Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال المنذري في ((مختصر السنن)): ذكر بعضهم أن في إسناده مقالًا. قلت: في
سند الحديث عباس بن عبيد الله بن عباس الهاشمي وهو مقبول، لكنه لم يدرك عمه
الفضل، فالحديث منقطع.
قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج٥: ص١٢٣): ذكره ابن حبان في
((الثقات)). روى له أبو داود والنسائي حديثًا واحدًا في الصلاة. قلت: أعله ابن
حزم بالانقطاع. قال: لأن عباسًا لم يدرك عمه الفضل وهو كما قال، انتهى بلفظه.
وأخرج أحمد وأبو يعلى عن ابن عباس أن النبي ◌ُّ صلى في فضاء ليس بين يديه
شيء. قال الهيثمي: وفيه الحجاج بن أرطاة، وفيه ضعف.
٧٩١ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ: ((لَا يَقْطَعُ
الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٧٩١ - قوله: (لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيْءٌ) أي: مرور شيء بين يدي المصلي، ولو
بلا سترة، وإلا فكم من شيء يقطعها. وقيل: يحتمل أن يراد بشيء: الدفع، أي:
لا يبطل الصلاة شيء من الدفع، فادفعوا المار بقدر استطاعتكم. وحذف المار
لدلالة السياق عليه. وقيل: المراد لا يقطعها شيء من فعل غير المصلي، وفيه: أن
غير المصلي مثل المصلي، إذا فعل معه ما أبطل عليه استقبال القبلة، أو ما نقض
عليه الوضوء كإخراج الدم عند القائل بنقض الوضوء به، أو مس المرأة عند القائل
به، أو ما حصل به نجاسة ثوبه عند القائل ببطلان الصلاة به؛ لكان ذلك الفعل من
غير المصلي قاطعًا للصلاة على المصلى.
(وَادْرَءُوا) أي: ادفعوا المار. (فَإِنَّمَا هُوَ) أي: المار. (شَيْطَانٌ) قد تقدم أن
الراجح أن أحاديث القطع بالمرأة والحمار والكلب منسوخة بهذا الحديث، وقد
(٧٩١) أَبُو دَاوُد (٧١٩) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّتْرةِ
٣٠١
سبق تقرير ذلك فتذكر. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، وضعفه ابن حزم في
((المحلي)) (ج٤: ص١٣) كما تقدم، وتضعيفه مردود عليه.
وقال المنذري: في إسناده مجالد بن سعید بن عمير الهمداني، وقد تكلم فيه غیر
واحد. وأخرج له مسلم حديثًا مقرونًا بجماعة من أصحاب الشعبي، انتهى. قلتُ:
قال يعقوب بن سفيان والبخاري: هو صدوق.

٣٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٧٩٢ - [١٥] عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ
وَلَّهِ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَومَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.
الشَّرْجُ
٧٩٢ - قوله: (وَرِجْلَايَ) الواو للحال. (فِي قِبْلَتِهِ) أي: في موضع سجوده.
(فَإِذَا سَجَدَ) أي: أراد السجود. (غَمَزَنِي) الغمز: هو العصر والكبس باليد،
و((غمزني)) جواب ((إذا)). وفيه: إشارة إلى أن مس المرأة غير ناقض الوضوء،
والأفضل عدم الحائل. (فَقَبَضْتُ) عطفًا على قوله: ((غمزني)). (رِجْلَيَّ) بفتح اللام
وتشديد الياء.
قال الحافظُ: كذا بالتثنية للأكثر وكذا في قوله: (بَسَطْتُهُمَا)). وللمستملي
والحموي: ((رِجْلِي)). بكسر اللام بالإفراد. وكذا ((بسطتها)). (قَالَتْ) أي: عائشة
معتذرة عن نومها على هذه الهيئة. (وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ) أي: حينئذٍ أو وقتئذٍ .
(لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ) أي: إذ لو كانت لقبضت رجليها عند إرادته السجود، ولما
أحوجته للغمز. والمعنى: ما كنت أدري وقت سجوده لعدم المصابيح، وإلا لما
احتاج وَّ إلى الغمز كل مرة، بل أنا ضممت رجلي إلى وقت السجود. وفي
الحديث: أن العمل اليسير في الصلاة غير قادح. وفيه: جواز الصلاة إلى النائم من
غير كراهة.
وذهب مالك وغيره: إلى كراهة الصلاة إلى النائم خشية ما يبدو منه مما يلهي
المصلي عن صلاته. واستدلوا بحديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجه بلفظ :
((لَا تُصَلَّوا خَلْفَ النَّائِمِ وَالْمُتَحَدِّثِ)) وقد قال أبو داود: طرقه كلها واهية. وفي
(٧٩٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥١٣)، ومُسْلِم (٥١٢) فيها عنها .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الشُّتْرةِ
ex
٣٠٣
الباب عن أبي هريرة عند الطبراني، وعن ابن عمر عند ابن عدي، وهما واهيان.
والحديث قد استدل به: على أن المرأة لا تقطع الصلاة، وأنه ناسخ لأحاديث
القطع، وقد قدمنا ما في هذا الاستدلال من الكلام والنظر، فتذكر.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود في الصلاة، والنسائي في الطهارة.
٧٩٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَوْ يَعْلَمُ
أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ مُعْتَرِضًا فِي الصَّلَاةِ، كَانَ لَأَنْ يُقِيمَ مِائَةً
عَامِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَا)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
٠
الشّرْحُ
٧٩٣ - قوله: (مَا لَهُ) أي: من الإثم، فحذف البيان؛ ليدل الإبهام على ما لا
يقادر قدره من الإثم، قاله الطيبي. (فِي أَنْ يَمُرَّ) أي: بسبب مروره. (بَيْنَ يَدَيْ
أَخِيهِ) ذكر لمزيد التلطف بالمار حتى يَنْكَفّ عن مروره؛ إذ من شأن الأخ أن لا
يؤذي أخاه بنوع من أنواع الأذى وإن قل. (مُعْتَرِضًا) أي: حال كون المار معترضًا
محل سجود. (فِي الصَّلَاةِ) حال من أخيه.
(كَانَ لَأَنْ يُقِيمَ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ) بالرفع، قال الطيبي: اسم کان ضمیر عائد إلی
(أَحَدُكُمْ) أو ضمير الشأن، والجملة خبر كان، واللام لام الابتداء المقارنة بالمبتدأ
المؤكدة لمضمون الجملة، أو التي يتلقى بها القسم وهو أقرب، وقيل: اللام هي
الداخلة على جواب (لَوْ) أخرت عن محلها - وهو كان - إلى خبرها - وهو إقامة
مائة عام - ولهذا التقدير المقتضي لكونه أوغل في التعريف، كان الأصل أنه الاسم
و(خَيْرٌ) هو الخبر، لكنهما عكسًا إبهامًا على السامع ليظهر جودة فهمه وذكائه. وقد
جرى على الأصل في الأمرين في الخبر الذي عقب هذا، فأدخل اللام على كان،
وجعل المصدر المسبوك من أن والفعل هو الاسم، و((خيرًا)) هو الخبر، وتجوز
زيادة كان هنا، كذا في ((المرقاة)).
(٧٩٣) ابن مَاجَهْ (٩٤٦) عن أبي هريرة فيها .

٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مِنْ الْخَطْوَةِ الَّتِي خَطَا) وفي ابن ماجه: ((خَطَاهَا)) بزيادة ضمير المؤنث
المنصوب، والخطوة - بالضم وتفتح - ما بين القدمين وبالفتح المرة. (رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَهْ) من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب، عن عمه، عن أبي
هريرة، قال في ((الزوائد)): في إسناده مقال؛ لأن عم عبيد الله بن عبد الرحمن،
اسمه عبيد الله بن عبد الله بن موهب. قال أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير، ولكن
ابن حبان خص ضعف أحادیثه بما إذا روی عنه ابنه، انتهى.
قلتُ: عبيد الله بن عبد الله هذا قال فيه أحمد: لا يعرف، وذكره ابن حبان في
((الثقات)). وقال: روى عنه ابنه يحيى، ويحيى لا شيء، وأبوه ثقة. وإنما وقعت
المناكير في حديثه من قِبَلٍ ابنه. وقال الشافعي: لا نعرفه. وقال ابن القطان
الفاسي: مجهول الحال، انتهى. وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول. وأما
عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله، فضعفه ابن عيينة وابن معين في رواية
الدوري .
وقال النسائي: ليس بالقوي، ووثقه العجلي وابن معين في رواية إسحاق بن
منصور. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عدي: حسن الحديث. وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، كذا في ((تهذيب التهذيب)) (ج ٧: ص٢٩) فالظاهر أن الحديث لا
ينحط عن درجة الحسن. وأخرجه أيضًا أحمد، وابن حبان، وابن خزيمة في
((صحيحيهما)).
٧٩٤ - [١٧] وَعَنْ كَعْبِ الْأَخْبَارِ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي
الْمُصَلِّ مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يُخْسَفَ بِهِ خَيْرًا لَّهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ.
- وَفِي رِوَايةٍ: أَهْوَن عَلَيْهِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {موقوف}
الشَّرْحُ
٧٩٤ - قوله: (كَعْبِ الأَحْبَارِ) بالإضافة جمع حَبْر - بالفتح وبكسر - وهو
(٧٩٤) مَالِك (٣٥) عنه معضل.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّتْرةِ
جوي*
٣٠٥
العَالِم. قال في ((القاموس)): كعب الحبر ويكسر، ولا تقل: الأحبار، انتهى. قال
الزرقاني: قول المجد: لا تقُلْ الأحبار فيه نظر؛ فقد أثبته غير واحد، ويكفي قول
مثل أبي هريرة؛ إذ قال: كعب الأحبار، انتهى. وقال الطيبي: الأحبار جمع حبر -
بالفتح والكسر والإضافة - كما في زيد الخيل، انتهى. (قَالَ) يحتمل أن يكون
أخذه من الكتب السابقة؛ لأنه خبرها، قاله الزرقاني.
(لَكَانَ أَنْ يُخْسَفَ) بصيغة المجهول. (بِهِ) أي: بالمار في الأرض. (خَيْرًا لَهُ)
بالنصب، قال الطيبي: المذكور في الحديثين ليس جواب (لَوْ) بل هو دال على ما
هو جوابها، والتقدير: لو يعلم المار ما عليه من الإثم لأقام مائة عام، وكانت
الإقامة خيرًا له، وفي الثاني: لو يعلم ماذا عليه من الإثم لتمنى الخسف، وكان
الخسف خيرًا له. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: لمالك هذا هو الظاهر، لكن الموجود في نسخ
((الموطأ)) الموجودة الحاضرة هو: (خَيْرًا لَهُ) لا قوله: (أَهْوَنَ عَلَيْهِ).
والظاهر: أن المصنف نسب الرواية الثانية للموطأ تبعًا للجزري حيث قال بعد
ذكر الرواية الأولى: وفي رواية (أَهْوَنَ عَلَيْهِ) أخرجه في ((الموطأ)). (أَهْوَنَ عَلَيْهِ)
أي: على المصلي؛ لأن عذاب الآخرة أشد وأصعب، وأبقى من عذاب الدنيا.
(رَوَاهُ مَالِك) أي: في موطئه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن كعب
الأحبار ... إلخ.
٧٩٥ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَوَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا صَلَّى
أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ السُّتْرَةِ، فَإِنَّهُ يَقْطَّعُ صَلَاتَهُ الحِمَارُ، وَالخِنْزِيرُ، وَالْيَهُودِيُّ،
وَالمَجُوسِيُّ، وَالمَرْأَةُ، وَتُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٧٩٥ - قوله: (إِلَى غَيْرِ السُّْرَةِ) كذا في نسخ ((المشكاة))، وفي أبي داود: ((إِلَى
(٧٩٥) أَبُو دَاوُد (٧٠٤) عن ابن عبّاس فيها.

٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
غَيْرِ سُتْرَةٍ)) أي: بغير اللام. (الْحِمَارُ) وفي أبي داود: ((الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ)) أي:
بزيادة الكلب قبل الحمار. والظاهر: أن سقوط لفظ الكلب من التُّسَّاخِ.
(وَتُجْزِئُ) بالهمزة من الإجزاء، وبالتأنيث في أكثر النسخ، أي: تجزئ الصلاة
بلا سترة على المصلي، قاله القاري. وفي بعض النسخ: ((يُجْزِئُ)) بالياء، وكذا وقع
في أبي داود، أي: يكفي عن المصلي، أي: في عدم قطع الصلاة.
(إِذَا مَرُّوا) أي: وإن لم يكن سترة. (بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَهٍ) بالفتح أي: رمية.
(بِحَجَرٍ) أي: لو مروا على بعد هذا المقدار بين يدي المصلي لا يقطع مرورهم
صلاته. والحديث دليل: على أن قطع الصلاة بالمرور بين يدي المصلي ليس
بمخصوص بالكلب، والحمار، والمرأة، وأن ذكر هذه الثلاثة في حديثي أبي ذر
وأبي هريرة ليس لاختصاص حكم القطع بها، لكن ذكر اليهودي، و المجوسي،
والخنزير في هذا الحديث منكر كما سيأتي.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) عن محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة البصري، عن معاذ بن
هشام، عن هشام، إلخ. قال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيء كنت أذاكر
به إبراهيم وغيره لم أر أحدًا جاء به عن هشام، ولا يعرفه، ولم أر أحدًا يحدث به عن
هشام، وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة، والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه:
(عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ) وذكر الخنزير، وفيه نكارة. قال أبو داود: ولم أسمع هذا
الحديث إلا من محمد بن إسماعيل، وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه،
انتھی .
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج٩: ص٦٠) في ترجمة محمد بن
إسماعيل: توقف أبو داود في صحة حديث أخرجه عنه، عن معاذ بن هشام، عن
أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((يَقْطَعُ الصَّلَاةَ
الْكَلْبُ ... ))، الحديث. قال أبو داود: لم أسمعه إلا منه. وذاكرت به فلم يعرف،
انتھی .
قلتُ: في نسبة الوهم إلى محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة نظر؛ فإنه ثقة، وقد
أخرج الطحاوي هذا الحديث فقال: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال:
ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أحسبه

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّتْرةِ
٣٠٧
قد أسنده إلى النبي ◌َّه قال: ((يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ،
وَالْيَهُودِيُّ، وَالنَّصْرَانِيُّ، وَالْخِنْزِيرُ، وَيَكْفِيكَ إِذَا كَانُوا مِنْكَ قَدْرِ رَمْيَةٍ لَمْ يَقْطَعُوا
عَلیك صَلاتك))، فهذا الحديث هو ما رواه أبو دود. وليس فيه محمد بن إسماعيل
ابن أبي سمينة البصري.

٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٠ - بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) المراد بها: جنس صفتها الشاملة للأركان، والفرائض،
والواجبات، والسنن، والمستحبات. قال ابن الهمام: قيل: الصفة والوصف في
اللغة واحد، وفي عرف المتكلمين بخلافه، والتحرير أن الوصف: ذكر ما في
الموصوف من الصفة، والصفة هي ما فيه. ثم المراد هنا بصفة الصلاة: الأوصاف
النفسية لها، وهي الأجزاء الفعلية الصادقة على الخارجية التي هي أجزاء الهوية من
القيام الجزئي والركوع والسجود، كذا في ((المرقاة)).
الفصل الأول
٧٩٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَوْتَهُ]، أَنَّ رَجُلًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ
اللَّهِ وَ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)) فَرَجَعَ فَصَلَّى،
ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ فَصَلَّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلَّ)) فَقَالَ فِي
الثَّالِئَةِ - أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا -: عَلَّمْنِي بَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى
الصَّلَاةِ، فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِن
الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ
حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ
سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا)) وَفِي رِوَايَةٍ: ((ثُمَّ ارْفِعْ حَتَّى تَسْتَويَ
قَائِمًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلُّهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٧٩٦- قوله: (أَنَّ رَجُلًا) هو خلاد بن رافع كما بينه ابن أبي شيبة، وهو
(٧٩٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَاري (٧٥٧) (٧٩٣)، ومُسْلِم (٤٥/ ٣٩٧) (٣٩٧/٤٦) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣٠٩
المشهور بالمسيئ في صلاته عند الشراح. (فَصَلَّى) أى: ركعتين كما للنسائي في
حديث رفاعة بن رافع في هذه القصة، وهل كانتا نفلاً أو فرضًا؟ الظاهر الأول،
والأقرب أنهما ركعتا تحية المسجد. ووقع عند ابن أبي شيبة في حديثٍ رفاعة هذا:
دخل رجل فصلى صلاة خفيفة، لم يتم ركوعها، ولا سجودها. (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) قال
القاري: قدم حق الله على حق رسوله تعلَّله كما هو أدب الزيارة، لأمره ◌ُلِّله بذلك
لمن سلم عليه قبل صلاة التحية، فقال له: ((ارْجِعْ فَصَلَّ، ثُمَّ انْتِ فَسَلَّمْ عَليَّ)).
(ارْجِعْ فَصَلِّ) وفي حديث رفاعة الآتي: ((أَعِدْ صَلَاتَكَ)).
(فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) نفي لصحة الصلاة؛ لأنها أقرب لنفي الحقيقة من نفي الكمال،
فهو أولى المجازين وأيضًا، فلما تعذرت الحقيقة - وهي نفي الذات - وجب
صرف النفي إلى سائر صفاتها. قال عياض: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على
غير علمٍ لا تجزئ.
