Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٥٦٤ - [٦] عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَت: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ
فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشِ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَّا وَكَذَا فَلَمْ تُصَلِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه: ((سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنِ، فَإِذَا رَأَتْ صُفَارَةً
فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظَّهْرِ وَالعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُّ لِلْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ
غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٥٦٤- قوله: (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ) بالمهملتين مصغرًا الخثعمية من
المهاجرات الأول، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها، هاجرت مع
زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ثم تزوجها أبو بكر، ثم
علي بن أبي طالب، وولدت لهم، كان عمرُ يسألها عن تعبير الرؤيا، ولما بلغها قتل
محمد بن أبي بكر جلست في مسجدها، وكظمت غيظها حتى شخبت ثديًا هادمًا،
لها ستون حديثًا انفرد لها البخاري بحديث، ماتت بعد علي.
(مُنْذُ كَذَا وَكَذَا) أي: سبع سنين. (فَلَمْ تُصَلِّ) ظنًّا منها أن الاستحاضة تمنع الصلاة
كالحيض. (سُبْحَانَ اللَّهِ) قاله تعجبًا من تركها الصلاة بمجرد ظنها المذكور من غير
أن تراجعه عليه الصلاة والسلام في ذلك. (إِنَّ هَذَا) أي: أمر الاستحاضة، وترك
الصلاة بها. (مِنَ الشَّيْطَانِ) أي: من ركضه وتسويله. (لِتَجْلِسْ) أمر. (فِي مِرْكَنِ)
أي: فيه ماء وهو - بكسر الميم وفتح الكاف - إناء كبير يغسل فيه الثياب. (فَإِذَا رَأَتْ
صِفَارَةً) كذا وقع في نسخ ((المشكاة)) كلها ((صفارة) بزيادة الألف بعد الفاء، والذي
في ((سنن أبي داود)) صُفرة بغير ألفٍ. (فَوْقَ الْمَاءِ) أي: فوق الماء الذي تجلس فيه،
فإنه تظهر الصفرة فوق الماء فعند ذلك تصب الماء للغسل خارج المركن.
(٥٦٤) أَبُو دَاوُد (٢٩٦) في الطهارة عن أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس.

٥٧٩
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
وفائدة الجلوس في المركن أن يعلو الدم الماء، فيظهر به تمييز دم الاستحاضة
من غيره، فإنه إذا علا الدم الأصفر فوق الماء فهي مستحاضة، وإذا علا الدم
الأسود فهو حيض، فهذه هي النكتة في الجلوس في المركز، وأما الغسل فخارج
المركز، لا فيه في الماء النجس، قاله الأمير اليماني.
(فَلْتَغْتَسِلْ لِلُّهْرِ وَالعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ) بالجزمِ عطف على المجزوم.
(وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا) جاء بطريق المشاكلة. (وَتَوَضَّأ) بحذف أحد التائين.
(فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) أي: فيما بين الظهر والعصر للعصر، وفيما بين المغرب والعشاء
للعشاء؛ لأنها صاحبة عذر، وهي مأمورة بالوضوء لكلِّ صلاة.
وهذا الحديث وحديث حمنة المتقدم فيهما الأمر بالاغتسال في اليوم والليلة
ثلاث مرات، وقد بين في حديث حمنة أن المراد إذا أخرت الظهر والمغرب،
ومفهومه أنه إذا وقتت اغتسلت لكل فريضة. وقد اختلفوا فيه، فروي عن بعض
العلماء أنه يجب عليها الاغتسال لكل صلاة. واستدلَّ بما روى أبو داود والبيهقي
وغيرهما أن النبي ◌َّ قال لها: ((اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ)).
وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا يجب عليها الاغتسال
لشيء من الصلوات، ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع
حيضها. وقالوا: رواية الأمر بالاغتسال لكل صلاة ضعيفة، غير ثابتة، قد بين
البيهقي ومن قبله ضعفها. وقيل: بل هي منسوخة بحديث فاطمة بنت أبي حبيش
أنها توضأ لكل صلاة. وقيل: إن حديث تعدد الغسل محمول على الندب
والاستحباب، واختاره أحمد، وجنح إليه الشافعي بقرينة عدم أمر فاطمة به،
واقتصاره على أمرها بالوضوء، فالوضوء هو الواجب. وقيل: محمول على
العلاج، والتبريد، وتقليل الدم.
قلتُ: القول الراجح عندي: أن أحاديث تعدد الغسل محمولة على
الاستحباب. قال ابنُ قُدامة في ((المغني)): قوله وََّ لفاطمة: ((تُوضَّيٍ لِكُلِّ
صَلَاةٍ)) يدلُّ على أن الغسل كل يوم بعد الغسل عند انقطاع الحيض، ثم تتوضأ لكل
صلاة، وهو أقل المأمور، ويجزئه إن شاء الله، انتهى مختصرًا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. وقال المنذري: حسن.

٥٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
iE
٥٦٥- [٧] وَقَالَ: رَوَى مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا
الْغُسْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ.
الشّرْحُ
٥٦٥ - قوله: (وَقَالَ) أي: أبو داود. (رَوَى مُجَاهِدٌ) هو مجاهد بن جبر - بفتح
الجيم وسكون الباء - الإمام أبو الحجاج المخزومي مولاهم، المكي المقرئ
المفسر الحافظ، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، ولد سنة (٢١) في
خلافة عمر سمع سعدًا وعائشة وأبا هريرة وعبد الله بن عمر، وابن عباس ولزمه
مدة، وقرأ عليه القرآن. وكان أحد أوعية العلم. روي عنه أنه قال: عرضتُ القرآنَ
على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت؟
قال الذهبي: أجمعتِ الأمةُ على إمامة مجاهد، والاحتجاج به. وقال ابن سعد:
كان ثقةً فقيهًا عالمًا، كثير الحديث، من الطبقة الوسطى من تابعي مكة، وفقهائها،
وقرائها، والمشهورين بها، مات بمكة سنة (١٠٢) أو (١٠٣) أو (١٠٤) وهو
ساجد، وقد بلغ (٨٣) سنة.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وصل الطحاوي هذا التعليق بسنده عن مجاهد عن ابن عباس.
(لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا) أي: على المستحاضة التي سألت عنه حكمها، واعتذرت بأن
أرضنا أرض باردة. (الْغُسْلُ) أي: لكل صلاة. (أَمَرَهَا) أي: ابن عباس. (أَنْ تَجْمَعَ
بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) أي: جمعًا صوريًّا بغسل واحد.
(٥٦٥) وَصَلَهُ الدارميُّ والطحاويُّ بسندٍ صحيحٍ عن مجاهدٍ ... به أتمَّ منه، ولكنَّهُ موقوفٌ على ابنٍ
عباسٍ.

