Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قالت هذا اعتذارًا بين يدي سؤالها عما دعت الحاجة إليه مما تستحي النساء في
العادة عن السؤال عنه، وذكره بحضرة الرجال. (مِنْ غُسْلٍ) زيادة من للتأكيد، أي:
نوع من الغسل.
(إِذَا اخْتَلَمَتْ) أي: إذا رأت في الحلم - بالضم - المجامعة، وفي رواية أنها
قالت: إذا رأت أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسلُ؟ ((قَالَ: نَعَمَ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ))
أي: المني بعد الاستيقاظ. وفيه: دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال في
الاحتلام، وكأنَّ أم سليم لم تسمع حديث الماء من الماء أو سمعته، وقام عندها
مايوهم خروج المرأة عن ذلك وهو ندور بروز الماء منها، وفيه: رد على من قال:
إن ماء المرأة لا يبرز.
(فَغَطَّتْ) أي: سترت حياءً. (أُمُّ سلَمَةَ وَجْهَهَا) قيل: إنه من كلام زينب الراوية
عن أم سلمة، وقيل: من أم سلمة على سبيل الالتفات كأنها جردت من نفسها
أخرى، وأسندت إليها التغطية. وفي مسلم من حديث أنس أن ذلك وقع لعائشة.
ويمكن الجمع بينهما بأنهما كانتا حاضرتين عند سؤال أم سليم. (أَوَ تَحْتَلِم) بإثبات
همزة الاستفهام، وهو معطوف على مقدر يظهر من السياق، أي: أترى المرأة الماء
وتحتلم؟ ووقع في بعض النسخ بحذف الهمزة. (الْمَرْأَةُ) أي: ويكون لها مَنِيٌّ،
ويخرج منها كالرجل؟ وفيه: دليل على قلة وقوع الاحتلام من النساء. (قَالَ: نَعَمْ)
فيه: أن المرأة ترى ما يراه الرجل في منامه. (تَرِبَتْ يَمِينُك) في معنى هذه اللفظة
أقوال كثيرة، ذكر عشرة منها ابن العربي في ((شرح الترمذي))، والأصح الأقوى
الذي عليه المحققون أنها كلمة أصلها: لصقت بالتراب أي: افتقرت، ولكنها
جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر بها
بل يقصدون الإنكار والزجر واللوم ونحوه، أي: إن أم سليم فعلت ما يجب عليها
من السؤال عن دينها فلم تستحق الإنكار واللوم، واستحققت أنت الإنكار لإنكارك
ما لا إنكار فيه. (فَبِمَ) بالموحدة المكسورة، وأصله ((فَبِمَا)) حذفت ألف ما
الاستفهامية المجرورة. (يُشْبِهُهَا) من الأشباه. (وَلَدُهَا) بالرفع على الفاعلية أي:
في بعض الأحيان. وهو استدلال على أن لها منيا كما للرجل، والولد مخلوق
منهما، إذ لو لم يكن لها ماء، وخلق من ماءه فقط لم يشبهها.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْغَشْل
٣٣٩
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في العلم، والطهارة وبدأ الخلق، والأدب،
ومسلم في الطهارة لكن ليس في روايته لفظ: ((فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا)) بل إنما رواه
البخاري في العلم. والحديث أخرجه أيضًا مالك في ((الموطأ) والترمذي والنسائي
وابن ماجه، وأخرجه أيضًا مسلم وأبو داود من حديث أنس عن أم سليم، وسنذكر
روايتها. ووقعت هذه المسألة لنساء من الصحابيات: لخولة بنت حكيم عند أحمد
والنسائي وابن ماجه، ولسهلة بنت سهيل عند الطبراني، ولبسرة بنت صفوان عند
ابن أبي شيبه .
٤٣٨ - [٥] وَزَادَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةٍ أُمُّ سُلَيْم: ((إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ،
وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوَّ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ)). (صحيح)
الشَّرْحُ
٤٣٨ - قوله: (وَزَادَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةٍ أُمِّ سُلَيْم) روى مسلم عن أنس بن مالك: أن
أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله وَّل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل،
فقال رسول اللَّه ◌َله: ((إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ))، فقالتُ أمُّ سلمة: واستحييت
من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي اللَّه ◌َ له : «نَعْمَ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟
إِنْ مَاءَ الرَّجُلِ ... )) إلخ.
(إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ) هذا الوصف باعتبار
الغالب، وحال السلامة، واعتدال الحال؛ لأن مني الرجل قد يصير رقيقا بسبب
المرض، ومحمرًا بكثرة الجماع، وقد يبيض مني المرأة لفضل قوتها. (فَمِنْ
أَيِّهِمَا) بكسر الميم بعدها نون ساكنة، وهي الحرف المعروف، أي: أيُّ الماءين؟
ومن زائدة قاله الطيبي. (عَلَا) أي: غلب. (أَوْ سَبَقَ) يعني: غلب المني فيما إذا
وقع منيهما في الرحم معًا، أو سبق وقوع منيه في الرحم قبل وقوع مني صاحبه،
فأو للتقسيم لا للترديد قاله القاري. (يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ) بكسر الشين وسكون
الموحدة وبفتحهما لغتان، أي: شبه الولد بالأب أو الأم في المزاج، والذكورة،
(٤٣٨) ((الصَّحِيحَيْنِ))؛ البخاري (٢٨٢)، مسلم (٣١٣)
٣٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والأنوثة. وفي حديث أنس عند البخاري في قصة إسلام عبد الله بن سلام: ((إِذَا
سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ
الْوَلَدَ)). ووقع في حديث عائشة عند مسلم: ((إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشَّبَهَ الْوَلَدُ
أَخْوَالَّهُ، وَإِذَا عَلاَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ)).
