Indexed OCR Text

Pages 161-180

GeNE
١٦٠
rasH
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مبالغة، وكرر النهي أيضًا كما كرر التنبيه بقوله: (إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) وفي
((الصحيحين)) عن عائشة: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها
تصاوير، فذكرتا ذلك للنبي وَ له فقال: ((إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ،
فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، وَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ)» .
قال الحافظُ: وإنما فعل ذلك أوائلهم؛ ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا
أحوالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا
مرادهم، ووسوس لهم الشيطان، أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور
ويعظمونها فاعبدوها، فحذر النبي وَلّر عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدية إلى
ذلك. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٧١٩ - [٢٦] وَعَن ابْنِ عُمَر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اجْعَلُوا فِى
بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَّا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْحُ
٧١٩ - قوله: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَائِكُمْ) قيل: ((من)) زائدة، والمراد من
الصلاة: النوافل، والتقدير: اجعلوا صلاتكم أي: نوافلكم في بيوتكم، يدل على
هذا ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعًا: ((إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ
فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ))، وفي ((الصحيحين)) حديث: ((صَلَّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي
بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ))، وإنما شرع ذلك؛ لكونه أبعد
من الرياء، وليتبرك به البيت، وتنزل الرحمة فيه والملائكة، وتنفر الشياطين منه،
لكن استثنى منه ركعتا الطواف والإحرام، وتراويح رمضان، وصلاة الكسوف
والاستسقاء، وتحية المسجد، وصلاة القدوم من السفر، وما ورد من صلاته وَ خله
بعض النوافل في المسجد - كركعتين بعد المغرب مثلاً - فهو لبيان الجواز،
(٧١٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٣٢)، ومُسْلِم (٧٧٧/٢٠٨)، وَأَبُو دَاوُد (١٠٤٣)، وَابن مَاجَهْ
(١٣٧٧)، كُلُّهُمْ في الصلاة عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَّهُ .

١٦١
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
وقيل: من للتبعيض، والمراد من الصلاة: مطلق الصلاة، والمعنى: اجعلوا بعض
صلاتكم، وهو النفل من الصلاة المطلقة في بيوتكم، والصلاة المطلقة تشمل
النفل والفرض.
قال القاري: ((مِنْ صَلَاتِكُمْ)) مفعول أول و((فِي بُيُوتِكُمْ)) مفعول ثَانٍ، قدم على
الأول للاهتمام بشأن البيوت، أي: اجعلوا بعض صلاتكم، التي هي النوافل مؤداة
في بيوتكم، وإن من حقها أن يجعل لها نصيبًا من الطاعات لتصير منورة؛ لأنها
مأواكم ومنقلبكم، وليست كقبوركم التي لا تصلح لصلاتكم، ولذا قال:
(لاتتخذوها) أي: بيوتكم.
(قُبُورًا) بأن تتركوا الصلاة فيها، كما تتركون في المقابر، والمعنى: أعطوا
البيوت حظها من الصلاة، ولا تجعلوها كالمقابر حيث لا يصلى فيها، فأحال على
المقابر، لكونها معهودة معروفة بهذه الصفة بحسب الحس والمشاهدة والشرع،
ويؤيده ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ))،
فالحديث فيه دليل: على كراهة الصلاة في المقابر، وعليه حمله البخاري في
((صحيحه)) حيث عقد عليه باب: كراهية الصلاة في المقابر.
وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم: أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن
المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغوي في ((شرح السنة)) والخطابي.
وقيل: المراد من الحديث: الندب إلى الصلاة في البيوت؛ إذ الموتى لا يصلون
كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم، وهي القبور.
وقيل: المراد: لا تجعلوا بيوتكم وطَنًّا للنوم فقط لا تصلون فيها، فإن النوم أخو
الموت، والميت لا يصلي. ويحتمل أن يكون المراد: أن من لم يصلٍ في بيته جعل
نفسه كالميت، وبيته كالقبر، ويؤيده ما رواه مسلم: «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ
فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))، وهذا يرجع إلى المعنى
الثاني .
وقيل: المراد: النهي عن دفن الموتى في البيوت، والمعنى: لا تدفنوا في
بيوتكم موتاكم؛ لئلا يكدر عليكم معايشكم ومأواكم، ولأن استمرار الدفن في
البيوت ربما صيرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة، ولفظ حديث أبي هريرة

١٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عند مسلم أصرح من حديث ابن عمر وهو قوله: ((لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ»، فإن
ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقًا .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٦٣
MASE
الفصل الثاني
٧٢٠ - [٢٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَا بَيْنَ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الْمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ)).
الشَّرْحُ
٧٢٠ - قوله: (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) قد اضطربت أقوال العلماء في
شرح هذا الحديث ومعناه، فقال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في ((تعليقه على
الترمذي)): هذا الحديث كحديث أبي أيوب المتقدم: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا
الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا))، إنهما كلاهما فيما كان من المواضع
سمته وجهته كسمت المدينة وجهتها؛ لأنها في شمال مكة، بينها وبين الشام، فإذا
استقبل القبلة استدبر الشام، وإذا استدبر القبلة استقبل الشام، وإن المراد بقوله :
((ما بين المشرق والمغرب قبلة))، أن الفرض على المصلى إذا كان بعيدًا عن الكعبة
أن يتوجه جهتها، لا أن يصيب عينها على اليقين، فإن هذا محال أو عسير، انتهى.
وقال العراقي: ليس هذا عامًّا في سائر البلاد، وإنما هو بالنسبة إلى المدينة
المشرفة وما وافق قبلتها، قال: ولسائر البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين
الجنوب والشمال ونحو ذلك. وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن معنى
الحديث فقال: هذا في كل البلدان إلا بمكة عند البيت، فإنه إن زال عنه شيئًا، وإن
قل فقد ترك القبلة، ثم قال: هذا المشرق - وأشار بيده - وهذا المغرب - وأشار
بيده - وما بينهما قبلة. قلتُ: فصلاة من صلى بينهما جائزة؟ قال: نعم، وينبغي أن
يتحرى الوسط .
قال ابن عبد البر: تفسير قول أحمد هذا في كل البلدان، يريد أن البلدان كلها
لأهلها في قبلتهم مثل ما لمن كانت قبلتهم بالمدينة الجنوب، التي يقع لهم فيها
(٧٢٠) التِّرْ مِذِي (٣٤٤)، وَالحَاكِمُ (٢٠٥/١) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.