كِتَابُ الصَّلاةِ
٥٨١
FREE
-
٤ - كِتَابُ الصَّلَاة
(كِتَابُ الصَّلَاةِ) كان فرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة، وكانت
الصلاة قبل الإسراء صلاتين: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. قال
تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ﴾ [غافر: ٥٥] واختلفوا في اشتقاقٍ
الصلاة، فقيل: من الصلاة بمعنى الرحمة، وقيل: بمعنى الدعاء، وقيل: من
الصلوين، وهما عرقان في الردف ينحنيان في الصلاة، وقيل: من الصلى وهو
دخول النار. ونقل الإمام ابن القيم في ((بدائع الفوائد)) عن السهيلي كلامًا حسنًا في
اشتقاق الصلاة، فارجع إليه .
الفصل الأول
٥٦٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((الصَّلَوَاتُ
الْخَمْسُ، وَالجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ؛ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ
إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح موقوف}
الشّرْجُ
٥٦٦- قوله: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ) أي: بعضها إلى بعض، ففي روايةٍ
لأحمدَ: ((الصَّلَاةُ إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي قَبْلَهَا كَفَّارَةٌ». (وَالْجُمُعَةُ) أي: صلاتها. (إِلَى
الْجُمُعَةِ) أي: منتهية إلى الجمعة، أو منضمة إليها. وعلى هذا قوله: (وَرَمَضَانُ)
أي: صومه. (إِلَى رَمَضَانَ) وقوله: (مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ) أي: من الذنوب، خبر
عن الكلِّ، و((مَا بَيْنَهُنَّ)) معمول لاسم الفاعل، قاله الطيبي. والتكفير التغطية،
والمراد هنا: المحو. (إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ) على صيغة المجهول، شرط جزاؤه
(٥٦٦) مُسْلِم (١٦ / ٢٣٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٢١٤) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

٥٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
محذوف دل عليه ما قبله. وقيل: إذا لمجرد الظرفية، فمعنى قوله: ((إِذَا اجْتُنِبَتِ
الْكَبَائِرُ)) أي: وقت اجتنابها. والحديث بظاهره: يفيد أن التكفير مشروط باجتناب
الكبائر، فإن لم يجتنبها لم تكفر الصغائر، ومثله قوله تعالى: ﴿إِن تَحْتَنِبُواْ كَبَابِرَ
مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. وهذا إنما يلزم عند من يقول
بالمفهوم، وأما من لم يقل بمفهوم المخالفة، فَأَمْرُ تكفير الصغائر وقت ارتكاب
الكبائر مسكوت عنده، وقد علم من الأدلة الأخرى أنه تغفر الصغائر بالطاعات وإن
لم يجتنب الكبائر.
وقيل في توجيه الآية: أن محو الصغائر لمن اجتنب الكبائر وعد مقطوع به،
ومحوها لمن تعاطى الكبائر ليس كذلك، بل في مشيئته وإرادته تعالى. وقال
النووي: معنى الحديث: أن ما بينهن من الذنوب كلها مغفور إلا الكبائر لا يكفرها
إلا التوبة، أو فضل الله. هذا مذهب أهل السنة، ذكره القاري. وقال الشيخ محمد
طاهر الفتني: لا بد في حقوق الناس من القصاص ولو صغيرة، وفي الكبائر من
التوبة، ثم ورد المغفرة في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان، فإذا تكرر يغفر
بأولها الصغائر، وبالبواقي يخفف عن الكبائر، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة
يرفع بها الدرجات، انتھی.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الطهارة وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في الصلاة.
٥٦٧ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًّا بِبَابٍ
أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟)) قَالُوا: لَا يَبْقَى
مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: ((فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ
الْخَطَايَا».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٥٦٧- قوله: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًّا) بفتح الهاء وسكونها. (يَغْتَسِلُ) أي:
(٥٦٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٢٨)، مُسْلِم (٢٨٣ / ٦٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّلَاةِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِي
(٢٨٦٨) فِي الأَمْثَالَ، النَّسَائِي (١/ ٢٣٠).

