Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢ - بَابُ الْخَيْض
(بَابُ الْحَيْضِ) بفتح الحاءِ مصدر حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا فهي
حائض وحائضة، وهو لغة: السيلان، وفي العرف: جريان دم المرأة في أوقات
معلومة من رحمها بعد بلوغها. وقيل: هو دم ينفضه رحم امرأة سليمة من الداء
والصغر. ولما كانت له أحكام شرعية من أفعال وتروك، عقد له بابًا ساق فيه ما ورد
فيه من أحكامه.
الفصل الأول
٥٤٧ - [١] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ
الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ
وٍَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى
الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِ: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ النَّكَاحَ))
فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّ خَالَفَنَا
فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّدُ بْنُ بِشْرِ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ
تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، أَفَلَا نُجَامِّعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَّجَّهُ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ حَتَّى ظَنَنَا أَنْ قَدْ
وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا، فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنِ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَأَرْسَلَ فِي
آثَّارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنَّه لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
٥٤٧- قوله: (إِنَّ الْيَهُودَ) قيل: اليهود جمع يهودي كروم ورومي، وأصله
(٥٤٧) مُسْلِم (١٦/ ٣٠٢)، وَأَبُو دَاوُد (٢٥٨)، والترمذي (٢٩٧٧)، والنَّسَائِي (١/ ١٥٢)، =
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْحیض
٥٣٩
اليهوديين ثم حذف ياء النسبة. قال القاري: والظاهر أن اليهود قبيلة سميت باسم
جدها يهودا أخي يوسف الصديق، واليهودي منسوب إليهم بمعنى واحد منهم.
(لَمْ يُؤَاكِلُوهَا) بالهمزة ويبدل واوًا. وقيل: إنه لغة. (وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ) أي: لم
يساكنوهن ولم يخالطوهن. وإنما جمع الضمير فيه لأن المراد بالمرأة الجنس،
فعبر أولًا بالمفرد ثم بالجمع رعاية اللفظ والمعنى على طريق التفنن. (فَسَأَلَ
أَصْحَابُ النَّبِيِّ وَِّّهِ﴾ أي: عن المواكلة والمجامعة في البيوت. ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
اَلْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] المحيض مفعل من الحيض يصلح لغة للمصدر والزمان
والمكان. وأكثر المفسرين على أن المراد به ها هنا المصدر. ويقال: فيه اسم
مصدر والمعنى واحد. وقيل: المراد به موضع الدم ومكانه، والمعنى: يسألونك
عن دم الحيض، أو موضعه ماذا يُفعل بالنساء فيه. (الآيَةَ) بالرفع والنصب والجر
تتمها. ﴿قُلُّ هُوَ﴾ أي: دم الحيض. ﴿أَذَى﴾ أي: شيء قذر يتأذى به من يقربه، أو
مكان الحيض وموضعه ذو أذى أو محل أذى. ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ﴾ أي: اتركوا
وطبعهن. ﴿فِى الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: في زمان الحيض أو مكانه أو في الدم.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ) مبينًا للاعتزال المطلق المذكور في الآية بقصره على بعض
أفراده. (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ) من أنواع الاستمتاع. (إِلّ النِّكَاحَ) أي: الجماع إطلاقًا
الاسم السبب على المسبب؛ لأن عقد النكاح سبب للجماع. وهذا تفسير للآية،
وبيان لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُواْ﴾ فإن الاعتزال شامل للمجانبة عن المؤاكلة والمصاحبة
والمجامعة، فبيَّن النبي وَّر أن ليس المراد بالاعتزال وعدم القربان مطلق
المجانبة، بل مجانبة مخصوصة، وهو ترك الوطء والجماع فقط لا غير.
والحديث يدل على جواز المباشرة في ما بين السرة والركبة في غير القبل
والدبر، وإليه ذهب أحمد ومحمد ورجحه الطحاوي. وقال العيني والسندهي: هو
أقوى دليلاً. وقال النووي: هو الأرجحُ دليلًا وهو اختيار أصبغ من المالكية، ويدل
على الجواز أيضًا ما رواه أبو داود بإسناد قوي عن عكرمة، عن بعض أزواج
النبي ◌َّ: ((أنه كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا)). وحملوا
= وابن مَاجَهْ (٦٤٤)، عَنْ أَنَسٍ، مُسْلِم فِي الطَّهَارَةِ، والتِّرْمِذِي فِي تَفْسِيرِ البَقَرَةِ، والنَّسَائِي فِي
الصَّلَاةِ.
٥٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
iHecree
حديث عائشة الآتي وما في معناه على الاستحباب جمعًا بين الأدلة. (فَلَغَ ذَلِكَ)
أي: الحديث. (مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ) يعنون النبي ◌َّل، وعبروا به لإنكارهم نبوته.
(أَنْ يَدَعَ) أي: يترك. (مِنْ أَمْرِنَا) أي: من أمور ديننا. (شَيْئًا) من الأشياء في حال من
الأحوال. (إِلَّا خَالَفَنَا) بفتح الفاء. (فِيهِ) أي: إلا حال مخالفته إيانا فيه، يعني: لا
يترك أمرًا من أمورنا إلا مقرونا بالمخالفة؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً
إِلَّا أَحْصَنهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
(فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بالتصغير فيهما، ابن سماك بن عتيك الأنصاري الأشهلي
الأوسي، كان أحد النقباء ليلة العقبة الثانية، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد.
