Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة، إن حمل الأمر على ما مضى من التأويل الأول،
وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم. (وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) أي: سنًّا، وإنما خص الأكبر
بالإمامة لمساواتهما في سائر الأشياء الموجبة للتقدم؛ كالأقرئية، والأعلمية بالسنة
لمساواتهما في المكث، والحضور عنده وَّ، وذلك يستلزم المساواة في هذه
الصفات عادة. والحديث قد استدل به من قال بوجوب الأذان. قال القسطلاني:
لكن الإجماع صارف للأمر عن الوجوب، وفيه نظر. وفي الحديث: الحض على
المحافظة على الأذان في السفر. وفيه: أن أقل صلاة الجماعة إمام ومأموم، وهو
إجماع المسلمين. وفيه: أن الأذان والجماعة مشروعان للمسافرين.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة، وفي
باب: اثنان فما فوقهما جماعة، وفي باب: سفر الاثنين، من كتاب الجهاد، لكن
ليس في واحد من هذه الروايات لفظ : (وَابْنُ عَمُّ لِي)، نعم، هو عند التر مذي وأبي
داود والنسائي. والحديث أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والترمذي وأبو داود
والنسائي وابن ماجه، فكان الأنسب للمصنف أن يقول: متفق عليه.
٦٨٨ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (صَلُوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي
أُصَلِّ، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشرخُ
٦٨٨- قوله: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) أي: في مراعاة الشروط،
والأركان، والسنن والآداب. (وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) أي: وقتها .
(ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) أي: في السن، وإنما قدمه، وإن كان الأقرأ والأعلم
مقدمين عليه؛ لأنهم استووا في الفضل؛ لأنهم مكثوا عنده عشرين ليلة فاستووا في
الأخذ عنه عادة، فلم یبق ما یقدم به إلا السن.
(٦٨٨) الْبُخَارِي (٦٣١) عَنْهُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ (٦٧٤) بَعْضُهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ [تَأْخِيرُ الأَذَان]
١٠١
قال الشوكاني: الحديث يدل على وجوب جميع ما ثبت عنه وَّ في الصلاة من
الأقوال والأفعال، ويؤكد الوجوب كونها بيانًا لمجمل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ
الضَّلَوَةَ﴾ وهو أمر قرآني يفيد الوجوب، وبيان المجمل الواجب واجب كما تقرر
في الأصول، إلا أنه ثبت أنه رَّواقتصر في تعليم المسيء صلاته على بعض ما كان
يفعله، ويداوم عليه، فعلمنا بذلك أنه لا وجوب لما خرج عنه من الأقوال
والأفعال؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول
بالإجماع. ووقع الخلاف إذا جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في حديث المسيء،
فمنهم من قال: يكون قرينة لصرف الصيغة إلى الندب، ومنهم من قال: تبقى
الصيغة على الظاهر الذي تدل عليه ویؤخذ بالزائد فالزائد.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصلاة، وفي الأدب، وفي أخبار الآحاد،
ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٤٣٦ وج٥: ص٥٣)
والنسائي. قال السيد: لم يذكر مسلم: (صَلّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَصَلَّ)، فقول
المصنف: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) محل بحث. وأجيب: بأنه يحمل على الغالب، أو محل
الشاهد والأمر الذي يتعلق به الحكم، ويترتب عليه الخلاف من الوجوب
والندب.
واعلم أن حديث مالك هذا وحديثه السابق واحد في الأصل، وفيه قصة،
وبعضهم أطال، وبعضهم اختصر، والمعنى متقارب. وقيل في توجيه اختلاف
السياق: أنه يحتمل أن تكون هذه الألفاظ المتعددة كانت منه في وفادتين، أو في
وفادة واحدة غير أن النقل تكرر منه ومن النبي ◌َّ، والله أعلم.

١٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦٨٩ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةٍ
خَيْبَرَ سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: ((الْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ))
فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ
اسْتَنَدَ بِلَاَلٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَجِهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى
رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى
ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَرِعَ رَسُولُ اللَّهِ
وَهِ، فَقَالَ: ((أَنْ بِلَالُ)) فَقَالَ بِلَالُ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، قَالَ:
اقْتَادُوا، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ
الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: ((مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ
فَلْيُصَلُّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٦٨٩ - قوله: (حِينَ قَفَلَ) أي: رجع إلى المدينة. (مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ) في المحرم
سنة سبع، وخيبر غير منصرف للعلمية والتأنيث، وهي اسم موضع على ستة
مراحل، وقيل: على ستة وتسعين ميلًا من المدينة. (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى)
بفتحتين وهو النعاس، وقيل: النوم. (عَرَّسَ) من التعريس أي: نزل آخر الليل
للنوم والاستراحة. قال النووي: التعريس نزول المسافرين آخر الليل للنوم
والاستراحة، هكذا قاله الخليل والجمهور. وقال أبو زيد: هو النزول أيَّ وقت كان
من ليل أو نهار، وفي الحديث: ((معرسون في نحر الظهيرة))، انتهى.
وقال الخطابي: هو النزول لغير إقامة. (اكْلاً) بهمزة في آخره، أي: ارقب
واحفظ واحرسٍ، ومصدره الكلاء بكسر الكاف والمد. (اللَّيْلَ) أي: آخره لإدراك
الصبح. (فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ) أي: ما تيسر له من التهجد. (وَأَصْحَابُهُ) بالرفع
على العطف، ويجوز نصبه على أنه مفعول معه.
(٦٨٩) مُسْلِم (٣٠٩/ ٦٨٠) بِطُولِهِ عَنْهُ فِيهَا.