٥٨٣
كِتَابُ الصَّلاةِ
أحدكم. (فِيهِ) أي: في النهر. (خَمْسًا) أي: خمس مرات. (هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ
شَيْءٌ؟) بفتح الدال والراء، أي: وسخه، و((من)) زائدة، وقيل بيانية. قال الطيبيُّ:
لو الامتناعية تقتضي أن تدخل على الفعل الماضي، وأن يجابَ. والتقدير: لو ثبتَ
نهر بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات لما بقى من درنه شيء. فوضع
الاستفهام موضعه تأكيدًا وتقريرًا، إذ هو في الحقيقة متعلق الاستخبار، أي:
أخبروني هل يبقى لو كان كذا؟ و((من)) في قوله: ((مِنْ دَرَنِهِ)) استغراقية زائدة لما
دخل في خير الاستفهام، ودرنه مفعول ((يبقى))، وفيه مبالغة في نفي درن الذنوب
ووسخ الآثام، انتهى.
(فَذَلِكَ) أي: النهر المذكور أو الغسل فيه خمس مرات. قال الطيبي: الفاء جزاء
شرط محذوف، أي: إذا أقررتم ذلك وصح عندكم فهو مثل الصلوات. (مَثَلُ
الصَّلَوَاتِ) فتح الميم والمثلثة، فيكون تشبيه المعقول - أي: الصلاة -
بالمحسوس - أي: الغسل في النهر - وهو الظاهر. وقيل: بكسر الميم وسكون
الثاء، فيكون تشبيه الغسل بالصلاة، لكن المقصود تشبيه الصلاة بالغسل وإنما
عكس في اللفظ مبالغة. قال القاري: عكس في التشبيه حيث أن الأصل تشبيه
المعقول بالمحسوس مبالغة. (يَمْحُواللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) أي: الصغائر. والجملة
مبنية لوجه الشبه، قال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار
المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تطهر العبد عن
أقدار الذنوب حتى لا تُبقي له ذنبًا إلا أسقطته، انتهى.
وظاهر الحديث: أن المراد بالخطايا ما هو أعم من الصغيرة والكبيرة، لكن
الحديث المتقدم يدل على أن المراد بها هي الصغائر دون الكبائر. وقال السندي:
خصَّها العلماء بالصغائر ولا يخفى أنه بحسب الظاهر لا يناسب التشبيه بالنهر في
إزالة الدرن، إذ النهر المذكور لا يبقي من الدرن شيئًا أصلًا. وعلى تقدير أن يبقى،
فإبقاء القليل والصغير أقرب من إبقاء الكثير والكبير، فاعتبار بقاء الكبير وارتفاع
الصغير قلب لما هو المعقول نظرًا إلى التشبيه، فلعل ما ذكروا من التخصيص مبني
على أن الصغائر تأثيرًا في درن الظاهر فقط، كما يدل عليه ما ورد في خروج
الصغائر من الأعضاء عند التوضؤ بالماء بخلاف الكبائر، فإن لها تأثيرًا في درن
الباطن كما يفيده بعض الأحاديث: أن العبد إذا ارتكب المعصية تحصل في قلبه

٥٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نكتة سوداء، ونحو ذلك، وقد قال تعالى: ﴿بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾
[المطففين: ١٤] فكما أن الغسل يذهب بدرن الظاهر دون الباطن، فكذلك الصلاة.
فتفکر، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ المذكور لمسلم إلا أن فيه: «یغتسل منه كل يوم خمس
مرات)). وفي لفظ البخاري بعض ما يتفاوت ذلك اللفظ. والمؤلف ربما ينسب
الحديث إلى الشيخين، ويحكم بكونه متفقًا عليه مع تفاوت في لفظهما، نظرًا إلى
أصل الحديث. وقد يصرح بالاختلاف. ولعل ذلك فيما يفحش التفاوت.
والحديث أخرجه أيضًا الترمذي في الأمثال، والدارمي في الصلاة، وفي الباب
عن جابر عند مسلم، والدارمي، وعثمان عند ابن ماجه.
٥٦٨ - [٣] وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَّى
النَّبِيَّ وَِّ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَّ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَي التََّارِ وَزُلَفَّا مِّنَ الَيْلِّ
إِنَّ الْخَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِي
هَذَا؟ قَالَ: ((لِجَمِيعِ أَمَّتِي كُلُّهِمْ)).
- وَفِي رِوَايةٍ: ((لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِى))(*)
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٥٦٨- قوله: (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو اليَسَر بفتحتين كعب بن عمرو الأنصاري،
أخرج قصته الترمذي، والنسائي، والبزار عنه، قال: أتتني امرأةٌ تبتاع تمرًا فقلتُ:
إن في البيت تمرًّا أطيب منه، فدخلت معي في البيتِ، فأهويت إليها، فقبلتها ...
الحديث. وقيل: اسم هذا الرجل نبهان التمار، ذكر قصته عبد الغني بن سعيد
الثقفي أحد الضعفاء في تفسيره عن ابن عباس. وقيل: عمرو بن غزية. وقيل: عامر
(٥٦٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٦٨٧) في التَّفْسِيرِ، وَكَذَا التِّرْمِذِي (٣١١٤)، النَّسَائِي في ((الكبرى))
(١١٢٤٧)، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ (٤٢ / ٢٧٦٣) فِي التَّوْبَةِ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، ابن مَاجَهْ
(١٣٩٨).
(*) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٤٦٨٧)، ومُسْلِم (٣٩/ ٢٧٦٣) عَنْهُ.

٥٨٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ابن قيس. وقيل: عباد. قال الحافظُ: وأقوى الجميع أنه أبو اليسر، واسمه كعب
ابن عمرو الأنصاري السلمي، مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة، وبدرًا وله فيها
آثار كثيرة، وهو الذي أسر العباس، كان قصيرًا، دحداحًا، عظيم البطن، مات
بالمدينة سنة (٥٥).
(أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ) أنصارية وهي حال من قوله: (قُبْلَةً) بضم القاف أي: من غير
مجامعة. (فَأَتَى النَِّّ ◌َ) بعد أن ندمَ على فعله، وعزم على تلافي حاله عملًا بقوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ﴾ [النساء: ٦٤] الآية. (فَأَخْبَرَهُ) أي:
بالواقعة. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) قال الطيبي: الفاءُ عطف على مقدر أي: فأخبره،
فسكت رسول اللّهُ وَّهِ، فصلى الرجلُ، فأنزل الله، يدل عليه الحديث الآتي.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾ [هود: الآية ١١٤] أي: الغداة والعشى، أي: الصبح والظهر
والعصر. ﴿وَزُلَفًا﴾ جمع زلفة أي: طائفة. ﴿مِّنَ اَلَيْلِ﴾ أي: المغرب والعشاء.
قال في المدارك: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفِ اٌلَّهَارِ﴾ غدوة وعشية. ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾.
وساعات من الليل جمع زلفة، وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، من: أزلفه، إذا
قربه، وصلاة الغدوة الفجر، وصلاة العشية الظهر والعصر؛ لأن ما بعد الزوال
عشي، وصلاة الزلف المغرب والعشاء، انتهى. وقيل في تفسير: طرفي النهار
والزلف غير ذلك. والأقرب عندي: ما نقلته من ((المدارك)). واستدلّ مغلطائي
الحنفي بقوله: (زُلَفًّا مِنَ اللَّيْلِ) على وجوب الوتر؛ لأن زلفًا جمع وأقله الثلاث،
فلا بد أن تكون هناك صلاة ثالثة، وهي الوتر. قال بعضُ الحنفية: لا دليل في الآية
على وجوب الوتر. أما جمعية الزلف فهي باعتبار وقوع العشاء في هذه الحصة تارة
وتارة في الحصة الأخرى، فكانت باعتبار حصص الليل وساعاته من حيث تعجيل
العشاء وتأخيره، انتهى.
﴿﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ﴾ أي: كالصلوات الخمس. ﴿يُذْهِبْنَ﴾ أن يكفرن. ﴿السَّيِّئَاتِ﴾
أي: الصغائر؛ لحديث أبي هريرة السابق. (أَلِي هَذَا؟) هذا مبتدأ و((لِي)) خبره،
والهمزة حرف الاستفهام لإرادة التخصيص، أي: مختص لي هذا الحكم أو عام
لجميع المسلمين؟ (كُلِّهِمْ) تأكيد بعد تأكيد ليشمل الموجودين والمعدومين، أي:
هذا لهم وأنت منهم. (وَفِي رِوَايَةٍ) للشيخين عن ابن مسعود أيضًا كما أفاده تأخير
المصنف قوله: ((متفق عليه)) إلى ما بعدها. (لِمَنْ عَمِلَ بِهَا) أي: بهذه الآية بأن فعل