قالت عائشة: كان من أفاضل الناس، وشهد الجابية، وفتح بيت المقدس. له
ثمانية عشر حديثًا، اتفقا على حديث، قال النبي وَّ: ((نِعْمَ الرَّجُلُ أُسَيْدُ بَنُ
حُضَيْرٍ)). مات سنة (٢٠)، وحمله عمر بين عمودي السرير حتى وضع بالبقيع، قال
عروة: مات أسيد بن حضير وعليه دين أربعة آلاف درهم، فبيعت أرضه، فقال
عمر: لا أترك بني أخي عالة، فردَّ الأرض، وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين
بأربعة آلاف كل سنة ألف درهم. (وَعَبَّدُ) بفتح أوله وتشديد الموحدة. (بْنُ بِشْرٍ)
بكسر الباء، ابن وقش الأنصاري الأشهلي، أسلم بالمدينة على يدي مصعب بن
عمير قبل إسلام سعد بن معاذ، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان ممن قتل كعب
ابن الأشرف، وأبلى يوم اليمامة فاستشهد بها وهو ابن (٤٥) سنة. قالت عائشة:
سمع النبي ◌ِّله صوت عباد بن بشر ليلةً، فقال: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ))، وأضاءت له عصاه
لما خرج من عند النبي گچر. له حديثان.
(أَفَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟) وفي رواية أبي داود والترمذيِّ: ((أفلا ننكحهن في المحيض؟))
أي: أفلا نطأهن لكي تحصل المخالفة التامة معهم. (فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَلَِّ)
لأن تحصيل المخالفة بارتكاب المعصية لا يجوز. (قَدْ وَجَدَ) أي: غضب.
(فَخَرَجًا) خوفًا من الزيادة في الغضب. (فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ) أي: استقبل الرجلين
شخص معه هدية يهديها إلى رسول اللّه وَ له، والإسناد مجازى. (مِنْ لَبَنِ) ((مِنْ))
بيانية. (إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ﴾ أي: واصلة، أو واصل إليه. (فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمًّا) أي:
عقبهما رسولًا فناداهما فجاءاه. (فَسَقَاهُمَا) أي: من اللبن تلطفًا بهما وإظهارًا
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْحیضِ
٥٤١
للرضا. (لَمْ يَجِدْ) أي: لم يغضب. (عَلَيْهِمَا) لأنهما كانا معذورين لحسن نيتهما
فيما تكلما به، أو ما استمرَّ الغضبُ بل زال أو ذهب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في ((التفسير)) وأبو داود والنسائي
وابن ماجه.
٥٤٨ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ وَ مِنْ إِنَاءٍ
وَاحِدٍ وَكِلَانَا جُنُبٌ، وَكَانَ يَأْمُرُنِي، فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا خَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ
رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٥٤٨ - قوله: (وَالنَّبِيُّ) بالرفع على العطف للفصل، ويجوز النصب على أنه
مفعول معه. (وكلانا) الواو للحال. (وَكَانَ يَأْمُرُنِي) بالاتزار. (فَأَتَّزِرُ) بتشديد التاء
المثناه بعد الهمزة، وأصله أأتزر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناه بوزن
أفتعل، وإدغام الهمزة في التاء مذهب الكوفيين، حكاه الصغاني في ((مجمع
البحرين)). وقول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة على الجواز. وقال ابن
مالك: إنه مقصور على السماع كالكل، ومنه قراءة ابن محيصن: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي
او تُّمِنَ﴾، بهمزة وصل وتاء مشددة مضمومة من الأمانة. والمراد بالاتزار: أن
تشد إزارها على وسطها، وحدد ذلك الفقهاء بما بين السرة والركبة عملًا بالعرف
الغالب.
(فَيُبَاشِرُنِي) أي: يلصق بشرته ببشرته فيما دون الإزار. وقال الطيبي: يعني أنه
كان يستمتع مني بعد أن يأمرني بشد الإزار، فيمس بشرته ببشرتي. (وَأَنَا حَائِضٌ)
والحديث قد استدلَّ به على عدم جواز المباشرة فيما بين السرة والركبة، وفيه ما
قال ابنُ دقيق العيد، من أنه ليس في حديث الباب ما يقتضي منع ما تحت الإزار،
لأنه فعل مجرد، انتهى.
(٥٤٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: مسلم (١ / ٢٩٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٢٩٩ - ٣٠١) فِي الحَيْضِ.
٥٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** E
(وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ) في المسجد بأن كان باب الحجرة مفتوحًا
إلى المسجد، فيخرجُ رأسَهُ منه إلى الحجرة، وهي فيها. وهذا يدل على أن
المعتكف إذا أخرج بعض أعضائه من المسجد لم يبطل اعتكافه. (فَأَغْسِلُهُ) أي:
رأسه .
(وَأَنَا حَائِضٌ) في الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض وعرقها، وأن
المباشرة الممنوعة للمعتكف هي الجماع ومقدماته، وأن الحائض لا تدخل
المسجد، وفيه استخدام الزوجة .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب مباشرة الحائض من كتاب الحيض.
والحديث أخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٥٤٩ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أَنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ◌َّ
فَبَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ، وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أَنَاوِلُهُ
الَّبِيَّ ◌َّهِ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
٥٤٩- قوله: (ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ) أي: أعطيه الإناء الذي شربت فيه. (فَيَضَعُ فَاهُ)
أي: فمه. (عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ) بتشديد الياء، أي: فمي. (وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ) بفتح
فسكون، العظم الذي بقي عليه شيء من اللحم، وتعرق العرق أكل ما عليه من
اللحم. يقال: عرقت العظم وتعرقته واعترقته، إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك.
والمعنى: وكنت آخذ ما على العظم من اللحم بأسناني. وهذا يدلَّ على جواز
مؤاكلة الحائض، ومشاربتها، ومجالستها، وطهارة أعضائها من اليد والفم
وغيرهما، وطهارة ريقها وسؤرها من طعام أو شراب. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا
أبو داود والنسائي وابن ماجه.
(٥٤٩) مُسْلِم (١٤ / ٣٠٠)، وَأَبُو دَاوُد (٢٥٩)، وَالنَّسَائِي (٥٦/١)، وَابن مَاجَهْ (٦٤٣) فِي الطَّهَارَةِ عَنْ
عَائِشَةَ
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْحیضِ
٥٤٣
٥٥٠ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ،
ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرُ
٥٥٠ - قوله: (كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي) بتثليث الحاء أي: في حضني، وفي رواية
البخاري في التوحيد: ((كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري، وأنا حائض)). وفي
رواية أبي داودَ: ((كان يضع رأسه في حجري، فيقرأ وأنا حائض)). فعلى هذا
فالمراد بالاتكاء وضع رأسه في حجرها. قال ابنُ دقيق العيد: في هذا الفعل إشارة
إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قراءتها لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة
في حجرها حتى احتيج إلى التنصيص عليها، انتهى.
