Indexed OCR Text

Pages 461-480

ex
٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يحمل كلام رسول اللَّه و ليسله على هذا المعنى. وأما ما وقع في حديث عائشة عند
مسلم: ((فدعا بماء فصبه عليه)). وعند البخاري: ((فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ)). فالمراد بالصب
وإتباع الماء هو الرش والنضح لا الغسل، يدلَّ عليه ما في رواية لمسلم
والطحاوي: ((فأتبعه الماء ولم يغسله)). وفي أخرى للطحاوي: ((فنضحه عليه)).
ويأتي بقية الكلام في شرح حديث لبابة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجاه في الطهارة، وفي
الطب، وأخرجه أيضًا مالك وأحمد وأبو داود الطيالسي، وابن سعد في
((الطبقات))، والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٥٠٠ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ
يَقُولُ: ((إِذَا دُبغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ)) .
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْحُ
٥٠٠- قوله: (إِذَا دُبغَ) بصيغة المجهول من ضرب ونصر وفتح، الدبغ
والدباغ والدباغة عبارة عن إزالة الرائحة الكريهة والرطوبات النجسة باستعمال
الأدوية أو بغيرها. قال إبراهيم النخعي: كلَّ شيءٍ يمنع الجلد من الفساد فهو دباغ.
(الْإِهَابُ) بكسر الهمزة هو الجلد، أو ما لم يدبغ كما في ((القاموس))، ومثله في
((النهاية))، وفي ((الصحاح)): الإهاب الجلد ما لم يدبغ. وبه فسر النضر بن شميل،
كما روى أبو داود عنه في ((سننه)). (فَقَدْ طَهُرَ) بضم الهاء وفتحها لغتان، والفتح
أفصح، أي: ظاهره وباطنه فيجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة. وفي
رواية أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه: ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ))، وفيه:
دليل على أن الدباغ يطهر جلد ميتة كل حيوان من غير فرق بين مأكول اللحم
وغيره؛ لعموم كلمة: ((أَيُّمَا)) ولأنَّ لفظ الإهاب بعمومه يشمل جلد مأكول اللحم
وغيره، واستثنى منه الخنزير لنجاسة عينة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]
والضمير للخنزير فقط، حكم برجسية كلِّه، والكلب مقيس عليه بجامع النجاسة.
(٥٠٠) مُسْلِم (١٠٥ / ٣٦٦)، أَبُو دَاوُدَ (١٢٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِهَا .

وغيرهم .
٥٠١- [٩] وَعَنْهُ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ
بِهَا رَسُولُ اللّهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟))
[مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ]
فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ!، فَقَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)).
الشَّرْحُ
٥٠١ - قوله: (تُصُدِّقَ) بصيغة المجهول. (عَلَى مَوْلَاةٍ) أي: عتيقة. (لِمَيْمُونَةَ)
أم المؤمنين، (بِشَاةٍ) متعلق بـ: ((تُصُدِّقَ)). (فَمَاتَتْ) أي: الشاة. (فَمَرَّ بِهَا) أي:
بالشاة. (هَلَّا) تحضيضية، أي: لم لا .
(فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ) فيه دليل على أن جلود الميتة لا يجوز الانتفاع بها أيَّ
انتفاع كان إلا بعد الدباغ، وأما قبل الدباغ فلا يجوز الانتفاع كالبيع وغيره، وهو
القول الراجح المعول عليه. ولم يقع في رواية البخاري والنسائي ذكر الدباغ،
وهي محمولة على الرواية المقيدة بالدباغ.
(إِنَّمَا حَرُمَ) قال النووي: رويناه على وجهين: حَرُم بفتح الحاء وضم الراء،
وحُرِّم بضم الحاء وكسر الراء المشددة. (أَكْلُهَا) أي: أكل الميتة. وأما جلدها
فيجوز دباغته ويطهر بها حتى يجوز استعماله في الأشياء الرطبة والوضوء منه
والصلاة معه وعليه .
وفي ((شرح السنة)): فيه: دليل لمن ذهب إلى أن ماعدا المأكول غير محرم
الانتفاع كالشعر والسن والقرن ونحوها، وقالوا: لا حياة فيها فلا تنجس بموت
الحيوان. وجوزوا استعمال عظام الفيل، وقالوا: لا بأس بتجارة العاج، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة والبيوع والذبائح، ومسلم في الطهارة،
وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود في اللباس، والنسائي في الفرع، وابن
(٥٠١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٩٢) (٢٢٢١)، مُسْلِم (١٠٠ / ٣٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا.