٥٨٦
***
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حسنة بعد سيئة. واستدل بهذا الحديث على عدم وجوب الحد في القبلة واللمس
ونحوهما، وعلى سقوط التعزير عمن أتى شيئًا منها وجاء تائبًا نادمًا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، وفي تفسير سورة هود،
ومسلم في التوبة، وأخرجه أيضًا الترمذي في التفسير، وابن ماجه في الصلاة،
واللفظ المذكور للبخاري في مواقيت الصلاة.
٥٦٩- [٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
أَصَبْتُ حَدَّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلَّهُ عَنْهُ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَ لِهِ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ وَّرِ الصَّلَاةَ قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدَّا فَأَقِمْ فِيَّ ◌ِتَابَ اللَّهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟))
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ)) أَوْ: (حَدََّ)) .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٥٦٩- قوله: (جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا) أي: موجبه
على حذف المضاف، أي: فعلت شيئًا يوجب الحد. (فَأَقِمْهُ) أي: الحد، والمراد
حكم الله. (عَلَيَّ) قال الحافظ في ((الفتح)): لم أقف على اسم هذا الرجل، ولكن من
وحَّد بين هذه القصة والتي في حديث ابن مسعود فسره به، وليس بجیدٍ لاختلاف
القصتين، وعلى التعدد جرى البخاري في هاتين الترجمتين، فحمل الأولى على من
أقرَّ بذنب دون الحدِّ للتصريح بقوله: ((غير أني لم أجامعها)). وحمل الثانية على ما
يوجب الحد؛ لأنه ظاهر قول الرجل، وأما من وحد بين القصتين، فقال: لعله ظن
ما ليس بحد حدًّا، أو استعظم الذي فعله، فظن أنه يجب فيه الحد، انتهى.
ولحديث أنس هذا شاهد من حديث أبي أمامة عند مسلم، وابن جرير.
(وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ) أي: لم يستفسر رسول اللّه وَله الرجل عن موجب الحد ما هو؟
لأنه قد يدخل في التجسس المنهي عنه، أو إيثارًا للستر، ويحتمل أن يكون وَال
(٥٦٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي فِي الحُدُود (٦٨٢٣)، وَمُسْلِم فِي التَّوْبَةِ (٤٤/ ٢٧٦٤) عَنْ أَنَسٍ رَشْتَهُ.

٥٨٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ERE
ERRE
اطلع بالوحي على أن الله قد غفر له؛ لكونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره عن
الحد، ويقيمه عليه. قال الخطابي، وجزم النووي، وجماعة: أن الذنب الذي فعله
كان من الصغائر بدليل قوله: إنه كفرته الصلاة، بناء على أن الذي تكفر الصلاة من
الذنوب الصغائر لا الكبائر. وترجم البخاري على هذا الحديث بقوله: إذا أقر
بالحد ولم يبين، هل للإمام أن يستر عليه؟ قال الحافظُ: ظاهر ترجمته حمله على
من أقرَّ بحدٍّ ولم يفسره، فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب، أي: وكان
موجب الحد مخفيًّا.
(فَلَمَّا قَضَى النَِّيُّ وَِّ الصَّلَاةَ﴾ أي: أداها وانصرف عنها. (قَامَ الرَّجُلُ) وفي
البخاري: قام إليه الرجل. (فَأَقِمْ فِيَّ) أي: في حقي. (كِتَابَ اللَّهِ) أي: حكم الله
من الكتاب والسنة، أو ما حكم به اللّه تعالى في كتابه من الحد. (أَوْ حَدََّ) شك
من الراوي أي: سبب حدك.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المحاربين، ومسلم في التوبة، واللفظ
للبخاري .
٥٧٠- [٥] وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيِّ وَلِ: أَيُّ الْأَعْمَالِ
أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ((الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا)) قلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((بِرُّ الْوَالِدَيْنِ))
قلتُ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ
لَزَادَنِي.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرُْ
٥٧٠- قوله: (أَُّ الْأَعْمَالِ) أي: البدنية، فلا يعارض: ((أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ:
الْإِيمَانُ بِاللهِ)) كذا قيل. (الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا) أي: في وقتها المندوب، فاللام فيه بمعنى
في؛ لأن الوقت ظرف لها. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:
٤٧] أي: فيه. وفي رواية للشيخين: ((عَلَى وَقْتِهَا)). قيل: على بمعنى اللام، ووقع
(٥٧٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٢٧)، مُسْلِم (١٣٩ / ٨٥) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، التِّرْمِذِي (١٧٣)، النَّسَائِي
(١/ ٢٩٢).