قال الحافظُ: وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء، وهو الظاهر. ومن
حمله على نفي الكمال، تمسك بأنه وّل﴾ لم يأمره بالإعادة بعد التعليم، فدلَّ على
إجزائها وصحَّتها، وإلا لزم تأخير البيان، كذا قاله بعض المالكية. وفيه نظر؛
لأنه وَ له قد أَمَرَهُ في المرة الأخيرة بالإعادةِ، فسأله التعليم فعلمه، فكأنه قال له:
أعد صلاتك على هذه الكيفية، انتهى. وقال القاري: تقريره على صلاته كَرَّاتٍ
يؤيد كونه نفى الكمال لا الصحة، فإنه يلزم منه أيضًا الأمر بعبادة فاسدة مرات.
قلتُ: أراد القاري: أنه لو حمل على نفي الصحة يلزم أنه يَّل قرره مرارًا على أن
يصلي صلاة فاسدة، ويلزم منه أيضًا أنه أمر بعبادة فاسدة مرات، بخلاف ما إذا
أريد بالنفي نفي الكمال. وفيه نظر؛ لأنَّه لم يؤذن له في صلاة فاسدة، ولا علم من
حاله أنه يأتي بها في المرة الثانية والثالثة فاسدة، بل هو محتمل أن يأتي بها
صحيحة، وإنما لم يُعَلَّمْهُ أولًا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة
الصحيحة المجزئة، وسيأتي مزيد توضيح لذلك.
وقد احتجَّ بعضهم لتوجه النفي إلى الكمال بما وقع عند الترمذي في هذه القصة
من حديث رفاعة بلفظٍ : ((فَعَافَ النَّاسُ وَكَبُرَ عليهم أن يكون من أخفّ صَلَاتَهُ لم
يصلِّ، حتى قال ◌َ له: ((إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، وَإِنِ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا

٣١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
انْتَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ))، وكان هذا أهون عليهم من الأول؛ أنه من انتقص من ذلك
شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهب كلها. قالوا: والنقص لا يستلزم الفساد، وإلا
لزم في ترك المندوبات؛ لأنها تنتقص بها الصلاة.
وأيضًا كون هذه المقالة كانت أهون عليهم، يدل على أن المراد بالنفي نفي
الكمال؛ لأن قوله أولًا: ((لَمْ تُصَلِّ)) يُوهم نفى الصلاة برأسها، وقوله ثانيًا: ((إِنِ
انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا ... )) إلخ يدلّ على النقصان، وعدم ذهاب الصلاة كلها، ولذا كان
أهون عليهم من الأول، لكنهم علموا وفهموا حينما سمعوا قوله الثاني أنه إنما أراد
بنفي الصلاة في قوله الأول: ((لَمْ تُصَلَّ)» نفي الكمال لا نفي الذات والحقيقة أو
الصحة .
وأجيب: بأن الانتقاص يستلزم الفساد وعدم الصحة؛ لأنَّا متعبدون بصلاة لا
نقصان فيها، فالناقصة فاسدة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها وعدم فسادها فعليه
البيان، ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها؛ لأنها أمور
خارجة عن ماهية الصلاة، فلا يراد الإلزام بها، وكونها تزيد في الثواب لا يستلزم
أنها منها، كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات وليست منها، والحجة في
الذي جاءنا عن الشارع من قوله وفعله وتقريره، لا في فهم بعض الصحابة، سلمنا
أن فهمهم حجة؛ لكونهم أعرف بمقاصد الشرع، لكن لا دليل هنا على أنهم فهموا
حين سمعوا قوله الثاني نفي الكمال، وإنما كان قوله الثاني أهون عليهم من جهة أن
من أتى ببعض واجبات الصلاة، فقد فعل خيرًا من قيام وذكر وتلاوة، وإنما يؤمر
بالإعادة؛ لدفع عقوبة ما ترك، وترك الواجب سبب للعقاب، فإذا كان يُعاقب
بسبب ترك البعض يلزمه أن يفعله، إن أمكن فعله وحده، وإلا فعله مع غيره،
والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا بفعل جميعها.
وقال ابن تيمية: من قال: إن هذا لنفي الكمال، قيل: إن أردت الكمال
المستحب، فهذا باطل لوجهين: أحدهما: أن هذا لا يوجد قط في لفظ الشارع؛
أنه ينفي عملًا فعله العبد على الوجه الذي وجب عليه، ثم ينفيه لترك المستحبات،
بل الشارع لا ينفي عملًا إلا إذا لم يفعله العبد كما وجب عليه.

كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣١١
والثاني: لو نفى لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم ولا صيام، فإن
الكمال المستحب متفاوت؛ إذ كل من لم يكملها كتكميلِ رسولِ الله وَ له يقال: لا
صلاة له، انتهى.
واستدل بقوله: (صَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) للشافعي وأبي يوسف والجمهور: على أن
تعديل الأركان والطمأنينة فيها فرض. قالوا: إن قوله هذا صريح في كون التعديل
من الأركان، بحيث أن فوته يفوت الصلاة، وإلا لم يقل: (لَمْ تُصَلَّ) فإن من
المعلوم أن خلاد بن رافع لم يكن ترك ركنًا من الأركان المشهورة، إنما ترك
التعديل والاطمئنان، كما يدل عليه رواية ابن أبي شيبة، فعلم أن تركه مبطل
للصلاة.
قلتُ: الحديث فيه رد صريح على أبي حنيفة ومحمد، فإن المشهور من
مذهبهما: أن تعديل الأركان ليس بفرض بل هو واجب، واستدل لهما بقوله
تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] بأن الركوع والسجود لفظ خاص معناه
معلوم، فالركوع هو الانحناء، والسجود هو وضع الجبهة على الأرض، فمطلق
الميلان عن الاستواء ووضع الجبهة على الأرض فرض بالآية المذكورة، وفرضية
التعديل الثابتة بقوله عليه السلام: ((لَمْ تُصَلَّ)) لا يجوز إلحاقها بالقرآن لا على سبيل
البيان، ولا على سبيل تغيير إطلاق القرآن.
