Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والمرفوع قد يكون متصلًا وغير متصل.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أبو داود، كلاهما من طريق عبد الأعلى عن
عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وكما رفع هذا الحديث عبد الأعلى عن
عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، كذلك رفعه عبد الوهاب الثقفي ومعتمر عن
عبيد الله، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، كما أخرجه البخاري في ((جزء
رفع اليدين))، وفيه هذه الزيادة أي: زيادة الرفع عند القيام من الركعتين، وقد توبع
نافع على ذلك عن ابن عمر، وهو فيما رواه أبو داود، وصححه البخاري في الجزء
المذكور من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر، قال: ((كان النبي ◌َّ إذا قام في
الركعتين كبر، ورفع يديه)). وله شواهد: منها: حديث أبي حميد، وحديث علي
ابن أبي طالب، أخرجهما أبو داود، وصححهما ابن خزيمة وابن حبان. وقال
البخاري في جزء الرفع: ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة
من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا
فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم.
٨٠١- [٦] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِذَا كَبَّرَ
رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِن الرُّكُوعِ، فَقَالَ: ((سَمِعَ
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
- وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ
الشَّرْجُ
٨٠١- قوله: (إِذَا كَبَّرَ) أي: عند التحريمة، أي: شرع في تكبيره. (رَفَعَ يَدَيْهِ)
أي: شرع في رفعهما. (حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ) هذا الظاهر مخالف لما تقدم من
حديث ابن عمر عند الشيخين، وحديث أبي حميد عند البخاري، فذهب بعضهم
إلى ترجيح الثاني؛ لكونه متفقًّا عليه بخلاف الأول، فإنه من أفراد مسلم كما
(٨٠١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٣٧)، ومُسْلِم (٣٩١)، وَأَبُو دَاوُد (٧٤٥) عَنْهُ فِيهَا .
٣٨١
كِتَابُ الصَّلاةِ
** E
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
سيأتي، وذهب آخرون إلى الجمع، فقالوا: يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذي
أطراف أصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمة أذنيه، وظهر كفيه منكبيه، وهو جمع
حسن، فمعنى قوله: (حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا) أي: بطرف إبهاميه (أُذُنَيْهِ) شحمة أذنيه.
ومعنى قوله الآتي: (حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا) أي: بأعلى أصابعه وأطراف أنامله (فُرُوعَ
أُذُنَيْهِ) أي: أعليهما؛ لأن فرع كل شيء أعلاه.
(وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) فقال: عطف على رفع. (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَعَلَ
مِثْلَ ذَلِكَ) أي: فعل رسولَ اللَّه ◌َليل مثل ما فعل عند التكبير. كذا في النسخ
الموجودة (((المشكاة)) عندنا بدون ذكر رفع اليدين عند الركوع. وفي ((مسلم)) زاد
قبل هذا: ((وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ)). وكذا وقع ذكر الرفع عند
الركوع عند البخاري والنسائي وأبي داود وابن ماجه. وفي ((المصابيح)): فلا أدري
سقوط هذا في نسخ ((المشكاة)) من المصنف، أو من النساخ. واعلم: أن حديث
مالك هذا دليل واضح على تأخر الرفع عند الركوع والرفع منه، وبقائه، وبطلان
دعوی نسخه. وذلك من وجوه:
الأول: أن مالك بن الحويرث وأصحابه قدموا المدينة قبل غزوة تبوك، حينما
كان رسول اللّه وَلَه يجهز، ويتأهب لها، وكانت وقعة تبوك في رجب سنة تسع،
الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاِهِمْ خَشِعُونَ
وقد نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (@)
٢
[المؤمنون: ١، ٢] قبل قدوم مالك ورفقائه المدينة. والخشوع السكون، قال في ((فتح
البيان)): الخشوع في اللغة السكون والتواضع. وقال ابن عباس: ﴿خَشِعُونَ﴾ :
ساكنون. وهذا يدل على أن رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه ليس منافيًا
للخشوع والسكون، وأن الرفع الذي هو مناف للسكون ومخالف له هو شيء آخر
غير ذلك الرفع المتنازع فيه، وأن المراد بالسكون في قوله: ((اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ))
في حديث جابر هو السكون عن الرفع عند السلام اعتبارًا للسبب، وعن الأفعال
التي ليست من أعمال الصلاة اعتبارًا لعموم اللفظ، لا عن الرفع عند الركوع وعند
رفع الرأس منه، فعمله وَ ل﴿ بالرفع بعد نزول قوله: ﴿خَشِعُونَ﴾ دليل على بقائه وعدم
نسخه؛ لكونه غير مناف للسكون والخشوع.
قال السندي في ((حاشية النسائي)): مالك بن الحويرث ووائل بن حجر ممن
٣٨٢
ece
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صلى مع النبي ◌َّ- آخر عمره، فروايتهما الرفع عند الركوع والرفع منه دليل على
بقائه، وبطلان دعوى نسخه. كيف وقد روى مالك هذا جلسة الاستراحة،
فحملوها على أنها كانت في آخر عمره في سن الكبر، فهي ليس مما فعلها النبي وَلَّه
قصدًا فلا تكون سنة، وهذا يقتضي أن يكون الرفع الذي رواه ثابتًا لا منسوخًا؛
لكونه في آخر عمره عندهمٍ، فالقول بأنه منسوخٍ قريب من التناقض، وقد قال رَ له
لمالك هذا وأصحابه: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلَّي)». انتهى. وقال في حاشية ابن
ماجه مثل ذلك، وزاد: فإن كان هناك نسخ، فينبغي أن يكون المنسوخ ترك الرفع.
والثاني: أن مالك بن الحويرث الذي روى هذا الحديث قد كان يرفع يديه
بعده وَّةِ عملًا بما رأى وشاهد منه وَّله، وبقوله وَل له ولرفقائه: ((صَلَّوا كَمَا
رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))، فإن الرفع داخل في هذا العموم. روى البخاري في ((صحيحه))
عن أبي قلابة: أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن
يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدث أن رسول اللّه وَّلة.
صنع هكذا، فَرَفْعُ مالك يديه في صلاته بعده ◌َّلا عملًا بما رأى منه وبما أمره به يدل
على عدم نسخه. والثالث: أن مالكًا قدم المدينة عام تبوك، وقد حكى ما رأى
وشاهد من النبي ◌ُّ من الرفع في صلاته، وهذا صريح في عدم وقوع النسخ قبل
ذلك، وقد بقي ◌َل حيًّا بعد تبوك قريبًا من عشرين شهرًا، ولم ينقل أنه ترك الرفع
في هذه المدة ولو مرة لا بسند صحيح ولا ضعيف، والأصل في الأشياء بعد
وجودها ثبوتها وبقاؤها لا عدمها؛ لأن عدم نقل الترك في مثل هذه المواقع بمنزلة
نقل عدم الترك كما هو مقرر في موضعه، فلا بد لمن يَدَّعِي النسخ أن يأتي بدليل
صريح في ترك الرفع في هذه المدة ولو مرة، ولو بسند ضعيف ودونه خرط القتاد،
وقلل الجبال.
(وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ) تقدم معناه، وهذه الرواية من أفراد
مسلم، وكذا قوله: (حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ) من أفراد مسلم. ففي قوله: (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) نظر، وقد وهم المحب الطبري أيضًا فعزاه للمتفق، نعم، أصل الحديث
متفق عليه، وقد أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
B
٣٨٣
٨٠٢ - [٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َهِ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ
لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرُْ
٨٠٢- قوله: (فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ) أي: فرد. (مِنْ صَلَاتِهِ) المراد بالوتر: الركعة
الأولى، والثالثة من الرباعيات. (لَمْ يَنْهَضْ) للقيامِ. (حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا)
للاستراحة يعني يجلس للاستراحة، ثم يقوم، وهذا دليل صريح على مشروعية
جلسة الاستراحة وسنيتها. قال الحافظ: وأخذ بها الشافعي، وطائفة من أهل
الحديث، وعن أحمد روايتان، وذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها، ولم
يستحبها الأكثر، انتهى. وكذا صرح برجوع أحمد إلى القول بها نقلًا عن الخلال
في ((المغني))، و((الشرح الكبير))، و((زاد المعاد))، وغير ذلك من كتب الحنابلة
وغيرهم، فلا شك في أن آخر قولي أحمد هو أن يجلس للاستراحة.
وقال مالك وأبو حنيفة بتركها. والاختلاف في الأفضلية لا في الجواز؛ قال في
((رد المحتار)): قال شمس الأئمة الحلوائي: الخلاف في الأفضلية حتى لو فعل كما
هو مذهبنا لا بأس به عند الشافعي، ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا،
انتھی .
والحق: ما ذهب إليه الشافعي وأحمد، يدل عليه حديث مالك هذا، وهو
حديث صحيح، وأحاديث أخرى: منها: حديث أبي هريرة في قصة المسيء في
صلاته، وهو أول أحاديث الفصل الأول من هذا الباب، وقد ورد فيه الأمر بجلسة
الاستراحة. ومنها: حديث أبي حميد الآتي، وهو أول أحاديث الفصل الثاني.
قال ابن قدامة في ((المغني)) بعد ذكر حديث مالك هذا: وذكره أيضًا أبو حميد في
صفة صلاة رسول اللّه وَل، وهو حديث حسن صحيح، فيتعين العمل به والمصير
إليه، انتهى. ومنها: حديث ابن عباس الآتي في صلاة التسبيح، وهو حديث حسن
(٨٠٢) البُخَارِي (٨٢٣) عَنْهُ فِيهَا، والتِّرْمِذِي (٢٨٧)، والنَّسَائِي (٢٣٤/٢).
٣٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أو صحيح لغيره. ومن لا يقول بجلسة الاستراحة اعتذر عن حديث مالك بن
الحويرث بأعذار كلها واهية، فمنها: أنه محمول على حال الكبر، فعلها وَّ في
آخر عمره حين ثقل وبدن، ولم يفعل قصدًا، والسنة ما فعل قصدًا لا ما فعله بسبب
آخرٍ. ورده السندي بأنه أورد عليه قوله وَ لّ لمالك وأصحابه: ((صَلَّوا كَمَا رَ أَيْتُمُونِي
أُصَلِّي))، وأقل ذلك أن يكون مستحبًّا، وأيضًا قد جاء الأمر بها في بعض روايات
الأعرابي المسيء صلاته، انتهى.
ورده صاحب ((البحر الرائق)) أيضًا حيث قال: يرد عليه بأن هذا الحمل يحتاج إلى
دليل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))، انتهى. وقال
الحافظ في ((الدراية)): هذا تأويل يحتاج إلى دليل؛ فقد قال النبي وقَّ لمالك بن
الحويرث لما أراد أن يفارقه: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)»، ولم يفصل له،
فالحديث حجة في الاقتداء به في ذلك، انتهى.
قلتُ: ويرده أيضًا حديث أبي حميد الآتي فإن في آخره: قالوا: صدقت؛ هكذا
كان يصلي. فلم يفصل أحد أن هذه الجلسة كانت في آخر عمره حين ثقل. ومنها:
أن حديث أبي حميد خال عن جلسة الاستراحة، فقد رواه الطحاوي بلفظ: ((فَقَّامَ
وَلَمْ يَتَوَرَّلْك)). وأخرجه أبو داود أيضًا كذلك، فلما تخالفا احتمل أن يكون ما فعله في
حديث مالك بن الحويرث لِعَلَّةٍ كانت به فقعد لأجلها، لا أن ذلك من سنة الصلاة.
والجواب عنه: أن الأصل عدم العلة، وأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث
(صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، فحكاياته لصفات صلاة رسول اللّه وَ ◌ّ داخلة تحت
هذا الأمر، ولم تتفق الروايات عن أبي حميد على نفي هذه الجلسة؛ بل أخرجه أبو
داود أيضًا من وجه آخر عنه بإثباتها. وكذا أخرجه الترمذي في ((جامعه)) بإثباتها،
والمثبت مقدم على النافي. ومنها: أنها لو كانت سنة لشرع لها ذكر مخصوص.
والجواب عنه: أنها جلسة خفيفة جدًّا استغني فيها بالتكبير المشروع للقيام،
فإنها من جملة النهوض إلى القيام. ومنها: أنها لو كانت سنة لذكرها كل ممن
وصف صلاته وَّر. والجواب عنه: أن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد
ممن وصف صلاته، إنما أُخِذَ مجموعها من مجموعهم.