قال الحافظُ: المراد بالعلوِّ هاهنا السبق؛ لأن من سبق فقد علا شأنه فهو علو
معنوي، وأما ما وقع عند مسلم من حديث ثوبان رفعه: «مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ
الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلاَ مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلاَ مَنِيُّ
الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ)). فهو مشكل من جهة أنه يلزم منه اقتران الشبه
للأعمام إذا علا ماء الرجل، ويكون ذكرا لا أنثى، وعكسه، والمشاهد خلاف
ذلك؛ لأنه قد يكون ذكرًا، ويشبه أخواله لا أعمامه، وعكسه، قال القرطبي: يتعين
تأويل حديث ثوبان بأن المراد بالعلوِّ السبق، قال الحافظ: والذي يظهرُ ما قدمته،
وهو تأويل العلو في حديث عائشة، وأما حديث ثوبان فيبقى العلو فيه على ظاهره
فيكون السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه، فيرتفع الإشكال،
وكان المرادُ بالعلوِّ الذي يكون سبب الشبه بحسب الكثرة بحيث يصير الآخر
مغمورًا فيه، فبذلك يحصل الشبه، وينقسم ذلك ستة أقسام:
الأول: أن يسبق ماء الرجل، ويكون أكثر فيحصل له الذكورة والشبه.
والثاني: عكسه.
والثالث: أن يسبق ماء الرجل، ويكون ماء المرأة أكثر فتحصل الذكورة والشبه
للمرأة.
والرابع: عكسه.
والخامس: أن يسبق ماء الرجل ويستويان فيذكر، ولا يختص بشبه. والسادس:
عكسه، انتهى.
٣٤١
بَابُ الْغَسْلِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
٤٣٩ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ رَ﴿َّا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَانَ إِذَا
اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ
أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَّ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ
غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ، ثُمَّ يُفْرِغُ
بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّةُ(*).
الشَّرُْ
٤٣٩- قوله: (إِذَا اغْتَسَلَ) أي: أراد الغسل. (مِنَ الْجَنَابَةِ) أي: من أجل
رفعها، أو بسبب حدوثها. (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) في حديث ميمونة مرتين، أو ثلاثًا،
وغسلهما يحتمل أن يكون للتنظيف مما بهما من مستقذر، ويحتمل أن يكون هو
الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه الزيادة التي رواها مسلم وغيره
بلفظ: ((قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ))، وزاد أيضًا: فيغسل فرجه. (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا
يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) فيه احتراز عن الوضوء اللغوي، وظاهره أنه يمسح رأسه أيضًا.
قيل: يحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل
أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء
عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدم غسل
أعضاء الوضوء تشريفًا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى.
قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول لقوله: ((ثم يفيض الماء على جلده كله)).
ثم اختلف في هذا الوضوء: فذهب الجمهور إلى أنه لا يجب الوضوء مع
الغسل، وقال داود وغيره: الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، ويلزم الجمع
بين الوضوء والغسل، وهو الراجح؛ لأن المراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ هو
(٤٣٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٢٤٨) فِيه.
(*) هُوَ عِنْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا.
٣٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ج
الاغتسال الشرعي الذي ثبت عن رسول اللَّه وَ له، وكذا المراد بقوله: ﴿فَأَطَّهَرُواْ﴾
هو التطهر الشرعي، فما جاء عن النبي وَل من بيان هيئة الغسل هو بيان للاغتسال
الشرعي المجمل الواجب الذي لا يتبين المراد منه إلا ببيانه وَ له فيكون واجبًا .
وظاهر قولها: ((كما يتوضأ للصلاة))، أنه يغسل الرجلين ولا يؤخر غسلهما إلى فراغ
الغسل، لكن وقع في رواية لمسلم: (ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ
رِجْلَيْهِ))، وفي رواية أبي داود الطيالسي: ((فإذَا فرَغَ غسل رجليه)). فإما أن يحمل
قولها: كما يتوضأ للصلاة على المجاز، بأن المراد يتوضأ أكثر الوضوء كما يتوضأ
للصلاة وهو ما سوى الرجلين، أو يحمل على ظاهره، ويكون المراد بقولها: ((ثُمَّ
غَسَلَ رِجْلَيْهِ))، في رواية مسلم أي: أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعدَ أن كانت
غسلهما في الوضوء، فيوافق قولها في رواية الكتاب: ثم يفيض على جلده كله.
(ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ) لتأخذ البلل ثم يخرجها. (فَيُخَلِّلُ بِهَا) أي: بأصابعه
التي أدخلها في الإناء لأنه أسهل لوصول الماء. (أُصُولَ شَعَرِهِ) أي: شعر رأسه،
ويدل عليه رواية البيهقي: ((يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول الشعر، ثم
يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك)). وقيل: المراد شعر لحيته ورأسه جميعًا، لعموم
قوله: أصول الشعر. (ثُمَّ يَصُبُّ) أي: الماء. (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ) بفتحتين،
وفي بعض النسخ غرف بضم المعجمة وفتح الراء، جمع غرفة، وهي قدر ما يغرف
من الماء بالكف، وفيه سنية التثليث في الصبِّ على الرأس، وألحق به غيره، فإن
الغسل أولى بالتثليث من الوضوء المبني على التخفيف. وقيل: لا يستحبُّ التكرار
في الغسل، والمراد من التثليث في هذه الرواية أن كل غرفة كانت في جهة من
جهات الرأس، فكان يقصد بالثلث الاستيعاب مرة لا التكرار مرات، وكون الغسل
أولى بالتثليث لا يخلو عن نظر؛ لأن في تثليث الغسل من الحرج ما ليس في تثليث
الوضوء.
(ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ) هذا التأكيد يدل على أنه عمم جميع جسده
بالغسل بعد ما تقدَّم، وهو يؤيد الاحتمال الأول أن الوضوء سنة مستقلة قبل
الغسل، لكن يعارضه ما وقع في بعض طرق هذا الحديث عند البخاري: ((ثم غسل
سائر جسده)). أي: بقيته؛ لأن السائر الباقي، ويحتمل أن يقال: أن ((سَائِرٍ)) هنا:
بمعنى الجميع جمعًا بين الروايتين.