أما الأول؛ فلأن البيان لا يكون إلا للمجمل، ولا إجمال في الركوع والسجود.
وأما الثاني؛ فلأن تغير إطلاق القرآن نسخ، وهو لا يجوز بالخبر الواحد، ولما
لم يجز إلحاق ما ثبت بهذا الحديث بالثابت بالقرآن في مرتبته، ولم يمكن ترك خبر
الواحد بالكلية أيضًا، فقلنا: ما ثبت بالكتاب - وهو مطلق الركوع والسجود -
يكون فرضًا؛ لأنه قطعي، وما ثبت بهذا الخبر الظني الثبوت يكون واجبًا، مراعاة
لمنزلة كل من الكتاب والسنة.
وَرُدَّ هذا الاستدلال: بأن النص ليس بمطلق بل مُجمل، فإن المراد بالركوع
والسجود في الآية المذكورة: معناهما الشرعي؛ لأنَّه قد تقرَّر أن أمثال هذه الألفاظ
في النصوص يجب حملها على معانيها الشرعية إلا أن يمنع مانع، ولا مانع هاهنا،
ولأن من وضع الجبهة إلى غير القبلة، أو على غير الوضوء فهو ساجد لغة، وليست

٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هذه السجدة معتبرة في الشرع، ومعنى الركوع والسجود الشرعي غير معلوم، فهو
محتاج إلى البيان، فحديث أبي هريرة وما وافقه بيان لذلك النص المجمل، وبيان
الفرض المجمل يجوز بخبر الواحد، أي: يكونُ فرضًا في مرتبة المجمل. قال
الشيخُ عبد الحليم اللكنوي الحنفي، في ((حاشية نور الأنوار)) بعد ذكر نحو ما قدمنا
من تقرير استدلال الحنفية: ولو سلمنا أن النص مطلق فنقولُ: إن هذا الحديث
ليس بخبر الواحد، بل هو حديث مشهور، تلقاه الأمة بالقبول، ورواه أئمة
الحديث بأسانيد كثيرة، والزيادة على الكتاب بالخبر المشهور جائزة، انتهى.
وقال بعد ذكر حديث أبي هريرة: هذا الحديث دالٌ على أن تعديل الركوع
والسجود فرض، والقومة والجلسة ركنان، فإن رسول اللَّه وَل نفى الصلاة
بفواتها، وإن زللت بما قال بعض السابقين من أن في آخر الحديث المذكور -
يعني: حديث رفاعة - زيادة تدل على توقف صحة الصلاة عليها، وهو قوله تعالَلا:
((فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، وَإِنِ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ))،
فسماها عليه السلام صلاة، والباطلة ليست بصلاة، وأيضًا وصفها بالنقص،
والباطلة إنما توصف بالانعدام، فعلم أن أمر النبي ◌َّ بالإعادة، إنما كان لتقع
الصلاة على غير كراهة لا لفساد صلاة ذلك الرجل، ثبتك أن معنى هذه الزيادة: إن
فعلت ما بينت من التعديل على الكمال، فقد صليت صلاة تامة، وإن نقصت من
التعديل شيئًا من النقصان مع بقاء أصل التعديل - كما يدل عليه لفظ نقصت - فقد
نقصت من صلاتك بقدر نقصان التعديل. فالإخلال بالتعديل رأسًا يوجب الفساد،
فإنْ غلب عليك جنود الوهم، بأن القَوْمَةَ والجِلْسَةَ ليستا بمقصودتين، وإنما شُرِعَتَا
للفصل بين الركوع والسجود، وبين السجدتين، فلا يكونان ركنين، بل الركن هو
المقصود وهو الركوع والسجود، فعارضها بعسكر الفكر بأن هذا رأي في مقابلة
النص المذكور فلا يسمع. كذا أفاد بحر العلوم أنار الله برهانه، انتهى كلام الشيخ
عبد الحليم اللكنوي.
وما نقله عن بعض السابقين، قد ردّه أيضًا العيني بأن للخصم أن يقول: إنما
سماه صلاة بحسب زعم المصلي، كما تدل عليه الإضافة، على أنه ورد في بعض
الروايات: ((وَمَا نَقَصْتَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ)) أي: مما ذكر سابقًا، ومنه الركوع والسجود

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣١٣
أيضًا، فيلزم أن تسمي ما لا ركوع فيه أو لا سجود فيه أيضًا صلاة بعين التقرير
المذکور وإذ لیس فلیس، انتهى.
وقال بعضُ الحنفية في الجواب عن حديث أبي هريرة: إن هذا الحديث لا يدل
على فرضية التعديل، بل يدل على عدم فرضيته؛ لأنه ظلَّلا ترك الأعرابي حتى فرغ
عن صلاته، ولو كان ما تركه ركنًا لفسدت صلاته، فكان المضي بعد ذلك من
الأعرابي عَبَثًا، فلا يحل له وَّل أن يتركه، فكان تركه دلالة منه أن صلاته جائزة إلا
أنه ترك الإكمال، فأمره بالإعادة زجرًا عن هذه العادة. ورده العيني في ((البناية)) بأن
للخصم أن يقول: كانت صلاته فاسدة؛ ولذا أمر بالإِعادة، وقال له: «لَمْ تُصَلِّ)»
وإنما تركه عليه؛ لأنه ربما يهتدي إلى الصلاة الصحيحة، ولم ينكر عليه؛ لأنه كان
من أهل البادية، كما شَهِدَتْ به رواية الترمذي بلفظ: ((إِذْ جَاءَ رَجُلٌ كَالبدوي)).
ومن المعلوم أن أهل البادية لهم جفاء وغلظ، فلو أمره ابتداء لكان يقع في خاطره
شيء، وكان المقام مقام التعليم، وبالجملة: لا دلالة لعدم إنكاره - عليه الصلاة
والسلام - على صلاته ابتداء، وأمره بالإعادة، على ما ادعوه، انتهى.
فإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق. وما ذهب إليه
الحنفية ليس لهم عليه دليل صحيح، بل حديث أبي هريرة حجة صريحة عليهم.
(فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا) أي: في المرتبة الرابعة. وفي رواية: ((فقال في
الثانية أو الثالثة)). وفي أخرى: ((ثلاثًا)). أي: ثلاث مرات. وهذه الرواية أرجحُ
لعدم الشك فيها. (عَلَّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية: ((والذي بعثك بالحق ما أحسن
غيره، فعلمني)). وتوقَّف ◌َّه في التعليم إلى أن يسأل هو ليكون أوقع عنده، بخلاف
ما لو بدأ به، وقيل: أعرض عنه أولًا لأنه أعرض عن السؤال، فكأنه عد نفسه عالمًا
فعامله زجرًا وتأديبًا له، وإرشادًا إلى أنه كان اللائق به الرجوع إلى السؤال
واستكشاف ما استبهم عليه؛ ولذا لما سأل وقال: ((لا أحسن))، علمه.
وبالجملة: فليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، بل تأخيره إلى وقت إظهار
الحاجة ليكون أنفع، واستشكل تقريره الثّلا على صلاته وهي فاسدة ثلاث مرات
على القول بأنَّ النفي للصحة، وأجيب: بأنه أراد استدراجه بفعل ما جهله مرات
لاحتمال أن یکون فعله ناسیًا أو غافلًا، فیتذکر فیفعله من غیر تعلیم، فليس من باب

٣١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التقرير على الخطأ بل من باب تحقق الخطأ، ويحتمل أن يكون ترديده لتفخيم
الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لم يفته فرأى إيقاظ الفِطْنَة للمتروك. وقال
ابن دقيق العيد: التقرير ليس بدليل على الجواز مطلقًا، بل لا بد من انتفاء الموانع
وزيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه، وتوجه سؤاله
مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم لا سيما مع عدم خوف الفوت، إما
بناء على ظاهر الحال أو بوحي خاص.
(ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ) فيه دليل على وجوب استقبال القبلة، وهو إجماع المسلمين
إلا في حالة العجز، أو في الخوف عند التحام القتال، أو في صلاة التطوع، وقد دل
على وجوبه القرآن والسنة المتواترة. (فَكَبِّرْ) أي: تكبيرة الإحرام. وفي رواية
الطبراني لحديث رفاعة: ثم يقول: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)). وهي تبينٍ أن المراد من التكبير
خصوص هذا اللفظ، فلا يصح افتتاح الصلاة إلا بلفظِ: ((الله أكبر))، دون غيره من
الأذكار، خلافًا لأبي حنيفة فإنه يقولُ: يجزئ بكلِّ لفظ يدل على التعظيم، وهذا
نظر منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم فيحصل بكل ما دل عليه.
والحقُّ ما ذهب إليه مالك وأحمد من تعيين التكبير وتخصيص لفظ: ((اللَّه
أكبر)). قال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث يعين التكبير، ويتأيد ذلك بأن العبادات
محل التعبدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياطُ فيها اتباع اللفظ. وأيضًا فالخصوص
قد يكون مطلوبًا، أعني: خصوص التعظيم بلفظ: الله أكبر، وهذا لأن رُتَبَ هذه
الأذكار مختلفة كما تدل عليه الأحاديث، فقد لا يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى،
ونظيره الركوع، فإنا نفهم أن المقصود منه التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه
خضوعًا آخر لم يكتف به، ويتأيد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في
الصلاة بهذه اللفظة، أعني: اللَّه أكبر.
(ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ) أي: لك حال كونه. (مَعَكَ) وقال الأبهري: الباء للاستعانة،
أي: أوجد القراءة مستعينًا بما تيسّر، أو زائدة، ويؤيده رواية البخاري ((مَا تَيَسَّرَ))
بدون الباء. (مِنَ الْقُرْآنِ) استدل بالحديث على عدم فرضية الفاتحة؛ إذ لو كانت
فرضًا لأمره؛ لأن المقام مقام التعليم فلا يجوز تأخير البيان. وأجيب عنه: بأنه قد
أمره وَّه بقراءة الفاتحة، ففي حديث رفاعة عند أبي داود: ((ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ وَبِمَا
شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ)). وعند أحمد وابن حبان: ((اقْرَأْ بِأَمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا شِئْتَ)).

٣١٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
وقد تقرَّر أنه يؤخذُ بالزائد إذا جمعت طرق الحديث، ويقال: إن الراوي حيث
قال ما تيسر ولم يذكر الفاتحة ذهل عنها، لكنه يلزم حينئذٍ إخراج صيغة الأمر عن
ظاهرها؛ لأنه لا يجب قراءة ما زاد على الفاتحة. وقيل: قوله: ((مَا تَيَسَّرَ)) عام
يخصص بقوله: ((لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))، ولا يخفى بعده؛ لأنَّ سياق الكلام
يقتضي تيسير الأمر عليه، وإنما يقرب هذا إذا جعلت ((ما)) بمعنى (الذي))، وأريد
بها شيء معين، وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها فهي المتيسرة.
وقيل: هو محمولٌ على أنه عرف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن
كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسر، ولا يخفى ضعفه لكنه محتمل، ومع
الاحتمال لا يترك الصريح، وهو قوله: ((لَا تُجْزِئُ صَلَةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ)). وقيل: الحديث لا يصرف ما ورد في غيره من الأدلة المقتضية لفرضية
الفاتحة؛ لأنه يؤخذ بالزائد فالزائد، من أمر رسول اللّه ◌َلها . .
وقال الخطابي: ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن
أحسنها لا يجزيه غيرها بدليل قوله: ((لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)»، وهذا في
الإطلاق؛ كقوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ثم
كان أقل ما يجزئ من الهدي معينًا معلوم المقدار ببيان السنة وهو الشاة، انتهى.
