Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
الظاهر: أن الضمير المنصوب راجع إلى ابن عمر، وقائله هو زاذان الراوي عنه.
والمعنى: إني أظن أن ابن عمر قال بعد لفظ: (عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ) لفظ يوم
القيامة، انتهى. وزاد في رواية للترمذي: ((يَغْبِطُهُمُ الأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ))، (عَبْدٌ)
أي: قِنُّ ذكر أو أنثى. (أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوْلَاهُ) أي: قام بالحَقَّيْنِ معًا فلم يشغله
أحدهما من الآخر.
(وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ) لعلمه، وورعه، وصحة قراءته، فبرضاهم يكون ثواب الإمام
أكثر، ولأن إجماعهم على الرضا به دليل على صلاح حاله، والعبرة برضا أكثرهم
من أهلِ الدين. (وَرَجُلٌ يُنَادِي) أي: يؤذن محتسبًا. (كُلَّ يَوْمِ وَلَيْلَةٍ) وفي الترمذي:
((فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ))، قال ابن الملك: وإنما أثيبوا بذلك؛ لأَنهم صبروا أنفسهم في
الدنيا على كرب الطاعة، فروحهم الله في عرصات القيامة بأنفاس عطرة على تلال
مرتفعة من المسك؛ إكرامًا لهم بين الناس؛ لعظم شأنهم، وشرف أعمالهم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في البر والصلة، وفي أواخر صفة الجنة. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ
غَرِيبٌ) وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا: هذا حديث حسن غريب، وفي سنده
أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي الكوفي الأعمى، ضعيف واختلط، و کان یدلس
ويغلو في التَشَتُّعِ، كذا في ((التقريب)).
وقال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد، والترمذي من
رواية سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عنه، وقال: حديث حسن غريب. قال
المنذري: وأبو اليقظان واه، وقد روى عنه الثقات. ورواه الطبراني في ((الأوسط))
و((الصغير)) بإسناد لا بأس به، ثم ذكر لفظه. ورواه الطبراني في ((الكبير)) أيضًا.
1
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ect
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِنْ
٨١
٦٧٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ
لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَّهُ كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ
وَعِشْرُونَ صَلَاَةً، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَّهُمَا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ،
وَرَوَى النَّسَائِي إِلَى قَوْلِهِ: (كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ)). وَقَالَ: ((وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى))] (صحيح)
الشَّرْخُ
٦٧٢ - قوله: (يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ) بفتح الميم والدال، أي: نهايته، وهو
منصوب على الظرفية، قال الخطابي: مدى الشيء غايته، والمعنى: أنه يستكمل
مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة، إذا
بلغ الغاية من الصوت، قال المنذري: ويشهد لهذا القول رواية من قال: ((يُغْفَرُ لَهُ
مَدَّ صَوْتِهِ)) بتشديد الدال، أي: بقدر مده صوته.
قال الخطابي: وفيه وجه آخر وهو أنه كلام تمثيل وتشبيه، يريد أن المكان الذي
ينتهي إليه الصوت لو يقدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقامه، الذي هو فيه ذنوب
تملأ تلك المسافة غفرها الله، انتهى. وقيل: معناه: يغفر له من الذنوب ما فعله
في زمان مقدر بهذه المسافة. (وَيَشْهَدُ لَهُ كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ) مما يبلغه صوته.
وتحمل شهادتهما على الحقيقة؛ لقدرته تعالى على إنطاقهماً.
(وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ) عطف على قوله: ((المؤذن يغفر له)). أي: والذي يحضر لصلاة
الجماعة. (يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ) أي: ثواب خمس وعشرين صلاة. (وَيُكَفَّرُ
عَنْهُ) أي: عن الشاهد. (مَا بَيْنَهُمَا) أي: ما بين الأذان والصلاة، أو ما بين
الأذانين، أو ما بين الصلاتين، والحديث: يدل على استحباب مد الصوت
بالأذان؛ لكونه سببًا للمغفرة، وشهادة الموجودات؛ ولأنه أمر بالمجيئ إلى
الصلاة، فكل ما كان أدعى لإسماع المأمورين بذلك كان أولى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا ابن حبان وابن خزيمة، وفي
سنده أبو يحيى الراوي له عن أبي هريرة. قال المنذري: أبو يحيى هذا لم ينسب
(٦٧٢) أَبُو دَاوُد (٥١٥)، وَالنَّسَائِي (١٣/٢)، وَابن مَاجَهْ (٧٢٤) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَهُ .
٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
فيعرف حاله، وقال ابن القطان: لا يعرف أصلًا، وقال الثوري: إنه مجهول،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وزعم أنه سمعان الأسلمي، وقال ابن عبد البر: أبو
يحيى المكي اسمه: سمعان، سمع من أبي هريرة، روى عنه بعض المدنيين في
الأذان. كذا في ((تهذيب التهذيب)) (ج ١٢: ص٢٧٩) وقال في ((التقريب)): أبو
يحيى المكيِّ يقال: هو سمعان الأسلمي مقبول. (وَقَالَ) أي: النسائي في روايته.
(وَلَّهُ) أي: للمؤذن.
(مِثْلُ أَجْرٍ مَنْ صَلَّى) أي: بأذانه، وفيه نظر؛ لأن هذه الزيادة ليست في رواية
أبي هريرة، وقد روى أحمد والنسائي من حديث البراء بن عازب بإسناد جيد
بلفظ: ((الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ
أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ))، أي: إن كان إمامًا، أو مع إمامه إن كان مقتديًا بإمام آخر لحكم
الدلالة، لكن هذا يقضي أن يخص بمن حضر بأذانه، والأقرب العموم تخصيصًا
للمؤذن بهذا الفضل، وفضل الله أوسع. قاله السندي.