ومنها: أن عمل أكابر الصحابة الذين كانوا أقرب إلى رسول اللّه وَ ل، وأشد
٣٨٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
اقتفاء الأثره، وألزم لصحبته من مالك بن الحويرث؛ كعلي، وابن مسعود، وعمر،
على خلاف ما قال مالك، فوجب تقديمه، وحمل ما رواه على حالة عارضة
اقتضت تلك الجلسة، وليس في روايته ما يدل على مواظبته عليها لتكون قرينة على
السنة. والجواب عنه: أن الأصل عدم عروضٍ تلك الحالة، والحمل عليها يحتاج
إلى دليل، وقد قال رَّ لمالك وأصحابه: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)»، وأقل ذلك
أن يكون مستحبًّا كما قال السندي. ولم يثبت عن أحد من الصحابة تركها بسند
صحيح غير ابن مسعود، ومتابعة السنة أولى. وليس بعد الحديث قول لأحد كائنًا
من كان. وأيضًا ترك من ترك من الصحابة على تقدير ثبوته عنه لا يقدح في سنيتها؛
لأن ترك ما ليس بواجب جائز، وأمره وم ثير مالك بن الحويرث وأصحابه باقتداء
بقوله: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))، واختيار مالك بن الحويرث بعده ◌َّ جلسة
استراحة عملًا بهذا الأمر - قرينة واضحة على مواظبته عليها وبقائها، وعلى
سنيتها، واستحبابها. واحتج هؤلاء على ترك جلسة الاستراحة بأحاديث: منها:
حديث أبي هريرة قال: ((كان النبي ◌َّر ينهض في الصلاة على صدور قدميه)).
أخرجه الترمذي. والجواب عنه: أنه حديث ضعيف جدًّا لا يقوم بمثله الحجة؛ فإن
في سنده خالد بن إلياس وهو متروك. قاله أحمد والنسائي.
وقال البخاري وابن معين: ليس بشيء. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات
عن الثقات حتى يسبق إلى القلب أنه الواضع لها، لا يكتب حديثه إلا على جهة
التعجب. وفيه أيضًا: صالح مولى التوأمة، وقد اختلط بآخره، وخالد لا يعرف
متى أخذ عنه. ومنها: حديث أبي مالك الأشعري أنه جمع قومه فقال: ((يا معشر
الأشعريين، اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي وَّد ... ))
الحديث. وفيه: «ثم کبر وخر ساجدًا، ثم کبر فرفع رأسه، ثم کبر فسجد، ثم کبر
فانتهض قائمًا ... )) الحديث أخرجه أحمد. والجواب عنه: أن في إسناده شهر بن
حوشب، وهو كثير الإرسال والأوهام كما في ((التقريب))، ثم هذا الحديث ليس فيه
تصريح بنفي جلسة الاستراحة، ولو سلم فهو إنما يدل على نفي وجوبها لا على نفي
سنيتها؛ لأن الترك في بعض الأحيان إنما ينافي وجوبها لا القول بسنيتها .
ومنها: حديث وائل بن حجر عند البزار بلفظ: كان إذا رفع رأسه من السجدتين
استوى قائمًا. والجواب عنه: أن حديث وائل هذا قد ذكره النووي في ((الخلاصة))
٣٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في فصل الضعيف، ثم إنه يدل على تسليم كونه صريحًا في نفي تلك الجلسة على
نفي وجوبها فقط لا على نفي سنيتها. واحتجوا أيضًا بآثار بعض الصحابة، وهي
على تقدير ثبوتها لا تقدح في سنيتها؛ لأن الترك ينافي الوجوب لا السنية، فإن ترك
ما ليس بواجب جائز. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي، وأبو داود،
والنسائي.
٨٠٣ - [٨] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيِّ بَّهِ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ
دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، كَبَّرَ ثُمَّ الْتَّحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى،
فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا وَكَبَّرَ فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ:
(سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ.
[رَوَاهُ مُشْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٠٣- قوله: (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم
وبالراء، ابن سعد بن مسروق الحضرمي، أبو هنيدة ويقال: أبو هند، صحابي
جليل، وكان قيلًا من أقيال حضر موت، وكان أبوه من ملوكهم، ووفد هو على
رسول اللَّه ◌َليل فأسلم، ويقال: إنه بشر به رسول اللّه ◌َل أصحابه قبل قدومه،
وقال: ((يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضر موت، طائعًا راغبًا في اللَّه
ورسوله، وهو بقية أبناء الملوك))، فلما دخل عليه رحب به، وأدناه من نفسه،
وقرب مجلسه، وبسط له رداءه فأجلسه عليه مع نفسه على مقعده. وقيل: أصعده
معه على المنبر، وقال: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي وَائِل وَوَلَدِهِ وَوَلَدٍ وَلَدِهِ))، واستعمله
النبي وَلّل على أقيال من حضر موت، وكتب معه ثلاثة كتب، منها كتاب إلى
المهاجر بن أبي أمية، وكتاب إلى الأقيال والعباهلة، وأقطعه أرضًا، وبعث معه
معاوية بن أبي سفيان ليتسلمها، فقال له معاوية أردفني، فقال وائل: لست من
أرداف الملوك. وعاش وائل حتى ولي معاوية الخلافة، فقصده وائل فتلقاه معاوية
(٨٠٣) مُسْلِم (٤٠١/٥٤) عَنْهُ فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٨٧
وأكرمه، فقال وائل: وددت أني حملته ذلك اليوم بين يدي. سكن وائل الكوفة
وعَقِبَهُ بها، ومات في ولاية معاوية. له أحد وسبعون حديثًا، انفرد له مسلم بستة،
روى عنه ابناه علقمة وعبد الجبار، ومولى لهم، وأم يحيى زوجته وغيرهم، ولم
يسمع عبد الجبار من أبيه. (رَأَى النَّبِيَّ نَّهْرَفَعَ يَدَيْهِ) حال، أي: نظر إلى النبي وَّل
رافعًا یدیه .
(حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ) قال الطيبي: كبر بالواو في بعض نسخ ((المصابيح))
وبدونها في ((صحيح مسلم))، وكتاب الحميدي، و((جامع الأصول))، فعلى الأول
عطف على ((دَخَلَ))، وعلى الثاني إما حال بتقدير: قد، أو بيان لـ: ((دخل))، أو بدل
منه، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون حالًا و((قد)) مقدرة، وأن يراد بالدخول:
الشروع فيها والعزم عليها بالقلب فيوافق معنى العطف، ويلزم منه المواطأة بين
اللسان والقلب، وثانيهما: أن يكون (كَبَّرَ) بيانًا لقوله: (دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ)، ويراد
بالدخول: افتتاحها بالتكبير، ونحوه في البيان قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَنُ
قَالَ يَعَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] أو بدلًا منه كقول الشاعر:
ارْحَلْ لَا تُقِيْمَنَّ عِنْدَنَا
فعلى الأول يلزم اقتران النية بالتكبير، انتهى. (ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ) أي: تستر به.
قال ابن حجر: يحتمل أنه بعد تكبيرة الإحرام سقط ثوبه عن كتفه فأعاده، ويحتمل
أنه کان نسیه، ثم تذکره بعد إحرامه فأخذه والتحف به.