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ الْغَسْلِ
cese
٣٤٣
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا الترمذي، وأبو داود، والنسائي وابن ماجه. (وَفِي
رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَبْدَأُ) أي: إذا أراد أن يغتسل يشرع. (فَيَغْسِلُ) ... إلخ قد ركّب
المصنف الألفاظ المذكورة من روايتين لمسلم، ففي رواية أبي معاوية عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله،
فيغسل فرجه. (بِشِمَالِهِ) ثم يتوضأ ... إلخ، وفي رواية زائدة عن هشام: بدأ فغسل
يديه قبل أن يدخل يده في الإناء ثم يتوضأ ... إلخ.
قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ
٤٤٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
لِلشَّبِيِّ وَِّ غُسْلًا، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ وَصَبُّ عَلَى يَدَيْهِ فَفَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ
عَلَى شِمَالِهِ فَفَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَّبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ
وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ
تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ]
الشَّرْجُ
٤٤٠- قوله: (غُسْلًا) بضم الغين المعجمة وسكون المهملة، أي: ماء
الإغتسال. (فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ) أي: ضربت له سترًا يغتسل وراءه لئلا يراه أحد. وفيه:
مشروعية التستر في الغسل ولو في البيت. (فَغَسَلَهُمَا) أي: إلى رسغيه. (فَغَسَلَ
فَرْجَهُ) أي: بشماله. (فَضَرَبَ بِيَدِهِ) أي: اليسرى. (فَمَسَحَهَا) أي: الأرض لأجلٍ
إزالة الرائحة من اليد، أو للمبالغة في التنظيف، وتعليمًا للأمة. (فَمَضْمَضَ
وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ) قال عياض: لم يأت في شيء من الروايات في
وضوء الغسل ذكر التكرار.
قال الحافظُ: بل قدر ورد ذلك من طريق صحيحه أخرجها النسائي والبيهقي من
رواية أبي سلمة عن عائشة: أنها وصفت غسل رسول اللَّه وَلهل من الجنابة،
الحديث. وفيه: ((ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا ويديه
(٤٤٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِيُّ (٢٧٦)، ومُسْلِمٌ (٣٧/ ٣١٧) عَنْهَا فِيهِ.
٣٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثلاثًا، ثم يفيض على رأسه ثلاثًا)). (ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ) ظاهره أنه ◌َّ لم يمسح
رأسه كما يفعل في الوضوء اكتفاءً بالغسل عن المسح في الوضوء. قال الحافظُ: لم
يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء،
وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا تمسح فيه الرأس بل يكتفي عنه
لغسلها، انتھی.
قلتُ: ظاهر قوله في روايات عائشة في صفة الغسل: ((يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ)).
أنه يمسح رأسه أيضًا، فيحتملُ أن ترك المسح في حديث ميمونة من اختصار
الرواة، والله أعلم. (ثُمَّ تَنَخَّى) أي: تبعد. (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ) وفي رواية للبخاري:
((توضأ رسول اللّه وَ له وضوءه للصلاة غير رجليه ... ))، الحديث. وفي آخره: ثُم
نحى رجليه فغسلهما. وفيه: التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره،
وهو مخالف لظاهر رواية عائشة المتقدمة: ((ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ»، ويمكنُ
الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز كما تقدم، وإما بحمله على حالة
أخرى، فكان يغسلهما أحيانًا أي: إن لم يكن واقفًا في المستنقع بل على لوح، أو
حجر، أو مكان مرتفع، ويؤخرهما إلى الفراغ من الغسل أحيانًا، أي: إذا كان
واقفًا في المستنقع، وأخذ منه جواز تفريق أعضاء الوضوء. قال مالك: إن كان
المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في
الأفضل قولان أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه.
(فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا) أي: أردت إعطاءه لينشف به أعضاءه. (فَلَمْ يَأْخُذْهُ) أي: الثوب إما
لكونه مستعجلا أو لأن الوقت كان حرًّا، والبلل مطلوب، أو لشيء رآه في الثوب
من حرير، أو وسخ، ومع هذه الاحتمالات في الحديث لا يصلح أن يكون دليلاً
على كراهة التنشيف. (فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ) فيه جواز نفض اليدين من ماء
الغسل قال الحافظُ: وكذا الوضوء، وقد عارضه حديث: ((لَا تَنْفِضُوا أَبْدِیَكُمْ فِي
الْوَضُوءِ؛ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ)). أخرجه ابن حبان في ((الضعفاء))، وابن أبي حاتم
في العلل من حديث أبي هريرة إلا أنه حديث ضعيف جدًّا لو لم يعارضه هذا
الحديث الصحيح لم يكن صالحًا لأن يحتج به.
وفيه: دليل على طهارة الغسالة؛ لأن النفض لا يخلوا عن إصابة الرشاش
٣٤٥
بَابُ الْغَسْلِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بالبدن. وحديث عائشة المتقدم وحديث ميمونة هذا مشتملان على بيان كيفية
الغسل من ابتداءه إلى إنتهاءه، فإبتداءه غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، ثم غسل
الفرج، ثم دلك اليد بالأرض وغسلها، ثم الوضوء ثم صب الماء على الرأس، ثم
إفاضته علی الجسد كله.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في مواضع تسعة من كتاب الطهارة، وأخرجه أيضًا
أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وليس لأحمد والترمذي نفض
اليدين. (وَلِفْظُّهُ لِلْبُخَارِيِّ) في باب نفض اليدين من غسل الجنابة.
٤٤١ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ◌َه
عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ؟ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ ثُمَّ قَالَ: ((خُذِي فِرْصَةً مِنْ
مِسْكِ فَتَطَهَّرِي بِهَا)) قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: ((تَطَهَّرِي بِهَا)) قَالَتْ:
كَيْفَ أَتَطَهَّر بِهَا؟ قَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي)) فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَّبِعِي بِهَا
أَثَرَ الدَّمِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٤٤١ - قوله: (إِنَّ امْرَأَةً) من الأنصار قيل: هي أسماء بنت شكل الأنصارية.