٦٧٣ - [١٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي. قَالَ: ((أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدٍ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنَا لَا
يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] (صحيح)
الشَّرْجُ
٦٧٣ - قوله: (وَاقْتَدٍ بِأَضْعَفِهِمْ) بمرض أو زَمَانَةٍ أو نحوهما، أي: تابع أضعف
المقتدين في تخفيف الصلاة من غير ترك شيء من الأركان، يريد تخفيف القراءة
والتسبيحات، حتى لا يَمَلَّ القوم.
وقوله: (وَاقْتَدٍ)، عطف على مقدر أي: فأمهم، واقتد بأضعفهم. وقيل: هو
عطف على الخبرية السابقة؛ لأنها بتأويل ((أمهم))، وعدل إلى الاسمية دلالة على
(٦٧٣) أَبُو دَاوُد (٥٣١)، وَالنَّسَائِي (٢٣/٢)، وَابن مَاجَهْ (٩٨٧) فِي الصَّلَاةِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ،
وَأَوَّلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
٨٣
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذنِّ
كِتَابُ الصَّلاةِ
الدوام والثبات، كأن إمامته ثبتت ويخبر عنها، وقد جعل فيه الإمام مقتديًا،
والمعنى: كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك فاقتد أنت أيضًا بضعفه، واسلك له
سبيل التخفيف في القيام والقراءة، بحيث كأنه يقوم ويركع على ما يريد، وأنت
کالتابع الذي یرکع بر کوعه.
وقال النُّورْ بَشْتِي: ذكر بلفظ الاقتداء؛ تأكيدًا للأمر المحثوث عليه؛ لأن من شأن
المقتدي أن يتابع المقتدى به، ويجتنب خلافه، فعبر عن مراعاة القوم بالاقتداء
مشاكلة لما قبله .
قال الأمير اليماني: الحديث: يدل على جواز طلب الإمامة في الخير، وقد
ورد في أدعية عباد الرحمن الذين وصفهم الله بتلك أنهم يقولون: ﴿وَأُجْعَلْنَا
لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] وليس مَنْ طلب الرياسة المكروهة، فإن ذلك فيما يتعلق
برياسة الدنيا التي لا يعان مَنْ طلبها، ولا يستحق أن يعطاها، وأنه يجب على إمام
الصلاة أن يلاحظ حال المصلين خلفه، فيجعل أضعفهم كأنه المقتدى به، فيخفف
لأجله. (وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا) أي: أجرة. فيه: دليل على أنه يكره
أخذ الأجرة على الأذان.
قال الخطابي: أخذ المؤذن الأجر على أذانه مكروه في مذاهب أكثر العلماء.
وقال مالك: لا بأس به، ويرخص فيه. وقال الأوزاعي: مكروهة ولا بأس
بالجعل. وذهب الحنفية: إلى تحريم الأجر شرطًا على الأذان والإقامة. واستدل
بعضهم على التحريم بهذا الحديث، ولا يخفى أنه لا يدل على التحريم.
وقيل: يجوز أخذها على التأذين في محل مخصوص؛ إذ ليست على الأذان
حينئذٍ بل على ملازمة المكان كأجرة الرصد، والقول الراجح عندنا: ما ذهب إليه
أكثر العلماء.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) أي: بتمامه، وأخرج مسلم الفصل الأول
فقط، وأخرج ابن ماجه الفصلين في موضعين، وأخرج الترمذي الفصل الأخير
وحسنه، وأخرجه الحاكم بتمامه (ج١: ص١٩٩، ٢٠١) وصححه على شرط
مسلم، ووافقه الذهبي.
٨٤
enes
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦٧٤ - [١٦] وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﴿َّا قَالَتْ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَِّ أَنْ أَقُولَ
عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: ((اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهَارَِكَ، وَأَصْوَاتُ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والْبَنْهَقِيُّ في ((الدعوات الكبير)] {ضعيف}
دُعَاتِكَ، فَاغْفِرْ لِي)).
الشّرْحُ
٦٧٤ - قوله: (عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ) الظاهر أن يقال هذا بعد جواب الأذان، أو
في أثنائه، قاله القاري. (هَذَا) إشارة إلى ما في الذهن، وهو مبهم مفسر بالخبر،
قاله الطيبي. وقال القاري: والظاهر: أنه إشارة إلى الأذان؛ لقوله: ((وَأَصْوَاتُ))،
(إِقْبَالُ لَيْلِكَ) أي: هذا الأذان أوان إقبال ليلك.
(وَإِذْبَارُ نَهَارَِكَ) أي: في الأفق. (وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ) أي: في الآفاق، جمع دَاعِ
وهو المؤذن كقضاة جمع قَاضٍ. (فَاغْفِرْ لِي) بحق هذا الوقت الشريف، والصوتَ
المنيف(*)، وبه يظهر وجه تفريع المغفرة، ومناسبة الحديث للباب، فإنه يدل على
أن وقت الأذان زمان استجابة الدعاء. قاله القاري.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الصلاة من طريق المسعودي عن أبي كثير مولى أم سلمة،
عن أم سلمة، وسكت عنه. وأخرجه الحاكم من هذا الطريق (ج١: ص١٩٩)
وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه الترمذي في ((الدعوات)) من طريق حفصة بنت
أبي كثير، عن أبيها أبي كثير، عن أم سلمة. وقال: حديث غريب إنما نعرفه من هذا
الوجه، وحفصة بنت أبي كثير لا نعرفها ولا أباها، انتهى. ونقل المنذري كلام
الترمذي هذا وأقره. وقال الذهبي في ((الميزان)): لا يعرفان. وقال الحافظ في
((التقريب)): أبو كثير مولى أم سلمة مقبول، فالظاهر: أن الحديث من طريق أبي
داود والحاكم حسن.
