Indexed OCR Text
Pages 421-440
EBexx
٤٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيهن بالتنوين لا غير، وكثير ممن لا علم له بالرواية يسردونها على الأمر ونراها
تصحیفًا، انتهى.
ونقل السيوطي في ((قوت المغتذي)) عن الحافظ العراقي في ((شرحه على
الترمذي)): المشهور في هذه الرواية أنها أفعال مضارعة حذف منها إحدى التائین،
ويدل عليه قوله في رواية أبي داود: ((وَأَنْ تَتَشَهَّدَ))، ووقع في بعض الروايات
بالتنوين فيها على الاسمية، وهو تصحيف من بعض الرواة، انتهى. ونحو ذلك
نقل السندي في حاشية ابن ماجه عن العراقي وزاد: قال أبو موسى المديني:
ويجوز أن يكون أمرًا أو خبرًا، انتهى.
قال العراقي: فعلى الاحتمال الأول يكون تشهد وما بعده مجزومًا على الأمر،
وفيه بُعد؛ لقوله بعد ذلك (وَتُقْنِعُ) فالظاهر أنه خبر، انتهى. وقد ظهر من هذا كله
أنهم اختلفوا في ضبط هذه الكلمات. أي: غير قوله: (تُقنعُ) فإنه مضارع
من الإقناع جزمًا لا يحتمل وجها آخر فضبطها بعضهم على المصدرية بالتنوين
(تَشْهَّدُ ... ) إلخ. ورجحه التُّورْبَشْتِي والطيبي. وضبطها بعضهم أفعال أمر
(تَشْهَّدُ ... ) إلخ. وضبطها بعضهم أفعالًا مضارعة (تَشْهَّدُ ... ) إلخ. وهذا رجحه
العراقي وهو الراجح عندي لما في رواية لأحمد (ج٤: ص١٦٧) من حديث
المطلب: ((الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، وَتَشْهَّدُ، وَتُسَلَّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنٍ ... )) إلخ. فقوله:
(تُسَلَّمُ)) فعل مضارع جزما لا يحتمل أن يكون أَمْرًا أو مَصْدَرًا فكذا قوله: (تَشْهَّدُ))
والمعطوفات بعده. ورواية أحمد هذه تدل على أن المراد من قوله: ((مَثْنَى مَثْنَى)) أنه
يسلم من كل ركعتين، فيكون المقصود بيان الأفضل. والمعنى: أفضل الصلاة
النافلة أن تكون ركعتين ركعتين، أي: بالليل، لما وقع في حديث المطلب بن
ربيعة عند أحمد : ((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى)) إلا أن في سنده یزید بن عیاض الليثي وهو
منكر الحديث متروك كذبه مالك وغيره.
وفي قوله: ((تُسَلَّمُ فِي كُلُّ رَكْعَتَيْنٍ) رد على ابن الهمام حيث قال: إن ((مَثْنَى))
معدول من اثنين اثنين فصار بالتكرار أربعًا، فمعنى قوله: ((الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى)) أي:
أربع أربع، وهو مذهب الحنفية في النافلة. وفيه: أنه قد صرح الزمخشري في
((الفائق)) أن مثنى هاهنا مجرد عن التكرار، ومعناه اثنين فقط، ولذا احتيج إلى
٤٢١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
تكريره على أن ما ذكره ابن الهمام، وإن كان نافعًا لهم في مسألة التطوع لكن
يضرهم في مسألة الوتر جدًّا؛ لأن صلاة الليل إذا كانت أربعًا فبإيتارها بواحدة
يحصل الوتر خمس ركعات، بخلاف ما إذا كانت مثنى، فإنها بعد الإيتار تحصل
ثلاث ركعات وهي ركعات الوتر عند الحنفية.
(وَتَخَشَّعُ) التخشع هو السكون والتذلل، وقيل: الخشوع قريب المعنى من
الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في البصر والبدن والصوت. وقيل :
الخضوع في الظاهر، والخشوع في الباطن. وقال الحافظُ: الخشوع تارة يكون من
فعل القلب كالخشية، وتارة من فعل البدن كالسكون. وقيل: لابد من اعتبارهما
حكاه الفخر الرازي في ((تفسيره)). وقال غيره: هو معنى يقوم بالنفس، يظهر عنه
سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة، ويدل على أنه من عمل القلب حديث
علي: ((الخشوع في القلب)). أخرجه الحاكم. وأما حديث: لو خشع هذا خشعت
جوارحه. ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن، انتهى.
قال القاري: والخشوع من كمال الصلاة. قلتُ: بل هو روحها وسرها
ومقصودها. وفي قوله: (تَخَشَّعُ) إشارة إلى أنه إن لم يكن له خشوع فيتكلف،
ويطلب من نفسه الخشوع، ویتشبه بالخاشعين.
(وَتَضَرَّعُ) قال الجزري: التضرع: التذلل والمبالغة في السؤال، والرغبة.
يقال: ضرع يضرع - بالكسر والفتح - والتضرع إذا خضع وذل. (وَتَمَسْكَنُ) قال
ابن الملك: التمسكن: إظهار الرجل المسكنة من نفسه. وقال الجزري: أي: تذل
وتخضع، وهو تمفعل من السكون، والقياس أن يقال: تسكن، وهو الأكثر
الأفصح، وقد جاء على الأول أحرف قليلة. قالوا: تمدرع وتمنطق وتمندل،
انتھی .
(ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ) من إقناع اليدين رفعهما في الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿مُقْنِعِى
رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: ترفع يديك للدعاء بعد الصلاة لا فيها. وقيل: بل يجوز
أن يرفع اليدين فيها في قنوت الصبح والوتر، وهو عطف على محذوف، أي: إذا
فرغت منها فسلم ثم ارفع يديك سائلاً حاجتك، فوضع الخبر موضع الطلب.
(يَقُولُ) أي: الراوي معناه.
