Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ بين الجلوسين فجعل هذا صفة الجلوس بعد الركعتين الأوليين، وجعل صفة الجلوس الأخير تقديم رجله اليسرى ونصب اليمنى، والقعود على مقعدته. وللعلماء خلاف في ذلك سيأتي بيانه مع تحقيق الحق فيه. (عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ) بضمِّ العين المهملة وسكون القاف فموحدة، فسرها أبو عبيد وغيره بالإقعاء المنهي عنه، وهو: أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، وتفسيرها بافتراش القدمين، والجلوس بالأليتين على العقبين غلط؛ لأنه سُنَّهُ نبينا محمد ◌َّه كما رواه مسلم. وقد اختاره العبادلة في القعود في غير الأخير. وسيأتي مزيد الكلام عليه إن شاء الله. (وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ) أي: في السجودِ. قال الطيبي: التقيد بالرجل يدل على أن المرأة تفترش. (ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُع) أي: كافتراشه، فسر السبع بالكلب، وقد ورد في رواية بلفظه، وافتراش الكلب هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، ويفضي بمرفقه وكفه إلى الأرض، والسنة أن يرفع ذراعيه، ويكون الموضوع على الأرض كفيه فقط، نعم، إن طول السجود فشق عليه اعتماد كفيه؛ فله وضع ساعديه على الركبتين لخبر: شكا أصحاب رسول اللَّه وَلّ مشقة السجود عليهم، فقال: ((استعينوا بالركب)). (وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيم) أي: تسليم الخروج. واستدل به على تعين التسليم للخروج من الصلاة اتباعًا للفعل المواظب عليه، واستدل على ذلك أيضًا بقوله بَّه: ((تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ))، فإن الإضافة تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم. أي انحصرت صحة تحليلها في التسليم لا تحليل لها غيره، كقولهم: مال فلان الإبل، وعلم فلان النحو. وقال ابنُ العربي ما معناه: قوله: (تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)) يقتضي حصر الخروج عن الصلاة على التسليم دون غيره من سائر الأفعال والأقوال المناقضة للصلاة؛ لأنه ذكره بالألف واللام الذي هو باب شأنه التعريف كالإضافة، وحقيقة الألف واللام إيجاب الحكم لما ذكر، ونفيه عما لم يذكر، وسلبه عنه، وعبر عنه بعضهم بأنه الحصر، وأبو حنيفة يخالف فيه حيث يرى الخروج منها بكل فعل وقول يضاد كالحدث ونحوه حملًا على السلام وقياسًا عليه، وهذا يقتضي إبطال الحصر، انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود. والحديث له علة، وهي أنه أخرج كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ٣٢١ مسلم من رواية أبي الجوزاء - بالجيم والزاي - عن عائشة، قال ابن عبد البر: لِم يسمع منها، وحديثه عنها مرسل، انتهى. وأبو الجوزاء هذا اسمه أوس بن عبد الله الربعي البصري، وهو قد عاصر عائشة فأخرج مسلم حديثه في ((صحيحه)) بناء على مذهبه من أن المعنعن محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت إليه العنعنة. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج١: ص٣٨٤): قال البخاري: في إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده وأحاديثه مستقيمة، قال: حديثه عن عائشة في الافتتاح بالتكبير عند مسلم، وذكر ابن عبد البر في ((التمهيد)) أيضًا أنه لم يسمع منها. وقال جعفر الفريابي في كتاب الصلاة: ثنا مزاحم بن سعيد، ثنا ابن المبارك، ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا بديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولًا إلى عائشة يسألها ... فذكر الحديث. فهذا ظاهر أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء. والله أعلم، انتهى. وقال في ((جامع الأصول)): أبو الجوزاءِ سمع من عائشة، فارتفعت العلة رأسًا. ٧٩٨ - [٣] وعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: أَنَا أَحْفَظُكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلَّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهُمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (صحيح) الشَّرْحُ ٧٩٨- قوله: (وعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، قيل: اسمه (٧٩٨) الْبُخَارِي (٨٢٨)، وَأَبُو دَاوُد (٧٣٠)، والتِّرْمِذِي (٣٠٤)، وابن مَاجَهْ (٨٦٢)، والنَّسَائِي (٢/ ١٨٧) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ. ٣٢٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ عبد الرحمن، وقيل: عمرو. وقيل: المنذر بن سعد بن المنذر. وقيل: اسم جده مالك، الأنصاري الخزرجي المدني، غلبت عليه كنيته، صحابي مشهور، شهد أحدًا وما بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد سنة (٦٠)، قال الواقدي: تُوفي في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد. له ستة وعشرون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد كل منهما بحديث، روى عنه جماعة. (السَّاعِدِيِّ) منسوب إلى ساعدة، وهو أبو الخزرج. (قَالَ فِي نَفَرٍ) أي: وهو في جماعةٍ، والنفر - بفتحتين - اسم جمع يقع على الرِجالِ خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرةِ، ولا واحد له من لفظه، وكانوا عشرة كما يدلّ عليه الرواية الآتية. (مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ﴾) كلمة ((من)) في محل الحال من ((نفر))، أي: حال كونهم من أصحابه، منهم: أبو قتادة بن ربعي، وأبو أسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو هريرة. (أَنَا أَحْفَظُكُمْ) أي: أكثركم حفظًا. (لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَله) كأنه أخذ ذلك من شدة رقوبه، وكثرة إتباعه، ومزيد اعتنائه؛ إذ المعتني قد يحفظ أكثر من غير المعتني وإن كانا في الصحبة سواء. (إِذَا كَبَّرَ) أي: أراد أن يكبر، فيدل على تقديم الرفع على التكبير، أو إذا شرع في التكبير، وهو الموافق لحديث ابن عمر الآتي: ((كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة))، فإن المتبادر منه مقارنة الرفع للتكبير، ويؤيده أيضًا ما في رواية أخرى له: ((يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ)) (جَعَلَ يَدَيْهِ) أي: رفع، كما صرحت به بقية الروايات. أي: شرع في رفع يديه، فيدل على أن رفع اليدين مقارن للتكبير. وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه، أخرجهما مسلم، ففي روايةٍ له من حديث ابن عمر الآتي بلفظ: ((رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ))، وفي حديث مالك بن الحويرث عندَهُ: ((کَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ یَدَيْهِ»، وفي ترجيح المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء، والمرجح عندي المقارنة، وهو الأصح عند الشافعية والمالكية والحنابلة؛ لحديث وائل بن حجر عند أبي داود بلفظ: ((يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرَ))، وقضية المعية أن ينتهي بانتهائه، ولم يقل أحد بتقديم التكبير على الرفع، والمرجح عند الحنفية: تقديم الرفع؛ لحديث ابن عمر عند مسلم، ولحديث أبي حميد الآتي، ولأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك، والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة، وهذا مبني على أن الحكمة في الرفع ما ذكر. وقد قال فريق من العلماء: الحكمة كِتَابُ الصَّلَاةِ MENSES yfe E EKS بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ WHENEE ٣٢٣ في اقترانهما أن يراه الأصم، ويسمع التكبير الأعمى، فيعلمان دخوله في الصلاة، وقد ذكرت للرفع مناسبات أخرى: فقيل: الإشارة إلى طرح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة. وقيل: إلى الاستسلام والانقياد، وليناسب فعله قوله: ((اللَّهُ أَْبَرُ)). وقيل: إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود. وقيل غير ذلك. ثم إن الرفع عند تكبيرة الإحرام سُنة عند الجمهور، وليس بواجب لعدم ذكره في حديث المسيء، وفرض عند ابن حزم، لا تجزئ الصلاة إلا به. وروي ذلك عن الأوزاعي. وقال الزرقاني: روي الوجوب عن الحميدى، وابن خزيمة، وداود، وبعض المالكية والشافعية. (حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ) بكسر الحاء، أي: مقابلهما. والمنكب - بفتح الميم وكسر الكاف - مجمع رأس عظم الكتف والعضد، وبهذا أخذ الشافعي والجمهور خلافًا للحنفية حيث أخذوا بحديث مالك بن الحويرث الآتي بعد حدیثین، وهو من إفراد مسلم، وبحديث وائل ابن حجر عند أبي داود بلفظ : ((حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ)). ورجَّح الأول لكون إسناده أصح وأثبت؛ لأنه متفق عليه. وروي عن الشافعي أنه جمع بينهما، فقال: يرفعُ يديه حذو منكبيه بحيث يحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، وإبها ماه شحمة أذنيه، وراحتاه منكبيه. ويؤيده الرواية الآتية في الفصل الثاني عن وائل. واختاره ابن الهمام حيث قال: لا تعارض بين الروايتين؛ فإن محاذاة الشحمتين بالإبهامين تسوغ حكاية محاذاة اليدين بالمنكبين؛ لأن طرف الكف مع الرسغ يحاذي المنکب أو يقاربه، فالذي نص على محاذاة الإبهامين بالشحمتين وُفِّقَ في التحقيق بين الروايتين فوجب اعتباره، انتھی . قلتُ: وقد استحب الحنفية شيئًا من المبالغة في الرفع حتى قيدوا مس الإبهامین بشحمتي الأذنين لتحقيق المحاذاة، ولا دليل عليه لا من سنة، ولا من قول صحابي، ولا من قياس. وجمع بعض العلماء بأن حديث المنكبين محمول على الشتاء، وعليهم الأكسية والبرانس، كما أخرجه أبو داود من حديث وائل بن حجر قال: رأيت النبيَّ وَل حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية. وعليه حمله الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)). ٣٢٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قلتُ: في الاستدلال بهذا الحديث على الجمع المذكور كلام؛ فإن مداره على شريك القاضي وقد تغير حفظه لما ولي القضاء، وقد تفرد هو بذكر لفظ: ((إِلَى صُدُورِهِمْ))، وخالف الثقات الحفاظ كزائدة وسفيان، ولم يرض العيني بهذا الجمع، وعده من التكلفات كما صرح به في ((البناية)). وقيل: لا اختلاف بينهما؛ لأن رسول اللّه وَ له فعل كلا الأمرين في أوقات مختلفة، فالرجل مخير بينهما. قال السندي: لا تناقض بين الأفعال المختلفة لجواز وقوع الكل في أوقات متعددة، فيكون الكل مستندًا إلا إذا دلَّ الدليل على نسخ البعض، فلا منافاة بين الرفع إلى المنكبين، أو إلى شحمتي الأذنين، أو إلى فروع الأذنين أي: أعاليهما. وقد ذكر بعض العلماء في التوفيق بسطًا لا حاجة إليه؛ لكون التوفيق فرع التعارض، ولا يظهر التعارض أصلًا، انتهى. (أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ) في ((المغرّب)) يقال: مكنه من الشيء وأمكنه فيه أقدره عليه، والمعنى: مكنهما من أخذهما والقبض عليهما. (ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ) بالهاء والصاد المهملتين المفتوحتين، أي: أماله وثناه في استواء من رقبته ومتن ظهره من غير تقويس. وأصل الهصر أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص١٩٥): معناه: ثنى ظهره وخفضه. وأصل الهصر أن يأخذ بطرف الشيء ثم يجذبه إليه كالغصن من الشجرة ونحوه فينهصر - أي: ينكسر - من غير بينونة، انتهى. زاد في رواية أبي داود: ((غَيْرَ مُقْنِعٍ رَأْسَهُ وَلَا صَافِحٍ بِخَدِّهِ) أي: غير مبرز صفحة خده مائلاً إلى أحد الشقين. (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) أَي: من الركوع. (اسْتَوَى) أي: قائمًا معتدلًا. (حَتَّى يَعُودَ كُلَّ فَقَارٍ مَكَانَهُ) بفتح الفاء والقاف آخره راء جمع فقارة، واستعمل الفقار للواحد تجوزًّا وهي عظام الظهر، وهي العظام المنظمة التي يقال لها: خرز الظهر، قاله القزاز. وفي ((المحكم)): هي ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب. والمراد بذلك كمال الاعتدال . (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ) حذاء منكبيه أي: قَبْلَ وضع ركبتيه. (غَيْرَ مُفْتَرِشٍ) أي: ساعديه أو ذراعيه كافتراش السبع، وغير حامل بطنه على شيء من فخذيه. وهو منصوب على الحال، يعني: غير واضع مرفقيه على الأرض. (وَلَّا قَابِضِهِمَا) بالجر أي: ولا قابض يديه. أراد أن لا يضم الذراعين والعضدين إلى الجنبين بل يجافيهما كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ٣٢٥ معتمدًا على راحتيه. (وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ) قال النووي: ولا يحصل توجيهها للقبلة إلا أن يكون معتمدًا على بطونها، ووضعها من غير تحامل عليها مخالف للحديث. (فَإِذَا جَلَسَ) للتشهد. (فِي الرَّكْعَتَيْنِ) أي: عقب الأوليين (جلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى) هذا هو الافتراش. (فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ) للتشهد الأخير. (قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أي: أخرجها من تحت وركه إلى جانب الأيمن. (وَنَصَبَ الْأُخْرَى) أي: اليمنى. (وَقَعَدَ عَلَى مَفْعَدَتِهِ) اليسرى، وهذا هو التورك وفي ذكره كيفية الجلوسين - الجلوس الأوسط والأخير - دليل على تغايرهما، وأنه في الجلسة الأخيرة يتورَّك، أي: يفضي بوركه اليسرى إلى الأرض، وینصب رجله اليمنى. وبهذا الحديث عمل الشافعي ومن وافقه، وألحق هو بالتشهد الأول الجلسات الفاصلة بين السجدات؛ لأنه يعقبها انتقالات، والانتقال من المفترش أيسر، وقد قيل في الحكمة في التغاير بين الجلوسين الأوسط والأخير: أنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات، فإن المخالفة في الهيئة قد تكون سببًا للتذكر عند الشك في كونه في التشهد الأول أو في التشهد الأخير، ولأنَّ الأول تعقبه الحركات بخلاف الثاني، يعني: أن الافتراش هيئة استيفاز فناسب أن تكون في التشهد الأول؛ لأن المصلي مستوفز للقيام للركعة الثالثة، والتورك هيئة اطمينان فناسب الأخير، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به. وعند الحنفية يفترش في الكل. وعند المالكية يتورك في الكل. والمشهور عن أحمد: اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان. واستدل الحنفية بحديث عائشة السابق. والجواب: أنه محمول على التشهد الأول جمعًا بين الأحاديث، وأما قول ابن التركماني بأن إطلاقه يدل على أن ذلك كان في التشهدين بل هو في قوة قولها: وكان يفعلُ ذلك في التشهدين. إذ قولها أولًا: وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ. يدلُّ على هذا التقدير . ففيه: أن إطلاقه وإن كان يدل على ما قال، لكن حمله على التشهد الأول متعين جمعًا بين الأحاديث. على أن حديث أبي حميد نص صريح في ثبوت التورك في التشهد الأخير، وحديث عائشة، ليست بنص في نفيه، بل غاية ما يقال فيه: أنه يدل بظاهره على نفي التورك. وقد تقرَّر في مقرِّه أن النص يقدم على الظاهر عند ٣٢٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ التعارض. واستدلوا أيضًا بأحاديث ذكرها الشيخ عبد الحي اللكنوي الحنفي في تعليقه على ((موطأ الإمام محمد))، وقال بعد ذكرها: لا يخفى على الفطن أن هذه الأخبار وأمثالها لا تدل على مذهبنا صريحًا، بل تحتمله وغيره، وما كان منها دالًّا صريحًا لا يدل على كونه في جميع القعدات على ما هو المدعى، والإنصاف أنه لم يوجد حديث يدل صريحًا على استنان الجلوس على الرجل اليسرى في القعدة الأخيرة، وحديث أبي حميد مفصل، فليحمل لمبهم على المفصل، انتهى. واستدلَّ لما ذهب إليه مالك بما رواه هو في ((موطئه)) عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. والجواب: أنَّ هذا معارض بما رواه النسائي من طريق عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، أن القاسم حدثه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: من سنة الصلاة أن ينصب اليمنى، ويجلس على اليسرى. فيحملُ ما رواه مالك على التشهد الأخير، وما رواه النسائي على التشهد الأول؛ دفعًا للتعارض بين قول ابن عمر وفعله، والتربع غيرِ التورك، وكان ابن عمر يتربع في بعض الأحيان للعذر، وكان ينكر على ابنه عبد الله التربع؛ لأنه لم يكن معذورًا، ولم يثبت عن ابن عمر إنكار التورك أبدًا . والحاصل: أنه ليس نص صريح فيما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك، فالقول الراجح هو ما ذهب إليه الشافعي. واعلم: أنه أجاب الحنفية عن حديث أبي حميد بأنه ضعفه الطحاوي، أو يحمل على الكبر. وقد رده الحافظ في ((الدراية))، قال: أما تضعيف الطحاوي فمذكور في شرحه بما لا يلتفت إليه، وأما الحمل فلا يصح؛ لأن أبا حميد وصف صلاته التي واظب عليها رسول اللَّه وَله، ووافقه عشرة من الصحابة، ولم يخصوا ذلك بحال الكبر، والعبرة بعموم اللفظ، وقد قال رسول اللَّه وَله: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))، انتهى. وقال الشيخ عبد الحي في ((التعليق الممجد)): حمل أصحابنا هذا على العذر، وعلى بيان الجواز، وهو حمل يحتاج إلى دليل. ومال الطحاوي إلى كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ecKEN ٣٢٧ تضعيفه، وتعقبه البيهقي وغيره في ذلك بما لا مزيد عليه، انتهى. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه بلفظ أبسط من هذا كما سيأتي. ٧٩٩ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَر: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ﴿ كَانَ يَرْفَعُ بَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا اقْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِن الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ وَقَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْه] الشّرْحُ ٧٩٩ - قوله: (كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ)، أي: حذو منكبيه. وهذا دليل صريح على أن رفع اليدين في هذه المواضع سنة، وهو الحق والصواب، ونقل البخاري في ((صحيحه)) عقب حديث ابن عمر هذا عن شيخه على بن المديني أنه قال: حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه؛ لحديث ابن عمر هذا. وهذا في رواية ابن العساكر، وقد ذكره البخاري في جزء رفع اليدين، وزاد: وكان أعلم أهل زمانه، انتهى. قلتُ: وإليه ذهب عامة أهل العلم من أصحاب النبي ◌ِّ، والتابعين وغيرهم. قال محمد بن نصر المروزي: أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة. وقال البخاري في جزء رفع اليدين: قال الحسن وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول اللَّه وَالهيرفعون أيديهم في