٤٦٠
*
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ماجه في اللباس، إلا أنه قال فيه: عَنْ مَيْمُونَةَ. جعله من مسندها.
٥٠٢ - [١٠] وَعَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِّ وَ لَ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنَّا.
الشّرْجُ
٥٠٢- قوله: (وَعَنْ سَوْدَةَ) بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية
القرشية، أم المؤمنين، أسلمت بمكةً قديمًا، وهاجرت هي وزوجها إلى الحبشة
الهجرة الثانية، ومات زوجها هناك، واسمه السكران بن عمرو، فتزوجها
رسول اللّه وَ لَه ودخل بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة، وقبل أن يعقد عائشة،
وهاجرت إلى المدينة. قالوا: لما أسنت همَّ النبي ◌َّ بطلاقها فوهبتْ يومها
لعائشة. وتوفيت سنة (٥٥) على الصحيح، لها أحاديث، انفرد البخاري بحديث.
(فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا) بفتح الميم أي: جلدها، وسُمِّ به لأنه يمسك ما فيه من الماء
وغيره. (ثُمَّ مَا زِلْنَا) بكسر الزاى. (نَنْبِذُ فِيهِ) بكسر الباء من ضربِ أي: ننقع فيه
التمر وغيره، يعني نعمل فيه نبيذًا من تمر وغيره. (حَتَّى صَارَ شَنَّا) بفتح الشين
المعجمة وتشديد النون أي: قربة خَلِقَةً.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في النذورِ، وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي في الفرع.
(٥٠٢) البُخَارِي (٦٦٨٦)، وَالنَّسَائِي (٧/ ١٧٣) فِيهَا عَنْ سَوْدَةً بِنْتِ زَمْعَةً.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ تَطْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
*
Less
٤٦١
الفصل الثاني
٥٠٣ - [١١] عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ
عَلِيِّ رَوَتَهُ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فقلتُ: الْبَسْ ثَوْبًا
وَأَعْطِي إِزَارََكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ. قَالَ: ((إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأَنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ
بَوْلِ الذِّكَرِ)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٥٠٣ - قوله: (عَنْ لُبَابَةَ) بضم اللام وتخفيف الموحدتين. (بِنْتِ الْحَارِثِ) بن
حزن الهلالية أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب، وأم ستة من بنيه، وأخت
ميمونة أم المؤمنين لأبويها. قال ابنُ عبد البر: يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد
خديجة، وكانت من المنجبات، وكان النبي ◌َّله يزورها. لها ثلاثون حديثًا، اتفقا
على حديث، وانفرد كل منهما بحديث. ماتت بعد زوجها العباس في خلافة
عثمان. (فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ) بكسر الحاء وتفتح وتضم. (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) أي:
إزاره وَّ. (الْبَسْ) بفتح الباء أمر من سمع. (ثَوْبًا) آخر. (وَأَعْطِنِي إِزَارََّ) أي:
المتلوث بالبول. (إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأَنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذِّكَرِ).
الحديث: حجة صريحة في الفرق بين بول الصبي وبول الصبية، وأن بول
الصبي يكفي فيه النضح بالماء، ولا حاجة فيه للغسل، وأن بول الصبية لا يكفي فيه
النضح والرش بل لا بد من غسله، وهو أصح المذاهب في ذلك وأقواها، وذلك
قبل أن يأكلا الطعام كما قيده به قتادة راوي حديث علي، وقد ذكرنا لفظه. وعند
ابن حبان في ((صحيحه)) وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن ابن شهاب: ((مضت السنة
أن يُرش بول من لم يأكل الطعام من الصبيان)). والمراد بالنضح كما قاله النووي في
((شرح مسلم)): هو أن الشيء الذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ
جريان الماء وتردده وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يشترط أن تكون
(٥٠٣) أَبُو دَاوُد (٣٧٥)، وَالنَّسَائِي، وَابن مَاجَهْ (٥٢٢) فِيهَا عَنْ أُمِّ الفَضْلِ لُبَابَةَ بِئْتِ الحَارِثِ.

٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بحيث يجري عليها بعض الماء ويتقاطر من المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا
هو الصحيح المختار، وهو قول إمام الحرمين والمحققين كذا في ((سبل السلام))
(ج١ : ص٥٤).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص٣٣٩). (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. (وابْنُ
مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والطبراني والكجي في ((سننه))
والبيهقي والطحاوي.
٥٠٤ - [١٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِي، عَنْ أَبِي السَّمْحِ قَالَ:
((يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَام)).
[صحيح]
الشَّرُْ
٥٠٤- قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِي، عَنْ أَبِي السَّمْحِ) هو مولى
رسول اللّه وَله وخادمه. قيل: اسمه إياد، بكسر الهمزة وتخفيف الياء تحتها
نقطتان، وقيل: اسمه كنيته، صحابي، له حديث واحد، قطعه النسائي في
موضعين؛ أي: في باب ذكر الاستتار عند الاغتسال، وفي باب بول الجارية. قال
ابن عبد البر: يقالُ: إنه ضل فلا يدرى أين مات، قال مَيْرَك: قوله: والنسائي
بالرفع، عطف على ابن ماجه. قال القاري: وفي سائر النسخ المصححة بالجرِّ وهو
الظاهر، لکن إنما یصح الجر لو کان للنسائي روایتان کما لا يخفى، فحينئذٍ لو
كانت الرواية الأخرى له كأحمد وغيره من المذكورين، فكان للمصنف أن يذكره
معهم أولًا أيضًا كما ذكر أبا داود مرتين، وإن كان النسائي ليس له إلا رواية واحدة
كالرواية الثانية لأبي داود فيتعين الرفع، لكن لا بالعطف على ابن ماجه لوجود
الفصل بالأجنبي، بل على أنه مبتدأ خبره كذلك، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] بالرفع، والله أعلم، انتهى.
قلتُ: عبارة المصنف بظاهرها توهم أن للنسائي روايتين كأبي داود، إحداهما
(٥٠٤) أَبُو دَاوُد (٣٧٦)، وَالنَّسَائِي (١ / ١٥٨)، وَابن مَاجَهْ (٥٢٦) عَنْ أَبِي السَّمْحِ فِيهَا.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ تَطْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
Bse
٤٦٣
*
عن لبابة، والأخرى عن أبي السمح، والأمر ليس كذلك، فإن حديث لبابة لم
يروه النسائي، فالأحسن أن يقول: وروى أبو داود أيضًا والنسائي عن أبي
السمح ... إلخ. والحديث أخرجه أيضًا البزار وابن ماجه وابن خزيمة والبغوي
والحاكم وصححه، وسكت عنه أبو داود والمنذري. وقال البخاري: حديث
حسن، ولفظه عند أبي داود: قال: كنت أخدم النبي وَ لّ فكان إذا أراد أن يغتسل
قال: ((وَلِّنِي قَفَاَكَ)) فأوليه قفاي فأستره، به فأتى بحسن أو حسين ظّ فبال على
صدره، يعني: موضعه من الثياب، فجئت أغسله، فقال: (يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ،
وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ) أي: الرضيع .
ففي حديث علي عند أحمد والترمذي وابن ماجه: أن النبي وَّ قال في بول
الرضيع: ((وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَام ... )) الحديث. فهذا تقييد للفظ الغلام بكونه رضيعًا،
وهكذا يكون تقييدًا للفظ الصبي والصغير والذكر الواردة في بقية الأحاديث.
وحديث أبي السمح يبين أن المراد بالنضح في حديث لبابة هو الرش، ويرد كغيره
من أحاديث الباب على من لم يفرق بين بول الرضيع وبول الجارية اتباعًا للقياس
على بول الشيخ، وفي صنيعهم هذا تقديم للقياس على النص ورد للسنن الصحيحة
الصريحة .
قال ابن القيم: والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر فتعم البلوى ببوله فيشق عليه غسله.
والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد بل ينزل متفرقًا هاهنا وهاهنا، فيشق
غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر،
ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفف من نتن البول، وتذيب منها ما يحصل مع
الرطوبة، وهذه المعاني مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق، انتهى.
وذكر الشافعي في الفرق وجها آخر كما رواه ابن ماجه في ((سننه))، والحق فيه
وفي مثله التعبد والاتباع، والسؤال عن الحكم خارج عن ذلك، فالواجب على
الفقيه أن يتبع أمر رسول اللّه وَ ليل حيث وجده، ولا يضرب له الأمثال.

٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٠٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((إِذَا وَطِئَ
أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، ولابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ] {صحيح}
الشّرْجُ
٥٠٥ - قوله: (إِذَا وَطِئَ) بكسر الطاء أي: مسح وداس. (أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ) وفي
معناه الخف. (الأَذَى) أي: النجاسة رطبة كانت أو يابسة، متجسدة أو غير
متجسدة. (فَإِنَّ التُّرَابَ) أي: بعد المكان الموطوء. (لَهُ) أي: لنعل أحدكم.
(طَّهُورٌ) وفي روايةٍ: ((إِذَا وَطِئَ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ)). والحديث: يدلّ
بإطلاقه على أنه إذا أصابت النجاسة النعل فطهارته بالمسح والدلك، سواء كانت
ذات جرم كالعذرة أو غير ذات جرم كالبول، وسواء كانت رطبة أو جافة، ويؤيده ما
رواه أبو داود وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول اللّه وَل يصلي
بأصحابه إذا خلعَ نعليه ... الحديث. وفيه: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر،
فإن رأي في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصلِّ فيهما)).
واعلم أن الحديثين قد خالف ظاهرهما أبو حنيفة، فإن مذهبه أن النعل لا يطهر
بالمسح إلا إذا كانت النجاسة ذات جرم وقد جفت، وأما إذا لم تكن ذات جرم، أو
كانت ذات جرم لكنها رطبة فلا يطهر إلا بالغسل، ولأجل هذين الحديثين وما في
معناهما ترك الحنفية مذهبه في هذا الباب، واختاروا مذهب أبي يوسف، ومذهبه
أن النعل يطهر بالدلك إذا أصابته نجاسة لها جرم، رطبة كانت أو جافة، أما إذا لم
تكن لها جرم فلا يطهر إلا بالغسل. والفتوى عند الحنفية على قول أبي يوسف،
ففي ((البحر الرائق)) (ج١: ص٢٢٣): وعلى قوله أكثر المشائخ. وفي ((النهاية))
و((العناية)) و((الخلاصة)): وعليه الفتوى. وفي ((فتح القدير)): وهو المختار لعموم
البلوى، ولإطلاق الحديث، انتهى. وفي ((فتاوى قاضي خان)): وعليه الفتوى
لعموم البلوى. قال شيخنا في ((أبكار المنن)) (ص١١٠/٤٦ - ١١١): وهذان
(٥٠٥) أَبُو دَاوُد (٣٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا، وَلابن مَاجَهْ (٥٣٢) مَعْنَاهُ.

٤٦٥
بَابُ تَطَهِيرِ النَّاسَاتِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
الحديثان بإطلاقهما حجتان على أبي يوسف أيضًا، أي: كما أنهما حجتان على أبي
حنيفة؛ لأن إطلاقهما يدل على أنه لا فرق بين أن تكون النجاسة ذات جرم أو لم
تكن، كما أن إطلاقهما يدل على أنه لا فرق بين أن تكون النجاسة رطبة أو جافة،
وهو - أي: أبو يوسف - يقول بالفرق بين الرقيقة والكثيفة، وإن لم يقل بالفرق بين
الرطب واليابس. وأما ما قالوا في توجيه الفرق بينهما عنده: أنه مفاد بقوله:
طهور، أي: مزيل، ونحن نعلم أن النعل إذا تشرب البول لا يزيله المسح، فإطلاقه
مصروف إلى ما يقبل الإزالة بالمسح. فقد رده العلامة ابن الهمام في ((فتح القدير))
(ص٧٦) بأنه لا يخفى ما فيه؛ إذ معنى طهور مطهر، واعتبر ذلك شرعًا بالمسح
المصرح في الحديث، وكما لا يزيل ما تشربه من الرقيق كذلك لا يزيل ما تشرب
من الكثيف حالة الرطوبة. والحاصل فيه بعد إزالة الجرم كالحاصل قبل الدلك في
الرقيق، فإنه لا يشرب إلا ما في استعداده قبوله، وقد يصيبه من الكثيفة الرطبة
مقدار كثير يشربه من رطوبته مقدار ما يشربه من بعض الرقيق، انتهى.
والحاصل: أن النعل أو الخف إذا أصابته نجاسة يطهر بالدلك كثيفة كانت أو
رقيقة، رطبة كانت أو يابسة؛ لإطلاق الحديثين وهو الحق، وما ذهب إليه الإمام
أبو حنيفة وأبو يوسف ليس بصواب، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من طريق أبي المغيرة، والوليد بن مزيد، وعمر بن عبد الواحد
عن الأوزاعي قال: أنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدث عن أبيه، عن أبي
هريرة، وفيه مجهول كما ترى؛ لأن الأوزاعي لم يسم شيخه، ولعل الرجل الذي
أبهمه هو محمد بن عجلان في الطريق الآتي، فروى أبو داود أيضًا من طريق محمد
ابن كثير الصنعاني، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ بمعناه، ومحمد بن كثير وإن ضعف لكنه تابعه على
هذا أبو المغيرة، والوليد، وعمر كما تقدم، وكلهم ثقات، وابن عجلان وإن ضعفه
بعضهم لكن الأكثرين على توثيقه. والحديث أخرجه أيضًا ابن السكن وابن حبان
في ((صحيحه))، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي والطحاوي.
قال النووي في ((الخلاصة)): رواه أبو داود بإسناد صحيح، انتهى.
وقال ابن الهمام: حديث أبي هريرة حسن لم يطعن فيه. كذا في ((المرقاة))