(مِنَ الْمَحِيضِ) مصدر ميمى أي: من أجل انقطاع حيضها. (فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ)
سكت في هذه الرواية عن بيان كيفية الاغتسال، وهي مذكورة مشرحة في رواية
أخرى، فقد أخرج مسلم عن إبراهيم بن المهاجر، عن صفية، عن عائشة، أن
أسماء سألت النبيِ وَّ عن غسل المحيض، فقال: ((تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا
فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُئُونَ
رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً)). الحديث.
(ثُمَّ قَالَ) أي: بعد تعليمها كيفية الاغتسال. (فِرْصَةً) بكسر الفاء، وحكى ابن
سيدة تثليثها، وبإسكان الراء وإهمال الصاد، قطعة من صوف، أو قطن، أو جلدة
عليها صوف، وحكى أبو داود أن في رواية أبي الأحوص ((قَرْصَةً)) بفتح القاف،
(٤٤١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣١٤)، ومُسْلِم (٦٠ / ٣٣٢) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِيهِ.
٣٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ووجه المنذري فقال: يعني شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين. (مِنْ مِسْكِ)
بكسر الميم، وهو طيب معروف، أي: خذي قطعة من صوف مطيبة من مسك،
وقيل: بفتح الميم وهو الجلد، أي: خذي فرصة كائنة من جلد، ويؤيد الكسر،
وأن المراد التطيب ما في الرواية الأخرى ((فِرْصَةً مُمَسَّكَةً)) ويقوي الكسر أيضًا ما
في رواية عبد الرزاق حيث وقع عنده ((مِنْ ذرِيرَةٍ) والمقصود باستعمال الطيب تطيب
المحل، ودفع الرائحة الكريهة، ورجّح بعضُهم فتح الميم بأنهم كانوا في ضيق
يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، وفيه أنه لا وجه لاستبعاده لما عرف من
شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه،
فإن فقدت المسك استعملت ما يخلفه في طيب الريح فإن لم تجد فمزيلًا كالطين،
وإلا فالماء كاف. (فَتَطَهَّرِي بِهَا) أي: فتنظفي وتطيبي بها، أيٍ: فاستعمليها في
الموضع الذي أصابه الدم حتى يصير مطيبًا. (قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ) تعجبًا من عدم
فهمها المقصود فأراد بقوله: سبحان اللَّه التعجب، ومعنى التعجب هاهنا، أنه
كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر أو تصريح؟!
ووقع في رواية: اسْتَحْيَى وَأَعْرَضَ. وللإسماعيلي: فلما رأيتُهُ استحيي علَّمْتُها.
وإنما كرر الجواب مع كونها لم تفهمه أولًا، لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه
بوجهه عند قوله: (تَطَهَّرِي)) أي: في المحل الذي يُستحيي من مواجهة المرأة
بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت عائشة ذلك عنه
فتولت تعليمها. (فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ) أي: قربتها إلى نفسي. (تَتَبَّعِي) من التتبع بتشديد
الباء. (بِهَا) أي: الفرصة الممسكة. (أَثَرَ الدَّم) أي: اجعليها في الفرج، وحيث
أصابه الدم، ففي رواية الإسماعيلي: تَتَبَّعِي بِهَاَ مَوَاضِعَ الدَّمِ. وزاد الدارمي: وهُوَ
يسمعُ فلا يُنْكِر. وفيه: صحة العرض على المحدث إذا أقره ولو لم يقل عقبه نعم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الطهارة، وفي الاعتصام، ومسلم في الطهارة.
ولفظ البخاري في باب دلك المرأة نفسها .. إلخ، أن امرأة سألت النبي وَّ عن
غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: ((خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكِ فَتَطَهَّرِى
بِهَا)). قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: ((تَطَهَّرِي بِهَا)). قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: ((سُبْحَانَ
اللَّهِ تَطَهَّرِي)». فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ .. إلخ. والحديثُ أخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود
والنسائي وابن ماجه.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْغَسْلِ
٣٤٧
٤٤٢ - [٩] وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ
ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: ((لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيْ عَلَى
رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُّفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٤٤٢- قوله: (أَشُدُّ) بفتح الهمزة وضم الشين أي: أحكم. (ضَفْرَ رَأْسِي)
بفتح الضاد المعجمة وإسكان الفاء إما مصدر وهو نسج الشعر أو غيره، والضفير
مثله، وإما أن يكون اسمًا للمضفورة. قال في ((اللسان)): ويقال للذؤابة: ضفيرة،
وكل خصلة من خصل شعر المرأة تضفر على حدته، وجمعها ضفائر. قال ابن
سيده: والضفر كل خصلة من الشعر على حدتها، ثم قال: والضفيرة كالضفر،
انتهى. وقال النووي: بفتح الضاد وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في
رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين، والفقهاء، وغيرهم، ومعناه: أحكم
فتل شعري .
(أَفَأَ نْقُضُهُ) أي: أفرقه، يعني: أيجب على شرعًا نقضه أم لا؟ وإلا فهي مخيرة.
(لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ) أي: لأجله حتى يصل الماء إلى باطنه. وفي رواية مسلم: أفأنقضه
للحيضة والجنابة؟ (فقال: لا) أي: لا يجب، لا أنه لا يجوز. (إِنَّمَا يَكْفِیك) بکسر
الكاف. (أَنْ تَحْثِي) بسكون الياء لأنها ياء الخطاب للمؤنث، والنون محذوفة على
إعمال أن الناصبة، ولا يجوزُ نصب الياء، من حثا يحثو حثوًا، وحتي يحثي حثيًّا،
واوي ويائي، قال في ((اللسان)): والياء أعلى وهو الرمي، ووقع في بعض نسخ
النسائي: ((أَنَّ تَحْثِينَ)) بإثبات النون، قال السندهي: وكأنه على إهمال ((أَنْ)) تشبيهًا
لها بما المصدرية، وقد ورد مثل ذلك في الحديث كثيرًا، وارجع إلى شواهد
((التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) (ص١١٧، ١١٨).