٤٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(تَرْفَعُهُمَا) أي: لطلب الحاجة. (إِلَى رَبِّكَ) متعلق بقوله تقنع. وقيل: يقول
فاعله النبي ◌َّ و(تَرْفَعُهُمَا) يكون تفسيرا لقوله: (ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ) والظاهر: أن
الفاعل هو عبدربه بن سعيد أحد رواة الحديث، ففي ((مسند أحمد)) (ج٤:
ص١٦٧) من طريق شعبة، أنه قال في آخر الحديث: فقلت له: ما الإقناع؟ فبسط
يديه كأنه يدعو. (يَا رَبِّ يَا رَبِّ) الظاهر أن المراد بالتكرير: التكثير.
(وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) أي: ما ذكر من الأشياء في الصلاة فهو أي: فعل صلاته.
(كَذَا وَكَذَا) قال الطيبي: كناية عن أن صلاته ناقصة غير تامة يبين ذلك الرواية
الأخرى أعني قوله: (فَهِوَ خِدَاجٌ) قلتُ: وفي رواية أحمد في ((المسند)) (ج١ :
ص٢١١) من طريق ابن المبارك ((فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ - فَقَالَ فِيهِ: قَوْلًا شَدِيدًا)).
(فَهِوَ خِدَاجٌ) بكسر الخاء المعجمة، أي: ناقص. قيل: تقديره: فهو ذات
خداج، أي: صلاته ذات نقصان، فحذف المضاف. أو وصفها بالمصدر نفسه
للمبالغة، والمعنى: أنها ناقصة، قال الزمخشري في ((أساس البلاغة)): أخدج
صلاته، نقص بعض أركانها، وصلاتي مخدجة وخادجة وخداج وصفا بالمصدر،
انتهى. وقال أبو عبيد: أخدجت الناقة إذا أسقطت، والسقط ميت لا ينتفع به، ذكره
البخاري في جزء القراءة.
وقال الخطابي: تقول العرب: أخدجت الناقة: إذا ألقت ولدها وهو دم لم
يستبن خلقه فهي مخدج، والخداج: اسم مبني منه، انتهى. وقال المنذري في
((الترغيب)): والخداج معناه هاهنا: الناقص في الأجر والفضيلة، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن خزيمة في صحيحه وتردد
في ثبوته. وأخرجه أبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني وابن ماجه وأحمد
أيضًا من حديث المطلب. والظاهر أنه المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد
المطلب بن هاشم، ويقال له: عبد المطلب أيضًا، وهو صحابي معروف. ومدار
الروايتين على عبد الله بن نافع بن العمياء، وهو مجهول على ما قال الحافظ في
((التقريب)). وقال البخاري: لا يصح حديثه. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
oneax:
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
*R=X
٤٢٣
الفصل الثالث
٨١٢ - [١٧] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ،
وَحِينَ رَفَعَ مِن الرَّكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٨١٢- قوله: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى) بضم الميم وفتح اللام
المشددة اسم مفعول من التعلية، هو سعيد بن الحارث بن أبي سعيد المعلى
الأنصاري المدني القاص، من ثقات الطبقة الوسطى من التابعين (صَلَّى لَنَا أَبُو
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) أي: بالمدينة لما اشتكى أبو هريرة أو غاب، وكان يصلي بالناس
في إمارة مروان على المدينة، وكان مروان وغيره من بني أمية يُسِرُّونَ بالتكبير.
(فَجَهَرَ) أي: أبو سعيد. (بِالتَّكْبِيرِ) لكونه إمامًا. زاد الإسماعيلي: حين افتتح،
وحین رکع، وحین سجد.
(حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ)؛ ليعلم ويتابع عليه. (وَحِينَ سَجَدَ) أي: ثانيًا.
(وَحِينَ رَفَعَ) أي: رأسه. (مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) أي: الأوليين. وفي البخاري: وَحِينَ رَفَعَ
وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ. زاد الإسماعيلي: فلما انصرف قيل له: قد اختلف الناس
على صلاتك، فقام عند المنبر فقال: إني والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أو لم
تختلف .
(وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ) قال الحافظُ: والذي يظهر أن الاختلاف بينهم
كان في الجهر بالتكبير والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أمية يسرون به،
انتهى. والحديث يدل على مشروعية الجهر بالتكبير، وقد عرفت مما أسلفنا أن
أول من ترك تكبير النقل أي: الجهر به عثمان، ثم معاوية، ثم زياد، ثم مروان
(٨١٢) الْبُخَارِي (٨٢٥) عَنْه في الصَّلاةِ.
٤٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وغيره من بني أمية. وفيه: أن التكبير للقيام من الركعتين يكون مقارنًا للفعل، وهو
مذهب الجمهور خلافًا لمالك، حيث قال: يكبر بعد الاستواء. وكأنه شبهه بأول
الصلاة من حيث أنها فرضت ركعتين، ثم زيدت الرباعية، فيكون افتتاح المزيد
كافتتاح المزيد عليه، كذا قاله بعض أتباعه، لكن كان ينبغي أن يستحب رفع اليدين
حينئذٍ لتكمل المناسبة، ولا قائل به منهم.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) تفرد به البخاري عن أصحاب الكتب الستة، وأخرجه أحمد
بأطول من هذا. وقال الهيثمي (ج٢: ص١٠٤): رجاله رجال الصحيح، انتهى.
وأخرجه أيضًا البيهقي في ((سننه)) (ج٢: ص١٨) والحاكم في ((المستدرك)) (ج٢ :
٢٢٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا السياق.
٨١٣ - [١٨] وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخِ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ
وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسِ: إِنَّهُ أَحْمَقُ. فَقَالَ: ثَكِّلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّهُ أَبِي
الْقَاسِمِ وَهُ .