٤٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
(ج١: ص٣٥٦) وقد اعترف بحسن إسناد حديث أبي هريرة هذا النيموي أيضًا.
قلتُ: وله شاهدان بمعناه عند أبي داود وغيره من حديث عائشة، ومن حديث أبي
سعيد. وتقدم ذكر لفظ حديث أبي سعيد. (ولا بْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ) ولفظه: قيل:
يارسول الله، إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة، فقال رسول اللّه وَله : ((يُطَهِّرُ
بَعْضُهَا بَعْضًا)). قال في ((الزوائد)): إسناده ضعيف، فإن إبراهيم بن إسماعيل
اليشكري مجهول الحال، قال الذهبي: وشيخه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة
مما اتفقوا على ضعفه.
٥٠٦ - [١٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ لَهَا امْرَأٌ: إِنِّي أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي
الْمَكَانِ الْقَذِرِ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ: ((يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ)).
[ْرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وقَالَا: الْمَرَأَةُ أُمُّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ عَوْفٍ] {صحيح)
الشَّرْحُ
٥٠٦ - قوله: (إِنِّي أُطِيلُ) من الإطالة. (ذَيْلِي) بفتح الذال المعجمة، هو طرف
الثوب الذي يلي الأرض وإن لم يمسها. (فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ) بفتح فكسر، النجس،
أي: في مكان ذي قذر. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) في جوابٍ مثل هذا السؤال. (يُطَهِّرُهُ)
أي: الذيل. (مَا بَعْدَهُ) في محل الرفع فاعل يطهر، أي: المكان الذي بعد المكان
القذر بزوال ما يتثبت بالذيل من القذر، سواء كان المكان القذر رطبًا أو يابسًا،
والنجاسة متجسدة أو غير متجسدة، فلا حاجة إلى الغسل لإطلاق الحديث، وهذا
يدلُّ على عدم الفرق بين الذيل للمرأة والخف والنعل للرجل، وهو الحق، ويؤيد
ذلك الحديث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب. قال الشيخ ولي الله
الدهلوي في ((المسوى شرح الموطأ) تحت حديث أم سلمة هذا: إن أصاب الذيل
نجاسة الطريق ثم مر بمكان آخر، واختلط به طين الطريق، وغبار الأرض، وتراب
ذلك المكان، ويبست النجاسة المتعلقة، فيطهر الذيل المنجس بالتناثر أو الفَرْكِ،
(٥٠٦) أَبُو دَاوُد (٣٨٣)، وَالتِّرْمِذِي (١٤٣)، وَابن مَاجَهْ (٥٣١) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِيهَا.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
*
بَابُ تَطْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
٤٦٧
وذلك معفو عنه عن الشارع بسبب الحرج والضيق، كما أن غسل العضو والثوب
من دم الجراحة معفو عنه عند المالكية، وكما أن النجاسة الرطبة التي أصابت
الخف تزيل بالدلك، ويطهر الخف عند الحنفية والمالكية بسبب الحرج، وكما أن
الماء الواقع المستنقع في الطريق وإن وقع فيه النجاسة معفو عنه عند المالكية بسبب
الحرج، وإني لا أجد الفرق بين الثوب الذي أصابه دم الجراحة والثوب الذي
أصابه الماء المستنقع النجس، وبين الذيل الذي تعلقت به نجاسة رطبة، ثم اختلط
به غبار الأرض وترابها وطين الطريق، فتناثرت به النجاسة أو زالت بالفرك، فإن
حكمهما واحد، وما قال البغوي: إن الحديث محمول على النجاسة اليابسة التي
أصابت الثوب ثم تناثرت بعد ذلك ففيه نظر؛ لأن النجاسة التي تتعلق بالذيل في
المشي في المكان القذر؛ تكون رطبة في غالب الأحوال، وهو معلوم بالقطع في
عادة الناس، فإخراج الشيء الذي تحقق وجوده قطعًا أو غالبًا عن عادته الأصلية
بعيد. وأما طين الشارع يطهره ما بعده، ففيه نوع من التوسع في الكلام؛ لأن المقام
يقتضي أن يقال: هو معفو عنه، أو لا بأس به، لكن عدل عنه إلى إسناد التطهير إلى
شيء لا يصلح أن يكون مطهرًا للنجاسة، فعلم أنه معفو عنه، وهذا أبلغ من الأول،
انتھی .
(رَوَاهُ مَالِكَ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا الشافعي،
وابن ماجه، وسكت عنه أبو داود والمنذري. وقال القاضي أبو بكر بن العربي:
هذا الحديث مما رواه مالك فصح وإن كان غيره لم يره صحيحا، انتهى.
والعلة على ما قيل: جهالة المرأة التي روت هذا الحديث عن أم سلمة وهي
مدفوعة كما سيأتي. (وَقَالَا) أي: أبو داود والدارمي. (الْمَرْأَةُ) أي: السائلة
الراوية للحديث. (أَمُّ وَلَدٍ إِبْرَاهِیمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) و کذا قال ابن ماجه،
وهي تابعية صغيرة مقبولة اسمها حميدة على ما في ((التقريب)). واختيارُ مالِكِ
حديثها وإخراجه في ((موطئه)) يدل أيضًا على أنها غير مجهولة؛ لأنه أعرف الناس
بأهل المدينة وأشدهم احتياطًا في الرواية عنهم، والقول قول من عرف.

٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٠٧ - [١٥] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْن مَعْدِي كَرِبٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلَه.
عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَالرُّكُوبٍ عَلَيْهَا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٥٠٧- قوله: (نَھَی عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّباع) بضم اللام، فإنه مصدر لبس یلبس
کعلم یعلم، بخلاف فتح اللام فإنه مصدر لبس يلبس كضرب يضرب بمعنى خلط.
(وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا) أي: عن القعود عليها. وفيه وفي حديث أبي المليح الآتي: دليل
على أنه لا يجوز الانتفاع بجلود السباع من اللبس والركوب، وقيل: قبل الدباغ؛
لأنها نجسة، أو مطلقًا إن قيل بعدم طهارة الشعر بالدبغ بناء على أن الدباغ لا يؤثر
في الشعر ولا يغيره عن حاله، وإن قيل بطهارته، فالنهي عنها لكونها من دأب
الجبابرة وأهل الخيلاء والسرف وعمل المترفهين. وقد استدلّ بعضهم بحديث
المقدام هذا وما في معناه على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع، بناء على أنه
مخصص للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم.
قال الشوكاني: وهذا الاستدلال غير ظاهر؛ لأن غاية ما فيه مجرد النهي عن
الركوب عليها وافتراشها، ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة، كما لا ملازمة بين
النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع
منع الركوب عليها ونحوه، مع أنه يمكن أن يقال: إن النهي عن جلودِ السباع أعم
من وجه من الأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم؛ لشمولها لما كان
مدبوغًا من جلود السباغ وما كان غير مدبوغ، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في اللباس في قصة طويلة وسكت عنه. وفيه بقية بن الوليد عن
بحير بن سعد. وبقية صدوق كثير التدليس. وروى أحمد (ج١ : ص١٣٢) طرفًا من
تلك القصة من حديث بقية عن بحير، وقد صرح فيه بقية بالتحديث. (وَالنَّسَائِيُّ)
في الفرع مختصرًا من غير ذكر القصة.
(٥٠٧) أَبُو دَاوُد (٤١٣١)، وَالنَّسَائِي (٧/ ١٧٦ - ١٧٧) عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ فِيهَا.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ تَظْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
lee
**
ee
٤٦٩
٥٠٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ وَ نَهَى
عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ: ((أَنْ تُفْتَشَ))] {صحيح}
الشَّرْحُ
٥٠٨- قوله: (وَعَنْ أَبِي الْمِلِيحِ) بفتح الميم وكسر اللام. (بْنِ أَسَامَةَ) بن
عمير أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذَلي. قيل: اسم أبي المليح: عامر، وقيل:
زيد، وقيل: زياد، ثقة، من أوساط التابعين. مات سنة (٩٨) وقيل: سنة (١٠٨)
وقيل: بعد ذلك. روى عن جماعة من الصحابة. (عَنْ أَبِيهِ) أي: أسامة بن عمير
الهذلي البصري، صحابي، له سبعة أحاديث، روى عنه ابنه أبو المليح فقط، تفرد
عنه. (نَهَى) وفي بعض النسخ: ((أنه نهي)). (عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ) أي: عن الانتفاع بها
من اللبس والقعود ونحوهما لما فيه من التكبر، أو لأن الشعرَ نجس لا يقبل الدباغ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) في اللباس وسكت عنه. (وَالنَّسَائِيُّ) في الفرع. (وَزَادَ
التِّرْمِذِيُّ) في اللباس. (وَالدَّارِمِيُّ) في الأضاحي، يعني رويا هذا الحديث وزادا
فيه: (أَنْ تُفْتَرَشَ) أي: تبسط ويجلس عليها. قال الترمذي: لا نعلم أحدًا قال: عن
أبي المليح عن أبيه، غير سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ثم أخرجه الترمذي من
حديث شعبة، عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، عن النبي وَلّ مرسلًا، وقال:
وهذا أصح. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره، ونظر بعضهم في كلام
الترمذي بأن شعبة وإن كان أحفظ وأتقن من سعيد بن أبي عروبة، لكن ابن أبي
عروبة لم يتفرد بروايته موصولًا بل تابعه عليه يحيى بن سعيد عن قتادة عند
الدارمي، ويؤيده أيضًا أن البيهقي (ج ١: ص٢١) أخرجه من طريق يزيد بن هارون
عن شعبة عن يزيد الرشك موصولًا، وقال: رواه غيره عن شعبة عن يزيد عن أبي
الملیح مرسلا دون ذكر أبيه، انتهى.
(٥٠٨) أَبُو دَاوُد (٤١٣٢)، والتِّرْ مِذِيُّ (١٧٧١)، والنَّسَائِيُّ (٧/ ١٧٦)، واللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ فِي كِتَابٍ
اللِّبَاسِ عَنْ أَبِي المَلِيحِ، عَنْ أَبِهِ.