(حَثَيَاتٍ) بفتحات أي: حفنات، يعني: ثلاث غرف بيديه واحدها حثية قاله في
((النهاية)) و((اللسان)). (ثُمَّ تُفِيضِينَ) بإثبات النون، والتقدير: أنت تفيضين، فيكون
(٤٤٢) مُسْلِم (٥٨/ ٣٣٠)، وَالتِّرْ مِذِي (١٠٥) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَّا فِيهِ.
٣٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من باب عطف الجمل، قاله القاري. وقيل: جاء على لغة من يرفع الفعل بعد أن
حملًا على أختها. والحديث: دليل على أنه لا يجب على المرأة نقض الضفائر في
غسل الجنابة، ولا في غسل الحيض بل يكفيها أن تصب على رأسها ثلاث حفنات،
ويدل عليه أيضًا ما رواه أحمد ومسلم عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن
عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن، فقالت: يا عجبًا لابن
عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رؤسهن، أو ما يأمرهن أن يحلقن رؤسهن،
الحدیث.
وأما ما تقدم من حديث عائشة - أي: في ((المنتقى)) - في صفة غسل المرأة من
المحيضٍ بلفظ: ((ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا)).
فلا يدلّ على نقض الضفائر، ولا على وجوب بَلِّ داخل الشعر ولو سلم فهو
محمول على العزيمة والندب، وحديث أم سلمة على الرخصة جمعًا بين الأدلة،
وأما حديث عائشة أن النبي ◌َّ قال لها - وكانت حائضًا -: ((انْقُضِي شَعْرَكِ،
وَاغْتَسِلِي)) أخرجه الأئمة الستة، وهذا لفظ ابن ماجه، وفي رواية للبخاري:
((انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِك)). فهو وارد في مندوبات
الإحرام، والغسل في تلك الحالة للتنظيف لا للصلاة، والنزاع في غسل الصلاة،
ذكره الشوكاني في ((النيل))، وقال في ((السيل الجرار)): واختصاص هذا بالحج لا
يقتضي ثبوته في غيره، ولا سيما وللحج مدخلة في مزيد التنظيف، ثم اقترانه
بالا متشاط الذي لم یو جبه أحد يدل على عدم وجوبه.
وأما ما رواه الدار قطني في ((الأفراد))، والبيهقي في ((السنن الكبرى))، والطبراني
في ((الكبير)) من حديث أنس مرفوعًا: ((إِذَا اغْتَسَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضَتِهَا نَقَضَتْ
شَعْرَهَا نَقْضًا وَغَسَلَتْهُ بِخِطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ، فَإِذَا اِغْتَسَلَتْ مِنْ الْجَنَابَةِ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا
الْمَاءِ وَعَصَرَتْهُ)). فقد تفرَّد به مسلمُ بنُ صبيح اليحمدي وهو مجهول، وهو غير أبي
الضحى مسلم بن صبيح المعروف، فإنه أخرج له الجماعة كلهم، وأيضًا اقترانه
بالغسل بخطمي وأشنان يدل على عدم الوجوب فإنه لم يقل أحد بوجوب الخطمي
ولا الأشنان، انتهى.
وهذا كلُّه في حقِّ المرأة، وأما الرجل فيجب عليه نقض شعره المضفور، وبل
ظاهره وباطنه، أي: داخله إذا لم يصل الماء إلى أصول الشعر إلا بالنقض لحديثي
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْغَسْل
٣٤٩
أبي هريرة، وعلي الآتيين في الفصل الثاني، ولحديث ثوبان: أنهم استفتوا النبي
وَ فقال: ((أَمَّا الرَّجُلُ فَلْيَتْشُرْ رَأْسَهُ فَلْيَغْسِلْهُ حَتَّى يَبْلُغَ أُصُولَ الشَّعْرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلاَ
عَلَيْهَا أَنْ لاَ تَنْقُضَهُ، لِتَغْرِفْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلاَثَ غَرَفَاتٍ بِكَفَّيْهَا» .
قال ابنُ القيم: هذا الحديث رواه أبو داود من حديث إسماعيل بن عياش، وهذا
إسناد شامي، وحديثه عن الشاميين صحيح. وقال الشوكاني: أكثر ما علل به أن في
إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من مروياته عن الشاميين، وهو قوي فيهم
فيقبل، انتهى. هذا وارجع للتفصيل إلى ((غاية المقصود شرح سنن أبي داود)).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٤٤٣ - [١٠] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ
بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٤٤٣- قوله: (كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ) الصاع: أربعة أمداد بمد
النبيِ وَّ، والمد: رطل وثلث بالعراق فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا برطل
عراق، وإليه ذهب أبو يوسف، ومالك، والشافعي، وأحمد، وخالفهم أبو حنيفة
ومحمد، فقالا: المد رطلان، والصاع ثمانية أرطال، ولا حجة لهما على ما ذهبا
إليه، ولذلك ترك أبو يوسف مذهبه، واختار مذهب الأئمة الثلاثة، ولمالك مع
أبي يوسف فيه قصة مشهورة رواها البيهقي بإسناد جيد، وارجع للتفصيل إلى ((شرح
الترمذي)) (ج ١ ص١٥٩ - ١٦٠) لشيخنا العلامة الأجل المباركفوري. والحديث:
يدل على كراهة الإسراف في الماء للوضوء والغسل، واستحباب الاقتصاد، وهو
مجمع عليه .
(إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ) بيان لغايته، حاصله أنه لم ينقص عن أربعة أمداد ولم يزد
على خمسة أمداد، يعني: أنه ربما اقتصر على الصاع، وربما زاد عليه إلى خمسة،
(٤٤٣) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٠١)، ومُسْلِم (٥١/ ٣٢٥) عَنْ أَنَسٍ فِيهِ.
٣٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فكأن أنسًا لم يطلع على أنه استعمل في الغسل أكثر من ذلك؛ لأنه جعلها النهاية،
وقد روى مسلم من حديث عائشة، أنه كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا
من ذلك. وروى الشيخان عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول اللّه وَل من إناء
واحد من قدح يقال له: الفرق. وفي رواية: كان يغتسل من إناء واحد يقال له
الفرق. والفرق ثلاثة آصع أي: ستة عشر رطلًا بالعراق.
فهذا يدلُّ على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة، وقد اختلفت الروايات في
الوضوء أيضًا، ففي حديث عبد الله بن زيد عند ابن خزيمة، وابن حبان،
والحاكم: أن النبي وَ لّ أتى بثلثي مد من ماء، فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه. وفي
حديث أنس عند أحمد، وأبي داود: كان النبي ◌َّليل يتوضأ بإناء يكون رطلين. وفي
هذه الأحاديث رد على من قدر وضوئه وغسله ◌َله بما في حديث أنس الذي ذكره
المؤلف من رواية الشيخين، وحمله الجمهورُ على الاستحباب؛ لأن أكثر من قدر
وضوءه وغسله ◌َّله من الصحابة قدرهما بذلك وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة،
وهو أيضًا في حق من يكون خلقه معتدلاً .
قال الشوكاني: القدر المجزئ عن الغسلِ ما يحصل به تعميم البدن على الوجه
المعتبر، وسواء كان صاعًا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى
مستعمله مغتسلًا، أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الإسراف، وهكذا
الوضوء، القدر المجزئ ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مدًّا أو أقل أو
أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد السرف أو النقصان إلى حد ما لا يحصل به
الواجب. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث
سفينة، وأبو داود من حديث عائشة بنحوه.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْغَسْل
٣٥١
٤٤٤ - [١١] وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ رِ﴿َ: كُنْتُ أَعْتَسِلُ أَنَا
وَرَسُولُ اللَّهِ إِ لّهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ؛ فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ
لِي. قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٤٤٤ - قوله: (وَعَنْ مُعَاذَةَ) بضم الميم هي معاذة بنت عبد الله العدوية أم
الصهباء البصرية العابدة، ثقة حجة، تابعية، روت عن عائشة وعلي. يقال: إنها لم
تتوسد فراشًا بعد أبي الصهباء حتى ماتت. قال الذهبي: بلغني أنها كانت تحيي
الليل وتقول: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في القبور. توفيت سنة
(٨٣).
(أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ) بالنصبِ على أن يكون مفعولًا معه، والرفع على أن يكون
عطفًا على الضمير، وإبراز الضمير ليصح العطف، وهو من باب تغليب المتكلم
على الغائب لكونها هي السبب في الاغتسال، فكأنها أصل في الباب. (مِنْ إِنَاءٍ
وَاحِدٍ) من قدح يقال له: الفرق، كما في رواية البخاري، والفرق ثلاثة آصع.
(بَيْنِي وَبَيْنَهُ) أي: يوضع الإناء بيني وبينه وهو واسع الرأس، فنجعل أيدينا ونأخذ
الماء للاغتسال به. (فَيُبَادِرُنِي) أي: يسبقني لأخذ الماء، زاد النسائي: وَأُبَادِرُهُ. قال
الأشرف: ليس المعنى أنه يبادرني ويغتسل ببعضه ويترك الباقي فأغتسل منه، بل
المعنى أنهما اغتسلا منه معًا كما ورد في رواية أخرى: (نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا)». وفي
رواية: ((تختلف أيدينا فيه وتلتقي)). (دَعْ لِي دَعْ لِي) أي: اترك لي ما أكمل غسلي،
والتكرار للتأكيد أو للتعديد. (قَالَتْ) أي: معاذة. (وَهُمَا) أي: النبي ◌َّ وعائشة
◌ُّا (جُنُبَانِ) بضم الجيم والنون تثنية جنب. وفي الحديث دليل على جواز اغتسال
الرجل والمرأة من إناء واحد معًا، ونقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق
على ذلك. وفيه أيضًا جواز اغتراف الجنب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من
(٤٤٤) مُسْلِم (٤٦ / ٣٢١) بِلَفْظِ: ((فَيُبَادِرَنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي))، وَلِلنَّسَائِيِّ (١/ ٢٠٢): ((يُبَادِرُنِي،
وَأَبَادِرُهُ حَتَّى يَقُولَ وَهَ: (دَعِي لِي))، وأقول: ((دَعْ لِي)). وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ ((المِشْكَاةِ)).
٣٥٢
*٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التطهير بذلك الماء، ولا بما يفضل منه، سواء فيه الرجل والمرأة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: على أصلِ الحديثِ، واللفظُ لمسلمٍ، وأخرجَهُ أيضًا النسائي،
وقال السيد جمال الدين: قوله: ((متفق عليه))، فيه نظر؛ لأن البخاري لم يقل:
((فيبادرني حتى أقول: دَعْ لِي دَعْ لِي)) وإنما هو من أفراد مسلم.