(٦٧٤) أَبُو دَاوُد (٥٣٠) فِي الصَّلَاةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٨٩) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
(*) قلت: بل كان الأولى له أن يقول: ((في هذا الوقت الشريف، وعند هذا الصوت المنيف)) لا بحقهما.
(أبو القاسم).
٨٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذِنِّ
٦٧٥ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - أَوْ بَعْضٍ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ قَالَ:
إِنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَةِ: ((أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا)) وقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ رۈُهُ فِي
الْأَذَانِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرُْ
٦٧٥ - قوله: (أَخَذَ) أي: شرع. (فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) قال الطيبي:
((لما)) تستدعى فعلًا، فالتقدير: فلما انتهى إلى أن قال. واختلف في (قَالَ) أنه متعد
أو لازم، فعلى الأول يكون مفعولًا به، وعلى الثاني يكون مصدرًا، انتهى. قال
القاري: والأظهر أن (لَمَّا) ظرفية (وَأَنْ) زائدة للتأكيد، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّ أَنْ جَآءَ
اَلْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦] كما قال صاحب ((الكشاف)) وغيره في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ
رُسُلُنَا لُوَطَّا سَِّ بِهِمْ﴾ [هود: ٧٧] .
(أَقَامَهَا اللَّهُ) أي: الصلاة، يعني: ثبتها. (وَقَالَ فِي سَائِرِ الِقَامَةِ) أي: في جميع
كلمات الإقامة غير ((قد قامت الصلاة))، أو قال في البقية مثل ما قال المقيم إلا في
الحيعلتين، فإنه قال فيه: لا حول ولا قوة إلا بالله.
(كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ) يريد أنه قال: مثل ما قال المؤذن لما مرَّ في
الحديث الخامس من الفصل الأول من الباب، يعني: وافق المؤذن في غير
الحيعلتين. وفيه: دلالة على استحباب مجاوبة المقيم، وفيه أيضًا: أنه يستحب
السامع الإقامة أن يقول عند قول المقيم: قد قامت الصلاة: أقامها اللَّه وأدامها.
قال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)): وفيه: دليل على أن السنة أن يكبر الإمام بعد
الفراغ من الإقامة، انتهى. وسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
وسكت عنه، وفي إسناده رجل من أهل الشام مجهول، وشهر بن حوشب تكلم فيه
غير واحد، ووثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين. قاله المنذري.
(٦٧٥) أَبُو دَاوُد (٥٢٨) فِي الأَذَانِ، وَفِيهِ رَارٍ مَجْهُولٌ.
٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦٧٦ - [١٨] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ
الْأَذَانِ وَالإِقَامَةِ)».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِي] {صحيحٍ}
الشّرْجُ
٦٧٦ - قوله: (لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ) بل يقبل ويستجاب، يعني :
فادعوا كما في رواية ابن حبان، وفيه: دليل على قبول الدعاء في هذا الوقت؛ إذ
عدم الرد يراد به القبول، ولفظ الدعاء بإطلاقه شامل لكل دعاء، ولا بد من تقييده
بما في الأحاديث الأخرى الصحيحة من أنه ما لم يكن دعاء بإثم، أو قطيعة رحم،
فالدعاء في هذا الوقت مستجاب لكن بعد جمع شروط الدعاء، وأركانه، وآدابه،
فإن تخلف شيء منها فلا يلوم إلا نفسه. وقد ورد تعيين أدعية تقال حال الأذان
وبعده، وهو ما بين الأذان والإقامة، منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي. وقد عين وقَل
ما يُدْعَى به أيضًا لما قال: ((الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد))، قالوا: فما نقول يا
رسول الله؟ قال: ((سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» قال ابن القيم: هو
حديث صحيح. وفي المقام أدعية أخرى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) من طريق
معاوية بن قرة عن أنس، وسكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي، وأخرجه أحمد
وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)). وابن حبان وابن خزيمة في ((صحيحيهما) من
طريق بريد بن أبي مريم عن أنس، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وقال:
أخرجه النسائي من حديث بريد بن أبي مريم عن أنس، وهو أجود من حديث
معاوية بن قرة.
(٦٧٦) أَبُو دَاوُد (٥٢١)، وَالتِّرْمِذِي (٢١٢) فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَنَسٍ رَفْتَهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذنِّ
٨٧
٦٧٧ - [١٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَجِ: ((ثِنْتَانِ لَا
تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ -: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يَلْحِمُ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا».
- وَفِي رِوَايةٍ: ((وَتَحْتَ الْمَطَرِ))(*).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِي إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر: ((وَتَحْتَ الْمَطَر))] {صحيحٍ}
الشَّرْحُ
٦٧٧ - قوله: (ثِنْتَانِ) أي: دعوتان ثنتان. (أَوْ قَلَّمَا) فعل ماض من القلة بمعنى
النفي، وهو من الأفعال التي لا تصرف. قال السيوطي: إِنَّ (قَلِّ) هاهنا للنفي
المحض كما هو أحد استعمالاتها، صرح به ابن مالك في ((التسهيل)) وغيره. وقال
في ((المغنى)): ((ما)) زائدة كافة عن العمل. (عِنْدَ النِّدَاءِ) أي: حين الأذان أو بعده.
(وَعِنْدَ الْبَأْسِ) أي: الشدة والمحاربة مع الكفار. (حِينَ) بدل من قوله: ((عند
البأس)) أو بيان.
(يَلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) بفتح ياء من لَحِمَ كسَمِعَ أي: يقتل بعضهم بعضًا. وقيل :
بضم الياء وكسر الحاء من ألحم، أي: يشتبك الحرب بينهم، ويلزم بعضهم بعضًا.
والملحمة الحرب وموضع القتال، وجمعه الملاحم. أخذ من اشتباك الناس
واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدي. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: بدل قوله:
(وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يَلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا)، (وَتَحْتَ الْمَطَرِ) أي: ودعاء من دعا تحت
المطر، أي: وهو نازل عليه؛ لأنه وقت نزول الرحمة والبركة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) وسكت عنه أبو داود، وقال المنذري: في إسناده
موسى بن يعقوب الزمعي، قال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين: ثقة. وقال
أبو داود السجستاني: صالح، له مشائخ مجهولون، انتهى. وقال الحافظُ: صدوق
(٦٧٧) أَبُو دَاوُد (٢٥٤٠) فِي الجِهَادِ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ. ويُروى: ((وتحتَ المَطَرٍ)).
(*) رواه سهل بن سعد، أَبُو دَاوُد (٢٥٤٠) أَيْضًا.
٨٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سيئ الحفظ. والحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة. وابن حبان في (صحيحيهما))،
والحاكم (ج١: ص١٩٨) وقال: هذا حديث ينفرد به موسى بن يعقوب، ووافقه
الذهبي، وأخرجه مالك في ((الموطأ)) موقوفًا.
٦٧٨ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُول اللهِ،
إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((قُلْ كَمَا يَقُولُونَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ
فَسَلْ تُعْطَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشّرْخُ
٦٧٨ - قوله: (يَفْضُلُونَنَا) بفتح الياء وضم الضاد، أي: يحصل لهم فَضْلٌ،
ومزية علينا في الثواب بسبب الأذان، والظاهر أنه خبر، يعني: فما تأمرنا به من
عمل نلحقهم بسببه؟ (قُلْ كَمَا يَقُولُونَ) أي: إلا عند الحيعلتين لما تقدم، فيحصل
لك الثواب مثله، ثم أفاد زيادة على الجواب بقوله: (فَإِذَا انْتَهَيْتَ) أي: فرغت من
الإجابة. (فَسَلْ) أي: اطلب من اللّه حينئذٍ ما تريد. (تُعْطَ) بغير هاء في آخره، وفي
أبي داود: ((تُعْطَهْ))، بزيادة الهاء، أي: يقبل الله دعاءك، ويعطيك سؤالك.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، وأقره المنذري، وأخرجه أيضًا النسائي في ((عمل
اليوم والليلة))، وابن حبان في (صحيحه))، وقالا: ((تُعْطَ))، بغير هاء.
(٦٧٨) أَبُو دَاوُد (٥٢٤) فِي الأَذَانِ، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٩٨٧٢) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذنِّ
٨٩
الفصل الثالث
٦٧٩ - [٢١] عَنْ جَابِرِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِنَّه يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا
سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ)).
قَالَ الرَّاوِي: وَالرَّوْحَاءُ مِنَ الْمَدِينَةِ: عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
٦٧٩ - قوله: (حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ) بفتح الراء بالحاء المهملة وبالمد،
أي: يبعد الشيطان من المصلى بُعْدَ ما بين المكانين. والتقدير: يكون الشيطان
[في] مثل الروحاء في البعد، قاله الطيبي. ولفظ إسحاق في ((مسنده)): ((حَتَّى يَكُونَ
بِالرَّوْحَاءِ))، فيه: بيان غاية بعد الشيطان من المدينة عند سماعه النداء بالصلاة.
(قَالَ الرَّاوِي) المراد به: أبو سفيان طلحة بن نافع الراوي عن جابر كما هو
مصرح به في رواية مسلم. (وَالرَّوْحَاءُ مِنَ الْمَدِيْنَةِ) أي: إلى مكة. (عَلَى سِتَّةٍ
وَثَلَاثِينَ مِيلًا) أي: اثني عشر فرسخًّا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا البغوي في ((شرح
السنة)) (ج٢: ص ٢٧٦).
(٦٧٩) مُسْلِم (٣٨٨) عنه فيه.
٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦٨٠ - [٢٢] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: إِنِّي لَعِنْدَ مُعَاوِيَةَ؛ إِذْ أَذَّنَ
مُؤَذِّنْهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ مُؤَذِّنَهُ حَتَّى إِذَاً قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ؛ قَالَ: لَا
حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَلَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؛ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ بِهِ قَالَ ذَلِكَ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٦٨٠ - قوله: (وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) الليثي المدني، ثقة، ثبت، من كبار
التابعين، أخطأ من زعم أن له صحبة. قيل: إنه ولد في عهد النبي وَّ، ولذا ذكره
المصنف في الصحابة، مات في خلافة عبد الملك بن مروان. (إِنِّي لَعِنْدَ مُعَاوِيَةً)
أي: ابن أبي سفيان. (إِذْ) بسكون الذال. (أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ) أي: الخاص لمسجده.
(حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) بالهاء على الوقف. (قَالَ) أي: معاوية. (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بِاللَّهِ) تقدم معناه. (إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم) قال الطيبي: هذه الزيادة زيادة نادرة في
الروايات وارجع إلى تعليق الشيخ الألباني. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وأخرجه أيضًا النسائي،
وابن خزيمة، وغيرهما. وأصل حديث معاوية عند البخاري، وقد تقدم نحوه من
حديث عمر بن الخطاب.