٤٧٠
EN **
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٠٩ - [١٧] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيح، أَنَّهُ كَرِهَ ثَمن جُلُودِ السِّبَاع.
[رواه ... ] {صحيح}
الشّرْحُ
٥٠٩ - قوله: (وَعَنْ أَبِي الْملِيحِ، أَنَّهُ) أي: أن رسول اللّه ◌َلِهِ. (كَرِهَ ثَمن جُلُودِ
السِّبَاعِ) أي: بيعها وشراءها، قاله ابن الملك. قال المظهر: ذلك قبل الدباغ
لنجاستها أما بعده فلا كراهة.
(رَوَاهُ) أي: مرسلاً من غير ذكر عن أبيه، وهاهنا بياض، وألحق به التِّرْمِذِيَّ.
قال الطيبي: رواه في كتاب اللباس من ((جامعه))، وسنده وجيه، وكذا قال السيد
جمال الدين. وقال الجزري: هذا الأثر سنده جيد. رواه الترمذي في اللباس من
((جامعه)) ولفظه: ((أنه كره ... إلخ)). والظاهر: أنهم أرادوا الرواية المرسلة التي
حكم الترمذي بكونها أصح من الموصولة، لكن لفظها عنده عن أبي المليح: عن
النبي ◌ُّ أنه نهى عن جلود السباع، أي: بلفظ: ((نَهَى)) مكان («كَرِه)» وبدون لفظ :
(ثَمَنَ)) ولم نقف على من خرج هذه الرواية المرسلة باللفظ الذي ذكره المصنف
نقلا عن ((المصابيح)) مع عدم مناسبتها لكتاب الطهارة.
٥١٠ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْم قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَلّهِ:
((أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَّا عَصَّبٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
٥١٠ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُكَيْم) بضم العين وفتح الكاف مُصَغَّرًا، يكنى
(٥٠٩) التِّرْمِذِي (١٧٧٠) بِهِ.
(٥١٠) أَبُو دَاوُد (٤١٢٧) (٤١٢٨)، والتِّرْمِذِي (١٧٢٩)، والنَّسَائِي (٧/ ١٧٥)، وابن مَاجَهْ (٣٦١٣)
عَنْ عَبْدِ الله بْن عُكَيْم فِى اللِّبَاس.

٤٧١
بَابُ تَطْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
13
أبا معبد الجهني، مخضرم، ثقة، أدرك زمن النبي وَّر، ولا تعرف له رؤية ولا
رواية، وقد خرجه غير واحد في عداد الصحابة، والصحيح أنه تابعي من كبار
التابعين، سمع كتاب النبي وَّل إلى جهينة، مات في إمرة الحجاج.
(أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا) ((أن)) هذه مفسرة أو مخففة. (وَلَا عَصَبٍ) بفتحتين أطناب مفاصل
الحيوان، وفي بعض كتب اللغة: أطناب منتشرة في الجسم كله، وبها تكون
الحركة والحس، ونهى عن الانتفاع به؛ لأن عصب الميتة نجس؛ لأن فيه حياة؛
بدليل تألمه بالقطع .
والحديث قد تمسك به من قال: إن الدباغ لا يطهر شيئًا من الجلود، فلا ينتفع
من الميتة بشيء، سواء دبغ جلدها أو لم يدبغ. وزعم أنه ناسخ للأحاديث القاضية
بطهارة جلد الميتة بالدباغ لما ورد في رواية الشافعي وأحمد، وأبي داود: ((قبل
موته بشهر))، وفي رواية: ((بشهر أو شهرين)). فصار متأخرًا.
والجمهور على خلافه، وأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة، محصلها: الإرسال
لعدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي وَّ .
ثم الانقطاع لعدم سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عبد الله بن عكيم.
ثم الاضطراب في سنده، فإنه قال تارة: عن كتاب النبي وَّل. وتارة: عن
مشيخة من جهينة. وتارة: عمن قرأ الكتاب.
ثم الاضطراب في متنه، فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بتقييد
شهر، أو شهرين، أو أربعين يومًا، أو ثلاثة أيام.
ثم الترجيح بالمعارضة؛ لأن حديث الدباغ أكثر وأصح؛ لأنه روي في تطهير
الدباغ خمسة عشر حديثًا، منها ما اتفق الشيخان.
ثم القول بأن الإهاب كما تقدم من ((القاموس))، اسم لما لم يدبغ في أحد
القولين. وقال النضر بن شميل: الإِهاب لِمَا لَمْ يُدْبَغْ، وبعد الدبغ یقال له: شن،
وقربة، وبه جزم الجوهري، فلما احتمل الأمرين وورد الحديثان في صورة
المتعارضين جمعنا بينهما بأنه نهى عن الانتفاع بالإهاب ما لم يدبغ، فإذا دبغ لم
یسم إهابًا، فلا يدخل تحت النهي، وهو حسن.