قلتُ: ويحتمل أنه كان وضع ثوبه، أي: رداءه على كتفه قبل الدخول في
الصلاة، لكن بدون التحاف وتوشح بل سَدْلًا وإرْسَالًا، ثم التحف به، وتوشح بعد
الدخول في الصلاة بالتكبير، وهذا هو الأقرب. (ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى
الْيُسْرَى) ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) بلفظ: وضع يده اليمنى على صدره.
وسيأتي الكلام في مسألة محل وضع اليدين وكيفية الوضع مفصلًا إن شاء الله.
(فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ) فيه: استحباب كشف اليدين عند
الرفع. (فَلَمَّا قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) رَفَعَ يَدَيْهِ) أي: لما شرع في قولِهِ ذلك
شرع في رفعهما، كما علم من الروايات السابقة، واستفيد منه أن ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ)) ذكر الرفع والانتقال من الركوع إلى الاعتدال. (فَلَمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ)
أي: محاذيين لرأسه، قاله القاري. وقال ابن الملك: أي وضع كفيه بإزاء منكبيه
٣٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في السجود. قال القاري: وفيه: أن إزاء المنكبين لا يفهم من الحديث.
قلتُ: في رواية عاصم بن كليب عن وائل بن حجر عند النسائي: ((ثُمَّ سَجَدَ
فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أَذُنَيْهِ)). وفي رواية أبي داود: ((فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ
الْمَنْزِلِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ)). يعني: وضع يديه حذاء أذنيه. وهذه الرواية تدل على
مشروعية وضع الكفين حذو الأذنين، وحديث أبي حميد الآتي بلفظ: ((وضع كفيه
حذو منكبيه)) يدل على مشروعية وضع الكفين في السجود حذو المنكبين، فجنح
بعضهم إلى ترجيح ما في رواية مسلم والنسائي، وحمل حديث أبي حميد على بيان
الجواز، وعكس آخرون. وقال بعضهم: إن المصلي مخیر بین أن یضع کفیه حذو
منكبيه، وبين أن يضع حذاء رأسه وجبهته؛ حملًا للأحاديث على أوقات مختلفة.
واختار بعضهم الجمع بما تقدم في مقدار الرفع، والله أعلم.
G تنبيه:
حديث وائل بن حجر هذا دليل واضح على تأخر الرفع وبقائه، وبطلان دعوى
نسخه؛ لأن وائلًا متأخر الإسلام جدًّا. قال العيني في ((شرح البخاري)) (ج ٣:
ص٩): وائل بن حجر أسلم في المدينة سنة تسع من الهجرة، انتهى. وقال
السندي: وائل بن حجر ممن صلى مع النبي وَّر آخر عمره، فروايته الرفع عند
الركوع والرفع منه دليل على بقائه وبطلان دعوى نسخه، انتهى.
واعلم: أن إبراهيم النخعي لما سمع حديث وائل هذا من عمرو بن مرة الجملي
المرادي وغيره، قال استبعادًا: ما أرى وائلًا رأى رسول اللَّه ◌َله إلا ذلك اليوم،
فحفظ عنه، وعبد الله بن مسعود لم يحفظ. إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة.
أخرجه الدار قطني والبيهقي والطحاوي، وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) بلفظ:
أحفظ وائل ونسي ابن مسعودٍ؟ وفي رواية للطحاوي: قال إبراهيم: فإن كان وائل
رآه مرة يرفع فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يرفع، انتهى. ذكر هذا الكلام كله
الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((التعليق الممجد)) (ص ٩١) نقلًا عن ((نصب الراية))،
ثم قال ردًّا على النخعي وهاهنا أبحاث:
الأول: ما قاله البيهقي في كتاب ((المعرفة)) عن الشافعي أنه قال: الأولى أن
يؤخذ بقول وائل؛ لأنه صحابي جليل فكيف يرد حديثه بقول رجل ممن هو دونه.
٣٨٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
والثاني: ما قاله البخاري في (رسالة رفع اليدين)): إن كلام إبراهيم هذا ظن
منه، لا يدفع به رواية وائل، بل أخبر أنه رأى النبي وَلم يصلي فرفع يديه، وكذلك
رأى أصحابه غير مرة يرفعون أيديهم، كما بينه زائدة، فقال: نا عاصم، نا أبي عن
وائل بن حجر، أنه رأى النبي ◌ّله يصلي فرفع يديه في الركوع، وفي الرفع منه،
قال: ثم أتيتهم بعد ذلك فرأيت الناس في زمان برد، عليهم جل الثياب تتحرك
أيديهم من تحت الثياب.
والثالث: ما نقله الزيلعي عن الفقية أبي بكر بن إسحاق أنه قال: ما ذكره إبراهيم
علة لا يساوي سماعها؛ لأن رفع اليدين قد صح عن النبي وَّر، ثم عن الخلفاء
الراشدين، ثم عن الصحابة والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما
يستغرب؛ فقد نسي من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد وهي ((المعوذتان))،
ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق، ونسي كيف قيام الاثنين خلف الإمام،
ونسي ما لم يختلف العلماء فيه: أن النبي ◌َّ- صلى الصبح يوم النحر في وقتها،
ونسي كيفية جمع النبي ◌َّ بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه: من وضع
المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف كان يقرأ النبي وَله: ﴿وَمَا
[الليل: ٣]. وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في
الصلاة، کیف لا يجوز مثله في رفع الیدین؟
خَلَقَ الذَّكَرَ وَآلْأُنَّ ﴾﴾
والرابع: أن وائلًا ليس بمتفرد في رواية الرفع عن النبي وَله، بل اشترك معه
جمع كثير كما مر ذكره سابقًا، بل ليس في الصحابة من روى ترك الرفع فقط إلا ابن
مسعود، وأما من عداه فمنهم من لم ترو عنه إلا رواية الرفع، ومنهم من روي عنه
حديث الرفع وتركه كليهما كابن عمر والبراء، إلا أن أسانيد رواية الرفع أوثق
وأثبت، فعند ذلك لو عورض كلام إبراهيم بأنه يستبعد أن يكون ترك الرفع حفظ
ابن مسعود فقط، ولم يحفظ من عداه من أجلة الصحابة الذين كانوا مصاحبين
لرسول اللَّه ◌َ لّ مثل مصاحبة ابن مسعود أو أكثر لكان له وجه. والخامس: أنه لا
يلزم من ترك ابن مسعود وأصحابه عدم ثبوت رواية وائل، فيجوز أن يكون تركهم؛
لأنهم رأوا الرفع غير لازم، لا لأنه غير ثابت، أو لأنهم رجحوا أحد الفعلين الثابتين
عن رسول اللَّه ◌َ له الرفع والترك، فداوموا عليه، وتركوا الآخر، ولا يلزم منه
بطلان الآخر .