٦٨١ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّ مَعَ رَسُولِ اللّهِه ◌ِ، فَقَامَ بِلَالٌ
يُنَادِي، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِي] {حسن}
الشّرْخُ
٦٨١ - قوله: (فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي) أي: يؤذن للصلاة. (فَلَمَّا سَكَتَ) أي: فرغ.
(٦٨٠) أَحْمَد (٤/ ٩٢.٩١)، والنَّسَائِي (٢٥/٢) عنه في الأذانِ، وأَصله في البُخَارِي (٦١٢، ٦١٣).
(٦٨١) النَّسَائِي (٢/ ٢٤) عنه فيه.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذنِ
٩١
(مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا) أي: القول مجيبًا، أو مؤذنًا، أو مطلقًا. (يَقِينًا) أي: خالصًا
مخلصًا من قلبه. (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أي: استحق دخول الجنة، أو دخل مع الناجين.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم (ج١: ص٢٠٤)
وصححه، ووافقه الذهبي.
٦٨٢ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ رَهُهَا قَالَت: كَانَ النَّبِيِ نَّهَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ
يَتَشَهَّدُ قَالَ: ((وَأَنَا وَأَنَا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٦٨٢ - قوله: (إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ) أي: صوته. (يَتَشَهَّدُ) حال. (وَأَنَا وَأَنَا) عطف
على قوله: المؤذن، بتقدير العامل، أي: وأنا أشهد كما تشهد بالتاء والياء،
والتكرير في (أَنَا) راجع إلى الشهادتين، قاله الطيبي. قال القاري: والأظهر:
وأشهد أنا وأشهد أنا، ويمكن أن يكون التكرير للتأكيد فيهما.
قال الطيبي: فيه أنه وَّله كان مكلفًا بأن يشهد على رسالته كسائر الأمة. قال
مَيْرَك: فيه تأمل، ولعل وجهه أن التكليف غير مستفاد منه. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت
عنه، وأقره المنذري. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم
(ج١ : ص٢٠٤) وسكت عنه.
٦٨٣- [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: «مَنْ أَذَّنَ ثِنْتَيْ
عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، وَلِكُلِّ
إِقَامَةٍ ثَلاثُونَ حَسَنَةً)).
[صحيح، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٦٨٣- قوله: (مَنْ أَذَّنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً) قيل: لا منافاة بينه وبين ما تقدم من
(٦٨٢) أَبُو دَاوُد (٥٢٦) فيه عنها .
(٦٨٣) ابن مَاجَهْ (٧٢٨) فيه عنه.
٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حديث ابن عباس ثاني أحاديث الفصل الثاني؛ لأن هذا الحديث كما زيد فيه في
المدة زيد في الأجر، حيث قيل: (وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ ... ) إلخ. وقيل: الاختلاف في
ذلك لاختلاف أحوال المؤذنين. (وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) أي: بصادق وعد الله ورحمته.
(وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ) أي: فقط دون صلاة. (فِي كُلِّ يَوْم) أي: لكل أذان بقرينة قوله
الآتي: (وَلِكُلِّ إِقَامَةٍ)، (سِتُّونَ حَسَنَةً) فيه حذف، أي: كتب له بسبب تأذينه كل مرة
في كل يوم، كذا في ((شرح السنة)) نقله مَيْرَك. (وَلِكُلِّ إِقَامَةٍ) أي: في كل يوم.
(ثَلاثُونَ حَسَنَةً) ولعل التنصيف في الأجر لسهولة الإقامة، ومشقة الأذان برفع
الصوت، والتؤدة والترسل، والأجر على قدر المشقة، أو لإفراد ألفاظ الإقامة.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا الدار قطني (ص٨٩) والحاكم (ج١: ص ٢٠٥)
وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وفي سنده عبد الله بن صالح
المصري كاتب الليث. قال في ((الزوائد)): إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن
صالح. وقال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر تصحيح الحاكم: وهو كما قال؛ فإن
عبد الله بن صالح كاتب الليث وإن كان فيه كلام، فقد روى عنه البخاري في
((الصحيح))، انتهى. قلتُ: قد اختلفوا في أنه روى عنه البخاري في صحيحه أم لا .
وقد أطال الحافظ الكلام فيه في ((تهذيب التهذيب)) (ج٥: ص ٢٦٠) فارجع إليه.
وقال في ((التقريب)) في ترجمته: صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه
غفلة .
٨٤ ٦ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُؤْمَر بِالدُّعَاءِ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ.
[ رَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ]
الشّرْحُ
٦٨٤ - قوله: (عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ) قد تقدم أن الدعاء بعد كل أذان مستحب،
ولعله عند أذان المغرب أوكد، قال الطيبي: لعل هذا الدعاء ما مر في حديث
أم سلمة. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ) وأخرجه أيضًا الطبراني.
(٦٨٤) الطبراني في ((الدعاء))، والبَيْهَقِي في ((الدعوات الكبير)) (٣٣٥) عنه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابْ [تَأْخِيرُ الأَذَّانِ]
٩٣
٦ - بَابُ [تَأْخِيُرُ الأذانِ]
(بَابٌ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب في تتمات لما سبق في
البابين قبله. وقيل: بالسكون على الوقف، وفي ((المصابيح)): بدله فصل، قال ابن
الملك: وإنما أفرد هذا الفصل؛ لأن أحاديثه كلها صحاح، وليست فيه أحاديث
مناسبة لصحاح الباب السابق، فكانت مظنة الإفراد، انتهى. وفي بعض نسخ
المشكاة: ((باب فيه فصلان)). وفي بعضها: ((باب تأخير الأذان)).