وفي الحديث: جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها على الطهارة ما لم
يلحق شيئًا منها نجاسة، وهذا مبني على منع القراءة في المواضع المستقذرة.
وفيه: جواز القراءة بقرب محل النجاسة، قاله النووي.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
٥٥١- [٥] وَعَنْهَا قَالَت: قَالَ لِي النَّبِيُّ وَهِ: ((نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِن
الْمَسْجِدِ)) فقلتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: (إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٥٥١- قوله: (نَاوِلِيني) أي: أعطيني. (الْخُمْرَةَ) بالضم، ما يضع عليه
المصلي وجهه في سجوده، أو يصلي عليه، أو يجلس عليه من حصير أو نسيجة
(٥٥٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٩٧)، ومُسْلِم (١٥ / ٣٠١) عَنْ عَائِشَةً.
(٥٥١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: مُسْلِم (١١ / ٢٩٨) فِيهِ عَنْها .
٥٤٤
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
خوص، سميت بذلك لأن خيوطها مستورة بسعفها، وفي حديث الفأرة عند أبي
داود تصريح بإطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. (مِنَ الْمَسْجِدِ) قيل: حال من
النبي وَّر، أي: قال لي حال كونه وَّ في المسجد، فتكونُ الخمرة في الحجرة،
والنبي ◌َّ في المسجد. وقيل: حال من الخمرة، فيكون الأمر على العكس، وهو
الظاهر. قال السنديُّ في ((حاشية ابن ماجه)): قوله: ((مِنَ الْمَسْجِدِ)) الظاهرُ: أنه
متعلِّقٌ بـ((ناوليني))، وعلى هذا كان النبي ◌َّ خارج المسجد، وأمرها أن تخرجها له
من المسجد بأن كانت الخمرة قريبة إلى باب عائشة تصل إليها اليد من الحجرة.
وهذا هو الموافق لترجمة المصنف وأبي داود والترمذي.
وقال عياض: إنه قال ذلك من المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد؛ لأن
النبي ◌َّ كان معتكفًّا، وكانت عائشة في حجرتها.
قال السندي: فكلمةُ ((مِنْ)) متعلقة بقال، ولا يخفى بُعده. والحامل له على ذلك
أنه جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم، مثل هذه الواقعة، وفيه: أنه وَّ كان في
المسجد، فحمل القاضي حديثين على اتحاد الواقعة، وهو غير لازم، بل التعدد هو
الظاهر. وقال في ((حاشية مسلمٌ)) بعد ذكر قول عياض ما نصه: هذا مبني على أن
هذه الواقعة والواقعة المروية في حديث أبي هريرة واحدة، لكن المذكور في
حديث أبي هريرة الثوب، وفي حديث عائشة الخمرة، فعند الحمل على الاتحاد لا
بد من القول بأنه أمر بتناول الأمرين جميعًا ووقع الاقتصار في كل من الحديثين
على أحدهما، أو أن بعض الرواة نسي فذكر الثوب مكان الخمرة، والله تعالى
أعلم. فكلمةُ ((مِنْ)) على هذا متعلقة بـ ((قال)) في الرواية، وبأمرٍ في الرواية الثانية،
وقد يقال: لا حاجة إلى القول بالاتحاد، فيجوز أنه قال لها أولًا وهو في المسجد:
((ناوليني الثوب)). وهذا هو ما روى أبو هريرة، وقال لها ثانيًا وهو في البيت:
((ناوليني الخمرة من المسجد)). بأن كان الخمرة قريبًا إلى باب عائشة يصل إليها
اليد من الحجرة، فرأت عائشة أن الثاني أشد من الأول، فاعتذرت بالحيض ثانيًا،
وعلى هذا فكلمة ((من)) متعلقة بـ ((ناوليني)) كما هو الظاهر.
(فَقُلْتُ) أي: معتذرة. (إِنَّ حِيضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) بكسر الحاء اسم للحالة
كالجلسة، والمراد الحال التي تلزمها الحائض من التجنب ونحوه، والفتح لا
يصح لأنه اسم للمرة، هذا حاصل ما قاله الخطابي، وأنكر هذا عليه عياض،
وقال: الصواب ها هنا الفتح؛ لأن النبي ◌ُّ إنما نفى عن يدها الحيض الذي هو
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْحَيض
٥٤٥
الدم والنجاسة، التي يجب تجنبها واستقذارها، فأما حكم الحيض وحالتها التي
تتصف بها المرأة، فلازم ليدها وجميعها، وإنما جاءت الفعلة في هيئات الأفعال
كالقعدة والجلسة لا في الأحكام والأحوال.
قال النووى: هذا الذي اختاره عياض من الفتح هو الظاهر ها هنا، ولما قاله
الخطابى وجه، انتهى.
قلتُ: الظاهر عندي هو الكسر؛ لأن عائشة فيّا كانت تعلم أن نجاسة الحيض
التي يصان المسجد عنها ليست في يدها، وإنما امتنعت من إدخال يدها في
المسجد؛ لأنها علمت أن الحالة العارضة لها من الحيض وحكمها قد حلت يدها
أيضًا، وصارت يدها أيضًا متلبسة بها، فامتنعت من إدخال اليد معتذرة بأنها
حائض، فقال لها بَّه: ((إِنَّ حِيضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِك))، أي: الحالة التي هي كونها
حائضة عرضت لها باعتبار مجموعها، لا باعتبار أجزائها، واتصف بها المجمع
اتصافًا واحدًا، فلا يقال لليد: حائضة، حتى يمتنع من إدخالها في المسجد.