٣٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والسادس: أنه قد أخذ ابن مسعود بالتطبيق في الركوع، وداوم عليه أصحابه،
وكذلك أخذوا بقيام الإمام في الوسط إذا كان من يقتدي به اثنين مع ثبوت ترك ذلك
عن النبيِ وَّه، وعن جمهور أصحابه بَعْدَه بأسانيد صحاح، فلم لا يعتبر فعل ابن
مسعود في هذين الأمرين وأمثال ذلك؟ فما هو الجواب هناك هو الجواب هاهنا.
والإنصاف في هذا المقام: أنه لا سبيل إلى رد روايات الرفع برواية ابن مسعود
وفعله وأصحابه، ولا إلى دعوى نسخ الرفع ما لم يثبت ذلك بنص عن الشارع،
انتھی. باختصار یسیر .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) من طريق عبد الجبار بن وائل عن علقمة ومولى لهم، أنهما أخبراه
عن أبيه وائل بن حجر، وهو إسناد صحيح متصل، وَوَهِمَ من قال: إن علقمة لم
يسمع من أبيه. قال الترمذي: علقمة بن وائل سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد
الجبار بن وائل، وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، انتهى. والحديث أخرجه
أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان وابن خزيمة.
٨٠٤ - [٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ
الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (صحيح}
الشّرْحُ
٨٠٤- قوله: (كَانَ النَّاسُ) أي: في زمان رسول اللَّه وَلَه. (يُؤْمَرُونَ) قال
الحافظُ: هذا حكمه الرفع؛ لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي وَئله.
قال البيهقي: لا خلاف في ذلك في ذلك بين أهل النقل. وقال النووي في ((شرح
مسلم)): هذا حديث صحيح مرفوع. وقال السيوطي في ((التدريب)) (ص ٦٢): قول
الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا وما أشبهه كله مرفوع على الصحيح الذي
قاله الجمهور.
قال ابن الصلاح: لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهر إلى من له الأمر والنهي ومن
(٨٠٤) البُخَارِي (٧٤٠) عَنْهُ فِيهَا .
٣٩١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
يجب اتباع سنته، وهو رسول اللَّه وله. وقال غيره: لأن مقصود الصحابي بيان
الشرع لا اللغة ولا العادة، الشرع يتلقى من الكتاب والسنة والإجماع والقياس،
ولا يصح أن يريد أمر الكتاب؛ لكون ما في الكتاب مشهورًا يعرفه الناس، ولا
الإجماع؛ لأن المتكلم بهذا من أهل الإجماع، ويستحيل أمره نفسه، ولا القياس؛
إذ لا أمر فيه، فتعين كون المراد أمر رسول اللَّه وَ له. وقيل: ليس بمرفوع لاحتمال
أن يكون الآمر غيره كأمر القرآن، أو الإجماع، أو بعض الخلفاء، أو الاستنباط.
وأجيب: بُعد ذلك مع أن الأصل الأول، انتهى.
قال الجَمَالُ القاسمي: واحتمال أن يكون الآمر غيره بعيد، وإن كنا لا ننكر أن
إطلاق ذلك يصدق مع الواسطة، ولكن العادة أن من له رئيس معظم فقال: أمرنا
بكذا، فإنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك. ورسول اللّه وَل هو عظيم
الصحابة، ومرجعهم، والمشار إليه في أقوالهم وأفعالهم، فتصرف إطلاقاتهم
إليه وَلّ. وما قيل: إن الفاعل إذا حذف احتمل النبي وَّ وغيره، فلا نثبت شرعًا
بالشك. فجوابه: أن ظاهر الحال صارف للنبي وَّر كما تقدم تقريره. قال: ومما
يؤيد أن ذلك في حكم الرفع ما رواه الشيخان عن أبي موسى في قصة استئذانه على
عمر، ولفظ البخاري عن أبي موسى قال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي،
فكأنه كان مشغولاً، فرجعت، ففرغ عمر، فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن
قيس؟ إئذنوا له. قيل: قد رجع. فدعاني، فقلتُ: كنا نؤمر بذلك، فقال: لتأتيني
على ذلك بالبينة، فانطلقت إلى مجلس الأنصار، فسألتهم فقالوا: لا يشهد لك
على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري، فذهبت بأبي سعيد الخدري، فقال عمر:
أخفي عَلَيَّ هذا من أمر رسول اللَّه ◌َ لّ؛ ألهاني الصفق بالأسواق، يعني: الخروج
إلى التجارة. زاد مالك في ((الموطأ))، فقال عمر لأبي موسى: ((أما إني لم أتهمك،
ولكن خشيت أن يتقوَّل الناس على رسول اللّه وَلٍّ)).
قال الشراح: وحينئذٍ فلا دلالة في طلبه البينة على أنه لا يحتج بخبر الواحد، بل
أراد سد الباب؛ خوفًا من غير أبي موسى أن يخلق كذبًا على رسول اللّه وَل عند
الرغبة والرهبة. وقالوا: في الحديث أن قول الصحابي: كنا نؤمر بكذا له حكم
الرفع، انتهى. وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعًا فلم لا يقولون فيه: قال
رسول الله؟ فجوابه: أنهم تركوا الجزم بذلك تورعًا واحتياطًا. وقيل: هو من
٣٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحَ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
التفنن في تبليغ الهدي النبوي، لا سيما وقد يكون الحكم الذي قيل فيه: أمرنا، أو
من السنة من سنن الأفعال لا الأقوال. وقد يقولون ذلك إيجازًا، أو لضيق المقام أو
لغير ذلك. (أَنْ) أي: بأن. (يَضَعَ الرَّجُلُ) أي: والمرأة تابعة له. وكان الأصل أن
يقول: يضعون. فوضع المظهر موضع المضمر.
قال الطيبي: في وضع الرجل موضع ضمير الناس تنبيه على أن القائم بين يدي
الملك الجبار ينبغي أن لا يهمل شريطة الأدب، بل يضع يده على يده، ويطأطأ رأسه
كما يصنع بين يدي الملوك، نقله مَيْرَك وكتب تحته: وفيه ما فيه، يعني: وفيه أن
هذه النكتة لمطلق الوضع لا لذكر الرجل موضع ضمير الناس، ولعله أراد أن لا
يقوم بهذا الأدب إلا من اجتمعت فيه صفات الرجولية الكاملة لا لتخصيص الحكم
به؛ لأن الناس يعمه ما لم يقم دليل خروجه، كذا في ((المرقاة)).
(الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى) الذراع - بكسر الذال - من طرف المرفق إلی
طرف الإصبع الوسطى، والساعد مؤنثة فيهما وقد تذكر. أبهم سهل بن سعد
موضعه من الذراع. قال الشوكاني: وقد بينه حديث وائل عند أحمد وأبي داود
والنسائي بلفظ: ثم وضع يد اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد.
وصححه ابن خزيمة وغيره، وأصله في مسلم بدون الزيادة. والرسغ بضم الراء
وسكون السين بعدها معجمة، هو المفصل بين الكف والساعد. والمراد: أنه
وضع يده اليمنى بحيث صار وسط كفه اليمنى على الرسغ، ويلزم منه أن يكون
بعضها على الكف اليسرى، والبعض على الساعد.
قال بعضهم: ورد في بعض الأحاديث ذكر وضع اليد على اليد، كما في رواية
وائل عند مسلم، وفي بعضها ذكر وضع اليد على الذراع كما في حديث سهل بن
سعد، وفي البعض أخذ الشمال والقبض عليها باليمين، كما روى النسائي من
حديث وائل قال: رأيت رسول اللَّه وَ له، إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على
شماله. وروى الترمذي وابن ماجه من حديث قبيصة بن هُلْبٍ عن أبيه، قال: كان
النبي ◌َ﴾ يؤمنا، فيأخذ شماله بيمينه. وورد في رواية أحمد وأبي داود من حديث
وائل: وضع اليمنى على الكف اليسرى، والرسغ والساعد. فالسنة أن يجمع بين
الوضع والقبض؛ جمعًا بين هذه الأحاديث.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٩٣
وكيفية الجمع: أن يضع الكف اليمنى على الكف اليسرى، ويحلق الإبهام
والخنصر على الرسغ، ويبسط الأصابع الثلاث على الذراع، فيصدق أنه وضع اليد
على اليد وعلى الذراع، وأنه أخذ شماله وقبض عليها بيمينه.
قلتُ: لا حاجة إلى هذا التكلف للتوفيق والجمع؛ لكون التوفيق فرع التعارض،
ولا يظهر التعارض أصلًا؛ لأنه لا تناقض بين الأفعال المختلفة لجواز وقوع الكل
في أوقات مختلفة، على أن حديث سهل بن سعد حديث قولي أخرجه مالك
وأحمد والبخاري، وهو أيضًا أصح ما ورد في ذلك فهو أولى بالعمل. واعلم: أنه
لم يرد في رواية وضع الذراع على الذراع، فما يفعله بعض العوام من وضع الذراع
على الذراع، بحيث أنه يضعون الكف اليمنى على مرفق اليد اليسرى أو قريبًا منه،
ثم يأخذونه بأصابع اليد اليمنى هو مما لا أصل له.
تنبيه:
لم يذكر سهل بن سعد في حديثه محل وضع اليدين من الجسد، وهو عندنا على
الصدر؛ لما ورد في ذلك من أحاديث صريحة قوية. فمنها حديث وائل ابن حجر
قال: صليت مع النبي ◌َّ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره. أخرجه
ابن خزيمة في ((صحيحه)) ذكره الحافظ في ((بلوغ المرام)) و((الدراية)) و((التخليص))
و((فتح الباري)). والنووي في ((الخلاصة))، و((شرح المهذب))، و((شرح مسلم))
للاحتجاج به على ما ذهبت إليه الشافعية من وضع اليدين على الصدر، وذكرهما
هذا الحديث في معرض الاحتجاج به، وسكوتهما عن الكلام فيه يدل على أن
حديث وائل هذا عندهما صحيح، أو حسن قابل للاحتجاج، لا سيما من الحافظ
في ((الدراية)) و((الفتح))؛ فإنه قال في ((الفتح)) في شرح حديث سهل بن سعد: لم
يذكر - أي: سهل بن سعد - محلهما من الجسد، وقد روى ابن خزيمة من حديث
وائل: ((أنه وضعهما على صدره)). والبزار: ((عند صدره). وعند أحمد في حديث
هُلْبِ الطائي نحوه، وفي ((زيادات المسند)) من حديث علي: ((أنه وضعهما تحت
السرة)). وإسناده ضعيف، انتهى.
فالظاهر من كلام الحافظ هذا: أن حديث وائل هذا عنده صحيح أو حسن؛ لأنه
ذكر هاهنا لتعيين محل وضع اليدين ثلاثة أحاديث: حديث وائل، وحديث هلب،
وحديث علي، وضعف حديث علي؛ إذ قال: إسناده ضعيف، وسكت عن حديث
٣٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وائل، وحديث هلب، فلو كانا هما أيضًا ضعيفين لصرح بذلك وبين ضعفهما،
ولأنه ذكر في أوائل مقدمة ((الفتح)) في بيان دأبه في الشرح، أنه يستخرج ما يتعلق به
غرض صحيح في الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية، منتزعًا كل ذلك من
أمهات المسانيد، والجوامع والمستخرجات، والأجزاء، والفوائد بشرط الصحة
والحسن فيما يورده من ذلك، فقوله هذا: يدل على أن حديث وائل، وكذا حديث
هلب عنده صحيح أو حسن. وقد اعترف الشيخ محمد قائم السندي في رسالته (فوز
الكرام»: أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة حيث قال فيها: الذي أعتقد أن هذا
الحديث على شرط ابن خزيمة، وهو المتبادر من صنيع الحافظ في ((الإتحاف))،
والظاهر من قول ابن سيد الناس بعد ذكر حديث وائل في ((شرح جامع الترمذي)»:
وصححه ابن خزيمة، انتهى.
وقال ابن أمير الحاج في ((شرح المنية)): إن الثابت من السنة وضع اليمين على
الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا
حديث وائل المذكور، وهكذا قال صاحب ((البحر الرائق))، كذا في ((فتح الغفور))
للشيخ محمد حيات السندي.