١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الكعبة، فيستقبلون جهتها ويتسعون يمينًا وشمالاً فيها ما بين المشرق والمغرب،
يجعلون المغرب عن أيمانهم والمشرق عن يسارهم، وكذلك لأهل اليمن من
السعة في قبلتهم مثل ما بين المشرق والمغرب إذا توجهوا أيضًا قبل القبلة، إلا
أنهم يجعلون المشرق عن أيمانهم والمغرب عن يسارهم، وكذلك أهل العراق
وخراسان لهم من السعة في استقبال القبلة ما بين الجنوب والشمال مثل ما كان
لأهل المدينة من السعة فيما بين المشرق والمغرب، وكذلك ضد العراق على ضد
ذلك أيضًا، وإنما تضيق القبلة كل الضيق على أهل المسجد الحرام، وهي لأهل
مكة أوسع قليلاً، ثم هي لأهل الحرم أوسع قليلاً، ثم لأهل الآفاق من السعة على
حسب ما ذكرنا، انتهى.
قال الترمذي: قال ابن عمر: إذا جَعَلْتَ المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك
فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة. وقد ذكر العلامة أحمد بن علي المقريزي هذا
الحديث في أثناء الفصل الذي عقده في ((خططه)) (*) عن المحاريب التي بديار مصر
(ج ٤: ص٢١ - ٣٣ من طبعة مصر سنة ١٣٢٦) ومما قال في شرحه: إذا تأملت
وجدت هذا الحديث يختص بأهل الشام والمدينة، وما على سمت تلك البلاد
شمالًا وجنوبًا فقط.
والدليل على ذلك: أنه يلزم من حمله على العموم إبطال التوجه إلى الكعبة في
بعض الأقطار، وقد عرفت - إن كنت تمهرت في معرفة البلدان وحدود الأقاليم -
أن الناس في توجههم إلى الكعبة كالدائرة حول المركز، فمن كان في الجهة
الغربية من الكعبة، فإن جهة قبلة صلاته إلى المشرق، ومن كان في الجهة الشرقية
من الكعبة، فإنه يستقبل في صلاته جهة المغرب، ومن كان في الجهة الشمالية من
الكعبة، فإنه يتوجه في صلاته إلى جهة الجنوب، ومن كان في الجهة الجنوبية من
الكعبة كانت صلاته إلى جهة الشمال، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق
والجنوب، فإن قبلته فيما بين الشمال والمغرب، ومن كان من الكعبة فيما بين
الجنوب والمغرب، فإن قبلته فيما بين الشمال والمشرق، ومن كان من الكعبة فيما
(*) أعنى به كتابه: ((المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار)).

١٦٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
بين المشرق والشمال، فقبلته فيما بين الجنوب والمغرب، ومن كان من الكعبة
فيما بين الشمال والمغرب، فقبلته فيما بين الجنوب والمشرق، إلى آخر ما قال.
وقد علمت مما تقدم أن الحديث على هذا المعنى يدل على أن الواجب استقبال
جهة الكعبة في حق من بعد عن الكعبة، وتعذرت عليه العين، وقد ذهب إليه أكثر
السلف: مالك، وأحمد، وأبو حنيفة وغيرهم، وهو ظاهر ما نقله المزني عن
الشافعي، ووجه الاستدلال به على ذلك: أن المراد: أن بين الجهتين قبلة لغير
المعاين ومن في حكمه؛ لأن المعاين لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق
والمغرب، بل كل الجهات في حقه سواء متى قابل العين.
فالحديث: دليل على أن ما بين الجهتين قبلة، وأن الجهة كافية في الاستقبال،
وذهب الشافعي في أظهر القولين عنه: أن فرض من بعد إصابة العين، وأنه يلزمه
ذلك بالظن، وقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٤] يدل
على كفاية الجهة؛ إذ العين في كل محل تتعذر على كل مُصَلَّ، فالحق أن الجهة
كافية لمن تعذر عليه العين.
وقال ابن المبارك في معنى الحديث: ما بين المشرق، أى: مشرق الشتاء،
والمغرب، أى: مغرب الصيف قبلة، هذا لأهل المشرق، واختيار التياسر لأهل
مَرْو، انتھی.
قال الشوكاني: أراد ابن المبارك بالمشرق البلاد التي يطلق عليها اسم المشرق
كالعراق مثلاً، فإن قبلتهم أيضًا بين المشرق والمغرب، وقد ورد مقيدًا بذلك في
بعض طرق حديث أبي هريرة: ((مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ))، رواه
البيهقي في ((الخلافيات))، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر، أنه قال: إذا جعلت
المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل المشرق، انتهى.
قال المظهر: يعني: من جعل من أهل المشرق أول المغارب - وهو مغرب
الصيف - عن يمينه وآخر المشارق - وهو مشرق الشتاء - عن يساره كان مستقبلاً
للقبلة، والمراد: بأهل المشرق أهل الكوفة وبغداد وخوزستان وفارس وعراق
وخراسان، وما يتعلق بهذه البلاد، انتهى.

١٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فليس المراد بأهل المشرق في قولي ابن المبارك وابن عمر جميع من هم في
المشرق إلى أقصى المعمورة، بل أهل العراق وبخارى وبلخ وسمرقند ونحوهم؛
لأن بلادهم في مشرق الصيف من المدينة، وقبلتهم بين مغرب الصيف ومشرق
الشتاء. وانظر الخريطة وهي هذه:
المغرب الصيفي
المغرب
جدة
المدينة
. O
م
الخط الذي يظهر التياسر لأهل مرو
الشمال
O
مرو
کیسیان
الخطان الذان يظهران المحاذاة لأهل بخارى وبلخ وهرات
الجنوب
هرات
ان
هر
٥
بخارى
٥
حوزستان
٥٠
لغ
خور
المشرق الصيفي
المشرق
الخط الذي يظهر المحاذاة من غير تیاسر وتيامن
المغرب الشتوي
المشرق الشتوي

*3
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٦٧
وقال بعضهم: أراد به: بيان قبلة من التبس عليه قبلته فإلى أي جهة
صلى بالتحري والاجتهاد كفته، قال تعالى: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَمَّ وَجْهُ
اُللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقال بعضهم: المراد منه: المتطوع على الدابة في السفر إلى أي
جهة. وفي القولين نظر؛ إذ لا وجه فيهما للتقييد بما بين المشرق والمغرب، قاله
القاري .
وقال بعضهم: المراد منه: صحة الصلاة في جميع الأرض، ذكره الزيلعي في
((نصب الراية)) (ج١: ص٣٠٤) وقيل: المراد به: بيان حكم المريض الذي لا يقدر
أن يتوجه إلى القبلة. وقيل: هو محمول على المجاهد المطلوب. والراجح عندي
هو القول الأول، والله أعلم بالصواب.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وابن ماجه كلاهما من طريق أبي معشر نجيح السندي، وهو
صدوق أسن واختلط فتكلم فيه من قبل حفظه. وقد تابعه عليه علي بن ظبيان قاضي
حلب كما رواه ابن عدي في ((الكامل)) قال: ولا أعلم يرويه عن محمد بن عمرو غير
علي بن ظبيان، وأبي معشر، وهو بأبي معشر أشهر منه بعلي بن ظبيان. قال: ولعل
عليًّا سرقه من أبي معشر، وذكر قول ابن معين فيه: أنه ليس بشيء، وقول النسائي:
أنه متروك الحديث. وقد تابعه عليه أيضًا أبو جعفر الرازي، رواه البيهقي في
((الخلافيات))، وأبو جعفر وثقه ابن معين، وابن المديني، وأبو حاتم، والحاكم،
وابن عبد البر، وابن سعد. وقال أحمد والنسائي: ليس بقوي. وقال الحافظُ :
صدوق سيء الحفظ.
وقد أخرج الترمذي الحديث من طريق أخرى غير طريق أبي معشر، وقال:
حديث حسن صحيح. وقال أيضًا: هو أقوى من حديث أبي معشر وأصح. وقد
خالفه البيهقي فقال بعد إخراجه من هذه الطريق: هذا إسناد ضعيف.
قال الشوكاني: فنظرنا في الإسناد، فوجدنا عثمان بن محمد بن المغيرة بن
الأخنس بن شريق قد تفرد به عن المقبري، وقد اختلف فيه، فقال علي بن المديني :
إنه روى أحاديث مناكير، ووثقه ابن معين وابن حبان، فكان الصواب ما قاله
الترمذي، انتھی.