٤٧٢
BRE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقد بسط تلك الأجوبة الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٧) والشوكاني في ((النيل))
(ج١: ص٦١) والأمير اليماني في ((السبل)) (ج١: ص٤٢، ٤١) فارجع إلى هذه
الكتب .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن. قيل: في تحسينه نظر لما في سنده من
الاضطراب والإرسال والانقطاع. قال صاحبُ الإمام: تضعيف من ضعفه ليس من
قبل الرجال فإنهم كلهم ثقات، وإنما ينبغي أن يحمل الضعف على الاضطراب،
وقد حكى الخلال أن أحمد توقف في حديث ابن عكيم؛ لما رأى تزلزل الرواة فيه.
وقال بعضهم: رجع عنه كما ذكره الترمذي. (وَأَبُو دَاوُدَ) وقال: قال النضر بن
شميل: يسمى إهابًا ما لم يدبغ، فإذا دبغ لا يقال له: إهاب، إنما يسمى شئًّا وقربة.
(وَالنَّسَائِيُّ) وقال: أصُّ ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دبغت حديث الزهري
عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. (وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا
الشافعي، وأحمد، والبخاري في ((تاريخه))، والدار قطني، والبيهقي، وابن حبان.
٥١١ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿ّ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ
بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ وأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرْجُ
٥١١- قوله: (أَمَرَ) أي: أذن ورخَّص. (أَنْ يُسْتَمْتَعَ) على بناء المفعول.
(بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ) الحديث بإطلاقه يرد على من خص الاستمتاع بها بالأشياء اليابسة،
وبالماء من بين سائر المائعات. (إِذَا دُبِغَتْ) فيه رد صريح على من أباح الاستمتاع
بجلود الميتة وإن لم تدبغ، متمسكًا بالروايات المطلقة.
(رَوَاهُ مَالِك) في كتاب الصيد من موطأه. (وَأَبُو دَاوُدَ) في اللباس وسكت عنه،
وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان، كلهم من طريق محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان عن أمه، عن عائشة. قال المنذري: أم محمد بن عبد الرحمن
(٥١١) أَبُو دَاوُد (٢٤ / ٤)، وَالنَّسَائِي (٧/ ١٧٦)، وَابن مَاجَهْ (٣٦١٢) عَنْ عَائِشَةَ فِي اللِّبَاسِ.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ تَظْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
٤٧٣
لم تنسب ولم تسم. قلتُ: أم محمد هذه، قال الحافظ في ((التقريب)): إنها مقبولة،
وذكرها ابن حبان في ((الثقات))، واختيار مالك حديثها وإخراجه في موطأه يدل على
صحته عنده؛ لأنه أعرف الناس بأهل المدينة وأشدهم احتياطًا في الرواية عنهم.
٥١٢ - [٢٠] وَعَنْ مَيْمُونَة، قَالَتْ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ رِ جَالٌ مِنْ قُرَيْش
يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا؟)
قَالُوا: إِنَّهَا مَيْنَةٌ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالقَرَظُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرْجُ
٥١٢- قوله: (يَجُرُّونَ) بضم الجيم يسحبون. (شَاةً) أي: ميتة. (مِثْلَ الْحِمَارِ)
أي: مثل جره، أوفي كونها ميتة منتفخة. (لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا) قيل: كلمة ((لو))
للتمني بمعنى ليت، يعني: ليتكم أخذتم. وقيل: كلمة شرط حذف جوابها، أي:
لكان حسنًا، أو لحل لكم الانتفاع به بعد الدباغ. (يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ) بفتحتين،
ورق السلم يعني يطهرها خلط القرظ بالماء ودباغة الجلد به. قال الخطابي:
القرظ: شجر يدبغ به الأهب، وهو لما فيه من العفوصة والقبض ينشف البلة
ويذهب الرخاوة ويخفف الجلد ويصلحه ويطيبه، فكل شيء عَمِلَ عَمَلَ القرظ كان
حکمه في التطهیر حکمه، انتهى.
وقال النووي: يجوزُ الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من
ورود الفساد عليه كالشث، والقرظ، وقشور الرمان، وغير ذلك من الأدوية
الطاهرة، ولا يحصل بالشمس إلا عند الحنفية، ولا بالتراب والرماد والملح على
الأصح، انتھی.
والحديث: دليل على وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ أو بعد الدباغ لإزالة
الدرن ووضر الدبغ، وحمله بعضهم على الندب أو على الطهارة الكاملة لعدم
اشتراط الماء في الدبغ عنده، وهو خلاف الظاهر.
(٥١٢) أَبُو دَاوُد (٤١٢٦)، وَالنَّسَائِي (٧/ ١٧٤، ١٧٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿هَا، عَنْ مُيْمُونَةَ فِي اللِّبَاسِ.

٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص٣٣٦). (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري،
وأخرجه أيضًا النسائي والدار قطني وابن حبان، وصححه ابن السكن والحاكم.
٥١٣ - [٢١] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ جَاءَ فِي
غَزْوَةٍ تَبُوَكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ، فَإِذَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَسَأَلَ الْمَاءَ، فَقَالُوا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْنَةٌ. فَقَالَ: ((دِبَاغُهَا طَهُورُهَا)). [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرْحُ
٥١٣- قوله: (وَعَنْ سَلَمَةَ) بفتح اللام. (بْنِ الْمُحِّبَّقِ) بضم الميم وفتح الحاء
المهملة وكسر الموحدة المشددة وتفتح. قال في ((جامع الأصول)): المحبِّق بتشديد
الباء المكسورة، وأصحاب الحديث يفتحونها، انتهى. وقال في ((تهذيب التهذيب))
(ج٤: ص١٥٨): قال العسكري في ((التصحيف)) عن أحمد بن عبد العزيز
الجوهري: قال ما سمعتُ ابن شبة وغيره إلا بكسر الباء، قال العسكري: فقلتُ: إن
أصحاب الحديث كلهم يفتحون الباء، فقال: أيش المحبَّق في اللغة؟ قلتُ:
المضرط. فقال: هل يَسْتَحْسِنُ أحدٌ أن يسمي ابنه المضرط؟ وإنما سماه المضرط
تفاؤلًا بأنه يَضرط أعداءه كما سموا عمرو بن هند: مضرط الحجارة، انتهى.
وقيل: هو سلمة بن ربيعة بن المحبق، وأنه نسب إلى جده، جزم به ابن حبان.
واسم المحبق صخر بن عبيد. وسلمة هذا يكنى أبا سنان الهذلي البصري،
صحابي، له اثنا عشر حديثًا، روی عنه ابنه سنان وغيره.
(فِي غَزْوَةٍ تَبُّوَك) موضع بين الشام ووادي القرى، والمشهور فيه عدم الصرف
للعلمية والتأنيث باعتبار البقعة، ومن صرفها أراد الموضع. (قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ) أي: فيها
ماء وهي مدبوغة. (إِنَّهَا) أي: القربة. (مَيْتَةٌ) أي: جلد ميتة دبغ. (دِبَاغُهَا) بكسر
الدال. (طَهُورُهَا) بفتح الطاء وتضم، أي: مطهرها أو طهارتها. وفي رواية النسائي
وغيره: دباغها ذكاتها، بفتح الذال المعجمة، وهي الذبح، والمراد هنا التطهير؛
(٥١٣) أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُد (٤١٢٥) فِي اللِّبَاسِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّقِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ.