كِتّابُ الصَّلاةِ
بَابْ [تَأْخِيرُ الأَذَانِ]
١٠٣
(اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ) لغلبة ضعف السهر وكثرة الصلاة. (مُوَجِهَ الْفَجْرِ) أي:
ليرقبه حتى يوقظهم عقب طلوعه. قال القاري: هو بكسر الجيم على أنه فعل لازم،
ولذا قال الطيبي: أي: متوجه الفجر يعني: موضعه، وفي نسخة بفتح الجيم على
أن الفعل متعد، والموجه هو الله تعالى ولكل وجهة، انتهى. ووقع في ((صحيح
مسلم))، وكذا عند ابن ماجه: ((مُوَاجَهَ الْفَجْرِ)) بزيادة الألف بعد الواو من
المواجهة، قال النووي: أي: مستقبله بوجهه .
(فَغَلَبَتْ بِلَاَلًا عَيْنَاهُ) قال الطيبي: هذا عبارة عن النوم كأن عينيه غالبتاه فغلبتاه
على النوم، تم كلامه. وحاصله: أنه نام من غير اختيار. (وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ)
جملة حالية تفيد عدم اضطجاعه عند غلبة نومه. (حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ) أي:
أصابتهم ووقع عليهم حرها، وألقت عليهم ضوؤها. (فَفَزِعَ) بكسر زاي معجمة
وعين مهملة أي: قام قيام المتحير. (رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ﴾) أي: من استيقاظه وقد فاتته
الصبح. وقال الخطابي: معناه: انتبه من نومه، يقال: أفزعت الرجل من نومه. إذا
استيقظته ففزع، أي: نبهته فانتبه.
(فَقَالَ: أي بِلَالُ) العتاب محذوف أو مقدر أي: لم نمت حتى فاتتنا الصلاة؟
(أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ) أي: كما توفاك اللَّه في النوم توفاني، أو يقال:
معناه: غلب على نفسي ما غلب على نفسك من النوم، أي: كان نومي بطريق
الاضطرار دون الاختيار ليصح الاعتذار، وليس فيه احتجاج بالقدر كما توهمه
بعضهم. (اقْتَادُوا) أمر من الاقتياد، وهو جر حبل العير، أي: سوقوا رواحلكم من
هذا الموضع، وفي رواية مسلم: فقال النبي وَالثّ: ((لِيَأْخُذَ كُلَّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ؛
فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ))، وفيها: بيان سبب تأخير الصلاة عن المكان
الذي كانوا فيه، وهو أنه أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابته الغفلة فيه. وفيها
رد على من قال: إنه أخر قضاء الصلاة في ذلك المكان؛ لكون ذلك وقت الكراهة.
قال النووي: فإن قيل: كيف نام النبي ◌َّل عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
مع قوله: ((إِنَّ عَيْنِي تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي)) فجوابه من وجهين: أصحهما وأشهرهما :
أنه لا منافاة بينهما؛ لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم
ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك

١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالعين، والعين نائمة، وإن كان القلب يقظان. والثاني: أنه كان له حالان أحدهما
ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع، والثاني لا ينام، وهذا هو الغالب من
أحواله. وهذا التأويل ضعيف، والصحيح المعتمد هو الأول، انتهى.
(فَاقْتَادُوا) ماض أي: ساقوا. (شَيْئًا) أي: يسيرًا من الزمان أو اقتيادًا قليلاً من
المكان، أي: ذهبوا برواحلهم من ثمة مسافة قليلة. (وَأَمَرَ بِلَالًا) أي: بالإقامة.
(فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) أي: للصلاة، وفيه: إثبات الإقامة للفائتة، وفيه: إشارة إلى ترك
الأذان للفائتة، وفي حديث أبي قتادة عند الشيخين إثبات الأذان للفائتة، وهي زيادة
صحيحة، والزيادة إذا صحت قبلت وعمل بها. وأما ترك ذكر الأذان في حديث أبي
هريرة، فجوابه من وجهين: أحدهما: لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يؤذن فلعله أذن
وأهمله الراوي، أو لم يعلم به، والثاني: لعله ترك الأذان في هذه المرة لبيان جواز
تركه، وإشارة إلى أنه ليس بواجب متحتم لا سيما في السفر.
(فَصَلَّى بِهِم الصُّبْحَ) أي: قضاء، وفيه: استحباب الجماعة في الفائتة. (فَلَمَّا
قَضَى الصَّلَاةَ) أي: فرغ منها. (مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ) وفي معنى النسيان النوم، أي: من
تركها بنسيان أو نوم، واكتفى بالنسيان عن النوم؛ لأنه مثله بجامع ما في كل من
الغفلة، وعدم التقصير. (فَلْيُصَلَّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) فيه: وجوب قضاء الفريضة الفائتة،
سواء تركها بعذر كنوم أو نسيان، أم بغير عذر، وإنما قيد في الحديث بالنسيان
لخروجه على سبب، ولأنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب،
وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وقوله: (فَلَيُصَلَّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) محمول على
الاستحباب، فإنه يجوز تأخير قضاء الفائتة بعذر على الصحيح.
(أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِى) بالإضافة إلى ياء المتكلم، وهي القراءة المشهورة،
وظاهرها لا يناسب المقصود فأوله بعضهم بأن المعنى: وقت ذكر صلاتي، على
حذف المضاف وإضافة المصدر إلى المفعول، واللام بمعنى الوقت أي: إذا
ذكرت صلاتي بعد النسيان، أو المراد بالذكر المضاف إلى الله تعالى: ذكر
الصلاة؛ لكون ذكر الصلاة يفضي إلى فعلها المفضي إلى ذكر الله تعالى فيها،
فصار وقت ذكر الصلاة كأنه وقت لذكر الله، فقيل في موضع: أقم الصلاة
لذكر الله، وقراءة ابن شهاب ((للذَّكْرَى)) بلام الجر ثم لام التعريف وآخره ألف
مقصورة، وهي قراءة شاذة لكنها موافقة للمطلوب هنا بلا تكلف.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابْ [تَأْخِيرُ الأَذَان]
١٠٥
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الصلاة، وأخرجه أيضًا الترمذي في تفسير سورة طه. وأبو
داود، وابن ماجه في الصلاة.
٦٩٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((إِذَا أُقِيمَتِ
الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِ قَدْ خَرَجْتُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّْخُ
٦٩٠ - قوله: (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: ذكرت ألفاظ الإقامة ونودي بها. (فَلَا
تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ) أي: من الحجرة الشريفة، أي: فإذا رأيتموني قد
خرجت فقوموا، وذلك لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له ما يؤخره.
وفيه: أنه إذا لم يكن الإمام في المسجد، لا يقوم المؤتمون عند الإقامة إلى الصلاة
إلا حين يرونه، وإليه ذهب الجمهور، وأما إذا كان هو معهم في المسجد،
فالمستحب أن يقوم الناس إذا أخذ المؤذن في الإقامة. وفيه: جواز الإقامة والإمام
في منزله، إذا كان يسمعها وتقدم إذنه في ذلك.
قال القرطبي: ظاهر الحديث: أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ◌َّ من
بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة: إن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج
النبي ◌َّ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه. أخرجه مسلم. ويجمع بينهما بأن
بلالًا كان يراقب خروج النبي بَّر، فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب
الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم.
وأما حديث أبي هريرة عند مسلم بلفظ: أقيمت الصلاة فقمنا، فعدلنا الصفوف
قبل أن يخرج إلينا النبي ◌َّ، فأتى فقام مقامه ... الحديث. وعند البخاري بلفظ:
أقيمت الصلاة فسوى الناس صفوفهم، فخرج النبي ◌َّر . وعنه في رواية أبي داود:
إن الصلاة كانت تقام لرسول اللّه وَله، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجيء
النبي بَّر. فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن
(٦٩٠) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٩٠٨)، ومُسْلِم (١٥١/ ٦٠٢) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.

١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة،
وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي وَّ، فنهاهم عن ذلك
لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره، ولا يَرُدُّ هذا
حديث أنس عند البخاري وغيره: أنه قام في مقامه طويلاً في حاجة بعض القوم؛
لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرًا، أو فعله لبيان الجواز.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قال مَيْرَك: فيه نظر؛ لأن قوله: (قَدْ خَرَجْتُ) من إفراد مسلم، قال
القاري: هذا من باب التأكيد الذي بدونه تحصل الإفادة، فكان اللفظ للبخاري
والمعنى لمسلم. قلتُ: الظاهر أن المراد: اتفاق الشيخين على إخراج أصل
الحديث من غير نظر إلى خصوص اللفظ، والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي
وأبو داود والنسائي.
٦٩١ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا أُقِيمَتِ
الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأَتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ
فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي
صَلَاةٍ»(*).
- وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
الشّرْحُ
٦٩١ - قوله: (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) ذكر الإقامة ليس بقيد لما في حديث أبي
قتادة عند البخاري: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ)) فإنه يتناول ما قبل الإقامة، فالمراد:
الذهاب والمشي إلى الصلاة، وإنما ذكر الإقامة في حديث أبي هريرة؛ لأنها هي
الحاملة في الغالب على الإسراع، وهي محل توهم جواز الإسراع لإدراك أول
(٦٩١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٦٣٦) (٩٠٨)، ومُسْلِم (٦٠٢) عَنْهُ فِيهِ.
(*) مُسْلِم (١٥٢/ ٦٠٢) عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابْ [تَأْخِيرُ الأَذَان]
١٠٧
الصلاة مع الإمام، فإن المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبيرة
الأولى، فإذا لم يجز الإسراع مع وجود هذه المصلحة، فعند انتفائها بالأولى، فإن
غيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع؛ لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها،
فينهى عن الإسراع من باب الأولى، ففي هذا التقييد تنبيه على ما سواه، وإفادة أن
الإسراع لا يجوز بحال.
(تَسْعَوْنَ) حال، أي: لا تأتوا إلى الصلاة مسرعين في المشي، وإن خفتم فوت
بعض الصلاة، والمراد بالسعي هاهنا: هو الإسراع، وقد يطلق على مطلق المشي
والذهاب، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. يدل عليه
قراءة عمر: ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾. وقيل: المراد في الآية العمل والقصد، يدل
عليه قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. أي: اشتغلوا بأمر المعاد، واتركوا أمر
[النجم: ٣٩] وقوله :
٣٩
المعاش، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى
[الليل: ٤]، وعلى هذا فلا تنافي بين الآية والحديث في الذهاب
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقَّى
إلى الجمعة .
(تَمْشُونَ) المشي، وإن كان يعم الإسراع لكن التقييد بقوله: (وَعَلَيْكُمُ ... ) إلخ
خصه بغيره ولو لا التقييد صريحًا لكفى المقابلة في إفادته. (وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ)
ضبطها القرطبي بالنصب بـ: ((عليكم))، أي: على الإغراء، يعني على أنها مفعول
بها، والمعنى: الزموا السكينة، وضبطها النووي بالرفع على الابتداء، والخبر
سابقها، والجملة في موضع الحال، زاد في رواية للشيخين: ((وَالْوَقَارُ))، فقيل:
هو بمعنى السكينة، وذكر على سبيل التأكيد، وقيل: إن بينهما فرقًا، وإن السكينة
التأنى في الحركات واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغض البصر، وخفض
الصوت، وعدم الالتفات.