[ رَوَاهُ المُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٨١٣- قوله: (صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخ) هو أبو هريرة كما جاء مسمى في رواية
أحمد والطحاوي والطبراني. (بِمَكّةً) أي: عند المقام، صلاة الظهر كما في
((مستخرج)) أبي نعيم والإسماعيلي. (فَكَبَّرَ) أي: جهر بالتكبير فيها. (ثِنْتَيْنِ
وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً) أي: في الرباعية مع تكبير الافتتاح والقيام عند التشهد؛ لأن في
كل ركعة خمس تكبيرات، فيحصل في كل رباعية عشرون تكبيرة سوى تكبيرة
الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وفي الثلاثية سبع عشرة، وفي الثنائية
إحدى عشرة، وفي الخمس أربع وتسعون تكبيرة. (إِنَّهُ) أي: الشيخ. (أَحْمَقُ)
أي: جاهل أو قليل العقل.
(ثَكِلَتْكَ) بالمثلثة المفتوحة وكسر الكاف أي: فقدتك. (أَمُّك) وهي كلمة
تقولها العرب عند الزجر، فكأنه دعا عليه أن يفقد أمه، أو أن تفقده أمه، لكنهم قد
(٨١٣) البُخَارِي (٧٨٨) عنه فيها .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
٤٢٥
يطلقون ذلك ولا يريدون حقيقته. واستحق عكرمة ذلك عند ابن عباس؛ لكونه
نسب ذلك الرجل الجليل إلى الحمق، الذي هو غاية الجهل، وهو بريء من ذلك.
(سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ وَ لَ) بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا الذي فعله الشيخ
من التكبير المعدودَ طريقة أبي القاسم وَله. تنبيه: الحديث قد استدل به الحنفية
على نفي جلسة الاستراحة. قال النيموي: يستفاد من الحديث ترك جلسة
الاستراحة وإلا لكانت التكبيرات أربعًا وعشرين مرة، لأنه قد ثبت أن النبي وَل كان
يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود.
وفيه: أن جلسة الاستراحة جلسة خفيفة جدًّا، ولذلك لم يشرع فيها ذكر، فهي
ليست بجلسة مستقلة، بل هي من جملة النهوض إلى القيام؛ فكيف يستفاد من هذا
الحديث ترك جلسة الاستراحة، ولو سلم؟ فدلالته على الترك ليس إلا بالإشارة،
وحديث مالك بن الحويرث المتقدم يدل على ثبوتها بالعبارة، ومن المعلوم أن
العبارة مقدمة على الإشارة. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والطحاوي
والطبراني.
٨١٤ - [١٩] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ مُرْسَلًا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه
يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمْ يَزَلَّ تِلْكَ صَلَاتُهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تعالى.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
٨١٤- قوله: (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ) هو علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب، المعروف بزين العابدين الهاشمي أبو الحسن. ويقال: أبو الحسين
المدني، من أكابر سادات أهل البيت وجلة التابعين وأعلامهم. قال الحافظُ: ثقة،
ثبت، عابد، فقيه، فاضل، مشهور.
قال الزهري: ما رأيت قُرَشِيًّا أفضل منه، وما رأيت أفقه منه. وقال سعيد بن
(٨١٤) مَالِك (١/ ١٧/٧٦) عن علي بن الحسين مرسلاً.
٤٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المسيب: ما رأيت أورع منه، وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن
مات، و کان یسمی زین العابدين لعبادته، وكان مع أبيه يوم قتل وهو مريض فسلم.
فقال ابن عيينة: حَجَّ علي بن الحسين، فلما أحرم أصْفَرَّ، وانتفض، وارتعد، ولم
يستطع أن يلبي، فقيل: ما لك لا تلبي؟ فقال: أخشى أن أقول: لبيك، فيقول: لا
لبيك. فقيل له: لابد من هذا. فلما لبى غشي عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل
يعتريه ذلك حتى قضى حجه. ومناقبه كثيرة، مات سنة (٩٤) وهو ابن (٥٨) سنة،
ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه عمه الحسن. (مُرْسَلًا)؛ لأنه لم يدرك النبي وَّر.
قال ابن حجر: ((مُرْسَلًا)) حال متقدمة على صاحبها، انتهى. قال القاري: وهو
موافق لما في النسخ المصححة المضبوطة على صيغة المفعول. (كُلَّمَا خَفَضَ)
أي: أراد الخفض إلى الركوع والسجود. (وَرَفَعَ) أي: رأسه من السجود، فإنه إذا
رفع رأسه من الركوع يسمع ويحمد، ثم يكبر للخفض، فذكر الرفع من الركوع
التسميع والتحميد لا التكبير. قال الحافظُ: هو عام في جميع الانتقالات في
الصلاة، لكن خص منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنه شرع فيه التحميد،
انتهى. ويؤيده الروايات المفصلة المفسرة مثل حديث أبي هريرة وحديث أبي
حميد السابقين وغيرهما .
(فَلَمْ يَزَلْ) بالتذكير، وقيل: بالتأنيث. (تِلْكَ) أي: تلك الصلاة المقترنة بذلك
التكبير (صَلَاتَهُ) بالرفع، وقيل: بالنصب، قال الطيبي: يحتمل أن يكون اسم ((لَمْ
يَزَلْ)) مستكنًا عائدًا إلى النبي ◌ََّ، والجملة الاسمية خبرها، وأن يكون (تِلْكَ))
اسمها و((صَلَاتَهُ)) خبرها إذا رويت منصوبة، وبالعكس إذا رويت مرفوعة. (حَتَّى
لَقِيَ الله) قد تقدم سبب إثبات تكبيرات النقل، وأنه استقر الأمر على مشروعيتها
لکل مصل.
(رَوَاهُ مَالِك) في ((الموطأ)) عن ابن شهاب الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا.
قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا بين رواة ((الموطأ)) في إرسال هذا الحديث. ورواه
عبد الوهاب، عن مالك، عن الزهري، عن علي، عن أبيه. ورواه عبد الرحمن بن
خالد بن نجيح عن أبيه، عن مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن علي
ابن أبي طالب. ولا يصح إلا ما في ((الموطأ)) مرسلًا. وأخطأ فيه ابن مصعب،
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
HEN
٤٢٧
فرواه عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، ولا يصح. والصواب عندهم
ما في ((الموطأ)) انتھی.