12
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْغَسْل
٣٥٣
الفصل الثاني
٤٤٥ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ
الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا؟ قَالَ: ((يَغْتَسِلُ))، وَعَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ قَدِ
احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ بَلَلًّا؟ قَالَ: (لَا غُسْلَ عَلَيْهِ)). قَالَتَّ أُمَّ سُلَّيم: هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ
تَرَى ذَلِكَ غُسْلٌ؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ). [رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: (لَا غُسْلَ عَلَيْهِ))] (صحيح - ذكره الألباني}
الشَّرْحُ
٤٤٥ - قوله: (يَجِدُ الْبَلَلَ) بفتحتين أي: رُطوبة المني على بدنه، أو في ثوبه،
وذلك لأن المسئول عنه إنما هي بلة المني لا مطلق البلة بقرينة الحال، إذ لم يقل
أحد بوجوب الغسل على المنتبه من النوم برؤية بلل البول، فكذا المذي. (وَلَا
يَذْكُرُ احْتِلَامًا) أي: لا يذكر أنه جامع في النوم. (قَالَ: يَغْتَسِلُ) خبر بمعنى الأمر
وهو الوجوب، وفيه: دليل على اعتبار مجرد وجود المني في إيجاب الاغتسال على
المنتبه من النوم، سواء انضم إلى ذلك ظن الشهوة، أم لا. قال ابن قدامة: لا نعلم
فيه خلافًا، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وغيرهم، لكن قال ابن رسلان: لا
يجبُ عند الشافعي الغسل حتى يذكر التنبه من النوم أنه جامع أحدًا في النوم.
(يَرَى) بفتح الياء أي: يعتقد، وبضمها أي: يظن. (أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ بَلَلَا؟ قَالَ:
لَا غُسْلَ عَلَيْهِ) أي: لا يجب عليه الغسل، لأن البلل علامة ودليل، والنوم لا عبرة
به، فالمدار على البلل، سواء تذكر الاحتلام أم لا، وهذا لم يختلف فيه أحد، وقد
حكى عليه الإجماع ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما، وأما إذا رأى المستيقظ بلاًا،
ولم يعلم أنه مني أو مذي، فالأحوط عندي وجوبًا أن يغتسل لظاهر الحديث، وهو
مختلف فيه بين الأئمة جدًّا، حتى عند الحنفية أيضًا، فقد ذكر ابن عابدين في ((ردِّ
المحتار)) (ج١: ص١٥١) أربعة عشر وجهًا في المسألة. (تَرَى ذَلِكَ) أي: البلل.
(٤٤٥) أَبُو دَاوُد (٢٣٤)، وَالتِّرْمِذِي (١١٣)، وَابن مَاجَهْ (٦١٢) عَنْ عَائِشَةَ، كُلُّهُمْ فِيهِ.
٣٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(إِنَّ النِّسَاءَ) بكسر الهمزة استئناف في معنى التعليل. (شَقَائِقُ الرِّجَالِ) أي:
نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطبائع فكأنهن شققن من الرجال، يعني: فيجب
على المرأة الغسل برؤية البلل بعد النوم كالرجل.
قال الخطابي: فيه من الفقه: إثبات القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير، فإن
الخطاب إذا ورد بلفظ المذكر كان خطابًا للنساء، إلا مواضع الخصوص التي قامت
أدلة التخصيص فيها انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٥٦) والحديث قد
تفرَّد به عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وهو صدوق
في حفظه شيء. قال الترمذيُّ: إنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر عن
عبيد الله بن عمر، وعبد الله ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث،
لكن أصل القصة معروفة في ((الصحيحين)) وغيرهما من حديث أم سلمة، وهو
ثالث أحاديث الفصل الأول، ونحوه من حديث عائشة في مسلم أيضًا وأبي داود،
ومن حديث أم سليم عند أحمد (ج ٦: ص٣٧٧)، ومن حديث أنس عند مسلم
أيضًا والدارمي، فهذه الروايات شاهدة لحديث عائشة من رواية عبد الله بن عمر
العمري، وقد سکت عنه أبو داود.
٤٤٦ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا جَاوَزَ
الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ)) فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ فَاغْتَسَلْنَا.
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٤٤٦- قوله: (إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ) الأول بالرفع والثاني بالنصب،
والمراد بالختان هاهنا موضع الختن، والختن من الرجل قطع ما يغطي الحشفة
بحيث إذا قطع ظهرت الحشفة، ومن المرأة قطع جلدة في أعلى فرجها مجاورة
(٤٤٦) التِّرْمِذِي (١٠٨) (١٠٩) وَصَخَّحَهُ، وَابن مَاجَهْ (٦٠٨) عَنْ عَائِشَةَ فِيهِ.
كِتّابُ الطّهَارَةِ
بَابُ الْغَسْل
*
egg
٣٥٥
WIRE
لمخرج البول كعُرف الديك، وذلك لأن مدخل الذكر هو مخرج الولد، والمني،
والحيض، وفوقه مخرج البول، وبينهما جلدة رقيقة، وفوق مخرج البول جلدة
رقيقة يقطع منها في الختان، ويسمى موضع الختن من المرأة الخفاض، أطلق عليه
الختان مشاكلة. والمراد بمجاوزة الختان الختان، الجماع، وهو غيبوبة الحشفة
في فرجها، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ((إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ،
وَتَوَارَتِ الحَشَفَةُ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ))، أخرجه ابن ماجه، وابن أبي شيبة. (وَجَبَ
الْغُسْلُ) وإن لم ينزل، والحديث نص في أن الغسل يجب بمجرد مجاوزة الختان
الخفاض، أي: الإيلاج، ولا يتوقف على الإنزال، وإليه ذهب الجمهور وهو
الصواب. (فَعَلْتُهُ) الضمير راجع إلى مصدر جاوز. (وَرَسُولُ اللَّهِ) بالرفع أو
النصب. (فَاغْتَسَلْنَا) ظاهره أنها تعني بغير الإنزال، وأنه ناسخ لمفهوم حديث ((إِنَّمَا
الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ)) .
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) أخرج التر مذي أولًا حديث عائشة هذا بتمامه موقوفًا من قولها،
وكذا أخرجه الشافعي في ((اختلاف الحديث))، وأحمد في ((المسند)) (ج١ :
ص١٦١) وابن ماجه، ثم أخرجه الترمذي مرفوعًا بسند آخر، وليس فيه: فعلته أنا
ورسول اللَّه وَ لَه فاغتسلنا. بل اقتصر على الجملة الأولى: ((إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ
وَجَبَ الْغُسْلُ)) وكذا اقتصر عليه البغوي في (المصابيح))، والمصنف ركب المرفوع
والموقوف، أو جعل الموقوف مرفوعًا، وهذا خطأ منه. وأخرج المرفوع أيضًا
الشافعي في ((اختلاف الحديث))، وفي ((الأمِ))، وأحمد في ((المسند)) من طرق.