(فَمَا أَدْرَكْتُمْ) الفاء جواب شرط محذوف، أي: إذا بينت لكم ما هو أولى بكم
(فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوا)، أو التقدير: إذا فعلتم الذي أمرتكم به من السكينة وترك
الإسراع فما أدركتم فصلوا. واستدل به الجمهور على حصول فضيلة الجماعة
بإدراك أيِّ جزء كان من الصلاة؛ لعموم قوله: (فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلّوا) ولم يفصل بين
القليل والكثير. وقيل: لا يدرك فضل الجماعة بأقل من ركعة لحديث: ((مَنْ أَدْرََ

١٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرََ))، وقياسًا على الجمعة.
والجواب عن الحديث: أنه وارد في الأوقات، وحديث الجمعة خاص بها.
واستدل الحنفية بإطلاق الحديث: على أن من أدرك مع الإمام شيئًا من صلاة
الجمعة ولو في التشهد يصلي ما أدرك معه ويتم الباقي، ولا يصلي الظهر، وسيأتي
الكلام في هذه المسألة في موضعها؛ واستدل به على استحباب الدخول مع الإمام
في أي حالة وجد عليها. وفيه حديث أصرح أخرجه ابن أبي شيبة من طريق
عبد العزيز بن رفيع، عن رجل من الأنصار مرفوعًا: ((مَنْ وَجَدَنِي رَاكِعًا، أَوْ قَائِمًا،
أَوْ سَاجِدًا فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى حَالَتِي الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا)).
(وَمَا فَاتَكُمْ) أي: بحسب الحس والمشاهدة دون الحكم. (فَأَتِمُّوا) أي: أكملوه
وحدكم كذا في أكثر الروايات بلفظ: ((فَأَتِّوا))، وفي بعضها: ((فَاقْضُوا)). وقد
اختلفوا في المسبوق، هل ما يصلي بعد الإمام أول صلاته أم آخرها؟ فمن قال
بالأول - وهو أبو حنيفة - استدل برواية: ((اقْضُوا))؛ لأن القضاء لا يكون إلا
للفائت، فمن سبق بثلاث ركعات، فإنه إذا سلم الإمام يقوم فيصلي ركعة بالفاتحة
وسورة، ثم يقوم من غير تشهد فيصلي أخرى بالفاتحة وسورة، ثم يقعد ويتشهد،
ثم يقوم فيصلي أخرى بالفاتحة لا غير، ويتشهد ويسلم، بناء على أن ما أدركه مع
الإمام هو آخر صلاته، وأنه يكون قاضيًا في الأقوال والأفعال. ومن قال بالآخر -
وهو الشافعي - استدل برواية: ((أَتِمُّوا))؛ لأن لفظ الإتمام واقع على باق من شيء
قد تقدم سائره، فمن سبق بثلاث ركعات، فإنه يقوم بعد سلام الإمام فيصلي ركعة
بالفاتحة وسورة، ثم يجلس ويتشهد، ثم يقوم فيصلي ركعتين بالفاتحة فقط، ثم
يتشهد ويسلم، بناء على أن ما أدرك مع الإمام هو أول صلاته، وأنه يكون بانيًا عليه
في الأقوال والأفعال. وروى البيهقي من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
الحارث، عن علي: مَا أَدْرَكْتَ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِكَ. وعن ابن عمر بسند جيد مثله.
وقال مالك: إنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فيبني عليها، وآخرها بالنسبة
إلى الأقوال فيقضيها، فمن سبق بثلاث ركعات يقضي ركعة بالفاتحة وسورة،
ويقعد ويتشهد، ثم يقوم فيصلي ركعتين أولاهما بالفاتحة وسورة، وأخراهما
بالفاتحة خاصة، وكأنه أراد الجمع بين الروايتين، والعمل بمقتضى اللفظين،

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ [تَأْخِيرُ الأَذَانِ]
١٠٩
واستدل لذلك بما رواه البيهقي من حديث قتادة أن عليًّا قال: مَا أَدْركتَ معَ الْإِمام
فهو أوَّلُ صلاتِكَ، وَاقضِ ما سبقكَ من القرآنِ. الراجح عندي: هو ما ذهب إليه
الشافعي؛ لأن أكثر الرواة أجمعوا على قوله عليه السلام: ((وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُوا))، ولا
يخالفه لفظ: ((اقْضُوا)) كما سيأتي.
قال الحافظُ: إن أكثر الروايات ورد بلفظ: ((فَأَتِمُوا)) وأقلها بلفظ: ((فَاقْضُوا))،
وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإئتمام والقضاء مغايرة، لكن إذا كان مخرج
الحديث واحدًا واختلف في لفظه منه، وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان
أولى، وهنا كذلك؛ لأن القضاء، وإن كان يطلق على الفائت غالبًا لكنه يطلق على
الأداء أيضًا، ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ﴾ [الجمعة: ١٠]
ويرد بمعان أُخر، فيحمل قوله هنا: ((فَاقْضُوا)) على معنى الأداء، أو الفراغ، فلا
يغاير قوله: ((فَأَتِّمُّوا))، فلا حجة فيه لمن تمسك برواية ((فَاقْضُوا)) على أن ما أدركه
المأموم هو آخر صلاته بل هو أولها، وإن كان آخر صلاة إمامه؛ لأن الآخر لا
يكون إلا عن شيء تقدمه، وأوضح دليل على ذلك: أنه يجب عليه أن يتشهد في
آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرًا له لما احتيج إلى إعادة
التشهد .