٥٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
في رواية الحاكم والدار قطني والبيهقي: ((فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا))، وهي رواية صحيحة
صحَّحها الحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجها ابن خزيمة في ((صحيحه)). قيل: رواية
((لوقتها)) باللام تفيد معنى لفظ ((أول))؛ لأن اللام لاستقبال وقتها كقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: مستقبلات لعدتهن، ومعلوم ضرورة شرعية أن الصلاة لا
تصح قبل دخول الوقت، فتعين أن المراد لاستقبالكم الأكثر من وقتها، وذلك
بالإتيان بها في أول وقتها. ورواية ((عَلَى وَقْتِهَا)) أيضًا تفيد ذلك؛ لأن كلمة ((عَلَى))
تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت.
وفائدته: تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه، وعورض تفضيل الصلاة في أول
وقتها على ما كان منها في غيره بحديث العشاء، وبأحاديث الإبراد بالظهر عند
القائلين بأفضلية الإبراد. والجواب: أن ذلك تخصيص لعموم أول الوقت، ولا
معارضة بین عام وخاص.
هذا، وقد وردت أحاديث أخرى في أنواع من أعمال البرِّ بأنها أفضل الأعمال،
وهي تعارض حديث ابن مسعود هذا ظاهرًا، وأجيب بأنه وَ لّ أخبر كل مخاطب بما
هو أليق به وهو به أقوم، وإليه أرغب، ونفعه فيه أكثر، فالشجاعُ أفضل الأعمال في
حقه الجهاد، فإنه أفضل من تخليه للعبادة، والغني أفضل الأعمال في حقه الصدقة
وغير ذلك، أو كان الاختلاف في الجواب باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في
ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل
الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها، والتمكن من أدائها وقد تضافرت النصوص
على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون
الصدقة أفضل، أو أن كلمة ((من)) مقدرة، والمراد من أفضل الأعمال، أو كلمة
أفضل لم يرد به الزيادة بل الفضل المطلق، وأجاب الطحاوي عن هذا الإشكال
بجواب آخر أطال في تقريره، إن شئت الوقوف عليه فارجع له إلى مشكله. (ثُمَّ أَيُّ)
بالتشديد والتنوين، وثم لتراخي الرتبة لا لتراخي الزمان، أي: ثم بعد الصلاة أيها
أحب وأفضل. (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) بكسر الباء وتشديد الراء الإحسان، وبر الوالدين ضد
العقوق، وهو الإساءة وتضييع الحقوق. (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) أي: بهذه الأشياء الثلاثة.
(وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) أي: طلبت منه الزيادة في السؤال يعني: لو سألته أكثر من هذا.
(لَزَادَنِي) في الجواب.

٥٨٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، والجهاد، والأدب
والتوحيد. ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا الترمذي في الصلاة، وفي البر
والصلة، والنسائي والدارمي في الصلاة، وأبو داود الطيالسي في ((مسنده)).
واعلم: أن هذا الحديث ليس مرويًّا في ((الصحيحين)) بعين هذا اللفظ وتمامه
الذي ذكره المؤلف تبعًا للبغوي، بل اللفظ المذكور لا يوافق رواية من روايات
غيرهما أيضًا، وكأنَّ البغوي أخذ شيئًا من رواية وشيئًا من رواية أخرى، وجعل
المأخوذ المجموع سياقًا واحد، وهذا كما ترى ليس مما ينبغي، بل كان عليه أن
يورد رواية واحدة معينة للحديث، ثم يذكر الاختلاف في ألفاظها إن كان، هذا هو
الطريق الصحيح في نقل الرواية. والعجب من صاحب ((المشكاة)) أنه لم يتنبه
لذلك، أو تنبه لكن لم يعد صنيع البغوي هذا مخالفًا للقاعدة.
٥٧١- [٦] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ
الْكُفْرِ تَرْلُكُ الصَّلَاةِ».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْجُ
٥٧١- قوله: (بَيْنَ الْعَبْدِ) أي: المسلم وفي حكمه المسلمة. (وَبَيْنَ الْكُفْرِ)
كرر ((بين)) لمزيد التأكيد. (تَرْكُ الصَّلَاةِ) مبتدأ مؤخر، والظرف المقدم خبره،
ومتعلقة محذوف تقديره: ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر، والمعنى: أنه
يوصله إليه، وبهذا التقدير زال الإشكال، فإن المتبادر أن الحاجز بين الإيمان
والكفر فعل الصلاة لا تركها. وقيل: المعنى الفارق بين المؤمن والكافر ترك
الصلاة؛ لوجوده في الكافر دون المؤمن، فإن من حق ما به الفرق أن يوجد في أحد
الطرفين دون الآخر، فترك الصلاة فارق بينهما لتحققه في الكافر دون المؤمن.
وقال السندهي في ((حاشية ابن ماجه)): مثل هذه العبارة كما يستعمل في المانع
(٥٧١) مُسْلِم (١٣٤ / ٨٢) فِي الإِيمَانِ، أَبُو دَاوُد (٤٦٧٨)، التِّرْمِذِي (٢٦١٨)، ابن مَاجَهْ (١٠٧٨)،
النَّسَائِي (٢٣٢/١) فِي الصَّلَاةِ إلَّ التِّرْ مِذِي فَفِي الإِيمَانِ.