وقال صاحب ((فيض الباري)) (ج٢: ص٢٩٩): تمسك الحنفية به على عدم
ركنية الفاتحة ليس بصحيح؛ لأن الفاتحة وإن لم تكن ركنًا لكنها واجبة عندنا
أيضًا، والسياق سياق التعليم، فلو فرضنا أنه لم يعلمه الفاتحة يلزمُ درج كراهية
التحريم في سياق التعليم، ولا يجوز أصلاً مع أنها مذكورة في حديث رفاعة
صراحة، وإن كانت مجملة في حديث أبي هريرة. ثم أقول: إن قوله هذا كان
لكون الرجل بَدَوِيًّا أعرابيًّا لا يدري أنه كان عنده شيءٍ من القرآن أم لا، وحينئذٍ
ينبغي أن يكون التعبير هكذا؛ ولذا قال: ((وَإِلََّ فَاحْمِدِ اللَّهَ وَكَبِّرُهُ))، فدلَّ على أنه كان
ممن لا يستبعد منه أن لا يكون عنده قرآن أصلًا. وإذًا لا يلائمه أن يأمره بالفاتحة
والسورة تفصيلاً، وإنما أليق بِحَالِهِ الإجمال فيقرأ بما يقدر.
(ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا) حال مؤكدة، وقيل مقيدة. وفيه دليل على ما ذهب
إليه الشافعي وأبو يوسف من افتراض الطمأنينة في الركوع وهو الحق. (ثُمَّ ارْفَعْ)

٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: رأسك. (حَتَّى تَسْتَوِيَ) أى تعتدل. (قَائِمًا) في رواية ابن ماجه: ((حَتَّى تَطْمَئِنَّ
قَائِمًا)). وهي على شرط مسلم، وقد أخرجها السراج أيضًا بإسناد على شرطٍ
البخاري، فهي على شرط الشيخين، وهذه الروايات تدلّ على افتراض رفع الرأس
من الركوع، وعلى افتراض الاستواء - أي: الاعتدال - في الرفع، وعلى افتراض
الاطمئنان في القَوْمَةِ، أي: عند الاعتدال من الركوع، وإليه ذهب الشافعي وأبو
يوسف، وهو الصواب.
(ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا) فيه دليل على فرضية الطمأنينة في السجود، وقد
فَصَّلَتْهَا رواية النسائي من حديث رفاعة بلفظٍ: ((ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ
وَجَبْهَتَهُ، حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ)) .
(ثُمَّ ارْفَعْ) أي: رأسك من السجود. (حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) أي: بعد السجدة
الأولى، وهي حال مؤسسة. وفيه دليل على افتراض القعود بين السجدتين. وفي
رواية النسائي المذكورة: ((ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَيُقِيمَ
صُلْبَهُ)). (ثُمَّ اسْجُدْ) أي: الثانية. (حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا)
أي: للاستراحة. قال الطيبي: كلمة ((حتى)) في هذه القرائن لغاية ما يتم به الركن،
فدلت على أن الطمأنينة داخلة فيه، والمنصوب حال مؤكدة، انتهى.
والحديثُ يدلُّ آخره على إيجاب جلسة الاستراحة، ولكنه لم يقل به أحد على
أنه قد أشار البخاري إلى أنه - أى: قوله الأخير: ((حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا)) - وَهْمٌ؛ فإنه
عقبه بأن قال: قال أبو أسامة حَمَّاد بن أسامة مما وصله في كتاب الأيمان والنذور.
في اللَّفْظِ الأخير وهو: (حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا)، (حتى تستوي قائمًا). وقال
القسطلاني: أراد البخاري بهذه الإشارة إلى أن راوي الأولى - وهو ابن نمير -
خولف، وأن الثانية عنده أرجح. وقال الحافظُ: كلام البخاري ظاهر في أن أبا
أسامة خالف ابن نمير، لكن رواه إسحاق بن راهوية في ((مسنده)) عن أبي أسامة،
كما قال ابن نمير، وأخرجَهُ البيهقي من طريقه، وقال: كذا قال إسحاق بن راهوية
عن أبي أسامة .
والصحيح: رواية عبيد الله بن سعيد بن أبي قدامة، ويوسف بن موسى عن أبي
أسامة بلفظ: ((حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا)). انتهى. وقال بعضهم: يمكن أن يحمل إن كان

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
٣١٧
محفوظًا على الجلوس للتشهد، ويؤيده رواية رفاعة عند أبي داود: ((فَإِذَا جَلَسْتَ فِي
وَسَطِ الصَّلَاةِ فَاطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثَمَّ افْرِشْ فَخِذَكَ الْيُسْرِىَ ثُمَّ تَشَهَّدْ)). قال الحافظُ:
المعتمد الترجيح كما أشار إليه البخاري، وصرح به البيهقي.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أي: للبخاري بدل قوله الأخير ((ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا)): ((ثُمَّ
ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا)) قد تقدم آنفًا أن البخاري أشار إلى ترجيح هذه الرواية
الثانية، والبيهقي صرح به. وسيأتي الكلام على جلسة الاستراحة. (ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ)
أي: جميع ما ذكر من الأقوال والأفعال إلا تكبيرة الإحرام، فإنها مخصوصة
بالركعة الأولى لما علم شرعًا من عدم تكرارها. وقيل: التقدير: ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ
أي: ما ذكر مما يمكن تكريره، فخرج نحو تكبيرة الإحرام. (فِي صَلَاتِك) أي: في
ركعات صلاتك. (كُلَّهَا) فرضًا ونفلًا على اختلاف أوقاتها وأسمائها. وإنما لم
يذكر له وَلالبقية الواجبات في الصلاة كالنية والقعود في التشهد الأخير؛ لأنه كان
معلومًا عنده، أو لعل الراوي اختصر ذلك. وفيه دليل على وجوب قراءة الفاتحة
في الأَخْرَيَيْنِ أيضًا، وإليه ذهب ابن الهمام من الحنفية.