والحديث فيه: دليل على أن للحائض أن تتناول شيئًا من المسجد، وأن من
حلف أن لا يدخل دارًا أو مسجدًا فإنه لا يحنث بإدخال بعض جسده فيه.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه
الترمذي، وهو صحيح بتصحيح مسلم إياه كما قاله ابن سيد الناس، وإخراجه له
في ((صحیحه)).
٥٥٢ - [٦] وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﴿َّ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يُصَلِّي في
مِرْطٍ ، بَعْضُهُ عَلَيَّ، وَبَعْضُهُ عَلَيْهِ، وَأَنَا حَائِضٌ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرُ
٥٥٢ - قوله: (يُصَلِّي فِي مِرْطٍ) بكسر الميم وسكون الراء كساء من صوف أو
(٥٥٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ حَدِيثٍ مَيْمُونَةَ. وَعِنْدَ أبي داود (٣٦٩)، وابن مَاجَهْ
(٦٥٣) بِلَفْظِ: ((وعليه مِرْطٌ وَعَلَى بَعْضٍ أَزْوَاجِهِ مِنْهُ)). وَلَقْظُ الْبُخَارِي (٣٧٩) فِي الصَّلَاةِ : =
٥٤٦
HERE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
خز كانوا يتزرون به ويكون إزارًا ورداء. (بَعْضُهُ عَلَيَّ) أي: ملقى على بدني.
(وَبَعْضُهُ عَلَيْهِ) أي: بعض المرط ألقاه عليه الصلاة والسلام على كتفه. (وَأَنَا
حَائِضٌ) في الحديث دليل على أن أعضاء الحائض طاهرة وإلا فالصلاة في مرط
واحد بعضه ملقى على النجاسة وبعضه متصل بالمصلي غير جائز. وفيه: أنه يجوز
الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه على حائض أو غيرها.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) فيه نظر؛ لأني لم أجده في ((الصحيحين)) ولا في أحدهما بهذا
اللفظ. وقد أخرج البخاري من حديث ميمونة معنى ما ذكره المصنف في أربعة
مواضع من ((صحيحه)) في آخر كتاب الحيض قبل التيمم عن الحسن بن مدرك،
وفي باب: إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد. عن مسدد، وفي باب: إذا
صلى إلى فراش فيه حائض، عن عمرو بن زرارة، وعن أبي النعمان. وأخرجه
مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، لكن ليس
عندهما باللفظ الذي ذكره المصنف نعم، أخرج أبو داود عن ميمونة: أن النبي وَّل
صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض، وهو يصلي، وهو عليه.
ولفظ ابن ماجه: ((أن رسول اللَّه وَ له صلى وعليه مرط، بعضه عليه وعليها بعضه
وهي حائض)). ولأبي داود وابن ماجه نحوه عن عائشة، قالت: ((كان رسول اللَّه
وَّ يصلي بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض، وعليَّ مرط لي وعليه بعضه)).
= ((كَانَ بِّهِ يُصَلِّي، وَأَنَا حِذاءَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبَهُ)). وَلِمُسْلِمٍ (٢٧٤ / ٥١٤) عَنْ عَائِشَةً
مَعْنَاهُ .
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
E HENISe'S *E
بَابُ الْحیض
٥٤٧
se
الفصل الثاني
٥٥٣ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ أَتَى
خَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ لَّه)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
- وَفِي رِوَايتهِمَا: ((فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ)).
- وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ الْأَرَمِ،
عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الشَّرْحُ
٥٥٣- قوله: (مَنْ أَتَى حَائِضًا) أي: جامعها، فالمراد بالإتيان ها هنا
المجامعة. (أَوِ امْرَأَةً) مطلقًا سواء كانت حائضًا أو غيرها. (أَوْ كَاهِنًا) لا يصح عطفه
على ((حائضًا))، فلا بد من تقدير ((أَتَى)) بمعنى جامع، وجعل الجملة عطفًا على
الجملة، ومن جوز استعمال المشترك في معنييه يجوز عنده عطف المفرد، على أن
المراد بالإتيان بالنسبة إلى المعطوف عليه معنى، وبالنسبة إلى المعطوف معنى
آخر. وقال الطيبي: ((أَتَى)) لفظ مشترك هنا بين المجامعة وإتيان الكاهن، انتهى.
قال القاري: والأَوْلَى أن يكون التقدير، ((أَوْ صَدَّقَ كَاهِنًا)) فيصير من قبيل [قول
ذي الرمة من الزجر]:
عَلَفْتُهَا تِبْنَا وَمَاءً بَارِدًا(٥)
والمراد بالكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ومن
الكهنة من يدعى أن له تابعًا من الجن يلقى إليه الأخبار، ومنهم من يزعمُ أنه يعرف
الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو
(٥٥٣) التِّرْمِذِي (١٣٥) فِي الطَّهَارَةِ، وَنَقَلَ عَنِ الْبُخَارِي تَضْعِيفَهُ، وَابن مَاجَهْ (٦٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(#) أي: وسقيتها ماء باردًا. وتكملة البيت: ((حتى شتت همَّالة عيناها))
٥٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حاله، وهذا يخصونه باسم العراف، كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكان
الضالة، ونحوهما. قال الجزري: وحديث من أتى كاهنًا يشمل الكاهن والعراف
والمنجم.
(فَقَدْ كَفَرَ) الظاهر أنه محمول على التغليظ والتشديد كما قال الترمذي: إنما
معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ. وقد روي عن النبي وَ ل قال: ((من أتى
حائضًا فليتصدق بدينار))، فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة،
انتھی .
وقيل: إن كان المراد الإتيان باستحلالٍ وتصديقٍ فالكفر محمول على ظاهره،
وإن كان بدونهما فهو على كفران النعمة، أو على معنى: عمل معاملة من كفر.
(بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) من الكتاب والسنة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِي وابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في الكهانة
والتطير، وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص٥٨) والحاكم. (وَفِي رِوَايَتِهِمَا) أي: ابن
ماجه والدارمي. (فَصَدَّقَهُ) أي: الكاهن. (بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ) وبه تقيد رواية
الترمذي، فيخرج من أتاه ليظهر كذبه، أو للاستهزاء بما هو عليه. وهذه الزيادة عند
أحمد وأبي داود، وابن الجارود، والحاكم أيضًا، ولعلَّ الترمذيَّ اختصرها.