١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلتُ: الحديث قد تأيد بروايته من حديث ابن عمر، فقد رواه الحاكم (ج١ :
ص ٢٠٥) من طريق شعيب بن أيوب، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر،
عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين،
فإن شعيب بن أيوب ثقة وقد أسنده، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر - وهو
ثقة - عن نافع، عن ابن عمر مسندًا، ثم أخرجه كذلك (ج ١: ص٢٠٦) وقال: هذا
حديث صحيح، قد أوقفه جماعة عن عبد الله بن عمر، ووافقه الذهبي على ما قال،
وزاد: وصححه أبو حاتم الرازي موقوفًا على عبد الله، ورواه البيهقي في ((السنن
الكبرى)) (ج٢: ص٩) عن الحاكم بالإسنادين ثم قال: تفرد بالأول ابن مجبر وتفرد
بالثاني يعقوب بن سفيان الخلال، والمشهور رواية الجماعة: حماد بن سلمة،
وزائدة بن قدامة، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم، عن عبيد الله، عن نافع، عن
ابن عمر عن عمر من قوله، انتهى. ورواه أيضًا الدار قطني (ص١٠١) بالإسنادین.
قلتُ: الرفع زيادة ثقة فتقبل، ولا تكون رواية من أوقفها علة للحديث بل تكون
مؤيدة له، وليس هاهنا قرينة على كون الرفع وهمًّا، والله أعلم.
٧٢١ - [٢٨] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْنَا وَقْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ،
فَبَا يَعْنَاهُ، وَصَلَيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ
طَّهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ فِي إِدَاوَةٍ، وَأَمَرَنَا فَقَالَ:
((اخْرُجُوا فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ، فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، وَانْضِحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ،
وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا)) قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالحَرَّ شَدِيدٌ، وَالمَاءَ يُنْشَفُ، فَقَالَ:
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {حسن}
((مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّ طِيبًا)).
الشَّرْجُ
٧٢١ - قوله: (خَرَجْنَا وَفْدًا) الوفد بفتح الواو وإسكان الفاء: جماعة قاصدة
عظيمًا لشأن من الشئون، فهو حال أي: قاصدين، يقال: وفد إلى أو على الأمير
كضرب، إذا قدم وورد رسولًا فهو وافد والجمع وفد ووفود. (فَبَايَعْنَاهُ) أي: على
(٧٢١) التَّسَائِي (٣٨/٢، ٣٩) فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١١٢٣) مُطَوَّلًا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٦٩
BOCE
التوحيد والرسالة والسمع والطاعة. (بِيعَةً) بكسر الباء وهي معبد النصارى.
(فَاسْتَوْهَبْنَاهُ) الفاء عطفت ما بعدها على المجموع أي: خرجنا وفعلنا فاستوهبناه
أي: سألناه أن يعطينا.
(مِنْ فَضْلٍ طَهُورِهِ) بفتح الطاء، والظاهر أن المراد: ما استعمله في الوضوء
وسقط من أعضائه الشريفة، ويحتمل أن المراد: ما بقي في الإناء عند الفراغ من
الوضوء، قال ابن حجر: (مِنْ) تبعيضية وهي وما بعدها في محل نصب بدل اشتمال
من المفعول به. (وَتَمَضْمَضَ) منه بعد الوضوء أو في أثنائه. (ثُمَّ صَبَّهُ) أي: الماء
المتمضمض به زيادة على مطلوبهم فضلًا، ويمكن أن يكون المصبوب هو الماء
الباقي المطلوب. (فِي إِدَاوَةٍ) بكسر الهمزة، ظرف صغير من جلد. (وَأَمَرَنَا) أي:
بالخروج. (فَقَالَ) بيان للأمر، أو أمرنا بمعنى أراد أمرنا فقال: (اخْرُجُوا) إذنًّا
بالخروج. (فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ) أي : دياركم. (فَاكْسِرُوا) بكسر السين.
(بِيعَتَكُمْ) أي: غيروا محرابها وحولوه إلى الكعبة، وقيل: خربوها.
(وَانْضِحُوا) بكسر الضاد وفتحها من ضرب وفتح أي: رشوا. (مَكَانَهَا بِهَذَا
الْمَاءِ) ليصل إليها بركة فضل وضوئه، فالإشارة إلى فضل الوضوء. (وَاتَّخِذُوَهَا)
أي: البيعة يعني مكانها. (مَسْجِدًا) فيه: دليل على جواز اتخاذ البِيَع مساجد،
وغيرها من الكنائس وبيوت الأصنام ونحوها ملحق بها بالقياس. (وَالْحَزَّ) بالنصب
ويرفع.
(يُنْشَفُ) بالتخفيف بصيغة المجهول، يقال: نشف الثوب العرق - بالكسر -
ونشف الحوض الماء ينشفه إذا شربه. (مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ) أي: زيدوا فضل ماء
الوضوء من الماء غيره يعني: صبوا عليه ماء آخر. (فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا) قال
الطيبي: الضمير في (فَإِنَّه) إما للماء الوارد أو المَوْرُود، أي: الوارد لا يزيد
المورود الطيب ببركته إلا طيبًا، أو المورود الطيب لا يزيد بالوارد إلا طيبًا، انتهى.
وفي الحديث التبرك بفضله ◌ِّله، ونقله إلى البلاد، ونظيره ماء زمزم، قيل: ويؤخذ
من ذلك أن فضلة وارثيه من العلماء والصلحاء كذلك.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) أي: عن هناد بن السري، عن ملازم هو ابن عمر، وعن عبد الله
ابن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي. وقد أكثر الناس في قيس بن