13
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
EN *
بَابُ تَظْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
Besex
٤٧٥
لأن الذبح يطهر المذبوح ويحل أكله. والحديث قد استدل بإطلاقه على عدم
وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ وبعده.
قال الخطابي: هذا الحديث يدل على بطلان قول من ذهب إلى أن إهاب الميتة
إذا مسه الماء بعد الدباغ ينجس، ويبين أنه طاهر كطهارة المذكى، وأنه إذا بسط
وصلي عليه، أو خرز منه خف فصلي فيه جاز.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص٦، ٧) و(ج٣: ص٤٧٦). (وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا
الشافعي والنسائي، وابن حبان في ((صحيحه))، والبيهقي من حديث الجون بن
قتادة عن سلمة بن المحبق، وسكت عنه أبو داود. وقال الحافظُ: إسناده صحيح.
وقال أحمد: الجون لا أعرفه. وبهذا أعله الأثرم. قال الحافظُ: قد عرفه غيره.
عرَفه علي بن المديني وروى عنه الحسن، وقتادة، وصحح ابن سعد، وابن حزم،
وغير واحد أن له صحبة وتعقب أبو بكر بن مفوز ذلك على ابن حزم.

٤٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٥١٤- [٢٢] عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً، فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا؟ فَقَالَ:
((أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟)): قلتُ: بَلَى. قَالَ: ((فَهَذِهِ بِهَذِهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٥١٤ - قوله: (عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) صحابية لم تسم، قاله الحافظ
في ((التقريب)). وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة موسى بن عبد الله بن يزيد
الخطمي: روى عن أبيه، وأمه، وأبي حميد الساعدي، وعن امرأة من بني الأشهل
لها صحبة. (مُنْتِنَةٌ) صفة طريق، وهو يذكر ويؤنث، أي: نجسة يعني فيها أثر
الجيف والنجاسات. (إِذَا مُطِرْنَا) على بناء المجهول أي: ومررنا على تلك
النجاسات بأذيالنا المنسحبة على الأرض. (هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا) أي: أطهر بمعنى
الطاهر. (فَهَذِهِ بِهَذِهِ) أي: ما حصل التنجس بتلك يطهره انسحابه على تراب هذه
الطيبة. وهذا الحديث موافق لما تقدم من حديث أم سلمة في الفصل الثاني، وهما
يدلان صريحًا على أن الذيل المنجس بنجاسة الطريق الرطبة يطهر إذا انسحب على
الطريق الطاهرة، واختلط بالتراب الطاهر من الطريق وقت المرور، ولا يصح
حمل القذر على اليابس؛ لأنه يأبى عنه قولها، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ وكذا لا
يصحُّ تخصيص الحديث بالنعل والخف؛ لأنه يبطله حديث أم سلمة المتقدم، ففي
الحديثين رد صريح على الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقد تأول السندي في حاشية ابن
ماجه حديث المرأة الأشهلية هذا بما يمجه السمع ويستكرهه القلب.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري. قال الخطابي: الحديث فيه مقال؛
لأن (امرأة)) من بني عبد الأشهل مجهولة، والمجهول لا تقوم به الحجة في
(٥١٤) أَبُو دَاوُد (٣٨٤) عنها في الطهارة.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابٌ تَظْهِيرِ النَّجَاسَاتِ
٤٧٧
الحديث، انتهى. قلتُ: المرأة من بني عبد الأشهل هذه صحابية، ذكرها ابن
الأثير الجزري في ((أسد الغابة))، وصرَّح الحافظُ في ((التقريب)) و((تهذيب التهذيب))
بكونها صحابية كما تقدَّم، بل كونها صحابية ظاهر من نفس الحديث؛ ألا ترى أنها
شافهت رسول اللَّه وَله، وسألته بلا واسطة، وقالت: قلت يا رسول الله، إن
لنا ... إلخ. وقد تقرَّر أن جهالة اسم الصحابي ونسبه لا تقدح في كونه صحابيًّا،
ولا تؤثر في صحة الحديث، فالحديث صحيح، وكلام الخطابي ومن تبعه مردود
عليه. والحديث أخرجه ابن ماجه أيضًا.
٥١٥ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَع رَسُولِ اللهِ
وَلَه وَلَا نَتَوَضَّأُ مِن المَوْطِئِ.
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٥١٥- قوله: (وَلَا نَتَوَضَّأُ مِن المَوْطِئِ) بفتح الميم وإسكان الواو وكسر الطاء
المهملة والهمزة، وقيل: الموطأ بفتح الميم وسكون الواو وفتح الطاء وبالهمزة.
قيل: كسر الطاء هو الأصل، والفتح شاذ، وقيل: بل الفتح هو القياس، وهو أعلى
وأرجح من الكسر. وارجع للبسط إلى تعليق الترمذي للشيخ أحمد شاكر. قال ابن
العربي في ((شرح الترمذي)) (ج١: ص٢٣٧): الموطئ مفعل بكسر العين من
وطئ، وهو اسم للموضع، فيكون معناه الوضوء من وطئ الموضع القذر، ويكون
بفتحها، والمعنى واحد، وفيه كلام كثير، انتهى. وقال الخطابي في ((المعالم)):
الموطئ ما يوطئ في الطريق من الأذى، وأصله الموطؤ.
قال العراقي: يحتمل أن يحمل الوضوء على الوضوء اللغوي وهو التنظيف،
فيكون المعنى أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم من الطين ونحوها، ويمشون عليه بناء
على أن الأصل فيه الطهارة، انتهى. وحمله البيهقي على النجاسة اليابسة، وأنهم
كانوا لا يغسلون الأقدام إذا وطئوا على نجاسة يابسة، وإنما كانوا يغسلونها إذا
(٥١٥) أَبُو دَاوُد (٢٠٤)، وصحَّحه الحاكم (١ / ١٣٩) عن ابن مسعود فيها رَضِ فَهُ.