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيم) بمفتوحة وكسر
كاف، ولفظة ((حديث)) سقطت من جميع نسخ الكتاب وهي ثابتة عند الترمذي.
(الْأَثْرَم) بمفتوحة فمثلثة ساكنة البصرى، قال في ((التقريب)): فيه لين. (عَنْ أَبِي
تَمِيمَةَ) بفتح أوله، اسمه طريف بن مجالد الهُجَيْمي، بضم الهاء وفتح الجيم، ثقة،
من طبقة الوسطى من التابعين، مات سنة (٩٧) أو قبلها أو بعدها.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال الترمذيُّ: ضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده،
انتهى. قال الحافظ في ترجمة حكيم الأثرم: قال الذهلي عن ابن المديني: أعيانا
هذا، وقال مرة: لا أدري من هو. وقال البخاريُّ: لا يتابع في حديثه، يعني: عن أبي
تميمة عن أبي هريرة: ((مَنْ أَتَى كَاهِنَّا))، ولا نعرف لأبي تميمة سماعًا من أبي هريرة.
وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الآجُرِّيُّ عن أبي
داود: ثقة. وقال ابنُ أبي شيبة: سألت عنه ابن المديني، فقال: ثقة عندنا، انتهى.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْحَيض
٥٤٩
قلتُ: فتوثيق النسائي وأبي داود وابن حبان وابن المديني في رواية ابن أبي شيبة
لحكيم الأثرم يرد تضعيف الحديث، ويجعل إسناده حسنًا أو صحيحًا. والله أعلم.
٥٥٤ - [٨] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: قلتُ: يَا رَسَوُلَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِى
مِنِ امْرَأَنِي وَهِيَ حَائِض؟ قَالَ: ((مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، وَالتَّعَفِّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَل)).
[رَوَاهُ رَزِينٌ، وَقَالَ تُحْيِي السُّنَّةِ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٌّ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٥٥٤- قوله: (مَا يَحِلُ لِي مِنِ امْرَأَتِي) أي: أَيُّ موضع يباح لي من أعضائها؟
(قَالَ: مَا فَوْقَ الْإِزَار) أي: يجوزُ لك الاستمتاع ما فوق الإزار، أي: ما فوق
السرة؛ لأن موضع الإزار هو السرة. (وَالتَّعَفَّفُ) أي: ومع ذلك التجنب
والامتناع. (عَنْ ذَلِكَ) أي: عن الاستمتاع بما فوق الإزار. (أَفْضَلُ) لأنه من رتع
حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فلعل غلبة الشهوة توقعه في الحرام، فندب إلى
التعفف احتياطًا. والحديث: دليل على تحريم المباشرة محل الإزار، وهو ما بين
السرة والركبة، لكن الحديث ضعيف، وقد عارضه حديث أنس: ((اصْنَعُوا كُلَّ
شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ)). وهو أصح من هذا، فهو أرجح منه، ولا يكون مثل هذا المفهوم
مخصصًا لعموم كل شيء، فلا يعارض المنطوق الدال على الجواز.
قال العراقي: قوله: ((وَالتَّعَقِّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَل))، هذا يقوي ما يقرر من ضعف
الحديث، فإنه خلاف المنقول عن فعل رسول اللّه وَله لأنه وَّل كان يستمتعُ بما فوق
الإزار، وما كان ليترَك الأفضل، وعلى ذلك عمل الصحابة، والتابعون والسلف
الصالحون. قال السيوطي: لعله علم من حال السائل غلبة شهوته فرأى أن تركه
لذلك أفضل في حقه؛ لئلا يوقعه في محظور.
(رَوَاهُ رَزِينٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود في بابِ المذي، وضعَّفه، قال: ليس هو -
يعني: الحديث - بقوي، أي: لأن في سنده بقية بن الوليد وهو مدلس، وقد رواه
عن سعد بن عبد الله الأغطش بالعنعنة، وسعد الأغطش ليِّن الحديث،
(٥٥٤) إِسْنَادٌ لَيْسَ بِقَوِيٌّ، وَأَبُو دَاوُد (٢١٣) فِي الطَّهَارَةِ عَنْ مُعَاذٍ، وَقَالَ: لَيْسَ بِقَوِيٌّ.
٥٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i **
وعبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من معاذ، فهو منقطع.
قال الحافظُ فِي ((التلخيصٍ)): ورواه الطبرانيُّ من رواية إسماعيل بن عياش، عن
سعيد بن عبد الله الخزاعي، فإن كان هو الأغطش، فقد توبع بقية، وبقيت جهالة
سعيد، فإنا لا نعرف أحدًا وثقه، وأيضًا فعبد الرحمن بن عائذ راويه عن معاذ، قال
أبو حاتم: روايته عن علي مرسلة، فإذا كان كذلك، فعن معاذ أشد إرسالًا، انتهى.
وفي الباب عن حرام بن حكيم عن عبد الله بن سعد، أخرجه أبو داود.
٥٥٥ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَ: ((إِذَا وَقَعَ
الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارِمِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشّرُ
٥٥٥ - قوله: (إِذَا وَقَعَ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ) أي: جامعها. (فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ)
كذا وقع في هذه الرواية، ولعلها اختصار من بعض الرواة، أو سهو، ففي سندها
خصيف، وهو سيئ الحفظ، خلط بآخره. والحديث قد روي بأسانيد كثيرة،
وبألفاظ مختلفة، أصحها وأرجحها ما رواه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، نا يحيى،
عن شعبة قال: حدثني الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن
ابن عباسٍ، عن النبيِّ نَّه في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: ((يَتَصَدَّقُ
بِدِينَارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ)). ورواه النسائي عن عمرو بن علي، عن يحيى.
ورواه ابن ماجه، عن محمد بن بشار، عن یحیی بن سعید، و محمد بن جعفر ،
وابن أبي عدي.