٥٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** E
الحائل بين الشيئين، كذلك يستعمل في الوسيلة المفضية لأحدهما إلى الآخر.
وفي الحديث من هذا القبيل، فلا يردُّ أن الحائل بينهما هي الصلاة، فإنها تمنعُ
العبد من الوصول إلى الكفر لا تركها، فليتأمل.
ومثل هذا قول القائل: بينك وبين مرادك الاجتهاد، وليس هو نظير قوله تعالى:
﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل:
٦١] انتهى. واللفظ المذكور لفظ ابن ماجه.
ولفظ مسلم: («بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ». قال النوويُّ:
معناه: أي: الذي يمنعُ من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا ترك لم يبق بينه وبين
الشرك حائل، بل دخل فيه، ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وهو
الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيكون الكفر أعم من الشرك، انتهى.
وعلى هذا عطف الكفر على الشرك في رواية مسلم عطف عام على خاص،
والحديث: يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، ولا خلاف بين المسلمين
في كفر من ترك الصلاة منكرًا لوجوبها إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم
يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة، وإن كان تركه لها تكاسلا مع
اعتقاده لوجوبها كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف العلماء فيه؛ فذهب
أحمدُ وإسحاقُ وبعضُ المالكية وبعضُ الشافعية إلى أنه يكفر، وتمسكوا بحديث
جابر هذا، وبحديث بريدة في الفصل الثاني، وبأحاديث عبد الله بن عمرو بن
العاص وعبد الله بن شقيق، وأبي الدرداء في الفصل الثالث وبأحاديث أخرى
وردت بتكفيره، ذكرها الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٧٢) والهيثمي في ((مجمع
الزوائد)) (ج١: ص٢٩٥) والمنذري في ((الترغيب)) (ج١: ص١٦٤ - ١٦٦).
وذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق، فإن تاب وإلا قتل حدًّا
كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. وذهب صاحبُ الرأي إلى أنه لا يكفر،
ولا يقتل، بل يُعزر، ويحبس حتى يصلي. ومن أقوى ما يستدل به على عدم كفره
حديث عبادة الآتي، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَآءُ﴾ [النساء: ١١٦] وحمل القائلون بعدم كفره الأحاديث القاضية بكفره على من
تركها جحدًا .

٥٩١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وقال بعضهم: هي محمولة على التغليظ والتهديد، أو على أنه قد يؤول به إلى
الكفر، أو أن فعله شابه فعل الكفار.
والحقُّ عندي: أن تارك الصلاة عمدًا كافر ولو لم يجحد وجوبها؛ لصحة
الأحاديث في إطلاق الكفر عليه، لكنه كفر دون كفر، أي: لم يرد بهذا الكفر كفرًا
يرده إلى ما كان عليه في الابتداء، ففي الكفر مراتب كثيرة بعضها أخف من بعض
غير موجب للخلود وعدم المغفرة، كما أن في الإيمان مراتب بعضها أعلى من
بعض، والله أعلم. وارجع للتفصيل إلى ((النيل)) (ج١: ص ٢٨٠ - ٢٨٦) و((الفتح))
(ج٢٨ : ص ٢٩٣).
(رَوَاهُ) أي: أصل الحديث. (مُسْلِمٌ) وإلا فاللفظ الذي ذكره المؤلف تبعًا
للبغوي لفظ ابن ماجه. وأما لفظ مسلم فقد ذكرناه مع شرحه. والحديث: أخرجه
أيضًا أحمد والترمذي في الإيمان، وأبو داود في السنة، والنسائي وابن ماجه في
الصلاة، وابن حبان. قال الحافظُ: ورواه ابن حبان والحاكم، من حديث بريدة بن
الحصیب نحوه.

٥٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٠٠
٥٧٢ - [٧] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((خَمْسُ
صَلَوَاتٍ اقْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَّمَّ
رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ
لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ] {صحيح}
الشّرْحُ
٥٧٢- قوله: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) مبتدأ لتخصيصه بالإضافة خبره جملة.
(اقْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى) وجملة: (مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ ... ) إلخ. استئناف مبين لبيان
ما ترتب على ((افترضهن))، ويحتمل أن يكون جملة ((افترضهن)) صفة، وما بعدها
خبر. قال السنديُّ: قد استدلَّ عبادة بن الصامت بالعدد على عدم وجوب الوتر.
كما جاء عنه - أي: عند مالك - وأبي داود والنسائي، لكن دلالة المفهوم للعدد
ضعيفة عندهم إلا أن يقال: قد قويت ها هنا لما لحقها من القرائن المقتضية لاعتبارها
ها هنا، وذلك لأنه لو كان فرض سادس في جملة الصلوات كل يوم لبين لهم النبي
وَ لّل بيانًا وافيًّا بحيث ما خفي على أحد لعموم الابتلاء، فضلًا عن أن يخفى على نحو
عُبادةَ، فكيف وقد بين لهم ما يوهم خلافه؟! فظهر بهذا أن المفهوم هنا معتبر.
قلتُ: ويؤيد ذلك أيضًا أن الصحابي أعلم منا بفحوى الكلام، فيكون استدلاله
بمفهوم العدد حجة، لاسيما إذا لم يعارضه عنده منطوق. قال السندي: وقد يقال:
لعله استدل على ذلك بقوله: ((مَنْ جَاءَ بِهِنَّ ... )) إلخ، حيث رتَّب دخول الجنة على
أداء الخمس، ولو كان هناك صلاة غير الخمس فرضًا لما رتب هذا الجزاء على أداء
الخمس. وفيه: أنه كيف يحصل دخول الجنة بالصلاة فقط مع وجود سائر
(٥٧٢) أَحْمَد (٥/ ٣١٧)، أَبُو دَاوُد (٤٢٥)، النَّسَائِي (١ / ٢٣٠)، ابن مَاجَهْ (١٤٠١) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٥٩٣
كِتَابُ الصَّلاةِ
الفرائض، فإن جوز ذلك فليجوز مثله مع وجود الفرض السادس في جملة
الصلوات، انتهى.
قلتُ: الفرائض الأخر غير الصلاة منطوقات فتقدم على هذا المفهوم، ويشترط
لدخول الجنة وجودها مع الصلاة، وأيضًا هي من غير جنس الصلاة وكلامنا في ما
هو من جنسها. (وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ) أي: في أوقاتهن المختارة. وقال الطيبي: أي:
قبل أوقاتهن وأولها. (وَأَتَّمَّ رُكُوعَهُنَّ) أي: وسجودهن كما في رواية لأحمد (ج٥ :
ص٣١٧) أي: أتى بهما تامين بأن اطمأن فيهما. (وَخُشُوعَهُنَّ) المراد به: سكون
الجوارح عن العبث والقلب عما يشتغلُ بغير ما هو فيه من صلاته.
واختلفوا في وجوب الخشوع واشتراطه في الصلاة، فذهب الأكثرون إلى عدم
الوجوب والاشتراط. وروي عن سفيان الثوري أنه قال: مَنْ لم يخشعْ فسدت
صلاتُهُ. وروي عن الحسن أنه قال: كلَّ صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى
العقوبة أسرع، ولا شك أن حضور القلب في الصلاة شرط من حيث أن الصلاة لا
تنفع في الآخرة إلا به، فإن حضور القلب هو روح الصلاة، فصلاة الغافل في
جميعها كالميت، وصلاة الغافل في جميعها إلا عند التكبير کمثل حي لا حراك به،
فهو قريب من ميت. وقد مال الغزالي إلى اشتراطه في الصلاة، فقد ذكر أدلته في
((إحياء العلوم))، ولأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي رسالة مفيدة
في الخشوع في الصلاة، فعليك أن تراجعها .
(كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ) أي: كرمًا وتفضلًا. (عَهْدٌ) أي: وعد. والعهد حفظ الشيء
ومراعاته حالًا فحالًا، سمى ما كان من الله تعالى على طريقة المجازاة لعباده عهدًا
على جهة مقابلة عهده على العباد، ولأنه وعد القائمين بحفظ عهده أن لا يعذبهم،
ووعده حقيق بأن لا يخلفه، فسمي وعده عهدًا؛ لأنه أوثق من كل وعد وعهد، قاله
التُّورْبَشْتِي. وقال القاضي: شبه وعد الله بإثابة المؤمنين على أعمالهم بالعهد
الموثوق به الذي لا يخلف، ووكل أمر التارك إلى مشيئتِهِ تجويزًا لعفوه؛ لأنه لا
يجبُ على الله شيء، ومن ديدن الكرام محافظة الوعد والمسامحة في الوعيد.
(أَنْ يَغْفِرَ لَهُ) خبر مبتدأ محذوف أي: هو، أو صفة عهد أو بدل منه. (وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ)
أي: ذلك استخفافًا، وقال القاري: أي مطلقًا، أو ترك الإحسان. (إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ)
برحمته فضلاً. (وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) عدلًا، قد استدلَّ به على عدم كُفر من ترك الصلاة،