وقول ابن بطال: إنه ما تشهد إلا لأجل السلام؛ لأن السلام يحتاج إلى سبق
تشهد، ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور. واستدل ابن المنذر
لذلك أيضًا على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة
الأولى، انتهى.
واستدل بالحديث: على أن مدرك الركوع لا يعتد بتلك الركعة للأمر بإتمام ما
فاته؛ لأنه فاته القيام والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة وجماعة، بل حكاه البخاري
في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره
ابن خزيمة والضبعي وغيرهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين
السبكي من المتأخرين.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه. (وَفِي رِوَايَةٍ
لِمُسْلِمٍ: فَإِنَّ أَحَدَكُمْ) تعليل لقوله: ((وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ)). (إِذَا كَانَ يَعْمِدُ) بكسر الميم

١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: يقصد. (فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) أي: حكمًا وثوابًا، فينبغي له من الخشوع والوقار،
الذي يجب على المصلي، مع أن عدم الإسراع يستلزم كثرة الخُطَا، وهو معنى
مقصود لذاته، وردت فيه أحاديث. (وَهَذَا الْبَابُ) أي: بالنسبة إلى تبويب صاحب
((المشكاة))، وإلا فهو في ((المصابيح)): فَصْل. (خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي)؛ لأنه لم
يجد صاحب ((المصابيح)) في السنن أحاديث حسانًا مناسبة لهذا الفصل.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
باب
١١١
الفصل الثالث
٦٩٢- [٨] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ لَيْلَةً
بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ، فَرَقَدَ بِلَالٌ، وَرَقَدُوا حَتَّى
اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا وَادٍ
بِهِ شَيْطَانٌ)) فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ
أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلََّةِ - أَوْ يُقِيمَ - فَصَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ، فَقَالَ:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا،
فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَّانَ يُصَلِّيهَا
فِي وَقْتِهَا)) ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ
أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ، فَلَمْ يَزَلَّ يُهَدَّتُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ))
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللّهِ ◌ِ ◌ِه بِلَالًا، فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ وَ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا] {صحيح}
الشّرْحُ
٦٩٢ - قوله: (بطَرِيقٍ مَكَّةَ) هذا يدل على أن هذه القضية غير الأولى؛ لأن تلك
بين خيبر والمدينة، وهذه بين مكة والمدينة، وفي ((أبي داود)) من حديث ابن
مسعود: أقبل النبي وَّرَ من الحديبية ليلًا فنزل فقال: ((مَنْ يَكْلَؤُنَا؟)) فقال بلال:
أنا ... الحديث. وفي ((مصنف عبد الرزاق)) عن عطاء بن يسار مرسلًا: أن ذلك
كان بطريق تبوك، وللبيهقي في ((الدلائل)) نحوه من حديث عقبة بن عامر، وفي
(٦٩٢) أخرجه مَالِكْ رَْتَهُ، في ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم بطولِهِ مُرسلًا؛ وتقدَّم أصلُهُ في الصحاحِ عن ابنِ
مسعودٍ رێڤته.

١١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
((أبي داود)) من حديث أبي قتادة أن ذلك كان في غزوة جيش الأمراء. وروى مسلم
من حديث أبي قتادة مطولًا، والبخاري مختصرًا في الصلاة قصة نومهم عن صلاة
الصبح أيضًا في السفر، لكن لم يعينه، وكذا وقع بالإبهام في حديث عمران
عندهما. واختلف العلماء، هل كانت قصة تعريسهم ونومهم عن صلاة الصبح مرة
أو أكثر؟ فجزم بعضهم بأن القصة واحدة، وحاول الجمع بين هذه الروايات، ولا
يخلو عن تكلف. ورجح النووي وعياض تعدد القصة؛ لاختلاف مواطنها، وتغاير
سياقها، وغير ذلك من وجوه المغايرات، مما يدل على تعدد القصة.
قال السيوطي: لا يجمع إلا بتعدد القصة، وإليه مال أكثر المحدثين. وقال ابن
العربي: وقع ذلك ثلاث مرات. (وَوَكَّلَ بِلَالًا) أي: أمر. (أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ)
أي: لصلاة الصبح، وخص بلالًا بذلك؛ لأنه هو الذي قال: أنا أوقظكم. في
جواب قوله عليه الصلاة والسلام: ((أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ))، فكأن بلالًا سأله
التوكيل فوكله. (فَرَقَدَ بِلَالٌ) أي: بعد ما سهر مدة وغلبه النوم. (وَرَقَدُوا) أي: نام
النبي ◌َّه وأصحابه اعتمادًا على بلال، واستمروا راقدين. (حَتَّى اسْتَيْقَظُوا) كلهم
جميعًا. (وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ) أي: وأصابهم حرُّها.
(فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ) قال الطيبي: كرره لينيط به قوله: (فَقَدْ فَزِعُوا) من فوات
الصبح. (أَنْ يَرْكَبُوا) أن يرحلوا. (إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ) فيه رد على من قال: إن
تأخيره قضاء الصلاة كان لخروج وقت الكراهة، ولم يكن قوله التَّل هذا على سبيل
التشاؤم بذلك الوادي؛ لأنه علمه، وحققه، وعرف أثر الشيطان فيه فأخبر به.
(فَرَكِبُوا) أي: رحلوا، أو ركب بعضهم، واقتاد الآخرون. (أَوْيُقِيمَ) أي: بعد
الأذان ـ((أو)) للشك أو بمعنى الجمع المطلق كالواو، وهو الظاهر لثبوت الجمع بين
الأذان والإقامة في حديث أبي قتادة وغيره.
(فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلَِّ) أى: قضى صلاة الصبح جماعة. (وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ)
أي: أدرك بعض فزعهم أسفًا على فوات الصبح، أو رأى عليهم بعض آثار خوفهم
لما حسبوا أن في النوم تقصيرًا. (قَبَضَ أَرْوَاحَنَا) أي: ثم ردها إلينا، وهو كقوله
تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ولا يلزم
من قبض الروح الموت، فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا، والنوم

١١٣
كِتَابُ الصَّلاةِ
باب
انقطاعه عن ظاهره فقط، قاله الحافظ. وقال العز بن عبد السلام: في كل جسد
روحان: روح اليقظة التي أجرى اللَّه تعالى العادة أنها إذا كانت في الجسد كان
الإنسان مستيقظًا، فإذا نام خرجت، ورأت المنامات، وروح الحياة التي أجرى
العادة أنها إذا كانت في الجسد فهو حيٌّ. ثم إنه لا يخفى ما في فوات صلاته وَله
من المصالح، ولأحمد من حديث ابن مسعود: لو أن اللَّه أراد أن لا يناموا عنها لم
يناموا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم. (فِي حِينٍ) أي: وقت (غَيْرِ هَذَا) بالجر
على الصفة، وقيل: بالنصب على الاستثناء، أي: قَبل ذلك الوقت أو بعده. (فَإِذَا
رَقَدَ أَحَدُكُمْ) أي: غافلًا أو ذاهلاً. (عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ نَسِيَهَا) للتنويع لا للشك.
(ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا) أي: تنبه بالاستيقاظ أو التذكير. (فَلْيُصَلُّهَا) أي: حين قضاها.
(كَمَا كَانَ يُصَلَّیھَا فِي وَقْتِهَا) ولا كفارة لها إلا ذلك، ولا قضاء عليه إلا ذلك، لا كما
زعم بعضهم: أنه يعيد القضاء مرتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت
الآتي، مستدلاً بما في حديث عمران بن حصين عند ((أبي داود)) في مثل هذه
القصة: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مِنْ غَدٍ صَالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَهَا مِثْلَهَا)).
قال الحافظُ: لم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك، بل عدوا الحديث غلطًا
من راويه. وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري، ويؤيد ذلك ما رواه النسائي
من حديث عمران بن حصين أيضًا أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، ألا نقضيها لوقتها من
الغد؟ فقال ◌َِّ: ((لَا، يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذَهُ مِنْكُمْ؟!))، انتهى.
وظاهر الحديث: أنه يجهر في الجهرية، ويسر في السرية. (أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ)
قال الزرقاني: كان عليٍّ يحلف أن اللَّه أنزل من السماء اسمه الصديق. (إِنَّ
الشَّيْطَانَ) أي: شيطان الوادي، أو شيطان بلال، أو الشيطان الكبير. (فَأَضْجَعَهُ)
أي: أسنده لما تقدم في الحديث السابق، ويمكن أنه اضطجع في هذه القضية على
أنها غير القضية الأولى. (يُهَدَّتُهُ) من الإهداء، أي: يسكنه وينومه، من أهدأت
الصبي، إذا أسكنته بأن تضرب كفك لينًا عليه حتى يسكن وينام. قال الجزري في
((النهاية)): الهدو: السكون عن الحركات من المشي والاختلاف في الطريق. (كَمَا
يُهَدَّأُ) بالبناء للمفعول. (ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ بِلَالًا) أي: فسأله عن سبب نومه،
وعدم إيقاظه إياهم. (فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللّهِ بِ هِ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَبَا

١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بَكْرٍ ... ) إلخ. قال الطيبي: في الحديث إظهار معجزة، ولذا صدقه الصديق رَضِ لْنَهُ
بالشهادة .
(رَوَاهُ مَالِكْ مُرْسَلًا) لما أن زيد بن أسلم تابعي، ولم يذكر الصحابي. وهذا
الحديث، وإن كان مرسلاً عند جميع رواة ((الموطأ))، لكن روي معناه متصلًا من
وجوه صحيحه كما تقدم.
٦٩٣- [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((خَصْلَتَانِ
مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ: صِيَامُهُمْ وَصَلاَتُهُمْ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]
الشَّرُْ
٦٩٣- قوله: (مُعَلَّقَتَانِ) صفة لـ((خصلتان)) وقوله: (لِلْمُسْلِمِينَ) خبر، وقوله:
(صِيَامُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ)، بيان للخصلتين أو بدل منه، شبهت حال المؤذنين، وإناطة
الخصلتين للمسلمين بحال الأسير، الذي في عنقه ربقة الرق لا يخلصه منها إلا
المن والفداء، قاله الطيبي. (فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ) أي: ثابتتان في ذمتهم
ليحفظوهما (صِيَامُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ) فالصيام ابتداء وانتهاء مما يتعلق بالأذان، والصلاة
یعرف وقتها به.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قال القاري: وسنده حسن. وفيه نظر؛ لأن في سنده بقية بن
الوليد وهو مدلس رواه بالعنعنة عن مروان بن سالم الغفاري الجزري، وهو
متروك، ورماه الساجي وغيره بالوضع، كذا في ((التقريب)).
(٦٩٣) ابن مَاجَهْ (٧١٢) في الأذان فيه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١١٥
٧ - بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعْ الصَّلَاةِ
(بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ) تعميم بعد تخصيص أو عطف تفسير،
والمسجد لغة: محل السجود، وشرعًا: المحل الموقوف للصلاة فيه.