١٧٠
er
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
طلق، والحق: أنه صدوق؛ وَثَّقَّهُ العجلي، وابن معين في رواية عثمان بن سعد
عنه. وقال ابن القطان: يقتضي أن يكون خبره حسنًا لا صحيحًا، وأما بقية رجاله
وَهُمْ مَنْ دُونَ قيس بن طلق فهم ثقات. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان في
((صحيحه)) مطولًا عن خليفة: حدثنا مسدد بن مسرهد: حدثنا ملازم بالسند
المتقدم، قال: خرجنا ستة وفدًا إلى رسول اللَّه ◌َله ... الحديث. نقله مَيْرَك عن
التخريج، كذا في ((المرقاة)).
٧٢٢ - [٢٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه بِيِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي
الدُّورِ، وَأَنْ يُنَظَّفَ وَيُطَيِّبَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنِّْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٧٢٢ - قوله: (أَمَرَ) الظاهر أن الأمر للندب لا للوجوب، فكان معناه أَذِنَ .
وهذا لأن مبناه على دفع المشقة عنهم كما سيأتي. (رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي
الدُّورِ) جمع دار وهو اسمٍ جامع للبناء والعرصة والمحلة، والمراد: المحلات،
فإنهم كانوا يسمون المَحِلّةَ التي اجتمعت فيها قبيلة دارًا.
قال البغوي في ((شرح السنة)): يريد بالدور المحال التي فيها الدور. ومنه قوله
تعالى: ﴿سَأُؤْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥]؛ لأنهم كانوا يسمون المَحِلَّةَ التي
اجتمعت فيها قبيلة دارًا. ومنه الحديث: ((مَا بَقِيَتْ دَارٌ إِلَّا بُنِيَ فِيْهَا مَسْجِدٌ))، قال
سفيان: بناء المساجد في الدور - يعني: القبائل، أي: من العرب - يتصل بعضها
ببعض، وهم بُنُو أَبٍ واحد يبنى لكل قبيلة مسجد، هذا ظاهر معنى تفسير سفيان
الدور. قال أهل اللغة: الأصل في إطلاق الدور على المواضع، وقد تطلق على
القبائل مجازًا. وحكمة أمره لأهل كل مَحِلَةٍ ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق
على أهل محلة الذهاب للأخرى، فيحرمون أجر المسجد، وفضل إقامة الجماعة
فيه، فأمروا بذلك ليتيسر لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة
تلحقهم .
(٧٢٢) أَبُو دَاوُد (٤٥٥)، وَالتِّرْمِذِي (٤٩٤) (٤٩٦)، وَابن مَاجَهْ (٧٥٨) عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٧١
وقال البغوي: قال عطاء: لما فتح اللَّه على عمر الأمصار أمر المسلمين ببناء
المساجد، وأمرهم أن لا يبنوا مسجدين يضار أحدهما الآخر، ومن المضارة فعل
تفريق الجماعة، إذا كان هناك مسجد يسعهم، فإن ضاق سن توسعته، أو اتخاذ
مسجد یسعهم .
(وَأَنْ يُنَظَّفَ) أي: يطهر كما في رواية ابن ماجه، أي: من الأقذار. (وَيُطَيِّبُ)
أي: برش العطر، ويجوز أن يحمل التطبيب على التجمير بالبخور في المسجد،
وفيه: أنه يستحب تجمير المسجد بالبخور، فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا
قعد عمر على المنبر، واستحب بعض السلف التخليق بالزعفران والطيب، وروي
عنه ◌ِالَِّ فعله. قال الشعبي: هو سنة، وأخرج ابن أبي شيبة، أن ابن الزبير لما بَنَّى
الكعبة طَلَى حِيطَانَهَا بالمسك. وفيه: أنه يستحب كنس المسجد وتنظيفه، وقد
روى ابن أبي شيبة أنه ◌ُالَّلا كان يتتبع غبار المسجد بجريدة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) مسندًا وسكت عنه. (والتِّرْمِذِيُّ) مسندًا ومرسلًا. وقال:
المرسل أصح. وإنما صحح الترمذي إرساله؛ لأن في سند الموصول عامر بن
صالح وقد ضعفه بعض العلماء وكذبه ابن معين، لكنه رواه غير الترمذي موصولًا
من غير طريق عامر بن صالح، فرواه أبو داود، وابن ماجه من طريق زائدة بن
قدامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مسندًا مرفوعًا، وزائدة ثقة ثبت .
ورواه ابن ماجه أيضًا من طريق مالك بن سعير، عن هشام بن عروة، ومالك بن
سعير لا بأس به، وأيضًا عامر بن صالح، قال فيه أحمد بن حنبل: ثقة لم يكن
صاحب كذب. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه)).