قلتُ: الحديث وإن كان مرسلاً لكنه قد تعاضد بما جاء في الباب من الأحاديث
المسندة باللفظ العام، كحديث عمران بن حصين وأبي هريرة عند البخاري
ومسلم، وحديث أبي موسى عند أحمد، وحديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي
والدارمي والترمذي والطحاوي، وحديث ابن عباس عند البخاري، وحديث ابن
عمر عند أحمد والنسائي، وحديث عبد الله بن زيد عند سعيد بن منصور، وحديث
وائل بن حجر عند ابن حبان، وحديث جابر عند البزار.
٨١٥ - [٢٠] وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَلَا أُصَلِّي بِكُمْ
صَلَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَ؟ فَصَلَّى، وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ تَكْبِيرِ
الانْتِنَاحِ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا الْمَغْنَى ] {صحيحٍ}
الشّرْجُ
٨١٥- قوله: (فَصَلَّى وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) هذا لفظ النسائي في
رواية، وفي أخرى له: فقام فرفع يديه أول مرة، ثم لم يعد. ولفظ الترمذي: فصلى
فلم يرفع يديه إلا في أول مرة.
ولفظ أبي داود في رواية: ((فَصَلَّى فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّ مَرَّةً)). وفي أخرى له : ((فَرَفَعَ
يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ)). قال أبو داود: وقال بعضهم: ((مَرَّةً وَاحِدَةً)). (مَعَ تَكْبِيرِ
الافْتِتَاحِ) ليست هذه اللفظة في النسخ موجودة عندنا للترمذي وأبي داود والنسائي.
والحديث قد استدل به من قال من الحنفية: بعدم استحباب رفع اليدين في غير
تكبيرة الإحرام. وأجيب عنه بوجوه:
أحدها: أنه حديث ضعيف غير صالح للاحتجاج، قد ضعفه الأئمة الحفاظ
النقاد وعللوه كما ستعرف.
(٨١٥) التِّرْ مِذِي (٢٥٧)، وأَبُو دَاوُد (٧٤٨)، والنَّسَائِي (١٠٥٧) عنه. قال أَبُو دَاوُد: ليسَ بصحيحٍ.
٤٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثانيها: أن مدار هذا الحديث على عاصم بن كليب، وهو قد انفرد به، وقال ابن
المديني: لا يحتج بما انفرد به. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)»: أما حديث ابن
مسعود فانفرد به عاصم بن كليب واضطرب فيه، وليس ممن يحتج بما انفرد به.
ثالثها: وهو على تقدير كونه صحيحًا أو حسنًا، أنه قد نسي ابن مسعود رفع
اليدين في غير التحريمة كما قد نسي أمورًا كثيرة، وقد تقدم بيانها. قال الخطابي
في ((معالم السنن)): قد يجوز أن يذهب ذلك على ابن مسعود كما ذهب عليه الأخذ
بالركبة في الركوع، وكان يطبق على الأمر الأول، وخالفه الصحابة كلهم في
ذلك، انتهى. وقد أوضح ذلك شيخنا الأجل المباركفوري في ((أبكار المنن))
(ص٢٠٥/ ٤٢٧ - ٤٥٦) فارجع إليه .
رابعها: أنه نفي والأحاديث الدالة على الرفع إثبات، والإثبات مقدم. قال
الخطابي: الأحاديث الصحيحة التي جاءت في رفع الیدین عند الركوع، وبعد رفع
الرأس منه أولى من حديث ابن مسعود، والإثبات أولى من النفي.
خامسها: أن أحاديث الرفع في المواضع الثلاثة متضمنة لزيادة غير منافية وهي
مقبولة بالإجماع، لا سيما وقد نقلها جماعة من الصحابة، واتفق على إخراجها
الجماعة. سادسها: أن أحاديث الرفع مقدمة على حديث ابن مسعود؛ لأنها قد
رويت عن عدد كثير من الصحابة حتى قال السيوطي: إن حديث الرفع متواتر عن
النبي وَّل كما عرفت فيما سلف. وقال العيني في ((شرح البخاري)): إن جملة أسباب
الترجيح كثرة عدد الرواة وشهرة المروي، حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد،
والآخر يرويه اثنان، فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به، انتهى. وقال الحازمي في
كتاب ((الاعتبار)): ومما يرجح به أحد الحديثين على الآخر كثرة العدد في أحد
الجانبين، وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو
التواتر، انتهى. سابعها: يحتمل أن الاقتصار على الرفع في الافتتاح كان في
الابتداء، ثم زيد الرفع في المواضع الثلاثة لكونه عبادة وفعلًا تعظيمًّا، لكن خفي
ذلك على ابن مسعود، كما خفي عليه نسخ التطبيق والأمر بأخذ الركبة،
والحاصل: أنه يحتمل أن يكون ابن مسعود حكى الصلاة الأولى كما حكى التطبيق
في الركوع وهو منسوخ. قال البيهقي في ((معرفة السنن)): وقد يكون ذلك في ابتداء
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٤٢٩
قبل أن يشرع رفع اليدين في الركوع، ثم صار التطبيق منسوخًا، وصار الأمر في
السنة إلى رفع اليدين عند الركوع ورفع الرأس منه جميعًا، وخفيا جميعا على
عبد الله بن مسعود، انتهى.
ثامنها: أن هذا الحديث ليس بِنَصِّ في أنه وَّ لم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع
تكبيرة الافتتاح، نعم، هو يدل بظاهره على ذلك، بخلاف الأحاديث المثبتة للرفع
في المواضع الثلاثة، فإنها نص في الرفع في غير الافتتاح. قال الشيخ الإمام ابن
تيمية في ((فتاواه)) (ج٢: ص٣٧٦): وابن مسعود لم يصرح بأن النبي ◌ّ لم يرفع إلا
أول مرة، لكنهم رأوه يصلي ولا يرفع إلا أول مرة، انتهى. ومن المعلوم أن النص
مقدم على الظاهر عند التعارض.