50
٥٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وعدم استحقاقه للخلود في النار، وقد تقدم أن للكفر مراتب، ومنها ما لا ينافي
المغفرة ولا يوجب الخلود في النار.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص٣١٥، ٣١٦). (وَأَبُو دَاوُدَ) أي: باللفظ المذكور في
باب المحافظة على الصلوات، من حديث عبد الله الصنابحي، ورواه أيضًا في
باب: من لم يوتر، من حديث المخدجي بنحوه، وسكت عنه هو والمنذري.
(وَرَوَى مَالِك) في باب: الأمر بالوتر من ((موطئه)). (وَالنَّسَائِيُّ) في باب المحافظة
على الصلوات الخمس، وكذا ابن ماجه وابن حبان والحاكم وابن السكن كلهم
من حديث المخدجي. (نَحْوَهُ) أي: بمعناه. قال المنذري: قال أبو عمر النمري -
يعني ابن عبد البر -: لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث، وهو صحيح
ثابت، انتهى. وله شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجه، ومن حديث كعب
ابن عجرة عند أحمد.
٥٧٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((صَلُّوا
خَمْسَكُمْ، وَصُوِمُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ:
تَدْخُلُوا جَنََّ رَبِّكُمْ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِي] {صحيح}
الشّرْحُ
٥٧٣- قوله: قال رسول اللَّه وَّله في خطبة حجة الوداع. (صَلَّوا خَمْسَكُمْ)
أي: صلواتكم الخمس، وأضافها إليهم؛ لأنها لم تجمع لغيرهم. قال الطيبي:
حكمة إضافة هذا وما بعده إليهم: إعلامهم بأن ذوات هذه الأعمال بكيفياتها
المخصوصة من خصوصياتهم التي امتازوا بها عن سائر الأمم، وحثهم على
المبادرة للامتثال بتذكيرهم بما خوطبوا به، وتذكيرهم بأن هذه الإضافة العملية
يقابلها إضافة فضلية هي أعلى منها وأتم، وهي الجنة المضافة إلى وصف الربوبية
المشعر بمزيد تربيتهم وتربية نعيمهم بما فارقوا به سائر الأمم.
(٥٧٣) التِّرْمِذِي (٦١٦) عَنْهُ فِيهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