الصلاة. وروى ابن عبد البر بسنده عن الحسن البصري، قال: كان أصحاب رسول اللّه وَ ل يرفعون أيديهم في الصلاة، إذا ركعوا وإذا رفعوا كأنها المراوح. وروى البخاري عن حميد ابن هلال، قال: كان أصحاب رسول اللَّه وَل كأنما أيديهم المراوح، يرفعونها إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم. قال البخاري: ولم يستثن الحسن أحدًا منهم من أصحاب النبي وَّ دون أحد، ولم يثبت عند أهل العلم عن أحد من أصحاب النبي وَ سير أنه لم يرفع يديه. ثم ذكر (٧٩٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٧٣٥)، ومُسْلِم (٢١/ ٣٩٠) عَنْهُ فِيهَا . ٣٢٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ البخاري عن عدة من علماء أهل مكة، وأهل الحجاز وأهل العراق والشام والبصرة واليمن وعدة من أهل الخرسان، وعامة أصحاب ابن المبارك ومحدثي أهل بخارى، وغيرهم ممن لا يحصى، أنهم كانوا يرفعون أيدهم عند الركوع والرفع منه، لا اختلاف بينهم في ذلك. قلتُ: قول الحسن، وحميد بن هلال يدل على أن الصحابة أجمعوا على رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه، كيف لا وقد صح الرفع فيهما عن أبي بكر وعمر وعلي من الخلفاء الراشدين؟ ثم عن غيرهم من الصحابة، ثم عن التابعين، وهو أيضًا مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. قال الترمذي في ((جامعه)): وبه يقول: مالك ومعمر والأوزاعي وابن عيينة وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، انتهى. وقال الشعراني في ميزانه (ج١: ص١٢٩): ومن ذلك قول مالك والشافعي وأحمد باستحباب رفع اليدين في التكبيرات والرفع منه، انتهى. وقال ابن عبد البر: لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما - يعني: في الركوع والرفع منه - إلا ابن القاسم، والذي نأخذ به الرفع حديث ابن عمر، وهو الذي رواه ابن وهب وغيره عن مالك، ولم يحك الترمذي عن مالك غيره، ونقل الخطابي وتبعه القرطبي في ((المفهم)): أنه آخر قولي مالك وأصحهما. وقال العراقي في ((طرح التثريب)) (ج٢: ص٢٥٣): وقد حكاه عن مالك أيضًا أبو مصعب وأشهب والوليد بن مسلم، وسعيد بن أبي مريم، وجزم به الترمذي عن مالك، انتهى. واعلم: أن البيهقي روى في ((سننه)) حديث ابن عمر هذا بزيادة في آخره بلفظ: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى، ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (ص٨١) والزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص٤٠٩) وسكتا عليه ولم يتكلما، لكن في سنده عبد الرحمن بن قريش، قال الذهبي في ((الميزان)) (ج٢: ص١١٤): اتهمه السليماني بوضع الحديث. وقال الخطيب في ((تاريخه)) (ج ١٠: ص٢٨٣): في حديثه غرائب وأفراد، ولم أسمع فيه إلا خيرًا. وفيه أيضًا عصمة بن محمد الأنصاري. قال أبو الحسن الدارقطني: عصمة بن محمد بن فضالة الأنصاري متروك، ذكره الخطيب في ((تاريخه)) (ج ١٢: ص٢٨٦)، وقال ابن عدي: كل حديثه غير محفوظ، ذكره الذهبي في ((ميزانه)). ويظهر من صنيع النيموي في ((آثار السنن)) أن هذه الزيادة هي دليل القائلين بمواظبته وَّل على رفع اليدين عند الركوع ٣٢٩ كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ وعند رفع الرأس منه، والأمر ليس كما توهم النيموي، فإن أصل الاستدلال على هذا المطلوب ليس بهذا الحديث بل بحديث مالك بن الحويرث، وحديث وائل ابن حجر الآتيين، وبالأحاديث التي استدل بها الحنفية على أن رسول اللَّه وَله. واظب على رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح. قال شيخنا في ((أبكار المنن)) (ص١٩٥): اعلم أن العلماء الحنفية ادعوا أن النبي ◌ُّ واظب على رفع اليدين عند تکبیرة الافتتاح ما دام حيًّا، واستدلوا عليه بالأحاديث التي فيها ذكر رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، فكما ثبت مواظبته ◌َّة على رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح، كذلك تثبت مواظبته ولو على رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه أيضًا. قال صاحب ((الهداية)): ويرفع يديه مع التكبير، وهو سنة؛ لأن النبي وَال واظب عليه. قال الزيلعي في ((نصب الراية)): هذا معروف في أحاديث صفة صلاته نُالتّلُّ، منها حديث ابن عمر أخرجه الأئمة الستة - ثم ذكره بنحو حديث الباب - وحديث أبي حميد الساعدي - ثم ذكره بنحو أول أحاديث الفصل الثاني - ولم يثبت عن النبي ◌َ ل ترك رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه بحديث صحيح البتة، وما جاء فيه فهو ضعيف، غير قابل للاحتجاج، كما يأتي بيانه مفصلًا، انتهى كلام الشيخ. وقد عرفت مما تقدم أنه ليس رفع يد في غير التحريمة عند جماعة من أهل الكوفة، وإليه ذهبت الحنفية. ثم إنه اختلفت أقوال الحنفية، واضطربت آراؤهم في دفع هذه السنة الصحيحة الثابتة المتواترة سندًا وعملًا - أي: رفع اليدين في المواضع الثلاثة - فذهب بعضهم إلى عدم جواز الرفع في غير التحريمة، بناء على أن رفع اليدين في غير الافتتاح كان جائزًا ومباحًا في أول الأمر، ثم ترك ونسخ جوازه، فصار الرفع منهيًّا عنه، وترك الرفع مأمورًا به، فيكره الرفع تحريمًا عندهم، كما في ((الكبيري)) و((شرح المنية والبدائع)). وبالغ بعضهم كأمير كاتب الإتقاني صاحب ((غاية البيان شرح الهداية))، فقال بفساد الصلاة بالرفع في غير التحريمة؛ لأنه عمل كثير، واعتمد في ذلك على ما روى مكحول النسفي عن أبي حنيفة من فساد الصلاة برفع اليد في غير التحريمة. وقد رد عليه تقي الدين السبكي الشافعي في عصره أحسن رد، ورد عليه الحنفية أيضًا وصرحوا بشذوذ هذه الرواية، وذهبوا إلى عدم الفساد من رفع اليدين في غير الافتتاح. وهذا القول ٣٣٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يدلك على أن النزاع بين التاركين للرفع وبين القائلين به في الجواز وعدمه، لا في الأفضلية والأولوية. وذهب بعضهم إلى جواز الرفع في غير التحريمة، لكن الأولى والأرجح والمستحب عندهم ترك الرفع، فالمنسوخ عندهم، إنما هو استحباب الرفع لا جوازه وإباحته، والنزاع عندهم إنما هو في الاختيار لا الجواز. قال صاحب ((الكوكب الدري)) (ج١: ص١٢٩): لا خلاف بيننا وبين الشافعي في جواز الصلاة بالرفع وعدم الرفع، إنما النزاع في أن الأولى هل هو عدم الرفع أو الرفع؟ فاخترنا الأول واختاروا الثاني، وقال صاحب ((فيض الباري)) (ج١ : ص٢٥٧): قد ثبت الأمران: الرفع والترك عندي ثبوتًا لا مرد له، ولا خلاف إلا في الاختيار، وليس في الجواز، فما في ((الكبيري شرح المنية)) و((البدائع)): أنه مكروه تحريمًا متروك عندي، نعم، إن كان عندهما نقل من صاحب المذهب فهما معذوران، وإلا فالقول بالكراهة في مسألة متواترة بين الصحابة شديد عندي. قال: وقد اشتهر في متأخري الحنفية القول بالنسخ، وإنما تعلموه من الشيخ ابن الهمام، والشيخ اختاره تبعًا للطحاوي، قال: إذا ثبت عندي القول بالجواز ممن هو أقدم في الحنفية - يعني به: أبا بكر الجصاص الرازي صاحب ((أحكام القرآن)) - وساعدته الأحاديث أيضًا، فلا محيد إلا بالقول به، وخلافه لا يسمع، فمن شاء فليسمع. وقال صاحب ((البدر الساري)) (ج١: ص ٢٥٥): إن الرفع متواتر إسنادًا وعملًا، ولم ينسخ منه ولا حرف. وإنما بقي الكلام في الأفضلية كما صرح به أبو بكر الجصاص في ((أحكام القرآن)). وقال أيضًا: دع عنك حديث النسخ؛ إذ قد شهد العمل بالجانبين، فإنه أقوى دليل على عدم النسخ. وذهب بعضهم إلى عدم النسخ مطلقًا، وقالوا باستنانِ الأمرين، لكن الرفع عندهم أكثر وأرجح وأحب من ترك الرفع. قال الشاه ولي الله الدهلوي - الذي يزعم الحنفية أنه كان مقلدًا لأبي حنيفة - في ((حجة الله البالغة)) (ج٢: ص٨): والحق عندي: أن الكل سنة، والذي يرفع أحب إلي ممن لا يرفع؛ فإن أحاديث الرفع أكثر وأثبت، انتهى. وقال السندي في ((حاشية ابن ماجه)) (ج١: ص٢٨٢): أما قول من قال: إن ذلك الحديث - أي: حديث ابن مسعود في ترك الرفع - ناسخ رفع غير تكبيرة الافتتاح، فهو قول بلا دليل، بل لو فرض في الباب نسخ فيكون الأمر بعكس ما قالوا، فإن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر من رواة الرفع ممن صلى مع كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ CHER ٣٣١ النبي ◌َّ آخر عمره، فروايتهما الرفع عند الركوع والرفع منه دليل على تأخر الرفع، وبطلان دعوى نسخه، فإن كان هناك نسخ، فينبغي أن يكون المنسوخ ترك الرفع. كيف؟ وقد روى مالك هذا جلسة الاستراحة، فحملوها على أنها كانت في آخر عمره في سن الكبر، فهي ليس مما فعلها النبي ◌ُّ قصدًا فلا تكون سنة. وهذا يقتضي أن يكون الرفع الذي رواه ثابتًا لا منسوخًا لكونه آخر عمره عندهم، فالقول: بأنه منسوخ قريب من التناقض، وقد قال وّ لمالك وأصحابه: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلَّي))، فالأقرب القول باستنان الأمرين، والرفع أقوى وأكثر انتهى. وقال في ((حاشيته على النسائي)) (ج١: ص ١٤٠): ومن لا يقول به يراه منسوخًا بما لا یدل علیه، فإن عدم الرفع، إن ثبت فلا يدل على عدم سنیه الرفع؛ إذ شأن السنة تركها أحيانًا، ويجوز استنان الأمرين جميعًا، فلا وجه لدعوى النسخ، والقول بالكراهة، انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في تعليقه (ص٨٩) على ((موطأ محمد)): القدر المتحقق في هذا الباب هو ثبوت الرفع وتركه كليهما عن رسول اللَّه ◌َلّ؛ إلا أن رواة الرفع من الصحابة جم غفير، ورواة الترك جماعة قليلة، مع عدم صحة الطرق عنهم إلا عن ابن مسعود، وكذلك ثبت الترك عن ابن مسعود وأصحابه بأسانيد محتجة بها، فإذن: نختار أن الرفع ليس بسنة مؤكدة يلام تاركها، إلا أن ثبوته عن النبي ◌ّ ل أكثر وأرجح. وأما دعوى نسخه كما صدر عن الطحاوي مغترًّا بحسن الظن بالصحابة التاركين، وابن الهمام، والعيني وغيرهم من أصحابنا، فليس بمبرهن عليها بما يشفي العليل ويروى الغليل. وقال أيضا: الإنصاف في هذا المقام: أنه لا سبيل إلى رد روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعله وأصحابه، ودعوى عدم ثبوت الرفع. ولا إلى رد روايات الترك بالكلية، ودعوى عدم ثبوته، بل يُوَفَّى كل من الأمرين حظه، ويقال: كل منهما ثابت، وفعل الصحابة والتابعين مختلف، وليس أحدهما بلازم يلام تاركه، مع القول برجحان ثبوت الرِفع عن رسول اللّه ◌َ ل انتهى. وذهب بعضهم إلى كون الأمرين ثابتين عن رسول اللّه وَّليل مع عدم الجزم برجحان أحد من الطرفين. قال صاحب ((البدر الساري)) (ج١: ص٢٦١): لعلك علمت أن العمل في هذا الباب بالنحوين، ونفي الترك باطل. بقي أن الرفع أكثر أو الترك، فلم يجزم الشيخ - يعني : شيخه الشاه محمد أنور الكشميري - فيه بشيء، ولو تبین له لم یحکم به؛ ٣٣٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ لسراية الاجتهاد في هذا الباب ... إلخ. وإنما أطلنا الكلام في تفصيل آرائهم، وذكر أقوالهم؛ لتقف على تخبطهم في هذه المسألة وتباين آرائهم، وتناقض أقوالهم فيها. وهذا هو شأنهم في أكثر المسائل الشرعية، كما لا يخفى على من طالع كتب الفقه للحنفية، ولم يكن حاجة إلى رد القول بالنسخ بعد هذا التناقض، الذي رأيته في أقوالهم؛ فإنهم قد كفونا بأنفسهم ردًّا لهذا القول الباطل، لكن لما اشتهر في متأخريهم القول بالنسخ والاستدلال عليه، نذكر دلائلهم مع بيان ما فيها من الخلل والخطل، فاعلم أن الذين قالوا بكراهة الرفع، وذهبوا إلى نسخ جوازه قد استدلوا على ذلك بحديث جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول اللّه وَال ونحن - يعني: رافعي أيدينا - في الصلاة، فقال: ((مَا بَالُهُمْ رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلِ شُمُسٍ؟ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ) أخرجه أحمد، ومسلم وأبو داود والنسائي من طريقَ تميم بن طرفة، عن جابر. وأجيب عنه: بأنه لا دليل فيه على منع الرفع على الهيئة المخصوصة في المواضع المخصوصة وهو الركوع والرفع منه؛ لأنه مختصر من حديث طويل كما سنبينه. قال النووي: المراد بالرفع المنهي هاهنا: رفع أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين، كما صرح به في الرواية الأخرى، انتهى. وقال الشوكاني: الحديث ورد على سبب خاص، فإن مسلمًا رواه أيضًا من حديث جابر بن سمرة - من طريق عبيد الله بن القبطية - قال: إذا كنا صلينا مع رسول اللّه وَله فقلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لِهِم النبي ◌ُّهَ: ((عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلِ شُمُسٍ؟ إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخْذَيهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَنْ يَّمِينِهِ وَشِمَالِه))، وفي رواية: ((إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ))، وقال ابن حبان: ذكر الخبر المتقصي للقصة المختصرة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون رفع الثابت عند الركوع، ثم رواه كنحو رواية مسلم، وفي رواية النسائي: كنا نصلي خلف النبي ◌َّ فنسلم بأيدينا. قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الهادي السندي الحنفي: أي: في الصلاة، وبهذه الرواية تبين أن الحديث مسوق للنهي عن رفع الأيدي عند السلام إشارة إلى الجانبين، ولا دلالة فيه على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، ولذا قال النووي: كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ ٣٣٣ الاستدلال به على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه جهل قبيح. وقد يقال: العبرة لعموم اللفظ، ولفظ: ((مَا بَالُهُمْ رَافِعِي أَيْدِيهِمْ فِي الصَّلَاةِ)) إلى قوله: ((اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ)) عام، فصح بناء الاستدلال عليه، وخصوص المورد لا عبرة به إلا أن يقال: ذلك إذا لم يعارضه عن العموم عارض، وإلا يحمل على خصوص المورد، وهاهنا قد صح وثبت الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه ثبوتًا لا مرد له، فيجب حمل هذا اللفظ على خصوص المورد؛ توفيقًا ودفعًا للتعارض، انتهى كلام السندي . وقال الشوكاني: ورد هذا الجواب - أي: بأن الحديث ورد على سبب خاص - بأنه قصرٌ للعام على السبب، وهو مذهب مرجوح، وهذا الرد متجه، لولا أن الرفع قد ثبت من فعله وَله ثبوتًا متواترًا - أي: إسنادًا وعملًا، وقد اعترف به بعض الحنفية كما سيأتي، وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر. قال: وأيضًا المتقرر في الأصول بأن العام والخاص إذا جهل تاريخهما وجب البناء، انتهى. وقال البخاري: أما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث جابر بن سمرة، قال: دخل علينا رسول اللَّه وَ له ونحن رافعو أيدينا ... الحديث، فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام، كان يسلم بعضهم على بعض، فنهى النبي ◌ّ عن رفع الأيدي في التشهد، ولا يحتج بهذا - أي: على منع الرفع عند الركوع والرفع منه - من له حظ من العلم، هذا معروف مشهور لا اختلاف فيه، انتهى. وقال الشيخ عابد بن أحمد السندي الحنفي في ((المواهب اللطيفة)): أما حديث ((مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ ... )) إلخ فلا يليق الاستدلال بهذا الحديث في نفي الرفع فافهم، انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أن أهل العلم اتفقوا على حمل حديث جابر المختصر على حديثه الطويل، وجعلهما قضية واحدة وقعت في وقت واحد، والقول بأن الحديث المختصر في رفع الأيدي، والإيماء والإشارة بها عند السلام بناء على أن أحدهما تفسير للآخر، وعليه يدل تبويب أبي داود والنسائي وعلي المتقي الحنفي صاحب ((كنز العمال))، وصنيع مسلم في ((صحيحه)). ولله در العلامة الشيخ أمير علي الحنفي، فقد اعترف بوقوع إجماع المحدثين على ذلك؛ حيث قال في حاشية ((صحيح مسلم)) (ج١: ص ١٨٢)، طبعة نولكشور لكنؤ: أجمع ٣٣٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ المحدثون على هذا التأويل، والسلام من تتمة الصلاة، ونازع بعض الناس فيه فقال: بل هذا النهي عن رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه، فعلى هذا يكون تقبيحًا بعد تشريع بلا تقديم النهي، انتهى. ومما يدل على اتحاد القضية وكون أحد الحديثين تفسيرًا للآخر: أنه بعيد من الصحابة أن يرفعوا أيديهم عند السلام بعد ما سمعوا منه وَّ النهي عن الرفع في الصلاة مطلقًا، فإن المنع عن الرفع في الصلاة مطلقًا، يستلزم المنع عن الرفع عند السلام أيضًا، وكذا يستبعد أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه بعد ما سمعوا منه النهي عن رفع الأيدي والإيماء بها عند السلام؛ فإنه لما نهى عن الرفع عند السلام يكون الرفع عند الركوع والرفع منه قبل السلام منهيًّا عنه بطريق الأولى، وهذا ظاهر، ففي ادعاء التغاير بين الحديثين نسبة سوء الفهم إلى الصحابة، وفيه من إساءة الأدب في شأن الصحابة ما لا يخفى، وفي حمل الروايتين على التغاير مفاسد أخر لا تخفى على المتأمل المنصف غير المتعسف المتعصب. وقال بعض الحنفية: سياق الحديثين ظاهر في أن أحدهما ورد في غير ما ورد فيه الآخر، ولا يمكن أن يكون أحدهما تفسيرًا للآخر، وذلك من وجوه: الأول: أن الحديث الأول وهو قوله ◌ُلُِّ: ((اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ)) ورد في رفعهم في الصلاة. روى النسائي، عن جابر بن سمرة: خرج علينا رسول اللَّه ◌َل ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، بخلاف الحديث الثاني: ((إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ))؛ لأن رفعهم كان عند السلام، وهي حالة الخروج من الصلاة، انتهى. قلتُ: حاصل كلامه: أن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة؛ لأنه ليس في أثناء الصلاة، بل هو في حالة الخروج من الصلاة، فلا يصح إطلاق لفظ: ((فِي الصَّلَاةِ)) عليه، وإنما يقال ذلك: لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع والسجود ونحو ذلك. وفيه: أن الذي يرفع يديه قبل الفراغ والانصراف من الصلاة، وإن كان حال التسليم الثاني يقال له أيضًا: اسكن في الصلاة؛ فإن الفراغ والانصراف منها، إنما يكون بالفراغ من التسليم الثاني، فما لم يفرغ من التسليم الثاني هو في الصلاة، كيف لا، وقد أطلق النبي وَّل على هذه الحالة لفظ: ((فِي الصَّلَاةِ)) وأمرهم بالسكون، ففي رواية لأحمد (ج٥: ص١٠٢) ٣٣٥ كِتَابُ الصَّلاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ من حديث جابر الطويل: فقال رسول اللَّهُ وَّةِ: (مَا بَالُ الَّذِينَ يَرْمُونَ بِأَيْدِيهِمْ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ الْخَيْلِ الشُّمُسِ؟))