ورواه أحمد عن یحیی و محمد بن جعفر.
ورواه ابن الجارود عن محمد بن يحيى؛ عن وهب بن جرير، وعن أحمد بن
محمد الشافعي، عن الحسن بن علي الحلواني، عن سعيد بن عامر.
(٥٥٥) أَبُو دَاوُد (٢٦٦)، التِّرْ مِذِي (١٣٦)، ابن مَاجَهْ (٦٤٠)، النَّسَائِي في ((الكبرى)) (٩٠٩٨)، فِي
الطَّهَارَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الحيض
٥٥١
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) من طريق مسدد، عن يحيى.
ورواه البيهقي من طريق الفضل بن عبد الجبار، عن النضر بن شميل، كل هؤلاء
عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا. قال
أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة، قال: ((بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَارٍ)). وربما لم يرفعه
شعبة، انتهى.
فهذه الرواية أصح الروايات في ذلك وأرجحها؛ فكل رواتها مخرج لهم في
الصحيح إلا مقسمًا الراوي عن ابن عباس، فانفردَ به البخاري، لكن ما أخرج له إلا
حديثًا واحدًا. وقد صحَّح هذه الرواية الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححها أيضًا
ابن القطان وابن دقيق العيد .
وقال أحمد: ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس، فقيل له :
تذهب إليه؟ قال: نعم، إنما هو كفارة. ذكره الخلال.
وبالجملة رواية عبد الحميد هذه صحيحة، لكن وقع الاختلاف في رفعها
ووقفها، فرفعها شعبة مرة ووقفها مرة. قال الحافظُ في ((بلوغ المرام)) بعد ذكر هذه
الرواية مرفوعة: صحَّحه الحاكمُ، وابنُ القطان، ورجح غيرهما وقفه. قال
الشوكانيُّ في ((النيل)) (ج١: ص٢٦٨): ويجابُ عن دعوى الاختلاف في رفعه
ووقفه بأن يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدى رفعوه عن شعبة،
وكذلك وهب ابن جرير، وسعيد بن عامر، والنضر بن شميل، وعبد الوهاب بن
عطاء الخفاف .
قال ابنُ سيد الناس: من رفعه عن شعبة أجل وأكثر وأحفظ ممن وقفه. وأما قول
شعبة: أسنده لي الحكم مرة ووقفه مرة، فقد أخبر عن المرفوع والموقوف أن كلًّا
عنده، ثم لو تساوی رافعوه مع واقفيه لم یکن في ذلك ما يقدح فيه؛ قال أبو بكر
الخطيب: اختلاف الروايتين لا يؤثر في الحديث ضعفًا، وهو مذهب أهل
الأصول؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع بالزيادة
وهي واجبة القبول، انتهى.
وإذا عرفت أن هذه الرواية صحيحة، فاعلم أنهم اختلفوا في لفظة ((أَوْ)) فحملها
بعضهم على الشك، وبعضهم على التنويع والتفصيل بين حالي الدم ووقتيه،
وبعضهم على التخيير، فقد نقلَ الخطابي في ((معالم السنن)) (ج ١: ص ٨٤) أن أحمد
٥٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن حنبل كان يقول: هو مخير بين الدينار ونصف الدينار، فهذا يدلُّ على أن أحمد
كان يرى أن أصل اللفظ في الحديث على التخيير لا على الشك، ولا على التفصيل.
قال الشوكاني: والحديث يدل على وجوب الكفارة على من وطئ امرأته وهي
حائض، وإلى ذلك ذهب ابن عباس والحسن البصري، وسعيد بن جبير وقتادة
والأوزاعي وإسحاق وأحمد في الرواية الثانية عنه، والشافعي في قوله القديم، انتهى.
قال العيني: ثم إن الذين ذهبوا إلى عدم الوجوب أجابوا أن قوله وَاجيه :
((يتصدق))، محمول على الاستحباب. وقال العلامةُ الشيخُ أحمد محمد شاكر في
تعليقه على ((الترمذي)) بعد ذكر القول بالتخيير عن أحمد ما لفظه: وإذا ثبتَ أن أصل
الحديث الأمر بالتخيير بين الدينار وبين نصف الدينار، فإني أرى أن الأمر فيه ليس
للوجوب، وإنما هو للندب؛ لأن الأصل في الأمر أن يكون للوجوب على
الحقيقة، ولا يكون للندب إلا مجازًا، والمجازُ لا بد له من قرينة تمنع إرادة المعنى
الحقيقي، والقرينة هنا في نفس اللفظ؛ لأن التخيير في المأمور به بين أن يكون
قليلًا أو كثيرًا من نوع واحد يدل على أن الزائد عن القليل ليس واجبًا؛ لأن الدينار
الواحد له نصفان، وقد أمر مخيرًا بين أدائه كله، وبين أداء نصف من نصفيه، فإذا
أدى النصف كان آتيًا بالمأمور به في أحد شقي الأمر، ولم يأت إلا ببعضه في الشق
الآخر، وبرئت ذمته بما أتاه من المأمور به، فكان الذي لم يأت به غير واجب له
بنفس دلالة اللفظ، فدل لفظ الأمر على أن بعض مدلوله ليس مرادًا به الوجوب،
فخرج بذلك عن الحقيقة إلى المجاز، وإذ خرج في بعض مدلوله عن الحقيقة لهذه
القرينة القاطعة، خرج في كل مدلوله؛ لامتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه
معًا، وتحقيق ذلك في موضعه من علم الأصول، وليس هذا من باب الواجب
المخير المعروف في الفقه والأصول؛ لأن الواجب المخير إنما يكون في التخيير
بين أنواعٍ مأمور بها، لا في التخيير بين القليل والكثير من نوع واحد، وهذا ثابت
بالتتبع. انتهى كلامه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) كلاهما من طريق شريك بن عبد الله، عن خصيف،
عن مقسم، عن ابن عباس. ورواه أيضًا من هذا الطريق أحمد والبيهقي.