١٧٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٢٣ - [٣٠] وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَا أُمِرْتُ
بِتَشِْيدِ الْمَسَاجِدِ».
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى(*).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرُ
٧٢٣ - قوله: (مَا أُمِرْتُ) بضم الهمزة وكسر الميم، مبني للمفعول و((ما))
نافية. (بِتَشْبِيدِ الْمَسَاجِدِ) أي: برفعها وإعلاء بنائها. قال البغوي في ((شرح السنة)):
التشييد رفع البناء وتطويله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُمْ فِي بُوِجٍ تُشَيِّدَةٍ ﴾ [النساء: ٧٨]
وهي التي طول بناؤها، يقال: شِدْت الشيء أشيده مثل بعته أبيعه، إذا بنيته بالشيد
وهو الجص، وشيدته تشييدًا طولته ورفعته. وقيل: المراد بالبروج المشيدة:
المجصصة. قال ابن رسلان: والمشهور في الحديث أن المراد بتشييد المساجد
هنا: رفع البناء وتطويله كما قال البغوي، انتهى.
والحديث قد استدل به بعضهم: على منع تشييد المساجد، وفيه نظر؛ لأن نفي
كون التشييد مأمورًا به لا يقتضي الكراهة والمنع، بل يدل على عدم الوجوب،
ونفي الوجوب قد يتحقق بجواز الفعل أيضًا، فلا يستوجب الكراهة والمنع،
فتشييد المسجد وإحكام بنائه بما يستحكم به الصنعة من غير تزيين وتزويق وزخرفة
ليس بمكروه عندنا؛ إذا لم يكن مباهاة ورياء وسمعة؛ لما تقدم من حديث عثمان
ابن عفان: ((مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ)). وأيضًا يؤيده ما فعله
عثمان في خلافته في بناء المسجد النبوي، فإنه صنع ما صنع في بنائه مستدلا بهذا
الحديث، وكل ما صنع كان من باب الإحكام والتخصيص من غير تزويق
وزخرفة، وأما الحجارة المنقوشة فلم يكن نقشها بأمره بل حصلت له كذلك
منقوشة، ولم يكن عند الذين أنكروا عليه من الصحابة دليل يوجب المنع إلا الحث
(٧٢٣) أَبُو دَاوُد (٤٤٨) فِي الصَّلاَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلَّقَهُ فِي الْبُخَارِي (١ / ٥٣٩).
(*) أَبُو دَاوُد (٤٤٨).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٧٣
Be
على اتباع ما فعله وَّ وعمر في بناء المسجد من ترك الرفاهية، وهذا لا يقتضي منع
التشييد و كراهته .
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) هو موقوف لكنه في حكم المرفوع؛ لأنه إخبار عن ما يأتي،
وهو لا يكون إلا عن النبي وَل .
وقال الأمير اليماني: هذا مدرج من كلام ابن عباس، كأنه فهمه من الأخبار
النبوية من أن هذه الأمة تحذو حذو بني إسرائيل. (لَتُزَخْرِ فَنَّهَا) بفتح اللام على أنها
جواب القسم، وبضم المثناة وفتح الزاي، وسكون الخاء المعجمة، وضم الفاء،
وتشديد النون، وهي نون التأكيد. والزخرفة: الزينة، وأصل الزخرف: الذهب،
ثم استعمل في كل ما يتزين به.
قال الخطابي: معنى قوله: (لَتُزَخْرِفُنَّهَا)، لتزينتها. وأصل الزخرف الذهب،
يريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامه، إذا
موهه وزينه بالباطل .
(كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) أي: بيعهم وكنائسهم، يعني: أن اليهود
والنصارى زخرفوا مساجدهم، عندما حرفوا أمر دينهم، وتركوا العمل بما في
كتبهم، فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم، إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص
في العمل، وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة في تشييدها وتزيينها.
قال القاري: هذا - أي: زخرفة المساجد - بدعة؛ لأنه لم يفعله عليه الصلاة
والسلام. وفيه موافقة أهل الكتاب، انتهى. قال البخاري في ((صحيحه)): أمر عمر
ببناء المسجد، وقال: ((أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرٍ، وَإِيَّكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ
النَّاسَ)). وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لإخباره عما سيقع بعده، فإن تزويق
المساجد والمباهاة بزخرفتها قد كثر في هذا الزمان في جميع بلاد المسلمين إلا
بلاد نجد، فسلام علی نجد ومن حل بالنجد.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا ابن حبان في
((صحيحه))، وذكر البخاري قول ابن عباس المذكور تعليقًا، وإنما لم يذكر البخاري
المرفوع للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله، قاله الحافظ.

١٧٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٧٢٤ - [٣١] وَعَنْ أَنَس ◌ُِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((مِنْ أَشْرَاطٍ
السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِي وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشّرْجُ
٧٢٤ - قوله: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) جمع شرط بالتحريك وهو العلامة، قدم
الخبر على المبتدأ للاهتمام به، وزيادة الإنكار على فاعله لا للتخصيص ولا
للحصر، أي: من علامات القيامة.
(أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ) أي: يتفاخرون، والتباهي إما بالقول كما ستعرف أو بالفعل،
كأن يبالغ كل واحد في تزيين مسجده وتزويقه وغير ذلك، وفيه دلالة مفهمة بكراهة
ذلك.
(فِي الْمَسَاجِدِ) أي: في بنائها يعني: يتفاخر كل أحد بمسجده، يقول: مسجدي
أرفع، أو أَزْيَن، أو أوسع، أو أحسن علوًّا وزينة، رياء وسمعة، واجتلابًا للمدحة،
أو يأتون بهذا الفعل الشنيع - وهو المباهاة بما ذكر - وهم جالسون في المساجد.
والحديث على المعنيين مما يشهد بصدقه الوجود، فهو من جملة المعجزات
الباهرة له ◌َالته .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري.
(وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) واللفظ للنسائي وابن ماجه، ورواه أبو داود
والدارمي بلفظ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ»، وهكذا رواه
ابن حبان في ((صحيحه))، وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده))، وابن خزيمة في
(صحيحه)) بلفظ: ((يأتي على الناس زمان يتباهون بالمسجد ثم لا يعمرونها إلا
قليلًا)). وعند أبي نعيم في كتاب المساجد: ((يتباهون بكثرة المساجد)).
(٧٢٤) أَبُو دَاوُد (٤٤٩)، وَالنَّسَائِي (٣٢/٢)، وَابن مَاجَهْ (٧٣٩) فِيهَا عَنْ أَنَسٍ رَ شْتَهُ.