٥٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ecHOKE
(وَصُومُوا شَهْرَكُمْ) أي: رمضان. والإضافة للاختصاص، وقيل: أضافه إلينا مع
أن الراجح أنه ما من أمة إلا وفرض عليها رمضان؛ لأنه لم يغير ولم يضل عندنا،
بخلاف الأمم السابقة فإنهم غيروه وأضلوه في أيام السنة. وأبهمه للدلالة على أنه
صار من الظهور عندهم إلى حد لا يقبل الشك والتردد.
(وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ) أي: التي هي ملك لكم، إلى الإمام أو إلى مستحقيها إن
لم يكن الإمام، ولم يذكر الحج في هذه الرواية اختصارًا، ففي روايةٍ لأحمد (ج٥ :
ص٢٦٢): ((وَحُجُوا بَيْتَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاتَكُمْ طَيَِّةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ)).
(وَأَطِيعُواذَا) صاحب. (أَمْرِكُمْ) أي: مَن ولي أمرًا من أموركم في غير معصية.
(تَدْخُلُوا) جواب الأوامر السابقة، أي: من غير سابقة عذاب؛ لأن الغالب أن من
فعل الأشياء المذكورة فهو يكون من الصالحين (جَنَّةَ رَبِّكُمْ) الإضافة للتنبيه على
كمال اختصاصهم به مَّالَ كإضافة الصلاة، والصوم، والزكاة إليهم للتنبيه على
مقابلة العمل بالثواب. قال القاري: والمراد تناولوا من درجات الجنة ما يليق
بأعمالكم؛ لأن الحق أن دخول الجنة بفضل الله، والدرجات على حسب
الطاعات .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص٢٥١، ٢٦٢). (والتِّرْمِذِيُّ) في آخر الصلاة، وقال:
حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضًا ابن حبان، والحاكم في ((المستدرك)) (ج١ :
ص٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا نعرف له علة، ولم
يخرجاه، وقد احتج البخاري ومسلم بأحاديث سليم بن عامر راوي الحديث عن
أبي أمامة، وسائر رواته متفق عليهم. ووافقه الذهبي. وفي الباب عن أبي الدرداء
أخرجه الطبراني في ((مسند الشاميين) مرفوعًا بلفظ: ((أَخْلِصُوا عِبَادَةَ رَبِّكُمْ، وَصَلَّوا
خَمْسَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَحُجُوا بَيْتَ رَبَّكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ
رَبِّكُمْ)). ذكره الزيلعيُّ في ((نصب الراية)).

٥٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٧٤ - [٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مُرُوا أَوْلَادَكُم بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ
عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجَعِ)).
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَذَا رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْهُ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٥٧٤- قوله: (مُرُوا) أمر من الأمر وهو أمر للأولياء؛ لأن الصبي غير مكلف
الحديث: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ... )). وفيه: ((عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ أَوْ يَحْتَلِمَ))، فهو
ليس بمخاطب إلا ما ورد في قوله: ﴿لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمُ
مِنْكُرْ﴾ [النور: ٥٨]. (أَوْلَادَكُمْ) ذكورًا أو إناثًا. (بِالصَّلَاةِ) بأن تُعْلِمُوهُم ما تحتاج إليه
الصلاة من شروط وأركان، وأن تأمروهم بفعلها بعد التعليم. (وَهُمْ أَبْنَاءُ) فيه
تغليب للذكور على الإناث. (سَبْع سِنِينَ) أي: عقب تمامها ليتمرنوا عليها،
وليعتادوها ويستأنسوا بها، الجملةَ حالية، وعين السبع؛ لأنه وقت ظهور العقل
والتمييز في الولد. (وَاضْرِبُوهُمْ) أي: ضربًا غير مبرح متقين عن الوجهِ. (عَلَيْهَا)
أي: على تركها. (وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِين) أي: عقب تمامها؛ لأنه حد يحتملُ فيه
الضرب غالبًا. (وَفَرِّقُوا) أمر من التفريق. (بَيْنَهُمْ) أي: بين البنين والبنات على ما
هو الظاهر؛ لأن بلوغ العشر مظنة الشهوة.
(فِي الْمَضَاجِع) قال المناوي في ((فتح القدير)): أي: فرقوا بين أولادكم في
مضاجعهم التي ينامون فيها إذا بلغوا عشرًا، حذرًا من غوائل الشهوة وإن كن
أخوات، انتهى.
قال الطيبي: إنما جمع بين الأمر بالصلاة والفرق بينهم في المضاجع في
الطفولية تأديبًا ومحافظةً لأمر الله تعالى؛ لأن الصلاة أصل العبادات، وتعليمًا لهم
المعاشرة بين الخلق، وأن لا يقفوا مواقف التُّهم، فيجتنبوا محارم الله كلها،
انتھی .
(٥٧٤) أَبُو دَاوُد (٤٩٥) مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ ... نَحْوَهُ.

٥٩٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
والحديث: يدلُّ على وجوب أمر الصبيان بالصلاة على الأولياء إذا بلغوا سبع
سنين، وضربهم عليها إذا بلغوا عشرًا، والتفريق بينهم في المضاجع لعشر سنين،
وأما ما قيل: من أن عدم تكليف الصبي يمنع من حمل الأمر على حقيقته؛ لأن
الإجبار إنما يكون على فعل واجب أو ترك محرم، وليست الصلاة بواجبة على
الصبي، ولا تركها محظور عليه، ففيه: أن ذلك إنما يلزم ذلك لو اتَّحَدَ المحل،
وهو هنا مختلف، فإن محل الوجوب الولي، ومحل عدمه ابن السبع، وابن
العشر، ولا يلزم من عدم الوجوب على الصبي عدمه على الولي. وفي قوله:
((وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ))، دليل على إغلاظ العقوبة إذا تركها
متعمدًا بعد البلوغ، وللشيخ الأجل الشاه ولي الله الدهلوي كلام حسن في التحديد
بالسبع والعشر في ((حُجة اللَّه البالغة)) (ج١: ص٤٨) فعليك أن تراجعه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الصلاة وسكت عنه هو والمنذري. (وَكَذَا رَوَاهُ) البغوي.
(فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) عَنْهُ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد والحاكم.
٥٧٥ - [١٠] وَفِي ((الْمَصَابِيحِ)) عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنْيِّ.
{حسن}
الشَّرْجُ
٥٧٥- قوله: (وَفِي ((الْمَصَابِيحِ)) عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ) يعني: قال البغوي في
((المصابيح)) بعد ذكر الحديث باللفظً المذكور: رواه سبرة بن معبد الجهني، وفيه
نظر؛ لأن هذا اللفظ من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لا سبرة بن معبد.
وقد أخرجه أبو داود عنه أيضًا، لكن بلفظِ: ((مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ
سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا)). وليس في رواية سبرة التفريق.
وأخرجه أيضًا الترمذي وابن خزيمة والدار قطني والحاكم، قال الترمذي: حديث
حسن صحيح، وسكت عنه أبو داود، وذكر المنذري تصحيح الترمذي، وأقره.
(٥٧٥) أَبُو دَاوُد (٤٩٤) (٤٩٥)، التِّرْمِذِي (٤٠٧)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِي عنه.