(وَالنَّسَائِيُّ) فيه نظر؛ لأن النسائي لم يرو هذه الرواية. (والدَّارِمِيُّ) من طريق
شريك، عن خصيف عن مقسم، ورواه أيضًا من طريق الثوري، عن خصيف نحو
رواية شريك. (وابْنُ مَاجَهْ) من طريق أبي الأحوص، عن عبد الكريم بن مالك
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الحيض
٥٥٣
الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس. قال المنذريُّ: هذا الحديث، يعني: حديث
ابن عباس في كفارة إتيان الحائض قد وقع الاضطراب في سنده ومتنه، فروى
مرفوعًا موقوفًا ومرسلًا ومعضلًا.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: إنك كنت ترفعه؟! قال: إني كنت
مجنونًا، فصححت(*)، انتهى. وقال الحافظُ في ((التلخيص)»: والاضطراب في
إسناد هذا الحدیث ومتنه کثیر.
قلتُ: لاشك في أن في إسناد هذا الحديث ومتنه اختلافًا كثيرًا، لكن قد تقرر في
موضعه أن مجرد الاختلاف لا يؤثر في صحة الحديث، بل يشترط له استواء وجوه
الاختلاف، فمتى رجحت رواية من الروايات المختلفة من حيث الصحة قُدِّمت،
ولا تعل الرواية الراجحة بالمرجوحة، وها هنا رواية عبد الحميد، عن مقسم، عن
ابن عباس بلفظ: ((فليتصدق بدينار أو بنصف دينار)) صحيحة راجحة، كما تقدم
النقل في تصحيحها عن الحاكم والذهبي وابن القطان وابن دقيق العيد وأحمد بن
حنبل، وأما باقي الروايات فضعيفة مرجوحة لا توازي رواية عبد الحميد، فلا تعل
رواية عبد الحميد هذه بالروايات المرجوحة، والعجب من المصنف أنه أورد في
هذا الباب رواية خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس بلفظ: ((يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ
دِينَارٍ))، وهي رواية ضعيفة مرجوحة، ولم يورد رواية عبد الحميد عن مقسم عن
ابن عباس بلفظ: ((يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ)»، وهي أرجحُ الروايات وأصحها .
قال الحافظ في ((التلخيص)): قد أمعن ابن القطان القول في تصحيح هذا
الحديث، والجواب عن طرق الطعن فيه بما يراجع منه، وأقرَّ ابنُ دقيق العيد
تصحيح ابن القطان وقواه في ((الإمام)) وهو الصواب، فكم من حديث قد احتجوا
به، وفيه من الاختلاف أكثر مما في هذا الحديث؛ كحديث بئر بضاعة، وحديث
القلتين، ونحوهما. وفي ذلك ما يرد على النووي في دعواه في ((شرح المهذب))،
و((التنقيح))، و((الخلاصة)): أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وأن
الحقَّ أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع في بعض ذلك ابن الصلاح، انتهى كلام الحافظ.
وأما قول عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: إنَّك كنت ترفعه؟! قال: إني
(*) كذا، والذي أرى أن قوله هذا يكتب ويقرأ على هذا النمط: ((قيل لشعبة: إنك كنت ترفعه؟! قال:
أَنّى كنت مجنونًا فصححت))؟؟ !! أي: يُحمل قوله على التعجب والاستفهام: (أبو القاسم).
٥٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كنتُ مجنونًا فصححت. ففيه: أنه اختلف النقل فيه عن شعبة، فروى هذا الحديث
الدارمي، عن أبي الوليد، عن شعبة موقوفًا، وعن سعيد بن عامر عن شعبة موقوفًا
أيضًا. وقال: قال شعبة: أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلان وفلان، فقالا: غير
مرفوع؛ قال بعض القوم: حدثنا بحفظك ودع ماقال فلان وفلان، فقال: والله ما
أحب أني عمرت في الدنيا عمر نوح وإني حدثت بهذا أو سَكَتُّ عن هذا، فهذه
الرواية عن شعبة ترشد إلى أنه کان على وثوقٍ من حفظه، ویقینٍ برفعه، ثم إنه تردد
واضطرب حين رأى غيره يخالفه، فيرويه موقوفًا، ثم جعل هو يرويه موقوفًا أيضًا،
وهذا كما ترى لا يؤثر في يقينه الأول برفعه، وقد تابعه في رفعه غيره، فرواه
البيهقي عن إبراهيم بن طهمان، عن مطر الوراق، عن الحكم، عن المقسم، عن
ابن عباس مرفوعًا .
قال المنذريُّ: وأما الاضطراب في متنه فروي: ((بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ)) على
الشك. وروى: ((يتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينارٍ)). وروي: ((إِذَا كَانَ دَمًّا
أَحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإِذَا كَانَ دَمَّا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ)). وروي: ((إِنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا
فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ ، وَإِنْ كَانَ صُفْرَةً فَنِصْفُ دِینَارٍ))، انتهى.
قلتُ: قد تقدَّم أن أصح الروايات وأرجحها في ذلك رواية من قال: ((بدينار أو
نصف دينار)). وهي التي صحَّح لفظها أبو داود بقوله: هكذا الرواية الصحيحة،
قال: ((بدينارٍ أو نصف دينار)). فَتُقَدَّمُ هذه الرواية على غيرها من الروايات.