١٧٥
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٧٢٥ - [٣٢] وَعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ
أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي
فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِن الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ، ثُمَّ نَسِيَهَا)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
٧٢٥ - قوله: (عُرِضَتْ عَلَيَّ) لعل هذا العرض في ليلة المعراج. (أُجُورُ أُمَّتِى)
أي: ثواب أعمالهم. (حَتَّى الْقَذَاةُ) بزنة حَصَاة، وهي ما يقع في العين من تراب، أو
تبن، أو وَسَخٍ، ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا، والمراد
هنا: الشيء القليل مما يؤذي المسلمين، سواء كان من تبن أو وسخ أو غير ذلك،
ولا بد في الكلام من تقدير مضاف، أي: أجور أعمال أمتي، وأجر القذاة، أي:
أجر إخراج القذاة، إما بالجر و(حتى)) بمعنى ((إلى)) والتقدير: إلى إخراج القذاة.
وعلى هذا قوله: (يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ) جملة مستأنفة للبيان، وإما
بالرفع عطفًا على (أجور)، فالقذاة مبتدأ ويخرجها خبره. وهذا إخبار بأن ما يخرجه
الرجل من المسجد وإن قل، فهو مأجور فيه؛ لأن فيه تنظيف بيت الله، ويفيد
الحديث بمفهومه: أن من الأوزار إدخال القذاة إلى المسجد، وفيه: تنبيه بالأدنى
على الأعلى؛ لأنه إذا كتب هذا القليل، وعرض على نبيهم، فيكتب الكبير ويعرض
من باب الأولى. (فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا) أي: يترتب على نسيان.
(أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ) أي: من ذنب نسيان سورة كائنة. (مِنَ الْقُرْآنِ) فإن قلتُ: هذا
مناف لما مَرَّ في باب الكبائر، قلتُ: إن سلم أن ((أعظم)) و((أكبر)) مترادفان،
فالوعيد على النسيان لأجل أن مدار هذه الشريعة على القرآن، فنسيانه كالسعي في
الإخلال بها. فإن قلتُ: النسيان لا يُؤَاخَذ به، قلتُ: المراد تركها عمدًا إلى أن
يفضي إلى النسيان، وقيل: المعنى أعظم من الذنوب الصغار، إن لم تكن عن
استخفاف، وقلة تعظيم، كذا في ((الأزهار شرح المصابيح)). (أَوْ آيَةٍ) أو للتنويع.
(٧٢٥) أَبُو دَاوُد (٤٦١)، وَالتِّرْمِذِي (٢٩١٦) فِيهَا عَنْ أَنَسٍ.

١٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أُوتِيهَا رَجُلٌ) أي: تعلمها، أو حفظها عن ظهر قلب. (ثُمَّ نَسِيَهَا) قال الطيبي:
إنما قال: أوتيها دون حفظها، إشعارًا بأنها كانت نعمة جسيمة أولاها الله
ليشكرها، فلما نسيها فقد كفر تلك النعمة، فبالنظر إلى هذا المعنى كان أعظم
جرمًا، فلما عدَّ إخراج القذاة التي لا يُؤْبَه لها من الأجور تعظيمًا لبيت الله، عدّ
أيضًا النسيان من أعظم الجرم؛ تعظيمًا لكلام الله سبحانه، فكأن فاعل ذلك عدَّ
الحقير عظيمًا بالنسبة إلى العظيم فأزاله عنه، وصاحب هذا عدَّ العظيم حقيرًا،
فأزاله عن قلبه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في ((فضائل القرآن)) واستغربه. (وَأَبُو دَاوُدَ) في الصلاة وسكت
عنه، وقال الترمذي: ذاكرت به محمد بن إسماعيل - يعني : البخاري - فلم يعرفه
واستغربه. قال محمد: ولا أعرف للمطلب بن عبد الله - يعني: الراوي له - عن
أنس سماعًا من أحد أصحاب النبي و ◌َلّ إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي ◌َّ،
قال: وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن، يقول: لا يعرف للمطلب سماع من أحد
من أصحاب النبي وَّل، قال عبد الله: وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب
سمع من أنس، انتهى.
وقال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا: وفي إسناده عبد المجيد بن
عبد العزيز بن أبي روَّاد الأزدي، وثقة يحيى بن معين، وتكلم فيه غير واحد،
انتهى. قلتُ: ووثقه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي، كما في ((تهذيب التهذيب)).
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)»: وصححه ابن خزيمة.
٧٢٦ - [٣٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي
الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [رَوَاهُ التَّمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَا (صحيح}
الشرْخُ
٧٢٦ - قوله: (بَشِّرِ) هذا من الخطاب العام، ولم يرد به امرءًا واحدًا بعينه،
(٧٢٦) أَبُو دَاوُد (٥٦١)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٢٣) فِي الصَّلاَةِ عَنْ بُرَيْدَةَ.

١٧٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
قاله السيوطي. وقال السندي: لعله خطاب لكل من يتولى تبليغ الدين ويصلح له.
(الْمَشَّائِينَ) بالهمزة والمد من صيغ المبالغة، والمراد منه: كثرة مشيهم ويعتادون
ذلك، لا من اتفق منهم المشي مرة أو مرتين.
(فِي الظّلَم) بضم الظاء وفتح اللام جمع ظُلْمَة بسكونها أي: ظلمة الليل،
والحديث يَشْمَل العشاء والصبح بناء على أنها تقام بغلس. (إِلَى الْمَسَاجِدِ) قيل: لو
مشى في الظلام بضوء لدفع آفاتٍ الظلام فالجزاء بحاله وإلا فلا، قاله ابن الملك.
وعلى هذا فالمراد مِنْ (فِي الظَّلَم) أي: في وقت ظلمة الليل، وإن كان معهم
مصباح. (بِالنُّورِ) متعلق بـ((بشر)). (التَّامِ) الذي يحيط بهم من جميع جهاتهم، أي:
على الصراط لما قاسوا مشقة المشي في ظلمة الليل جُوزُوا بنور يضيء لهم،
ويحوط بهم. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال الطيبي: في وصف النور بالتام وتقييده بيوم القيامة
تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِِهِمْ
وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتَّمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]، وإلى وجه المنافقين في قوله تعالى:
[الحديد: ١٣] انتهى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق إسماعيل
﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَِسْ مِن نُِّكُمْ﴾
الكحال، عن عبد الله بن أوس، عن بريدة، واستغربه.
(وَأَبُو دَاوُدَ) من هذا الطريق وسكت عنه. وقال المنذري: قال الدار قطني: تفرد
به إسماعيل بن سليمان الضَّبِّي الكحال عن عبد الله بن أوس. وقال المنذري في
((الترغيب)): رجال إسناده ثقات، وأخرجه ابن ماجه بلفظه من حديث أنس،
انتهى. قلتُ: إسماعيل الكحال، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، وقال: يخطئ. وقال الحافظُ: صدوق يخطئ.
وعبد الله بن أوس الخزاعي ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظُ: لين
الحديث. فالظاهر: أن الحديث حسن، ويؤيده توثيق المنذري لرجال إسناده.
وتفرد إسماعيل وعبد الله لا يضر؛ لأن له شواهد كثيرة بمعناه، وبعضها بلفظه أو
بنحوه، وبعض أسانيدها صحاح وبعضها حسان من أحاديث بعض الصحابة،
وكلها مرفوع إلى النبي ◌َّر، وانظرها في ((الترغيب)) (ج١: ص١٠٦) و((مجمع
الزوائد)) (ج٢: ص٣١، ٣٠).