الفصل الأول
٦٨٥ - [١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: (إِنَّ بِلَاَلًا يُنَادِي
بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ)) قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوم
رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ.
الشرْخُ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهَ]
٦٨٥ - قوله: (يُنَادِيَ بِلَيْل) أي: فيه، وقد ورد ما يشعر بتعيين الوقت الذي
كان بلال يؤذن فيه، وهو ما رواه النسائي والطحاوي من حديث عائشة: أنه لم يكن
بينهما إلا أن ينزل هذا، ويصعد هذا. وعند البخاري في الصيام، قال القاسم - أى:
في رواية عن عائشة -: لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى هذا، وينزل ذا. فهذه
الرواية تقيد إطلاق سائر الروايات، وتدل على أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل
(٦٨٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦١٧) (٦٢٠)، ومُسْلِم (٣٨/ ١٠٩٢) فِي الصِّيَّامِ، وَالتِّرْمِذِي (٢٠٣)،
وَالنَّسَائِي (٢/ ١٠) فِي الصِّيَامِ، وَالتِّرْمِذِي (٢٠٣)، وَالنَّسَائِي (٢/ ١٠) فِي الصَّلَاةِ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ
عُمَرَ.
٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفجر هو وقت السحور، وأرادت عائشة بذلك بيان قلة ما بين أذانيهما من المدة لا
التحدید .
(فَكُلُوا وَاشْرَبُوا) أي: أيها المريدون الصيام، والأمر للإباحة والرخصة، وبيان
بقاء الليل بعد أذان بلال، وفيه: إشعار بأن الأذان كان علامة عندهم على دخول
الوقت، فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك. (حَتَّى) أى إلى أن. (يُنَادِي) أي:
يؤذن .
(ابْنُ أُمِّ مَكْتُوم) اسمه عمرو، أو عبد الله بن قيس بن زائدة القرشي، وهو الأعمى
المذكور في سوَرَّة ((عبس))، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية. وروى ابن
خزيمة في ((صحيحه))، عن عائشة مرفوعًا: ((إِذَا أَذَّنَ عَمْرٌو فَإِنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَلَا
يَغُرَّنَّكُمْ، وَإِذَا أَذَنَّ بِلَالٌ فَلَا يَطْعَمَنَّ أَحَدٌ)). وروى النسائي وابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما))، وأحمد في ((مسنده)) عن أنيسة بنت خبيب بلفظ: ((إِذَا أَذَنَّ ابْنُ أُمِّ
مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا)). وهذا كما ترى مخالف
لحديث ابن عمر. وقد جمع بينهما ابن خزيمة وغيره: بأنه يجوز أن يكون ◌َلَّلت
جعل الأذان بين بلال وابن أم مكتوم نوائب، فأمر في بعض الليالي بلالًا أن يؤذن
بليل، فإذا نزل بلال صعد ابن أم مكتوم، فأذن في الوقت، فإذا جاءت نوبة ابن أم
مكتوم بدأ فأذن بليل، فإذا نزل، صعد بلال فأذن في الوقت، فكانت مقالة
النبي ◌َّه: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ)). في وقت نوبة بلال، وكانت مقالته: ((إِنَّ ابْنَ أُمِّ
مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ)) في وقت نوبة ابن أم مكتوم.
وقيل: لم يكن الأذان بينهما نوبًا، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلالاً
كان في أول ما شرع الأذان يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى
ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بلال يجلس على
بيتي، وهو أعلى بيت في المدينة، فإذا رأى الفجر تمطأ ثم أذن. أخرجه أبو داود
وإسناده حسن. ثم أردف ابن أم مكتوم، فكان يؤذن بليل، واستمر بلال على حالته
الأولى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وعائشة، ثم في آخر الأمر أخر ابن أم مكتوم
لضعفه، ووكل به من يراعي له الفجر، واستقر أذان بلال بليل، وكان سبب ذلك ما
رواه أبو داود وغيره عن ابن عمر: أن بلالًا كان ربما أخطأ الفجر، فأذن قبل
٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابْ [تَأْخِيرُ الأَذَان]
eeee Xxxes
طلوعه، وإنه أخطأ مرة فأمره عليَّ أن يرجع فيقول: ((أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ))، يعني: أن
غلبة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر، فلهذا والله أعلم استقر أن بلالا يؤذن
الأذان الأول، وبهذا ظهر أنه لا مخالفة بين قوله وَالثّه: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ»، وبين
أمره إيَّه بالاعتذار بقوله: ((أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ))؛ فإن قوله عليه السلام:((إِنَّ بِلَالًا
يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ)) إنما هو محمول على حالته الأخرى. أي: على زمان كان بلال يؤذن
بالليل وابن أم مكتوم بالصبح، وأما أمره بلالاً أن ينادي: ((أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ)»
فيحمل على حالته الأولى، أي: على زمان كان بلال يؤذن فيه للصبح، واتفق أنه
أذن مرة في الليل على ظن أن الفجر قد طلع، فاحتاج إلى الاعتذار؛ لأن الفجر لم
يطلع، ولأن الأذان بالليل قد كان فرغ عنه ابن أم مكتوم.
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص١٥٧): يشبه أن يكون هذا أي: قوله: ((ألا
إن العبد نام)) فيما تقدم من أول زمان الهجرة، فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر
أيام رسول اللَّه ◌َله يؤذن بليل، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر، وثبت
عنه بَّ أنه قال: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَْتُومٍ)،
انتھی .