تاسعها: أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: (لمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً))، أي: لم
يبالغ في الرفع إلا أول مرة، وأما بعد ذلك فكان يرفع دون ذلك، فالمراد من نفي
الرفع في غير الافتتاح نفي المبالغة في الرفع في غير الافتتاح لا نفي نفس الرفع، فقد
روي عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه ◌َل إذا قام إلى الصلاة رفع یدیه مدًا. رواه
أحمد والترمذي وغيرهما. وقد فسر ابن عبد البر المد المذكور بمد اليدين فوق
الأذنين مع الرأس، ومعنى قوله: ((ثُمَّ لَا يَعُودُ)). أي: إلى المبالغة في الرفع.
عاشرها: أن معنى قوله: ((لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً)). أي: لم يكرر الرفع
عند الإحرام، بل اقتصر عند التحريمة على الرفع مرة. قال الشيخ الأكبر المعروف
بابن عربي: وغاية المفهوم من حديث ابن مسعود والبراء أنه كان التّلا يرفع يديه
عند الإحرام مرة واحدة لا يزيد عليها، أي: أنه رفع مرة واحدة، ولم يصنع ذلك
مرتين، ذكره في الفتوحات. ومعنى قوله: ((ثُمَّ لَمْ يَعُدْ، أَوْ لَا يَعُودُ)). أي: إلى
الرفع عند ابتداء الركعة الثانية. قال صاحب الفتوحات: معنى: لا يعود. عدم
الرفع في ابتداء الركعة الثانية كما كان في الأول.
الحادي عشر: أن الرفع سنة وقد يتركها مرة أو مرارًا، ولكن الفعل الأغلب
والأكثر هو السنة، وهو الرفع عند الركوع وعند الرفع منه. قال السندي في ((حاشية
النسائي)): يكفي في إضافة الصلاة إلى رسول اللّه ◌َل كونه صلى هذه الصلاة
أحيانا. وإن كان المتبادر الاعتياد والدوام، فيجب الحمل على كونها كانت أحيانًا،
٤٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
توفيقًّا بين الأدلة ودفعًا للتعارض. وعلى هذا فيجوز أنه وَّه ترك الرفع عند الركوع
وعند الرفع منه، إما لكون الترك سنة كالفعل، أو لبيان الجواز، فالسنة هي الرفع لا
الترك، انتهى.
قلتُ: هذا كله على تقدير التنزل وتسليم كون حديث ابن مسعود صحيحًا أو
حسنًا، وإلا فهو حديث ضعيف لا يقوم بمثله حجة كما عرفت، وكما ستعرف.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث ابن مسعود حديث حسن. وقال ابن حزم في
((المحلى)) (ج٤: ص٨٨): إن هذا الخبر صحيح.
(وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد وابن حزم. (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ
بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى) قال أبو داود في ((سننه)) بعد رواية هذا الحديث: هذا
حديث مختصر من حديث طويل ليس هو بصحيح على هذا اللفظ، انتهى. يعني:
أن الراوي اختصر هذا الحديث من حديث طويل. رواه أبو داود قبل ذلك ويأتي
لفظه، فأداه بالمعنى، وأخطأ في اختصاره. قال ابن أبي حاتم في ((كتاب العلل))
(ص٩٦): سألت أبي عن حديث رواه الثوري، عن عاصم بن كليب، عن
عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة عن عبد الله: ((أن النبي ◌َّ- قام فكبر فرفع يديه
ثم لم يعد)). قال أبي: هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري. روى هذا الحديث عن
عاصم جماعة فقالوا كلهم: إن النبي ◌َّ افتتح الصلاة فرفع يديه، ثم ركع فطبق
وجعلهما بين ركبتيه. ولم يقل أحد ما روى الثوري، انتهى.
وقال البخاري في ((جزء رفع اليدين)) (ص٩) بعد ذكر هذا الحديث: قال أحمد
ابن حنبل عن يحيى بن آدم، قال: نظرت في حديث عبد الله بن إدريس عن عاصم
ابن كليب ليس فيه: ((ثم لم يعد))، فهذا أصح؛ لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم؛
لأن الرجل يحدث بشيء ثم يرجع إلى الکتاب، فیکون کما في الكتاب: حدثنا
الحسن بن الربيع ثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود،
ثنا علقمة أن عبد الله قال: ((علمنا رسول اللَّه ◌َّر الصلاة فقام فكبر ورفع يديه، ثم
ركع وطبق يديه فجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعدًا، فقال: صدق أخي، ألا بل
قد نفعل ذلك في أول الإسلام ثم أمرنا بهذا)).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
Reges
٤٣١
قال البخاري: هذا هو المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود،
انتھی .
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٨٣): وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه
ابن حزم. وقال ابن المبارك: لم يثبت عندي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا
خطأ. وقال أحمد بن حنبل وشيخه يحيى بن آدم: هو ضعيف، نقله البخاري عنهما
وتابعهما على ذلك. وقال أبو داود: ليس هو بصحيح. وقال الدارقطني: لم يثبت.
وقال ابن حبان في الصلاة: هذا أحسن خبر روي لأهل الكوفة في نفي رفع اليدين
عند الركوع وعند الرفع منه، وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه؛ لأن له عللا
تبطله، انتهى. وقال البزار: لا يثبت ولا يحتج بمثله.