، وفي أخرى له أيضًا (ج٥: ص٨٦): ((مَا بَالَ أَقْوَامِ يَرْمُونَ بِأَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ الْخَيْلِ الشُّمُسِ، أَلَا يَسْكُنُ أَحَدُكُمْ ... ))، إلخ. ويؤيّدً ذلك أيضًا: ما عند الترمذي: أن رسول اللّه وَ ل كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة. وما عند البزار: قال سمرة: أمرنا رسول اللّه وَ ليل أن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة. فالذين كانوا يومئون بأيديهم، ويرفعونها عند السلام يصدق عليهم أنهم رفعوا أيديهم في الصلاة. والحاصل: أن الرفع عند السلام هو الرفع في أثناء الصلاة، فصح أن يقال له: اسكن في الصلاة. قال: والثاني: أن في الحديث الأول كان خروجه وَلّر من البيت، ولم يكن رسول اللَّه وَل معهم في تلك الصلاة. روى أحمد في مسنده (ج٥: ص ٩٣) من حديث جابر: أنه علِّلا دخل المسجد، فأبصر قومًا قد رفعوا أيديهم ... الحديث. بخلاف الحديث الثاني، فإن رفعهم فيه كان خلف النبي وَّة؛ لقوله: كنا إذا صلينا مع رسول اللَّه وَل قلنا: السلام عليكم. وفيه: أن هذا الاختلاف من تصرف الرواة، ذكر بعضهم ما لم يذكره الآخر، وكان الأصل أنه وَ لل دخل المسجد فصلى بنا، وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، فنظر إلينا، فقال: ((مَا شَأَنُكُمْ ... )) إلخ. وكثيرًا ما يقع مثل هذا التصرف بل أكثر منه من الرواة، كما لا يخفى على من له أدنى خبرة على مختلف الروايات، فدعوى التعدد والتغاير بمثل هذا الاختلاف ليس مما يلتفت إليه. والحديث الأول ليس بنص في أنه وي ليه لم يكن معهم في تلك الصلاة. قال: والثالث: أن الحديث الأول يدل على أن الرفع كان فعل قوم مخصوصين، وهم الذين كانوا إذ ذاك يتنفلون في المسجد، سواء فعل جميع المصلين أو بعضهم، سوى الذين لم يكونوا إذ ذاك في الصلاة بخلاف الحديث الثاني، فإن الرفع الذي نهي عنه في هذا الحديث كان فعل جميعهم. وفيه: أن الحديث الأول رواه النسائي بلفظ: خرج علينا رسول اللّه وَ ل ونحن - يعني رافعو أيدينا - في الصلاة، فقال: ((مَا بَالُهُمْ ... )) الحديث، وفي رواية لأحمد (ج٥: ص١٠٧): دخل علينا رسول اللّه وَل﴾ ونحن رافعي أيدينا في الصلاة، فقال: ((مَا لِي أَرَاكُمْ ... )) الحديث وهاتان الروايتان كما ترى تدلان على أن الرفع كان فعل جميعهم لا فعل قوم مخصوصين، وليس في طريق من طرق الحديث الأول أنهم ٣٣٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ كانوا متنفلين، ولا أنه وُِّّ لم يكن معهم في تلك الصلاة. وروى أحمد (ج٥: ص١٠٧) الحديث الثاني بلفظ: كنا إذا صلينا خلف رسول اللّه وَليل أشار أحدنا إلى أخيه من عن يمينه ومن عن شماله، فلما صلى رسول اللَّهِ وَِّ قال: «مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَفْعَلُ هَذَا كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلِ شُمُسٍ، إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدُكُمْ ... )) إلخ، وفي رواية له: كنا نقول خلف رسول اللَّه وَلَّهِ إذا سلَّمنا: السلام عليكم، السلام عليكم، يشير أحدنا بيده عن يمينه وعن شماله، فقال رسول الله وَهِ : ((مَا بَالُ الَّذِينَ يَرْمُونَ بَأَيْدِيهِمْ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ الْخَيْلِ الشُّمُسِ؟ أَلا يَكْفِي أَحَدَكُمْ ... )) إلخ، وفي أخرى (ج٥: ص٨٦) له أيضًا: ((مَا بَالُ أَقْوَامِ يَرْمُونَ بِأَيْدِيهِمْ))، وهذه الروايات تدل على أن الرفع الذي نُهِيَ عنه في هذا الحَدِّيث لم يكن فعل جميعهم خلاف ما ادعى هذا البعض. قال: والرابع: أن الحديث الثاني يدل على أن رفعهم كان كرفع المصافح عند السلام، ولا يمكن أن يكون هذا هو الرفع في الحديث الأول؛ لأنهم كانوا فرادى. وفيه: أنه لا دليل في الحديث الأول على أنهم كانوا فرادى، بل كانوا يصلون خلف النبي ◌َّ، كما هو مصرح في الطريق الثاني لحديث جابر، وعلى هذا فالرفع المذكور في الطريق الثاني الطويل هو الرفع في الطريق المختصر، يدل على ذلك أنه ورد التقبيح على الرفعين في الحديثين بلفظ واحد وهو قوله: «كَأَنَّهَا أَذْنَابُ الْخَيْلِ الشَّمُسِ»، ولا یفهم کونهم فرادی من الحديث الأول إلا من ليس له اطلاع على تصرف الرواة واختلافهم في الروايات، وعلى من رسخ في قلبه كونهما حديثين متغايرين؛ تمشية لمذهبه، وإبطالًا للسنة الصحيحة الثابتة المتواترة تواتر إسناد وعمل، وهذا من ثمرات التقليد. قال: والخامس: أن الحديث الأول ورد على الرفع، ونهي عنه بلفظ عام، أي: اسكنوا في الصلاة، بخلاف الثاني فإنه ورد في الإشارة والإيماء، ونهي عنه بلفظ يختص بحالة السلام، انتهى. وحاصله: أن الرفع لا يطلق على الإيماء. وفيه: أن الحديث الثاني، وإن لم يذكر فيه لفظ الرفع نصًّا لكنه ورد على ما هو في معنى الرفع، ففي رواية لأحمد (ج٥ : ص٨٦): ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْمُونَ بِأَيْدِيهِمْ))، والرمي بالأيدي هو الرفع، ونھي كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ ecKEtS ٣٣٧ فيه أيضًا بلفظ عام، أي: السكون، وورد التقبيح بلفظ واحد، ففي الرواية المذكورة: ((كَأَنَّهَا أَذْنَابُ الْخَيْلِ الشُّمُسِ، أَلَا يَسْكُنُ أَحَدُكُمْ))، على أن الإشارة يكون فيها أيضًا الرفع وبالعكس، ولذلك أطلق أحدهما على الآخر، ففي حديث ابن عمر عند مسلم في صفة صلاته وَله: رفع إصبعه اليمنى. وفي رواية: أشار بالسبابة. قال الطيبي: أي: رفعها. وروى أبو داود عن وائل: رَفَعَ إِصْبَعَهُ. وعن ابن الزبير: كَانَ يُشِيرُ بِأَصْبَعِهِ إِذَا دَعًا. وهذا كما ترى قد أطلق فيهما الرفع على الإشارة وبالعكس. وروى الترمذي مرفوعًا في حديث تسليم النصارى الإشارة بالأكف، والسلام بإشارة الكف أو اليد لا بد وأن يكون فيه الرفع كما هو مشاهد، ولذلك أطلق أحدهما على الآخر في روايتي حديث جابر المختصرة والطويلة، ومثل هذه الإطلاقات واختلاف ألفاظ الروايات في الأحاديث بسبب تعدد الرواة وتصرفهم كثير، ولا يخفى على من له وقوف بهذا الشأن، فادعاء التغاير بين الحديثين بمثل هذه الاختلافات بعيد من شأن أهل العلم. ولو سلم التغاير بينهما وكونهما قضيتين مختلفتين، لم يكن في الحديث الأول - أي: المختصر - دليل على منع الرفع عند الركوع، والرفع منه على الهيئة المخصوصة؛ فإن النهي ورد فيه على الرفع الذي يكون كأذناب الخيل الشمس، وينافي السكون في الصلاة وهو الرفع الذي يكون بالإشارة إلى الجانبين، وأما الرفع المتنازع فيه - أي: الذي يكون عند الركوع، والرفع منه - فليس كأذناب الخيل الشمس، ولا منافيًا للسكون في الصلاة، وإلا لكان رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح أيضًا منهيًّا عنه؛ لأنه لا فرق بين الرفعين، ولا يتصور أن يمنع رسول اللّه وَ ل من أمر ويقبحه ويحرمه في أثناء الصلاة، ثم يأذن فيه عند افتتاحها، بل يواظب على افتتاح الصلاة به. وكيف يعقل هذا، وقد نَهَى عن التشبيك في الذهاب إلى المسجد قبل الدخول في الصلاة، وأمر بالسكينة والوقار في الإتيان إلى المسجد؟ وأيضًا لو كان الأمر كما زعمت الحنفية، لكان الرفع في تكبير القنوت وتكبيرات العيدين أيضًا ممنوعًا؛ لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع، ولا صلاة دون صلاة، بل أطلق، فما هو جوابهم عن الرفع عند تكبير القنوت وتكبيرات العيد، فهو جوابنا عن الرفع عند الركوع والرفع منه. قال البخاري: ولو كان كما ذهبوا إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبير، وأيضًا تكبيرات العيد منهًّا عنه؛ لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع، انتهى. والحق عندي: أن ٣٣٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ القول بالمنع من أمر هو كأذناب الخيل الشمس، ومناف للخشوع والسكون في الصلاة الخمس والنوافل، ثم القول بجوازه وإباحته في صلاة الوتر وصلاتي العيد جهل قبيح، مع أنه لم يثبت بحديث مرفوع صحيح صريح التكبير في قنوت الوتر، ولا رفع اليدين فيه وفي تكبيرات العيد. ثم أبين دليل على أن الرفع عند الركوع والرفع منه ليس بمراد في حديث جابر، وعلى أنه ليس من أفراد الرفع المنهي عنه المذكور في حديثه: أنه رَّ قد واظب عليه حتى فارق الدنيا، ثم أجمع عليه الصحابة بعده والتابعون وغيرهم، إلا جماعة من أهل الكوفة، فإيراد حديث جابر هذا في معرض الاستدلال به على نسخ الرفع عند الركوع والرفع منه باطل. وقد تقدم الإشارة إلى ذلك في كلام الشوكاني والسندي، فتذكر. وأما الذين ذهبوا إلى جواز الأمرين، وقالوا بنسخ استحباب الرفع، واختاروا ترك الرفع، فاستدلوا على ذلك بحديث ابن مسعود الآتي في الفصل الثالث، وبحديث البراء عند أبي داود وغيره. وأجيب عن ذلك: بأنهما حدیثان ضعیفان غیر صالحین للاستدلال كما ستعرف، ولو سلم صلوحهما للاستدلال، فغاية ما فيهما أنه ترك الرفع في غير الافتتاح أحيانًا، وهذا إنما يدل على أن الرفع في غير الافتتاح ليس بسنة لازمة يلام تاركها، لا على أنه منسوخ؛ لأن مجرد الترك لا يدل على النسخ. قال الشوكاني: قال ابن حزم في الكلام على حديث البراء ما لفظه: إن صح دَلَّ على أنه وَ ل# فعل ذلك لبيان الجواز، فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر وغيره، انتهى. وقد سبق عن الشيخ عبد الحي والسندي أن الاستدلال بحديث ابن مسعود على نسخ الرفع ليس بصحيح، فَلِلَّهِ دَرُّهُمَا قد اعترفا بالصواب وباحا بالحق !! واستدلوا أيضًا بما رواه البيهقي في ((الخلافيات)) عن عبد الله بن عون الخراز، عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أن النبي ◌ُّ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود، انتهى. قال صاحب ((العرف الشذي)): قال الحاكم: إنه حديث موضوع، ولم أطلع على أول إسناده إلى قوله: فلعل إسناده قوي، انتهى. وقال صاحب ((المواهب اللطيفة)) بعد نقله عن الحاكم والبيهقي حكم الوضع على حديث ابن عمر هذا ما لفظه: تضعيف الحديث لا يثبت بمجرد الحكم، وإنما يثبت ببيان وجوه الطعن، ٣٣٩ كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ وحديث ابن عمر الذي رواه البيهقي في ((خلافياته)): رجاله رجال الصحيح، فما أرى له ضعفًا بعد ذلك إلا أن يكون الراوي عن مالك مطعونًا، لكن الأصل العدم، فهذا الحديث عندي صحيح لا محالة، انتهى. قلتُ: الاستدلال بحديث ابن عمر هذا على نسخ الرفع في الركوع والرفع منه كتشبث الغريق بالحشيش، فإنه حديث باطل موضوع. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص٤٠٤) بعد نقل هذا الحديث من ((الخلافيات)): قال البيهقي: قال الحاكم: هذا باطل موضوع، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح، فقد روينا بالأسانيد الصحيحة عن مالك بخلاف هذا، انتھی. وقال الحافظ في ((الدراية)): نقل البيهقي عن الحاكم أنه موضوع، وهو كما قال، انتهى. وقال في ((التلخيص)): هو مقلوب موضوع، انتهى. فالعجب من هؤلاء المقلدين الذي يستدلون بحديث ابن عمر الذي حكم الحاكم والبيهقي والحافظ بأنه باطل موضوع، على ترك الرفع في غير الافتتاح، ويجعلونه ناسخًا لحديثه الصحيح المتفق عليه، لا سيما من هذين المقلدين الذين مع عدم اطلاعهما على أول إسناد هذا الحديث - أى: من دون عبد الله بن عون الراوي، عن مالك إلى البيهقي المخرج له؛ لأن بينهما مفاوز تنقطع دونها الأعناق، ووسائط لا يدرى من هم و کیف حالهم - ومع علمهما بأن الحاكم والبيهقي حکم عليه بأنه موضوع، يرجو واحد منهما أن إسناده قوي، ويقول الآخر بملء شدقه: إن رجاله رجال الصحيح، ويحكم بأنه صحيح لا محالة بمجرد قوله: إن الأصل عدم الطعن. البيهقي هو مخرج هذا الحديث، والحاكم والحافظ كانا مطلعين على سنده من أوله إلى آخره، وقد اتفقوا على كونه باطلًا موضوعًا، ونقل الزيلعي كلام الحاكم، وسكت عنه وأقره، ثم أتى من المقلدين من ليس له خبرة ووقوف على أول سنده فرد أقوال هؤلاء الأئمة الحفاظ، وادعى عدم ضعفه، بل جزم بصحته، أليس هذا تحكمًا محضًا ارتكبه تمشية للمذهب؟! هداهم الله تعالى إلى صراط المستقيم، وأخلصهم من ورطة التقليد الذي هذا من ثمراته. واستدلوا أيضًا بحديث رواه البيهقي في ((الخلافيات)) أيضًا عن عباد بن الزبير: أن رسول اللَّه ◌َ ليل كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول الصلاة، ثم لم يرفعهما في شيء حتى يفرغ. كذا في ((نصب الراية)) (ج ١ : ص٤٠٤) قلتُ: قال الزيلعي بعد ذكره: عباد هذا تابعي، فهو