قال الأمير اليماني في ((السبل)): في الحديث شرعية الأذان قبل الفجر، لا لما
شرع له الأذان، فإن الأذان شرع للإعلام لدخول الوقت، ولدعاء السامعين بحضور
الصلاة، وهذا الأذان الذي قبل الفجر قد أخبر وَله بوجه شرعيته بقوله: ((لِيَرْجِعَ
قَائِمَكُمْ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ)). رواه الجماعة إلا الترمذي عن ابن مسعود، والقائم هو
الذي يصلي صلاة الليل، ورجوعه عوده إلى نومه، أو قعوده عن صلاته إذا سمع
الأذان، فليس للإعلام بدخول الوقت، ولا لحضور الصلاة، فذكر الخلاف في
المسألة، والاستدلال للمانع وللمجيز لا يلتفت إليه من همه العمل بما ثبت، انتهى
كلام الأمير.
قلتُ: أشار بقوله: بذكر الخلاف، إلى ما ذكره الشراح من الاختلاف بين
الأئمة، قالوا: ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف إلى جواز الأذان
لصلاة الفجر قبل طلوعه، والاكتفاء به، وعدم وجوب الإعادة. قال هؤلاء: كان
الأذانان لصلاة الفجر، ولم يكن الأول مانعًا من التسحر، وكان الثاني من قبيل
٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإعلام بعد الإعلام، وإنما اختصت صلاة الفجر بهذا من بين الصلوات، لما ورد
من الترغيب في الصلاة لأول الوقت، والصبح يأتي غالبًا عقيب النوم، فناسب أن
يَنْصَبُّ من يوقظ الناس قبل دخول وقتها؛ ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر كما في
سائر الصلوات، فلو أذن قبل طلوعه يجب الإعادة ولا يكتفي به. قالا: لم يكن
الأذان الأول لصلاة الفجر بل كان لغرض آخر بينه وَّ في حديث ابن مسعود
بقوله: ((لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُوْقِظَ نَائِمَكُمْ)). قلتُ: ليس في حديث ابن مسعود ما يدل
على الحصر فيما ذكر من السبب لأذان بلال، ولا تزاحم في الأسباب مع أنه ليس
فيه بيان علة الأذان بل بيان نكتة التقديم، والراجح عندي: أنه يجوز الأذان الصلاة
الفجر قبل طلوع الصبح، ويكتفى به إن قدم قبل الفجر بزمان يسير، ولا يجب
الإعادة. هذا هو الذي يستفاد من أحاديث الباب عندي. ولا يخفى ذلك على من
تأمل في الأحاديث الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى.
واعلم: أنه ادعى ابن القطان وابن دقيق العيد ومحمد بن الحسن أن قوله: ((إِنَّ
بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ))، كان في رمضان خاصة لا في سائر العام. وفيه نظر؛ لأن قوله:
((كُلُوا وَاشْرَبُواً)) يتأتى في غير رمضان أيضًا، وهذا لمن كان يريد صوم التطوع، فإن
كثيرًا من الصحابة في زمنه وَّ كانوا يكثرون صيام النفل، فكان قوله: ((فَكُلُوا
وَاشْرَبُوا)) بالنظر إلى هؤلاء، ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق عن ابن المسيب
مرسلًا بلفظ: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ، فَمَنْ أَرَادَ الصَّوْمَ فَلَا يَمْنَعْهُ أَذَانُ بَلَالٍ حَتَّى يُؤَذِّنَ
ابْنُ أُمِّ مَكْتُوم)). ذكره علي المتَقي في ((كنز العمال)) (ج٤: ص٣١١). فجعل
النبي ◌َّ الصَّوم فيه باختيار الرجل، ولا يكون ذلك إلا في غير رمضان، فدل على
أن قوله عليه السلام: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ)) ليس مختصًّا برمضان.
(قَالَ) أي: ابن شهاب راوي الحديث، أو شيخه سالم، أوشیخ شيخه ابن عمر .
(رَجُلَّا أَعْمَى) قيل: عمي ابن أم مكتوم بعد بدر بسنتين. وفيه: أن سورة عبس مكية
في قول الجميع، وعن ابن عباس: نزلت بمكة، فكيف يصح أن يقال: إنه عمي
بعد بدر بسنتين؟ فالظاهر: أنه عمي بعد البعثة بسنتين. وقيل: ولد أعمى فكنيت أمه
أم مكتوم؛ لإكتتام نور بصره، والأول هو المشهور.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٌ [تَأْخِيرُ الأَذَان]
٩٧
(أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ) بالتكرار للتأكيد، وهي تامة تستغني بمرفوعها، أي:
دخلت في الصباح، هذا ظاهره. واستشكل؛ لأنَّه جُعِلَ أذانه غاية للأكل، فلو لم
يؤذن حتى يدخل في الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على
خلافه إلا من شذ كالأعمش .
وأجيب: بأن الغرض أن أذان ابن أم مكتوم جعل علامة لتحريم الأكل
والشرب. والظاهر: أنه كان له من يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء
طلوع الفجر، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق، ولم يكن الصحابة
يخفى عليهم الأكل في غير وقته، بل كانوا أحوط لدينهم من ذلك. وقيل: المعنى
قاربت الصباح جدًّا، فإن قرب الشيء قد يعبر به عنه، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا
بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن؛ لأن العدة إذا تمت فلا رجعة، فلا يلزم وقوع أذان ابن أم
مكتوم قبل الفجر ولا الأكل بعد طلوع الفجر؛ لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع
في آخر جزء من الليل، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر، وهذا وإن كان
مستبعدًا في العادة فليس بمستبعد من مؤذن النبي وَّ المؤيد بالملائكة، فلا
يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة. وقيل: إن أذانه كان يقع في أول طلوع الفجر
الثاني قبل تبينه وانتشاره، وتحريم الأكل إنما يتعلق بانتشاره وتبينه، لا بطلوعه كما
يدل عليه قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ﴾
[البقرة: ١٨٧].