وقال الشوكاني في ((النيل)): أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) وصححه،
انتهى. ومن يدعي أن الشوكاني لم ير صحيح ابن خزيمة ولم ينقل تصحيح ابن
خزيمة لهذا الحديث من أصل الكتاب بل اشتبه عليه من قول ابن سيد الناس، أو
ظن أن كل حديث أورده ابن خزيمة في (صحيحه)) فقد صححه. وكذا من يدعي أن
الحديث الذي ذكر تصحيحه ابن سيد الناس، هو الذي ذكره الحافظ في ((الفتح))
بلفظ: ((ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ من الساعد)). لا
حديث وائل بزيادة: ((عَلَى صَدْرِهِ)) فعليه البيان. وأما الادعاء المحض من غير إقامة
برهان ودليل، وإظهار قرينة، فلا يلتفت إليه. والظاهر: أن ابن خزيمة صحح
الروايتين جميعًا، ذكر تصحيح إحداهما الحافظ في ((الفتح))، وذكر تصحيح
الرواية الثانية أي: بزيادة: ((عَلَى صَدْرِهِ)) ابن سيد الناس في ((شرح الترمذي))
والشوكاني في ((النيل))، وسكوت النووي أو الحافظ عن ذكر تصحيح ابن خزيمة
للرواية الثانية لا يدل على أن ابن خزيمة لم يصححها، فإن الحافظ لم يصرح بأنه
التزم في تصانيفه أن يذكر تصحيح ابن خزيمة في كل حديث صرح ابن خزيمة
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
٣٩٥
بتصحيحه. وعدم ذكر مسلم هذه الزيادة في ((صحيحه)) لا يدل على كونها خطأ
وغلطًا من الراوي، كما أن عدم ذكر من لم يذكر من الشيخين في صحيحه حديثًا،
أو زيادة اشتركًا في روايته من شيخ واحد بسند واحد لا يدل على كونه وَهْمًا، أو
خطأ وغلطًا من الراوي عند من لم يذكره، وكذا عدم ذكر غيره ممن لم يذكرها من
الرواة لا يدل على كونها شاذة، فإنها زيادة ثقة، وهي مقبولة إلا أن تقوم قرائن قوية
ودلائل واضحة على كونها وهمًّا، أو حكم الأئمة النقاد على كونها غير محفوظة.
ومنها: حديث هُلْبِ الطَّائِي قال: رأيت رسول اللَّه وَ ل ينصرف عن يمينه
ويساره، ورأيته يضع يده على صدره، ووصف يحيى بن سعيد القطان الراوي،
اليمنى على اليسرى فوق المِفُصَلِ. أخرجه أحمد في ((مسنده))، ورواته كلهم
ثقات، وإسناده متصل كما بينه شيخنا في ((شرح الترمذي)).
ومنها: حديث طاوس قال: كان رسول اللَّه وَ ل يضع يده اليمنى على يده
اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة. أخرجه أبو داود في
((المراسيل)) وإسناده حسن، والمرسل حجة عند الحنفية مطلقًا، وهاهنا قد اعتضد
هذا المرسل بحديث وائل وحديث هلب الطائي المذكورين، فالاستدال به على
وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح.
قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة: أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من
العبث، وأقرب إلى الخشوع. ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية،
والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه، وفيه: حفظ نور الإيمان في
الصلاة، فكان أولى من إشارته إلى العورة بالوضع تحت السرة.
قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي رَّر فيه - أي: في وضع اليدين - خلاف،
وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في ((الموطأ)»،
ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره. وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال،
وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة. ومنهم من كره
الإمساك. ونقل ابن حاجب أن ذلك حيث يمسك معتمدًا لقصد الراحة، كذا في
((الفتح)). والذي ذكرنا من محل الوضع على الصدر هي إحدى الروايات الثلاث
عن الشافعي، والمشهور المختار عند أصحابه، المذكور في أكثر متونهم
Bees
٣٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ees
وشروحهم هو أن يضعهما تحت الصدر فوق السرة. واستدل لذلك بما رواه أبو
داود عن جرير الضبي قال: رأيت عليًّا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة.
وإسناده صحيح أو حسن، لكنه فعل علي رَوَتَهُ، ليس بمرفوع، ثم الظاهر أن المراد
من قوله: فَوْقَ السُّرَّةِ، على مكان مرتفع من السرة أي: على الصدر، أو عند
الصدر كما تقدم في حديث وائل، وفي حديث هلب، وفي حديث طاوس.
واستدل لما ذهبت إليه الحنفية: من أن الرجل يضع اليدين تحت السرة بأحاديث:
منها: حديث وائل، أخرجه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن
عمير، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قال رأيت النبي ◌َّ يضع يمينه على شماله
تحت السرة. قال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي: هذا سند جيد.
وقال الشيخ أبو الطيب المدني في ((شرح الترمذي)): هذا حديث قوي من حيث
السند. وقال الشيخ محمد عابد السندي في ((طوالع الأنوار)): رجاله ثقات. وفيه:
أن هذا الحديث، وإن كان قويًّا من حيث السند لكن من المعلوم أن صحة السند
وقوته لا تستلزم صحة المتن وقوته، وهاهنا في ثبوت لفظ: تَحْتَ السُّرَّةِ. نظر بل
هو غلط، فإن النسخ الصحيحة من ((المصنف)) لابن أبي شيبة خالية من هذه الزيادة
في حديث وائل هذا، كما صرح بذلك الشيخ محمد حيات السندي في رسالته ((فتح
الغفور)) (ص٦ - ٨) والشيخ محمد فاخر المحدث الإله آبادي في منظومته: ((نور
السنة))، وصاحب رسالة ((الدرة في إظهار غش نقد الصرة)). ويؤيدهم أن أحدًا من
أهل العلم ممن أكثروا النقل عن المصنف كابن عبد البر، والحافظ ابن حجر
والسيوطي والعيني وابن أمير الحاج وغيرهم لم يذكروا هذا الحديث بهذه الزيادة،
إلا القاسم بن قطلوبغا الحنفي.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)) (ج١: ص٢١٤): إسناد هذا الحديث وإن كان
جيدًا، لكن في ثبوت لفظ: تَحْتَ السُّرَّةِ. في هذا الحديث نظرًا قويًّا، ثم بين ذلك
مفصلًا فعليك أن ترجع إليه، وإلى ((أبكار المنن)) (ص ٢٤٥ - ٢٥٧) أيضًا. ومنها:
حديث علي، أخرجه أحمد وأبو داود، وابن أبي شيبة والدار قطني والبيهقي، عن
أبي جحيفة، أن عليًّا قال: السنة وضع الكف على الكف تحت السرة. وفيه: أن في
سند هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وعليه مدار هذا الحديث،
وهو ضعيف لا يصلح للاحتجاج؛ قال البخاري: فيه نظر.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٩٧
وقال ابن حنبل وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال
البيهقي: لا يثبت إسناده؛ تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو متروك.