وقال ابن عبد البر: هو من آثار معلولة ضعيفة عند أهل العلم، وهؤلاء الأئمة
كلهم إنما طعنوا في طريق عاصم بن كليب، كما قاله الحافظ. وقال النووي في
((الخلاصة)): اتفقوا على تضعيف هذا الحديث. وقال البيهقي في ((سننه)) (ج٢ :
ص٧٩): لم يثبت عندي حديث ابن مسعود، انتهى. فثبت بهذا كله أن حديث ابن
مسعود ليس بصحيح ولا بحسن، بل هو ضعيف لا يقوم بمثله حجة، وأين يقع
تحسين الترمذي مع ما فيه من التساهل، وتصحيح ابن حزم من طعن أولئك الأئمة
الحفاظ النقاد القائمين بمعرفة فن المعلول؟ ولو تم ما قالا لا يخرج الحديث عن
الاختلاف فيه جرحًا وتعديلًا، وقد اجتمع أهل الحديث والأصول على أن الجرح
مقدم على التعديل.
قال الشيخ محمد معين السندي في ((دراساته)) (ص١٧٦): والترمذي وإن حسنه
حكي قبل ذلك عن ابن المبارك عدم ثبوت هذا الحديث من غير قيد بطريق معين،
وظاهره الإطلاق. قال: فلم يتأت أن يحكم على هذا الحديث بأزيد من أنه اختلف
في كونه حسنًا أوضعيفًا. وهذا يوجب انحطاطه مما سلم من هذا الاختلاف
واتفقت الأمة على حسنه فضلاً عما حكم بصحته عمومًا، فكيف عما اتفق عليه
الشيخان خصوصًا، فما ظنك بما رواه الخمسون من الصحابة، وحكم عليه
بالتواتر، ووردت في معناه أربعمائة حديث بين أثر ومرفوع؟ فقول ابن الهمام
وجوابه - أي: جواب حديث الرفعات المعارضة بما في أبي داود والترمذي - مما
٤٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
يقضي منه العجب، مع أن الصحيح من السنن لا يعارض المتفق عليه، والإمام ابن
الهمام إذا تأيد مذهبه بحديث الصحيحين لا يبالي في كتابه هذا أي: ((فتح القدير))
إلى تمسك الخصم بحديث غيرهما هذا إذا لم يكن حديث الغير معلولًا، وأما إذا
اتسم بعلة من حكم إمام حافظ، فليت شعري ما معنى معارضة بحديث الصحيحين
بمجرد وصف إخراجها له من غير زيادة أخرى توجد في حديث الرفعات فكيف به
معها، انتهى. وأما ما روي عن البراء بن عازب: ((أن رسول اللَّه ◌َّليل كان إذا افتتح
الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود)). أخرجه أبو داود والدار قطني
وغيرهما، ففيه: أنه من رواية يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، كبر فتغير، فصار
يتلقن. واتفق الحفاظ على أن قوله: ((ثم لا يعود)). مدرج في الخبر من قول يزيد
ابن أبي زياد.
قال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد. وقال عثمان الدارمي
عن أحمد بن حنبل: لا يصح. وكذا ضعفه البخاري وأحمد بن حنبل وأبو داود
ویحیی والدارمي والحميدي وغير واحد.
وقال السندي في ((حاشية النسائي)): التحقيق عدم ثبوت الحديث من رواية
البراء. وارجع لتفصيل الكلام فيه إلى ((جزء رفع اليدين)) للبخاري (ص٩)، و((السنن
الكبرى)) للبيهقي (ج٢: ص٧٦ - ٧٩)، و((نصب الراية)) للزيلعي (ج١: ص٤٠٣،
٤٠٤)، و((التلخيص)) (ص ٨٢) هذا، ولبعض شيوخنا تأليف مفرد مستقل في مسألة
رفع اليدين سماه: ((التحقيق(*) الراسخ في أن أحاديث الرفع ليس لها ناسخ)).
(*) كتاب كبير باللغة الأردوية [للشيخ محمد الغوندلوي - رحمه الله - (م - ١٤٠٥ هـم ١٩٨٥م)] كمل
في ٢٠٠ صفحة، مرتب على مبادئ ومقاصد وخاتمة. المبادئ في تعريفات بعض مصطلحات أهل
الحديث مما يحتاج إليه في تحقيق هذه المسألة، وفي ذكر مراتب كتب الحديث نقلًا عن
حجة الله، وفي البحث عن شروط الشيخين. والمقاصد في ذكر اختلاف الروايات في مواضع
الرفع، وذكر تعامل الصحابة والتابعين وغيرهم، وبسط الأحاديث المثبتة للرفع، والجواب عما
يعترضها الحنفية، وذكر دلائلهم مع الرد عليها دليلًا دليلًا. والخاتمة في إبطال أصول اخترعها
الحنفية لرد الأحاديث الصحيحة وتزييفها، وتنقيد ما يذكرونه من بعض المناظرات في هذه المسألة
عقلًا ونقلًا.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٤٣٣
٨١٦ - [٢١] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا
قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٨١٦- قوله: (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) فيه مشروعية استقبال القبلة في الصلاة. واتفقوا
على وجوبه إلا في حالة العجز والخوف، قال القاري: وفيه إشارة إلى اعتبار الجهة
حيث لم يقل: استقبل الكعبة .
(وَرَفَعَ يَدَيْهِ) أي: حذو منكبيه. (وَقَالَ) لا دلالة فيه على تقديم الرفعِ على
التكبير، ولا على تأخيره. وروى الترمذي وابن ماجه هذا الحديث مطولًا في
باب: رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. بلفظ: ((ثُمَّ قَالَ)). وهو يدل
على تقديمِ الرفع. وقد تقدم الكلام فيه. (اللَّهُ أَكْبَرُ) فيه بيان المراد بالتكبير وهو
قول: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)) وهو حجة الجمهور على تعين لفظ: ((اللّهُ أَكْبَرُ)) دون غيره من
ألفاظ التكبير والتعظيم.
قال السندي: الحديث ظاهر في أنه ما كان ينوي باللسان، ولذلك عند كثير من
العلماء النية باللسان بدعة، لكن غالبهم على أنها مستحبة ليتوافق اللسان والقلب،
انتهى. قلتُ: استحب مشائخ الحنفية النطق بالنية والتلفظ بها للاستعانة على
استحضار النية لمن احتاج إليه .