قال ابنُ دقيق العيد: هذا يقتضي وجوب القراءة في جميع الركعات، وإذا ثبت
أن الذي أمر به الأعرابي هو قراءة الفاتحة دل على وجوب قراءتها في كل
الركعات، انتهى. واعلم أن هذا الحديث جليل يعرف بحديث المسيئ صلاته،
يشتمل على فوائد كثيرة. قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)»: فيه أربعون مسألة،
ثم سردها. وقد أطال غيره من الشُرَّاح أيضًا الكلام في شرحه؛ كالشوكاني في
((النيل)) (ج٢: ص ١٥٧ - ١٦١) والحافظ في ((الفتح)) (ج ٣: ص٤٣٢ - ٤٣٤)
وابن دقيق العيد في ((إحكام الأحكام)) (ج٢: ص٢ - ١٢) والعيني في ((عمدة
القاري)) (ج٦: ص١٥ - ٢٠).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في كتاب الاستئذان. وأخرجه أيضًا أحمد
والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه بألفاظٍ متقاربة.

٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٩٧ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ
بِالتَّكْبِيرِ، وَالقِرَاءَةَ بِ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ
يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّىَ
يَسْتَوِيَ جَالِسًّا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ
الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ
يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
٧٩٧- قوله: (يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ) أي: يفتتحها. (بِالتَّكْبِيرِ) أي: يقولُ: اللَّه
أكبر، كما ورد بهذا اللفظ في ((الحلية)) لأبي نعيم. والمراد تكبيرة الإحرام.
(وَالْقِرَاءَةَ) بالنصب عطفًا على الصلاة. (بِالْحَمْدُ) بالرفع على الحكاية وإظهار ألف
الوصل، ويجوز حذف همزة الوصل، وكذا جر الدال على الإعراب، ذكره
القاري. (رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: يبتدئ القراءة بسورة الفاتحة ثم يقرأ السورة، وذلك
لا يمنع تقديم دعاء الاستفتاح، فإنه لا يسمى في العرف قراءة، ولا يدل على أن
البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنَّ المراد أنه يبدأ بقراءة ((أم القرآن)) قبل ما يقرأ ما
بعدها، لا أنه يبدأ في القراءة بلفظ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وبهذا ظهر الرد على من تمسك
بالحديثِ على مشروعية ترك الجهر بالبسملة في الصلاة، فإن المراد بذلك كما قلنا
اسم السورة، لكن نوقش ذلك بأنه لو كان المراد اسم السورة لقالت عائشة
بالحمد؛ لأنه وحده هو الاسم. ورد بما ثبت عند أبي داود من حديث أبي هريرة
مرفوعًا: ((الحمد لله ربِّ العالمين، أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني)). وبما
عند البخاري من حديث سعيد بن المعلى: ((الحمد لله رب العالمين، هي السبع
المثاني)). فهو ظاهر أو نص في أن الفاتحةَ تسمى بهذا المجموع الذي هو «الْحَمْدُ
(٧٩٧) مُسْلِم (٢٤٠ / ٤٩٨) عَنْهَا فِيهَا، وأَبُو دَاوُد (٧٨٣)، وابن مَاجَهْ (٨١٢).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
٣١٩
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))، ويمكن الجواب عن ذلك التمسك أيضًا بأنها ذكرت أول آية
من الآيات التي تخص السورة وتركت البسملة؛ لأنها مشتركة بينها وبين غيرها من
السور، وسيأتي مزيد الكلام في شرح حديث أنس في باب القراءة في الصلاة.
(لَمْ يُشْخِصْ) من باب الإفعال أو التفعيل أي لم يرفع. (وَلَمْ يُصَوِّبْهُ) أي: لم
ينكسه من التصويب وهو الإنزال من أعلى إلى أسفل، ومنه الصيب: المطر،
صاب يصوب إذا نزل. أي: لم يخفضه خفضًا بليغًا بل بين الخفض والرفع، وهو
التسوية. (وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ) أي: بين المذكور من الأشخاص والتصويب، بحيث
يستوي ظهره وعنقه كالصفحة الواحدة. (وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ) أي:
الأولى، وفي بعض النسخ من السجود. (لَمْ يَسْجُدْ) الثانية. (حَتَّى يَسْتَوِيَ) أي:
يعتدل بين السجدتين (جالسًا) تقدم الكلام على الجلوس بين السجدتين وكذا
القومة. (وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنٍ) أي: بعدهما. (التَّحِيَّةَ) بالنصب. وقيل
بالرفع، والمراد بها الثناء المعروف بالتحيات لله الآتي لفظه في حديث ابن
مسعود، وسمى هذا الذكر تحية وتشهدًا لاشتماله عليهما، أي: على التحية وهو
الثناء الحسن وعلى التشهد لاشتماله على الشهادتين، فهو من باب إطلاق اسم
الجزء على الكل. وفيه: مشروعية التشهد الأوسط والأخير، ولا يدل على
الوجوب؛ لأنه فعل، إلا أن يقال: إنه بيان لإجمال الصلاة في القرآن المأمور بها
وجوبًا، والأفعال لبيان الواجب واجبة. أو يقال بإيجاب أفعال الصلاة لقوله وَله :
((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)».
وفي الاستدلالين بحث بسطه ابن دقيق العيد فارجع إليه. واستدل على الوجوب
أيضًا بقوله ◌ََّ: ((إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ... )) الحديث.
والأمر للوجوب.
(وَكَانَ يَفْرِشُ) بكسرِ الراء وضمها. (وَيَنْصِبُ) بفتح الياء وكسر الصاد. (رِجْلَهُ
الْيُمْنَى) أي: يضع أصابعها على الأرض ويرفع عقبها، واستدلَّ به من قال
بمشروعية النصب والفرش في التشهدين جميعًا، ووجهه: الإطلاق وعدم التقييد
في مقام التصدي لوصف صلاته وَلهو لا سيما بعد وصفها للذكر المشروع في كل
ركعتين، وتعقيب ذلك بذكر هيئة الجلوس، لكن حديث أبي حميد التالي قد فرق