وقال النووي في ((الخلاصة)) و((شرح مسلم)): هو حديث متفق على تضعيفه؛ فإن
عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف بالاتفاق، ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١ :
ص٣١٤) وقال ابن الهمام في ((التحرير)): إذا قال البخاري للرجل: فيه نظر،
فحديثه لا يحتج به، ولا يستشهد به، ولا يصلح للاعتبار، انتهى. فظهر بهذا كله أن
حديث علي هذا لا يصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. ثم حديث
عليٍّ هذا منسوخ على طريق الحنفية. قال صاحب ((الدرة في إظهار غش نقد
الصرة)) وهو من العلماء الحنفية: روى أبو داود عن جرير الضبي أنه قال: رأيت
عليًّا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. وأصل علمائنا: إذا خالف
الصحابي مرويه فهو يدل على نسخه، وهذا الفعل وإن لم يكن أقوى من القول،
فلا أَقَلَّ أن یکون مثله، انتھی.
قلتُ: إسناد أثر علي هذا - أعني: الذي رواه أبو داود عن جرير الضبي - صحيح
أو حسن كما عرفت. ومنها: حديث أبي هريرة، رواه أبو داود عن أبي وائل، قال:
قال أبو هريرة: أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة. وفيه: أن في
إسناد حديث أبي هريرة أيضًا عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، فهذا الحديث
أيضًا لا يصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. ومنها: حديث أنس ذكره
ابن حزم في ((المحلى)) تعليقًا بلفظ: ((ثَلاثٌ مِنْ أَخْلَاقِ النبوّة: تَعْجِيلُ الإِقْطَارِ،
وتَأْخِيرُ السحُورِ ، وَوَضْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ)). وفيه:
أن سنده غير معلوم لينظر فيه: هل رجالهم مقبولون أم لا، وما لم يعلم سنده لا
يصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار، وإيراد ابن حزم هذا الحديث في
((المحلى)) من غير أن يذكر سنده، وكذا إيراد غيره من الحنفية في تصانيفهم بغير
سند لا يدل على كونه قابلًا للاحتجاج. فهذه الأحاديث الأربعة هي كل ما احتج به
الحنفية على وضع اليدين في الصلاة، وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها
للاحتجاج، ویذکرون أثرین:
أحدهما: أثر أبي المجلز التابعي، رواه ابن أبي شيبة عن الحجاج بن حسان،
قال: سمعت أبا مجلز - أو سألته - قال: قلتُ: كيف أضع؟ قال: يضع باطن كف
٣٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يمينه على ظاهر كف شماله، ويجعلهما أسفل من السرة. وفيه: أن هذا قول تابعي
ينفيه الحديث المرفوع فلا يلتفت إليه، وقد روي عنه وضع اليدين فوق السرة
أيضًا
والثاني: ما رواه ابن أبي شيبة أيضًا عن إبراهيم النخعي، قال: يضع يمينه على
شماله في الصلاة تحت السرة. وفيه: أن هذا قول رجل من صغار التابعين مخالف
للحديث المرفوع فلا يُعبأ به. واعلم: أنه لم يرد ما يدل على الفرق بين الرجل
والمرأة في محل الوضع، ومذهب الحنفية أن الرجل يضع اليدين تحت السرة
والمرأة تضعهما على الصدر؛ لأنه أستر لها. ولا دليل على هذا الفرق من السنة،
ولا من قول الصحابي. (فِي الصَّلَاةِ) ومحل الوضع منها كل قيام هو قبل الركوع؛
لأن الأصل هو الإرسال كما هو وضع الإنسان خارج الصلاة، فلا يترك هذا الأصل
إلا فيما ورد النص على خلافه، وهو القيام قبل الركوع، وأما القَوْمَةُ - أي:
الاعتدال بعد رفع الرأس من الركوع - فلم يرد حديث مرفوع صريح صحيح يدل
على الوضع فيه، فيكون فيه العمل على الأصل، والأحاديث المطلقة تحمل على
المقيدة .
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا مالك وأحمد، كلهم من طريق أبي حازم، عن
سهل بن سعد، وزادوا في آخره: قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمى، أي يرفع
ويسند، ويضيف ذلك إلى النبي وَّر. واعترض الداني في ((أطراف الموطأ))
فقال: هذا معلول؛ لأنه ظنٌّ من أبي حازم. ورد بأن أبا حازم لو لم يقل: لا
أعلمه ... إلخ؛ لكان في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: ((كنا نؤمر بكذا)).
يصرف بظاهره إلى النبي وّ كما تقدم. قيل: لو كان مرفوعًا ما احتاج أبو حازم إلى
قوله: لا أعلمه. والجواب: أنه أراد الانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له:
مرفوع، وإنما يقال: له حكم الرفع، قاله الحافظ .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٩٩
٨٠٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ إِذَا قَامَ إِلَى
الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ)) حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِن الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: ((رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ)) ثُمَّ
يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ
حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلُّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ
يَقُومُ مِنَ الثَّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْخُ
٨٠٥- قوله: (إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ) أي: للدوام. (حِينَ يَقُومُ) فيه: أنه لا
يتوجه، ولا يصنع قبل التكبير شيئًا، وأن التكبير يكون مقارنًا لحال القيام، وأنه لا
يجزئ من قعود. قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي إيقاع التكبير في حال القيام، ولا
شك أن القيام واجب في الفرائض للتكبير مع القدرة، فكل انحناء يمنع اسم القيام
عند التكبير يبطل التحريم، ويقتضي عدم انعقاد الصلاة فرضًا.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ) أي: تكبيرة النقل. (حِيْنَ يَرْكَعُ) قال الأمير اليماني: ظاهر قوله: يكبر
حين كذا وحين كذا، أن التكبير يقارن هذه الحركات، فيشرع في التكبير عند ابتدائه
للركن، وأما القول: بأنه يمد التكبير، حتى يتم الحركة فلا وجه له، بل يأتي
باللفظ من غير زيادة على أدائه ونقصان منه، ثم يقول: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِيْنَ
يَرْفَعُ صُلْبَهُ) أي: حين يشرع في رفعه. (مِنَ الرَّكْعَةِ) أي: من الركوع يعني: يقول
ذلك في حال أخذه في رفع صلبه من هَوْيِهِ للقيام.
(ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) بحذف الواو، وفي رواية بإثباتها. وقد
تقدم أن الرواية بثبوت الواو أرجح، وهي عاطفة على مقدر. أي: ربنا أطعناك
وحمدناك، ولك الحمد. وقيل: زائدة. قال الأصمعي: سألت أبا عمرو عنها
فقال: زائدة؛ تقول العرب: بعني هذا، فيقول المخاطب: نعم، وهو لك بدرهم،
فالواو زائدة. وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير وضعف ما عداه. وفيه: أن
(٨٠٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٨٩)، ومُسْلِم (٢٨/ ٣٩٢) عَنْهُ فِيهَا .