وفي الحديث: دليل على جواز أذان الأعمى من غير كراهة إذا كان عنده من
يخبره بدخول الوقت؛ لأن الوقت في الأصل مبني على الشهادة. وفيه: جواز تقليد
الأعمى للبصير في دخول الوقت. وفيه: جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا
كان القصد التعريف به ونحوه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والترمذي والنسائي.
٩٨
ENENE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦٨٦ - [٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَ: ((لَا
يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلاَّ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ
الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأَفُقِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ لِلِّْمِذِيِّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٦٨٦ - قوله: (مِنْ سُحُورِكُمْ) بضم السين مصدرًا أي: تسحركم، وبفتحها
اسم للمأكول، أي: من أكل سحوركم وهو ما يتسحر به. (أَذَانُ بِلَالٍ) أي: فإنه
يؤذن بليل. (وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ) أي: ولا يمنعكم الصبح، الذي يصعد إلى
السماء كالعمود تسميه العرب ذنب السرحان، وبطلوعه لا يدخل وقت صلاة
الصبح، ولا يحرم الطعام.
قال ابن الملك: وهو الفجر الكاذب، يطلع أولًا مستطيلاً إلى السماء، ثم
يغيب، وبعد غيبوبته بزمان يسير يظهر الفجر الصادق. (وَلَكِنٍ) بالتخفيف ويشدد.
(الْفَجْرُ) بالرفع وينصب. (الْمُسْتَطِيرُ فِي الأَفُقِ) هو الذي انتشر ضوؤه، واعترض
في الأفق الشرقي كأنه طار في نواحي السماء بخلاف المستطيل كذنب السرحان
بكسر السين وهو الذئب. وفي الحديث: بيان صفة الفجر الذي يتعلق به الأحكام
من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح، وهو الفجر الثاني، ويسمى
الصادق والمستطير، وأنه لا أثر للفجر الأول في الأحكام، وهو الفجر الكاذب
والمستطيل كذنب الذئب. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الصيام أي: بمعناه بألفاظ مختلفة.
(وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ) أخرجه الترمذي في الصيام، وحسنه. قيل: الأظهر أن يقول:
رواه الترمذي، ولمسلم معناه. وقيل: الأنسب: رواه مسلم والترمذي واللفظ له.
قلتُ: يستفاد هذا من كلام المصنف مع الاختصار، وهو أنسب للفصل الأول،
فهو أولى بالاعتبار. والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والدار قطني
والحاكم وابن خزيمة والطبراني وأبو يعلى وابن أبي شيبة.
(٦٨٦) مُسْلِم (١٠٩٤/٤٣) عَنْهُ فِي الصِّيَامِ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابْ [تَأْخِيرُ الأَذَان]
٩٩
٦٨٧ - [٣] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْتُ النَِّي ◌َّهِ أَنَا وَابْنُ عَمِّ
لِي، فَقَالَ: ((إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٦٨٧ - قوله: (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ) بالتصغير، يكنى أبا سليمان الليثي
الصحابي، نزل البصرة، له خمسة عشر حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد
البخاري بحديث، مات سنة (٧٤). (أَنَا وَابْنُ عَمٌّ لِي) بالرفع على العطف،
وبالنصب على أنه مفعول معه. (فَقَالَ) أي: لنا، ففي رواية للنسائي: ((قال لي
رسول اللّه وَل﴿ ولصاحب لي)). ولفظ البخاري في باب: سفر الاثنين من كتاب
الجهاد: انْصَرفتُ مِن عندِ الَّبِّ وَّهِ، فَقَال لنَا أَنَا وَصَاحبٍ لِي. قال الحافظُ: لم أر
في شيء من طرقه تسمية صاحبه.
(فَأَذِّنَا) أي: ليؤذن أحدكما ويجيب الآخر، وإنما احتيج إلى هذا التأويل وصرف
عن ظاهره لقوله في الرواية الآتية: ((فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ))، ولما رواه الطبراني في هذا
الحديث: ((إِذَا كُنْتَ مَعَ صَاحِبَكَ فَأَذِّنْ وَأَقِمْ، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا))؛ ولأن أذان الواحد
يكفي الجماعة إجماعًا، فاجتماعهما في الأذان غير مطلوب. وقيل: الإسناد
مجازي، أي: ليتحقق بينكما الأذان، كما في: بنو فلان قتلوا، أي: وجد القتل
فيما بينهم. والمعنى: يجوز لكل منكما الأذان أيكما فعل حصل، فلا يختص بأكبر
كالإمامة، فنسب الأذان إليهما للتنبيه على عدم خصوصه بأحدهما بعينه كالإ مامة.
وقيل: المراد: من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، ونسب إليهما؛ لاستوائهما في
الفضل، ولا يعتبر في الأذان السن بخلاف الإمامة.
وقال الكرماني: قد يطلق الأمر بالتثنية والجمع والمراد واحد كقوله: يا
حرسي! اضربا عنقه. مع أن الضارب واحد. (وَأَقِيمًا) فيه: حجة لمن قال
(٦٨٧) البُخَارِي (٦٢٨) (٦٣٠) (٣١)، ومُسْلِم (٢٩٣ /٦٧٤)، وأَبُو دَاوُد (٥٨٩) (٢٠٥)، والنَّسَائِي
(٩/٢)، وابنُ ماجَهْ (٩٧٩) فِي الصَّلاَةِ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ عَنْهُ.