الدال على ذلك.

٤٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨٢٤ - [٧] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ
سَكْتَتَيْن: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
وَلَا الضَّالِينَ﴾ فَصَدَّقَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِي وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِي نَحْوَهُ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٨٢٤- قوله: (سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ) أي: للإحرام، وكانت هذه السكتة لدعاء
الاستفتاح كما وقع بيانها في حديث أبي هريرة السابق أنه وَلخير كان يسكت بين
التكبير والقراءة، يقول: ((اللّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي ... )) إلخ. فالمراد من السكتة هاهنا:
السكوت عن الجهر وترك رفع الصوت؛ لأنها لم تكن مجردة خالية عن الذكر.
(وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾) هذه السكتة
الثانية كانت ليتراد إليه نفسه، وليعلم المأمومون أن لفظة آمين ليست من القرآن،
أي: للتمييز بين الفاتحة وآمين؛ لئلا يشتبه غير القرآن بالقرآن، وهي أخف من
السكتة الأولى. واستدل بعض الحنفية بهذا الحديث على الإسرار بالتأمين
والإخفاء به. قال: الأظهر أن السكتة الثانية كانت للتأمين سرًّا.
والجواب عنه: بأن السكتة الثانية لم تكن للتأمين سرًّا؛ لأنه وَّ كان يجهر
بالتأمين، ويرفع صوته بآمين، ولم يثبت عنه ◌َّ الإسرار بالتأمين، فكيف يقال:
إنها كانت للتأمين سرًّا، بل السكتة الثانية كانت ليتراد إليه نفسه وليستريح، وليعلم
المأموم أن لفظة آمين ليست من القرآن. قال زين العرب: الغرض من هذه السكتة
أن يقرأ المأموم الفاتحة، ويرجع الإمام إلى التنفس والاستراحة، انتهى.
وقال ابن حزم في ((المحلي)) (ج٤: ص٩٧): يقرأ المأموم في السكتة الأولى أم
القرآن، فمن فاتته قرأ في السكتة الثانية. وفي رواية لأبي داود: أنه كان يسكت
سكتتين: إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها. وفي أخرى: إذا فرغ من
فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع، أي: قبل الركوع عند الفراغ من القراءة كلها.
(٨٢٤) أَبُو دَاوُد (٧٧٥) عَنْهُ فِيهَا .

٤٥٧
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
ولا مخالفة بينهما، بل يحصل من مجموعهما ثلاث سكتات: بعد الإحرام، وبعد
الفاتحة، وبعد السورة عند الركوع، أي: ليتراد إليه نفسه. قيل: والثالثة أخف من
السكتتين اللتين قبلهما، وذلك بمقدار ما تنفصل القراءة عن التكبير، فقد نهى
رسول اللَّهُ وَله عن الوصل فيه.
وقال القاري: وكأن المراد بالسكتات الزيادة على حد التنفس في أواخر
الآيات؛ إذ ثبت عنه ظلَِّ كان يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ فيقف، وهكذا
على رؤوس الآي. وأما إطلاق القراء السكتة على الوقف بلا تنفس فمبني على
اصطلاحهم، انتهى. وهذه السكتات الثلاث قد ذهب إلى مشروعيتها الشافعي
وأحمد وإسحاق والأوزاعي، وعند أبي حنيفة ومالك لا سكتة إلا الأولى.
(فَصَدَّقَهُ) من التصديق. (أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاري الخزرجي سيد القراء، كتب
الوحي، وشهد بدرًا وما بعدها، وكان ممن جمع القرآن، أي: وافق أبي سمرة،
وقال صدق سمرة - بالتخفيف -. وحاصل القصة: أنه وقع الاختلاف بين سمرة
وعمران بن حصين في سكتتي الصلاة، قال سمرة: حفظت سكتتين، وأنكر ذلك
عمران، وقال: حفظت سكتة، وكانا إذ ذاك بالبصرة، فكتبا في ذلك إلى أبيٍّ بن
كعب بالمدينة، فكتب أبيُّ: أن حفظ سمرة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أي: بهذا اللفظ. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ)
أي: معناه، وأخرجه أيضًا أحمد، وابن حبان في (صحيحه))، والبيهقي والحاكم
كلهم من طريق الحسن البصري عن سمرة. وقد اختلف في سماع الحسن من
سمرة، وقد تقدم في باب الغسل المسنون: أن رواية الحسن عن سمرة محمولة
على الاتصال عند ابن المديني كما نقله عنه البخاري، وما ذكر في هذا الحديث من
الاختلاف بين سمرة وعمران في السكنتين هو حكاية من الحسن عن سمرة سماعًا
منه، لا أنه كان حاضرًا حينما جرى بين سمرة وعمران هذا الاختلاف. والحديث
قد حسنه الترمذي؛ قال الشوكاني: وقد صحح الترمذي حديث الحسن عن سمرة
في مواضع من ((سننه))، منها حديث: نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
وحديث: ((جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ))، وحديث: ((لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَلَا
بِغَضَبِ اللَّهِ وَلَا بِالنَّارِ))، وحديث: ((الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ))، فكان هذا

٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث على مقتضى تصرفه جديرًا بالتصحيح، وقد قال الدارقطني: رواة
الحديث كلهم ثقات، انتهى. وقيل: إنما حسنه الترمذي للخلاف في سماع
الحسن من سمرة، والله أعلم.
٨٢٥ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِذَا نَهَضَ مِنَ
الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ وَلَمْ
يَسْكُتْ. هَكَذَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ))، وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي ((أَفْرَادِهِ))، وَكَذَا
صَاحِبُ الْجَامِعِ عَنْ مُسْلِم وَحْدَهُ.
{صحیح}
الشَّرْجُ
٨٢٥- قوله: (إِذَا نَهَضَ) أي: قام. (مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) أي: من أجلها.
(اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
المراد: السورة المختصة،
٢
فلا يدل على أن البسملة ليست منها، قاله الطيبي. (وَلَمْ يَسْكُتْ) أي: للثناء ودعاء
الاستفتاح والتعوذ.
قال الشوكاني: الحديث يدل على عدم مشروعية السكتة قبل القراءة في الركعة
الثانية، وكذلك عدم مشروعية التعوذ فيها، وحكم ما بعدها من الركعات حكمها،
فتكون السكتة قبل القراءة مختصة بالركعة الأولى، وكذلك التعوذ قبلها، وقد
رجح صاحب ((الهدي)) الاقتصار على التعوذ في الأولى لهذا الحديث، واستدل
لذلك بأدلة، فليراجع .
(هَكَذَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ))، وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي ((أَفْرَادِهِ)) أي: في مفردات
مسلم ومختصاته. (وَكَذَا صَأَحِبُ ((الْجَامِعِ))) أي: للأصول، وهو ابن الأثير. (عَنْ
مُسْلِمٍ وَحْدَهُ) فإيراد صاحب ((المصابيح)) هذا الحديث في الفصل الثاني دون الفصل
الأولَّ غير مناسب لقاعدته. قال مَيْرَك: والعجب أن الحاكم أخرجه في ((مستدر كه))
(ج١: ص٢١٥، ٢١٦) وقال: على شرطهما، وأقره الذهبي فلم يستدر كه.
(٨٢٥) الحَاكِمُ (١/ ٤٩٣،٤٩٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .

MISE
٤٥٩
COHONODE
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
قال القاري: لعل الحاكم رواه بسند غير سند مسلم، وكان رجاله على شرطهما،
انتهى. وأخرج النسائي عن أبي هريرة، أن النبي وَل كانت له سكتة إذا افتتح
الصلاة، وفيه إشارة إلى أن السكتة إنما هي في الركعة الأولى عند افتتاحها.