الفصل الأول
٦٩٤ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ وَ الْبَيْتَ دَعَا فِي
نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَّجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ
الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: ((هَذِهِ الْقِبْلَةُ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٦٩٤ - قوله: (الْبَيْتَ) أي: الكعبة وهو بيت الله الحرام. (دَعَا فِي نَوَاحِيهِ)
أي: جوانبه جمع ناحية وهي الجهة. (كُلُّهَا) وفي رواية: «فکبر فيها)). وفيه: دليل
على استحباب الدعاء والتكبير في الكعبة، ولا خلاف فيه لأحد. (وَلَمْ يُصَلِّ) أي:
في البيت. وفي حديث ابن عمر الذي بعده عن بلال: أنه صلى فيه، فأثبت بلال
صلاته وَّلية في الكعبة، وابن عباس نفاها، وقد أجمع أهل الحديث على الأخذ
برواية بلال، وتقديم إثباته على نفي غيره لأمرين :
أحدهما: أن بلالاً كان معه ◌َّه يومئذٍ ولم يكن معه ابن عباس، وإنما استند في
نفيه تارة إلى أسامة، وتارة إلى أخيه الفضل، مع أنه لم يثبت أن الفضل كان معهم
إلا في رواية شاذة، وقد روى مسلم عن أسامة نفي الصلاة في الكعبة من طريق ابن
عباس، كما سيأتي التصريح به من المصنف، ووقع إثبات صلاته فيها عن أسامة
(٦٩٤) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٩٨).

١١٦
DEN
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من رواية ابن عمر عند أحمد وغيره. فتعارضت الرواية في ذلك عنه، فترجح رواية
بلال من جهة: أنه مثبت ومعه زيادة علم، وغيره نافٍ. ومن جهة: أنه لم يختلف
فيه في الإثبات، واختلف على من نفي، ويمكن الجمع بين روايتي أسامة المثبتة
والنافية: بأنه حيث أثبتها اعتمد في ذلك على خبر غيره، وحيث نفاها أراد ما في
علمه؛ لكونه لم يره ◌َثل حين صلى فيها.
وقال النووي: يجب ترجيح رواية بلال؛ لأنه مثبت فمعه زيادة علم، وأما نفي
أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة
النبي ◌َّي يدعو فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبي ◌َّر في ناحية، ثم صلى
النبي ◌َّر في ناحية فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء،
ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة فنفاها
عملًا بظنه، وأما بلال فحققها فأخبر بها.
وقيل : يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم یشهد صلاته،
ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) عن أسامة، قال: دخلت على
رسول اللَّه ◌َ له الكعبة فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء فأتيته به فضرب به الصور.
قال القرطبي: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده.
وقيل: إنه وَسير دخل الكعبة مرتين، مرة صلى، ومرة دعا وكبر ولم يصل، وقال
ابن حبان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين؛ فيقال: لما دخل
الكعبة في الفتح صلى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس
الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها؛ لأن ابن عباس نفاها وأسنده إلى أسامة،
وابن عمر أثبتها وأسند إثباته إلى بلال وإلى أسامة أيضًا، فإذا حمل الخبر على ما
وصفنا بطل التعارض.
(رَكَعَ رَكْعَتَيْنٍ) أي: صلى، فأطلق الجزء وأراد به الكل. (فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ) بضم
القاف والموحدة وقد تسكن، أي: مقابلها، أو ما استقبلك منها وهو وجهها الذي
فيه الباب، وهذا موافق لرواية ابن عمر عند البخاري: فصلى في وجه الكعبة
ركعتين. (هَذِهِ) أي: الكعبة. (الْقِبْلَةُ) التي استقر الأمر على استقبالها، فلا تنسخ
إلى غيرها كما نسخ بيت المقدس، فالمراد بذلك: تقرير حكم الانتقال عن بيت

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١١٧
EXOSE
المقدس، وقيل: المراد أن حكم من شاهد البيت وجوب مواجهة عينه جزمًا
بخلاف الغائب، وقيل: المراد أن الذي أمرتم باستقباله ليس هو الحرم كله، ولا
مكة، ولا المسجد الذي حول الكعبة بل الكعبة نفسها، وقيل: الإشارة إلى وجه
الكعبة علمهم بذلك سنة موقف الإمام في وجهها دون أركانها وجوانبها الثلاثة،
وإن كان الكل جائزًا.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الصلاة، وفي المناسك، وفي ذكر الأنبياء، وفي المغازي
مطولًا ومختصرًا. وأخرجه مسلم والنسائي في المناسك مختصرًا، ولفظه عند
مسلم: أن النبي ◌َّ دخل الكعبة وفيه ست سوار، فقام عند كل سارية فدعا ولم
يصل. وحديث ابن عباس هذا من مراسيل الصحابة؛ لأنه لم يكن معهم، وأسنده
عن غيره ممن دخل مع النبي وَّ الكعبة، فيكون مرسلًا.
٦٩٥ - [٢] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ، عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ .
[صحيح]
الشّرْخُ
٦٩٥- قوله: (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ) أي: عن ابن عباس في المناسك. (عَنْ أُسَامَةَ
ابْنِ زَيْدٍ) وأخرجه أيضًا النسائي في المناسك. وأسامة هذا هو أسامة بن زيد بن
حارثة بن شراحيل الكلبي الأمير أبو محمد، ويقال: أبو زيد، وأمه أم أيمن واسمها
بركة، وهي حاضنة رسول اللّه ◌َله، وكانت مولاة لأبيه عبد الله بن عبد المطلب،
وأسامة مولى رسول اللَّه ◌ِ له وابن مولاه، وحبه وابن حبه، قبض النبي وَّ وهو ابن
(٢٠) سنة، وقيل: (١٨) سنة، ونزل وادي القرى، وتوفى به بعد قتل عثمان رَضِّنَهُ.