وقالت الشافعية: باستحباب التلفظ بها مطلقًا. واتفق الفريقان على أن الجهر
بالنية غير مشروع، سواء يكون إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا. وقالت المالكية بكراهة
التلفظ بالنية. والحنابلة نصوا على أنه بدعة. وهذا هو الحق والصواب عندنا. فلا
شك في كونه بدعة؛ إذ لم يثبت عن رسول اللَّه ◌َ ل﴿ل بطريق صحيح، ولا ضعيف،
ولا مسند، ولا مرسل أنه كان يتلفظ بالنية كأن يقول: أصلي لله صلاة كذا مستقبل
(٨١٦) ابن مَاجَهْ (٨٠٣) عنه فيها .
٤٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القبلة. وغير ذلك مما يتلفظ به الحنفية والشافعية عند افتتاح الصلاة. ولا عن أحد
من الصحابة والتابعين، وقد ثبت أنه وَلّ قام إلى الصلاة فكبر فلو نطق بشيء آخر
لنقلوه، وورد في حديث المسيء في صلاته أنه قال له: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ))
فدل على عدم وجود التلفظ، وقد أطنب الإمام الحافظ ابن القيم في ((زاد المعاد))
في رد الاستحباب، وأكثر من الاستدلال على ذلك، فعليك أن تراجعه. (رَوَاهُ ابْنُ
ماجه) وإسناده صحيح.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (ج٣: ص٤٠٢) بعد ذكره بلفظ: إذا قام إلى الصلاة
اعتدل قائمًا ورفع يديه، ثم قال: ((اللَّهُ أَكْبَرُ))، أخرجه ابن ماجه وصححه ابن
خزيمة، وابن حبان، انتهى. قلتُ: وأخرجه الترمذي أيضًا باللفظ الذي ذكره
الحافظ كما يظهر من تصريح الزيلعي في ((نصف الراية)) (ج١: ص٣١١).
٨١٧- [٢٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ الظُّهْرَ ، وَفِى
مُؤَخَّرِ الصُّفُوفِ رَجُلٌ، فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (يَا
فُلَانُ، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ أَلَا تَرَى كَيْفَ تُصَلِّي؟ إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ
مِمَّا تَصْنَعُونَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنٍ يَدَيَّ)».
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشّرْحُ
٨١٧- قوله: (فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ) قال ابن حجر: أي أتى فيها بما يبطلها، كما يدل
عليه قوله: (أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ)، والفاء هنا الظاهرة أنها زائدة لتزيين اللفظ، انتهى. قال
القاري: والأظهر أنها للتعقيب، والتقدير: وفي مؤخر الصفوف رجل صلى معنا
فأساء الصلاة. (أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ) أي: مخالفته أو معاقبته. (أَلَا تَرَى) أي: تنظر
وتتأمل. (إِنَّكُمْ تُرَوْنَ) بضم التاء، أي: تظنون.
(مِمَّا تَصْنَعُونَ) أي: في صلاتكم. (إِنِّي لَأَرَى) أي: أبصر، أي: في حال
الصلاة. (مَنْ خَلْفِي) بحرف الجر. قال القاري: وفي نسخة بـ((من)) الموصولة.
(٨١٧) أَحْمَد (٤٤٩/٢) عنه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
٤٣٥
Be
(كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ) بکسر (مِنْ) وجر (بَيْنَ) وفي نسخة بفتح «مَنْ» ونصب «بَيْنَ
يَدَيَّ)) على الظرفية، قاله القاري. قيل: هذه رؤية قلب، وقيل: وحي أو إلهام.
والصواب: أنها رؤية مشاهدة بالبصر.
قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((اللمعات)): الصواب: أنه محمول على
ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي بحاسة العين خاص به وَّل على خرق
العادة، فكان يرى من غير مقابلة، انتهى. وفي معنى هذا خبر الصحيحين عن أبي
هريرة أيضًا: ((هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا، فَوَ اللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رَكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ،
إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)).
وفيه أيضًا رواية لمسلم عن أنس: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوع
وَلَا بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي))، قال النووي: قال العلماء: معناه
أن اللَّه تعالى خلق له وَلّ إدراكًا في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة
له وَلّ بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره
فوجب القول به.
قال القاضي: قال أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية عين
حقيقة، انتهى. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في (صحيحه)) والحاكم في
((المستدرك)) (ج١: ص٢٣٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
٤٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١ - بَابُ مَا يُقْرَأْ بَعدَ التَّكْبِيرِ
(بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ) الأولى باب ما يقول، أو يقال بعد التكبير ليشمل دعاء
الافتتاح، ولعله أراد به التغليب، والمراد التكبير الذي للإحرام، قاله القاري.
الفصل الأول
٨١٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِثَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ يَسْكُتُ بَيْنَ
التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَّاتَةً. فقلتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِسْكَاتُكَ
بَيْنَ التَّكْبِيرِ وبين القِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: ((أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ
خَطَايَايَ كَمَّا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِن الْخَطَّايَا كَمَا
◌ُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِن الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْج
وَالبَرَدِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٨١٨- قوله: (يَسْكُتُ) قال التُّورْبَشْتِي: ضبطناه بفتح أوله وضم ثالثه، من
السكوت. وحكى الكرماني عن بعض الروايات بضم أوله من الإسكات. قال
الجوهري: تكلم الرجل ثم سكت - بغير ألف - إذا انقطع كلامه فلم يتكلم،
قلت: أسكت. (إِسْكَاتَةً) بكسر الهمزة بوزن إفعالة من السكوت، وهو من
المصادر الشاذة؛ إذ القياس سكوتًا، وهو منصوب مفعولًا مطلقًا، والمراد به
هاهنا: السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول، أو عن قراءة القرآن لا عن الذكر،
(٨١٨) البُخَارِي (٧٤٤)، مُسْلِم (١٤٧/ ٥٩٨) أَبُو دَاوُد (٧٨١)، ابن مَاجَهْ (٨٠٥)، النَّسَائِي (٢]
١٢٩)، عَنْهُ وَّةَ فِي الصَّلَاةِ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
٤٣٧
وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يصح السؤال بقوله: ((ما تقول))، أي:
في سكوتك.
(بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الباء متعلقة بمحذوف. قيل: هو اسم، فيكون ما بعده مرفوعًا
تقديره: أنت مفدي بأبي وأمي. وقيل: هو فعل، أي فديتك بهما، وما بعده
منصوب وحذف هذا المقدر تخفيفًا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب. (إِسْكَاتُكَ)
بكسر أوله. (مَا تَقُولُ؟) أي: في سكوتك عن الجهر. قال المظهر: قوله:
((إِسْكَاتَك)) بالنصب مفعول فعل مقدر أي: أسألك إسكاتك ما تقول فيه؟ أو في
إسكاتك ما تقول؟ بنزع الخافض، وقال الحافظُ: والذي في روايتنا بالرفع للأكثر،
وأعربه مبتدأ لكنه لم يذكر خبره، ورويٍ بفتح الهمزة وضم السين على الاستفهام،
وقوله: (مَا تَقُولُ) يشعر أنه فهم هناك قولًا، فإن السؤال وقع بقوله: ((مَا تَقُولُ؟)) ولم
يقع بقوله: هل تقول؟ والسؤال بهل مقدم على السؤال بـ((مَا)). ولعله استدل على
أصل القول بحركة الفم كما وردٍ في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب
لحيته، قاله ابن دقيق العيد. (اللّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) أي: بين أفعال لو
فعلتها تصير خطايا، فالمطلوب الحفظ وتوفيق الترك، أو بين ما فعلتها من الخطايا
والمطلوب المغفرة.
قال ابن دقيق العيد: المراد بالمباعدة محو ما حصل منها وترك المؤاخذة بها،
أو المنع من وقوعها والعصمة منها. وفيه مجازان: أحدهما: استعمال المباعدة في
ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها، وحقيقة المباعدة، إنما هي في الزمان
والمكان. الثاني: استعمال المباعدة في الإزالة بالكلية مع أن أصلها لا يقتضي
الزوال، وليس المراد هاهنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز. (كَمَا
بَاعَدْتَ) أي: كتبعيدك.
(بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أخرجه مخرج المبالغة؛ لأن المفاعلة إذا لم تكن
للمغالبة فهي للمبالغة، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه
أراد أن لا يقع منها اقتراب بالكلية، والمعنى امْحُ ما حصل من خطاياي، وحُلْ بيني
وبين ما يخاف من وقوعه، حتى لا يبقى لها منى اقتراب بالكلية. (نَقَّنِي) بتشديد
القاف من التنقية. (كَمَا يُنَقَّى) بصيغة المجهول.
٤٣٨
HERE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) بفتح الدال والنون فسين مهملة، أي: الدرن
والوسخ، وهذا مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها بالكلية، أي: طهرني منها بأتم
وجه وأوكدها. وشبه بالثوب الأبيض؛ لأن الدنس فيه أظهر من غيره من الألوان.
(اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ) بسكون اللام. (وَالْبَرَدِ) بفتحتين جمع بردة،
ماء الغمام يتجمد في الهواء الباردَ ويسقط على الأرض حبوبًا.
قال الخطابي: هذه أمثال ولم يرد أعيان هذه المسميات، وإنما أراد بها التأكيد
في التطهير والمبالغة في محوها عنه. وقيل: خص الثلج والبرد بالذكر؛ لأنهما
ماءان مفطوران على خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي، ولم تخضهما
الأرجل كسائر المياه التي خالطت التراب، وجرت في الأنهار، وجمعت في
الحياض، فهما أحق بكمال الطهارة. وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية
المحو أعنى بالمجموع، فإن الثوب الذي تكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء منقية يكون
في غاية النقاء. قال: ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز
عن صفة يقع بها المحو. ولعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً﴾
[البقرة: ٢٨٦] فكل واحدة من هذه الصفات أعني العفو والمغفرة والرحمة لها أثر في
محو الذنب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد، ويجعل كل فرد من أفراد الحقيقة
دالًا على معنى فرد مجازي، وفي الوجه الأول لا ينظر إلى أفراد الألفاظ بل يجعل
جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب، انتهى.
وقال الطيبي: يمكن أن يكون المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول
أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو؛ لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية
الحرارة، ومنه قولهم: بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ، أي: رحمه ووقاه عذاب النار، انتهى.
ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم،
وكأنه جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم؛ لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها
بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه.
وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة،
فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي، انتهى. وكان تقديم
المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل. ثم إن أمثال هذا السؤال
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا يُقْرَأْ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
٤٣٩
منه وَّ من باب إظهار العبودية، وتعظيم الربوبية، وإلا فهو مع عصمته مغفور له
ما تقدم من ذنبه وما تأخر لو كان هناك ذنب. وقيل: إن الاستغفار له زيادة خير،
والمغفرة حاصلة بدون ذلك لو كان هناك ذنب. وفيه إرشاد للأمة إلى الاستغفار،
وقد ورد الأمر بذلك الدعاء في حديث سمرة عند البزار.
والحديث: يدل على مشروعية دعاء الافتتاح بعد التحريم قبل القراءة بالفرض
والنفل خلافًا للمشهور عن مالك، وورد فيه أيضًا حديث: ((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ... )) إلى
آخره، وهو عند مسلم من حديث علي، قيل: يخير العبد بين هذا الدعاء والدعاء
الذي في حديث علي، وسيأتي الكلام فيه في الفصل الثاني. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه
أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.