٥٥٦ - [١٠] وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِّ وَ لَ قَالَ: ((إِذَا كَانَ دَمَّا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإِذَا
كَانَ دَمَا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشّرْجُ
٥٥٦ - قوله: (إِذَا كَانَ) أي: الحيض. (دَمَّا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ) أي: على المجامع
فيه. (وَإِذِا كَانَ دَمَّا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ) إن صح الحديث فالأظهر فيه أنه تعبد محض
(٥٥٦) هُوَ لَفْظُ التِّرْمِذِي فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
٥٥٥
بَابُ الْحیضِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
*
لا مدخل للعقل فيه، لكن قد تقدم أن الرواية الصحيحة ((بدينار أو نصف دينار)) من
غير تفصيل بين حالي الدم أو وقتيه. وقال العلامة المصري في تعليقه على
((الترمذي)): أما التفصيل بين حالي الدم أو وقتيه فإنه تفسير من الرواة قطعًا. ثم
دخل على بعض الرواة عنهم فظنوه من متن الحديث، فنقلوه كذلك. وقد حفظ لنا
سعيد بن أبي عروبة الدليل الصريح على أن التفسير أو التفصيل إنما هو من بعض
الرواة؛ ففي رواية ((البيهقي)) (ج١: ص ٣١٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن
سعيد، عن قتادة عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا: ((بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ)) ففسَّرَه
قتادة، قال: إن كان واجدًّا فدينار وإن لم يجد فنصف دينار. وفي رواية أيضًا (ج١:
ص٣١٧) من طريق عبد الوهاب، عن سعيد، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن
عباس مرفوعًا. وفسر ذلك مقسم، فقال: إن غشيها في الدم فدينار، وإن غشيها بعد
انقطاع الدم قبل أن تغتسل فنصف دينار. وفي رواية أيضًا من طريق روح بن عبادة،
عن سعيد، عن عبد الكريم أبي أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر نحو هذا،
ونسب التفسير إلى مقسم أيضًا مع أنه ليس في هذا الإسناد، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق أبي حمزة السكري، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن
ابن عباس. وأخرج بنحوه الدارمي والدارقطني كلاهما من طريق أبي جعفر
الرازي، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا.
٥٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
الفصل الثالث
٥٥٧- [١١] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَلَةِ، فَقَالَ:
مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتِي وَهِيَ خَائِضٌ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «تَشُدُّ عَلَيْهَا
إِزَارَهَا، ثُمَّ شَأَتَكَ بِأَعْلَاهَا)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَالدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا] {صحيح}
الشَّرْجُ
٥٥٧- قوله: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدوي مولى عمر بن الخطاب، يكنى أبا
عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة من أهل الفقه والعلم، وكان عالمًا بتفسير
القرآن، وكان يرسلُ من الطبقة الوسطى من التابعينَ، مات سنة (١٣٦) في العشر
الأول من ذي الحجة.
(أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ) لعَلَّ الرجل السائل هو عمر بن الخطاب مولی زید
ابن أسلم، فقد روى أبو يعلى عن عاصم بن عمر، أن عمر قال: سألتُ رسول اللَّه
﴿ل ◌َ﴿ ما يحلُّ للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: ((مَا فَوْقَ الإِزَارِ)). قال الهيثمي:
رجاله رجال الصحيح، ويمكن أن يكون السائل عبد الله بن سعد. فقد روى أبو
داود عنه قال: سألتُ رسول اللَّه وَّر: ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال:
((لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ)).
(تَشُدُّ) بفتح التاء وضم الشين والدال، خبر معناه الأمر. وفي (الموطأ))
و((الدارميِّ)): (لِتَشُدَّ)) بزيادة اللام. (ثُمَّ شَأَنَكَ بِأَعْلاَهَا) أي: استمتع بما فوق
فرجها، و((شأنك)) بالنصب بإضمار فعل، أي: خذ، ويجوز رفعه على الابتداء،
والخبر محذوف تقديره: مباح أو جائز. وفيه: دليل على منع الاستمتاع بما تحت
الإِزار، لكن الحديث مرسل، والمرسل على القول الأصح ليس بحجة، ولو سلم
اعتضاده بما تقدم من حديث عاصم بن عمر وعبد الله بن سعد، فلا يدل على منع
(٥٥٧) رَوَاه مالٌ، والدارِ ميُّ مرسلًا.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْحیض
Be
٥٥٧
ذلك إلا بالمفهوم، وقد عارضه منطوق حديث: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ))،
وهو أصحُّ منه، فيقدم عليه، وقد تقدم أن الطحاوي رجح الجواز، وقواه العيني
والسندي دليلًا، واختاره أصبغ من المالكية، ورجحه النووي دليلًا.
(رَوَاهُ مَالِك وَالدَّارِمِيُّ) من طريق مالك. (مُرْسَلًا) بفتح السين، والحديث
المرسل ما سقط منه الصحابي؛ كقول نافع: قال رسول اللّه وَ سليل كذا أو فعل كذا أو
فعل بحضرته كذا. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ مسندًا، ومعناه
صحیح ثابت، انتهى.
قلتُ: روى الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عباس، أن رجلًا قال: يا رسول الله،
مالي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ((تَشُدُّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا ثُمَّ شَأَنُكَ بِهَا)). وفيه: أبو
نعيم ضرار بن صرد، وهو ضعيف، قاله الهيثمي.
٥٥٨ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ إِذَا حِضْتُ نَزَلْتُ عَنِ الْمِثَالِ
عَلَى الْحَصِيرِ، فَلَمْ نَقْرَبْ رَسُولَ اللَّهِ وَيهِ، وَلَمْ نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٥٥٨- قوله: (إِذَا حِضْتُ) بكسر الحاء. (عَنِ الْمِثَالِ) أي: الفراش. (فَلَمْ
نَقْرَبْ) بفتح النون والراء. (رَسُولَ اللَّهِ) بالنصب (َ﴿ وَلَمْ نَدْنُ) بفتح النون الأولى
وضم الثانية. (مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ) بالنون. هذا مخالف لما سبق، ولعله منسوخ إلا أن
يحمل القربان والدنو على الغشيان، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّى
يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإن كل واحد من الزوجين يدنو ويقرب من الآخر عند
الغشيان، قاله القاري نقلًا عن الطيبي.
قلتُ: التأويل هو المتعين للجمع بين الأحاديث. وقال ابن حجر: هذا كان
شأنهن معه وَله، أعني: إنهن يعتزلنه خوفًا من شمه أو رؤيته لبعض ما ينفر مما بهن
(٥٥٨) حديثٌ منكرٌ، وإسنادُهُ ضعيف، كما بيَّْتُه في ((ضعيفِ سُنن أَبِي دَاوُد)) (الألباني).