١٧٨
eet
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٢٧، ٧٢٨ - [٣٤، ٣٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ،
وَأَنَسٍ.
[صحيح]
الشَّرْخُ
٧٢٧، ٧٢٨ - قوله: (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) وأخرجه أيضًا
ابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقال في
(الزوائد)): إسناده حسن، وصححه الحاكم، وإبراهيم بن محمد الحلبي شيخ ابن
ماجه .
قال ابن حبان في ((الثقات)): يخطئ، وقال الذهبي في ((الكاشف)): صدوق.
وباقي رجاله ثقات. قال السندي: وهذا يؤيد قول من قال: إسناده حسن. (وَأَنَسِ)
قال في ((الزوائد»: إسناده ضعيف.
٧٢٩ - [٣٦] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((إِذَا
وَأَيْتُمِ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ:
﴿إِذَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِي ] {ضعيف}
الزَّكَوَةَ﴾)).
الشَّرْحُ
٧٢٩ - قوله: (يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ) أي: يخدمه ويعمره. وقيل: المراد: التردد
إليه في إقامة الصلاة وجماعته. وهذا هو التعهد الحقيقي، وهو عمارته صورة
ومعنى. وفي رواية للترمذي: ((يَعْتَاهُ)) بدل (يَتَعَاهَدُ) أي: يلازم المسجد، ويرجع
(٧٢٧)، (٧٢٨) ابْنُ مَاجَهْ (٧٨١) عَنْ أَنَس، وَالحَاكِمُ (١/ ٢١٢) مِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ، وَقَالَ: عَلَى
شَرْطِهِمَا.
(٧٢٩) التِّرْمِذِي (٢٦١٧) فِي الإِيمَانِ، وَابن مَاجَهْ (٨٠٢) فِي المَسَاجِدِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٧٩
إليه كرة بعد أخرى. قال الطيبي: التعهد والتعاهد الحفظ بالشئ، وفي التعاهد
المبالغة؛ لأن الفعل إذا أخرج على زِنَة المبالغة دل على قوته، وورد في رواية
للترمذي: ((يَعْتَادُ)) بدل (يَتَعَاهَدُ) وهو أقوى سندًا وأوفق معنَّى؛ لشموله جميع ما
يناط به المسجد من العمارة، واعتياد الصلاة وغيرها؛ ألا ترى إلى ما أشهد به
النبي ◌َّ بقوله: (فَاشْهَدُوا لَهُ) أي: اقطعوا له القول. (بِالْإِيمَانِ) لأن الشهادة قول
صدر عن مواطأة القلبِ اللسانَ على سبيل القطع، انتهى.
قال السندي: وهو الموافق للاستشهاد بالآية، لکن یشکل علیه حديث سعد :
قال في رجل: إنه مؤمن، فقال {وَالَ: ((أَوْ مُسْلِمٌ)) رواه في ((الصحيحين))، فإنه يدل
على المنع عن الجزم بالإيمان إلا أن يقال: ذلك الرجل لم يكن ملتزما للمساجد،
أو يراد بالإيمان هاهنا: الإسلام، وفيه: أن الجزم بالإسلام لا يحتاج إلى ملازمة
المساجد، والأقرب أن المراد بالشهادة: الاعتقاد وغلبة الظن، انتهى.
وقال ابن حجر: بل التعهد أولى، أي: من لفظ يعتاد؛ لأنه مع شموله لذلك
يشمل تعهدها بالحفظ، والعمارة، والكنس، والتطييب، وغير ذلك ما يدل عليه
استشهاده ◌ِلِّل بالآية الآتية. (﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾) أي: بإنشائها أو ترميمها،
أو إحيائها بالعبادة والدروس. (﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾) قال في
((الكشاف)): عمارتها: كنسها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها، واعتيادها
بالعبادة والذكر، وصيانتها عما لم تُبْنَ له المساجد من حديث الدنيا، فضلًا عن
فضول الحديث، انتهى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الإيمان، وفي التفسير، وحَسَّنَهُ.
(وابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))،
والحاكم كلهم من طريق دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. قال
الحاكم: صحيح الإسناد.
قال الذهبي: في سنده دراج وهو كثير المناكير. وكذا قال أحمد، وقال ابن
معين: ثقة. وقال يحيى بن سعيد: ليس به بأس. وقال الحافظُ: صدوق في حديثه
عن أبي الهيثم ضعف.