وقيل: سكن المزة مدة ثم انتقل إلى المدينة فمات سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥)
سنة. استعمله رسول اللَّه ◌َاله على جيش فيه أبو بكر وعمر ﴿ًا، فلم ينفذ حتى توفي
(٦٩٥) مُسْلِم (٣٨٨/ ١٣٢٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ فِي الحَجِّ، ((النَّسَائِي)) (٢١٩/٥).

١١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رسول اللَّه وَ له فبعثه أبو بكر إلى الشام. له مائة وثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا على
خمسة عشر، وانفرد كل منهما بحديثين، روى عنه جماعة.
٦٩٦ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْن عُمَرَ ﴿يَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهِ دَخَلَ الْكَعْبَةَ
هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَّةَ الْحَجَبِيُّ وَبِلَالُ بِنُ رَبَاحِ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ،
وَمَكُثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ؟ فَقَالَ:
جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ - وَكَانَ
الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ - ثُمَّ صَلَّى.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّؤْجُ
٦٩٦- قوله: (دَخَلَ الْكَعْبَةَ) يوم فتح مكة كما وقع مبينًا عند البخاري في
الجهاد. (وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) برفع أسامة على العطف. (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) بن أبي
طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري، أسلم في الهدنة
بعد عمرة القضاء، وهاجر مع خالد بن الوليد، ثم سكن مكة إلى أن مات بها سنة
(٤٢) وقيل: قُتِلَ بأجنادين. وأدخله الكعبة؛ لئلا يتوهم الناس عزله عن سدانة
البيت وحجابته. (الْحَجَبِيُّ) بفتح المهملة والجيم، ويقال لآل بيته الحجبة؛
لحجبهم الكعبة، ويعرفون الآن بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة؛
وذلك أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة لم يزل يلي فتح البيت إلى أن توفي، فدفع
إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان هذا لا ولده، فبقيت الحجابة
في بني شيبة، ولشيبة هذا أيضًا صحبة ورواية، قُتِلَ أبوه يوم أحد كافرًا، وأسلم
شيبة بعد الفتح، وكان ممن صبر بحنين مع النبي وَّل . قال مصعب الزبيري: دفع
النبي وَّ المفتاح إليه وإلى عثمان بن طلحة فقال: ((خذوها يا بني أبي طلحة خالدة
تالدة، لا يأخذها منكم إلا ظالم)). مات شيبة سنة (٥٩).
(وَبِلَالُ بْنُ رَبَاح) بفتح الراء مؤذن رسول اللَّه وَ ل وخادم أمر صلاته، وأدخل
(٦٩٦) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٠٥)، ومُسْلِم (٣٨٨/ ١٣٢٩) عَنْهُ فِيهِ.

١١٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
النبي وَجيل معه أسامة وبلالًا لملازمتهما خدمته. (فَأَغْلَقَهَا) أي: الكعبة يعني:
بابها، والفاعل عثمان كما وقع التصريح به في رواية لمسلم، ووقع في ((الموطأ))
بلفظ: فَأَغْلَقَاهَا. فالضمير لعثمان وبلال، وفي رواية للشيخين: فَأَغْلَّقُوا. والجمع
بين الروايات: أن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه من وظيفته، وأما ضم بلال فلعله
ساعده في ذلك، ورواية الجمع يدخل فيها الآمر بذلك والراضي به. (عَلَيْهِ) أي :
على النبيِ نَّه، وفي رواية: عَلَيْهِمْ. وهو ظاهر، وإنما أغلق الباب؛ لئلا يزدحم
الناس عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعاله ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن
لقلبه، وأجمع لخشوعه، وقيل: لئلا يكثر الناس فيصلوا بصلاته، ويكون ذلك
عندهم من المناسك كما فعل في صلاة الليل في رمضان. واستدل البخاري
بحديث ابن عمر هذا على جواز اتخاذ الغلق للمساجد؛ لأجل صونها عما لا يصلح
فيها، ولأجل حفظ ما فيها من الأيدي العادية.
(وَمَكُثَ) بضم الكاف وفتحها أي توقف. (مَاذَا صَنَعَ) أي: داخل البيت (جعَلَ
عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاثَةً أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى
سِتَّةٍ أَعْمِدَةٍ) كذا في هذه الرواية ولا إشكال فيها. ووقع في رواية للبخاري: (جَعَلَ
عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى
سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ). ولا يخفى ما فيها من الإشكال؛ إذ في قوله: (وَكَانَ الْبَيْتُ يَوَمَئِذٍ عَلَى
سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ) إشعار بكون ما عن يمينه أو يساره اثنين.
وأجيب: بأن التثنية بالنظر إلى ما كان عليه البيت في زمن النبي وَّ، والإفراد
بالنظر إلى ما صار إليه بعد، ويؤيده قوله : (وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ)؛ لأن فيه إشعارًا بأنه
تغير عن هيئته الأولى. أو يقال: لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو
مجمل بيّنته رواية عمودين، أو لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد بل
عمودان متسامتان والثالث على غير سمتهما، ولفظ المقدمين في الرواية الأخرى
ليشعر به، أو كان هناك ثلاثة أعمدة مصطفة فصلى إلى جنب الأوسط، فمن قال:
جعل عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره، لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن
قال: عمودین اعتبره.
وقوله: (كَانَ الْبَيْتُ يَوَمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ) إخبار عما كان عليه البيت قبل أن