وقال الترمذي بعد رواية المرفوع: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وصححه
أيضًا ابن حبان، وابن القطان، وأصله في مسلم بلفظ : ((إِذَا جَلَسَ بَيْنِ شُعَبِهَا الأَرْبَع
وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)).
٣٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٤٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَئِ: («تَحْتَ كُلِّ
شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ
الرَّاوِي، وَهُو شَيْخٌّ لَيْسَ بِذَاكَ] {ضعيف}
الشَّرُْ
٤٤٧- قوله: (تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ) كناية عن شمول الجنابة تمام البدن
الذي هو محل الشعر عادة، ولذلك رتب عليه قوله: (فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا
الْبَشَرَةَ) وإلا فكون الجنابة تحت كل شعرة، يقتضي وجوب إيصال الماء إلى ما
تحت الشعر، ولا يقتضي غسل الشعر وإنقاء الجلد، قاله السندهي. (فَاغْسِلُوا
الشَّعْرَ) بسكون العين وفتحها، أي: جميعه، فلو بقيت شعرة واحدة لم يصل إليها
الماء بقيت جنابته. وظاهر الحديث يوجب نقض القرون والضفائر إذا أراد
الاغتسال من الجنابة؛ لأنه لا يكون شعره مغسولًا إلا أن ينقضها، وهذا الحكم
بعمومه يشتمل الرجال والنساء، لأن النساء شقائق الرجال، لكن رخصَّ النساء في
ترك ضفر رؤسهن كما تقدم، والعلة في دفع الحرج عنهن، فحكم الرجال مغائر
للنساء، فحديث أبي هريرة هذا مخصوص بالرجال، وكذا حديث علي الذي
يتلوه. (وأنقوه) من الإنقاء. (الْبَشَرَةَ) أي: نظفوها من الأوساخ، لأنه لو منع شيء
من ذلك وصول الماء لم يرتفع الجنابة. والبشرة بفتح الباء والشين، ظاهر جلد
الإنسان، وفي حديث أبي هريرة هذا وحديث علي الآتي دليل على وجوب
المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة لما في داخل الأنف من الشعر، ولأن
داخل الفم من البشرة، واحتج به على وجوب الدلك في الغسل، فإنه فسر صاحب
المصباح الإنقاء بالتنظيف ومعلوم أن التنظيف لا يكون إلا بالدلك. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
وضعفه. (والترمذي وابن ماجه) وأخرجه البيهقي (ج١: ص١٧٥). (وقال
الترمذي: هذا حديث غريب) لأنه تفرد به الحارث عن مالك بن دينار.
(٤٤٧) أَبُو دَاوُد (٢٤٨)، وَالتِّرْ مِذِي (١٠٦)، وَابن مَاجَهْ (٥٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد:
ضَعِيفٌ.
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ الْغَسْلِ
٣٥٧
قال الحافظُ: مداره على الحارث بن وجيه وهو ضعيف جدًّا، قال أبو داود:
والحارث حديثه منكر وهو ضعيف، وقال الشافعي: الحديث ليس بثابت، وقال
البيهقي: أنكره أهل العلم بالحديث البخاري، وأبو داود، وغيرهما. (والحارث
بن وجيه) بكسر الجيم وبعدها ياء تحتية مثناة، ويقال: ابن وجبة باسكان الجيم
وفتح الباء الموحدة.
(وَهُوَ شَيْخٌ لَيسَ بِذَاَ) الظاهر أن قوله: ((الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ)) مبتدأ خبره ((لَيْسَ
بِذَاَكَ)) وقوله: (وَهُوَ شَيْخٌ) حال أو اعتراض، وهو خلاف نص عبارة الترمذي في
جامعه ففيه ((حديث الحارث بن وجيه)) حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه ((وهو
شيخ ليس بذاك)) قال الطيبي: أي: شيخ كبير غلب عليه النسيان، ليس بذاك المقام
الذي يوثق به، يعني روايته ليست بقوية. وقال القاري: وظاهره يقتضي أن
قوله: ((وَهُوَ شَيْخٌ)) للجرح، وهو مخالف لما عليه عامة أصحاب الجرح والتعديل
من أن قولهم (شَيْخٌ)) من ألفاظ مراتب التعديل فعلى هذا يجيء إشكال آخر في قول
الترمذي، لأن قولهم ((لَيْسَ بِذَاكَ)) من ألفاظ الجرح اتفاقًا، فالجمع بينهما في
شخص واحد جمع بين المتنافيين، فالصواب أن يحمل قوله: ((وَهُوَ شَيْخٌ)) على
الجرح بقرينة مقارنته بقوله: ((لَيْسَ بِذَاَكَ)) وإن كان من ألفاظ التعديل، ولإشعاره
بالجرح لأنهم وإن عدوه من ألفاظ التعديل صرحوا أيضًا بإشعاره بالقرب من
التجريح، أو نقول: لابد في كون الشخص ثقة من شيئين: العدالة والضبط، كما
بين في موضعه، فإذا وجد في الشخص العدالة دون الضبط، يجوز أن يعدل باعتبار
الصفة الأولى، ويجوز أن يجرح باعتبار الصفة الثانية، فإذا كان كذلك لا يكون
الجمع بينهما جمعًا بين المتنافيين، كذا في حاشية السيد جمال الدين، ذكره
القاري في ((المرقاة)). وقيل: الشيخ هنا بمعنى العالم فإنه يطلق على الأستاذ
والعالم وكبير القوم ورئيس الصناعة، وعلى من كان كبيرًا في أعين القوم علمًا أو
فضيلةً أو مقامًا أو نحو ذلك.