Indexed OCR Text
Pages 161-180
DONE
١٦٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، ويزيد هذا
وثقه أحمد بن صالح المصري، ويعقوب بن سفيان، وقال شعبة: ما أبالي إذا كتبت
عن يزيد بن أبي زياد أن لا أكتب عن أحد، وضعفه الأكثرون من قبل أنه لما كبر ساء
حفظه، وتغير واختلط، وصار يتلقن، فوقعت المناكير في حديثه، وجاء
بالعجائب، فسماع من سمع منه قبل التغير صحيح، والظاهر: أن الترمذي إنما
صحح حديث يزيد هذا؛ لأنه لم يخالف فيه أحدًا، بل روى غيره کروايته، فقد
روى أحمد وأبو داود والنسائي والطيالسي من طريق ركين بن الربيع عن
حصين بن قبيصة، وأحمد أيضًا من طريق جواب التيمي عن يزيد بن شريك
التيمي، ومن طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، كلهم عن علي
بنحوه. وقد صحَّح التر مذيُّ حديث يزيد هذا في مواضع أخرى أيضًا، ولعل ذلك
بمشاركة الأمور الخارجة عن نفس السند من اشتهار المتون ونحو ذلك.
٣١٣ - [١٣] وَعَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ: ((مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ،
وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتَّْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] (حسن}
الشَّرْحُ
٣١٣- قوله: (مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ) بضم الطاء، أي: التطهر بالماء أو
التراب، وهذا للقادر على الطهورين، وأما فاقدهما فسيأتي حكمه. (وَتَحْرِيمُهَا
التَّكْبِيرُ ... ) إلخ أي: تحريم ما حرم الله فيها من الكلام والأفعال، وتحليل ما حلَّ
خارجها من الكلام والأفعال، فالإضافة لأدنى ملابسة، وليست إضافة إلى
القبول(*) لفساد المعنى، والمراد بالتحريم والتحليل المحرم والمحلل، على
إطلاق المصدر بمعنى الفاعل مجازًا، ثم اعتبار التكبير والتسليم محرمًا ومحللا
مجاز، وإلا فالمحرم والمحلل هو اللَّه تعالى.
ويمكن أن يكون التحريم بمعنى الإحرام، أي: الدخول في حرمتها، ولابد من
(٣١٣) أَبُو دَاوُد (٦١)، وَالتِّرْ مِذِي (٣)، وَابن مَاجَهْ (٢٧٥) كُلُّهُمْ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ◌َ ◌ّهُ .
(*) كذا في حاشية ابن ماجه للسندهي في الطبعتين العلمية والتازية، فليحرر.
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٦١
تقدير مضاف، أي: آلة الدخول في حرمتها التكبير، وكذا التحليل بمعنى الخروج
عن حرمتها، والمعنى: أن آلة الخروج عن حرمتها التسليم.
والحديث كما يدل على أن باب الصلاة مسدود ليس للعبد فتحه إلا بطهور،
كذلك يدل على أن الدخول في حرمتها لا يكون إلا بالتكبير، والخروج لا يكون إلا
بالتسليم، وهو مذهب الجمهور. وارجع لتفصيل الاختلاف في مسألتي التكبير
والتسليم مع الدلائل إلى (شرح الترمذي)) لشيخنا العلامة المباركفورى،
و((المغني)) لابن قدامة المقدسي.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا الشافعي وأحمد والبزار وابن
ماجه، وصححه الحاكم وابن السكن، كلهم من حديث عبد الله بن محمد بن
عقيل، عن ابن الحنفية عن علي. وابن عقيل هذا قد تكلم فيه بعضهم، والراجح أن
حديثه في مرتبة الحسن، كما صرح به الذهبي في الميزان، فحديث علي هذا من
طريق ابن عقيل، حسن صالح للاحتجاج، وقد سكت عنه أبو داود. وقال
الترمذي: هذا أصح شيء في هذا الباب وأحسن، ونقل المنذري قول الترمذي
وأقره. وقال النووي في ((الخلاصة)): هو حديث حسن، انتهى.
وفي الباب عن جابر، وهو أول أحاديث الفصل الثالث من كتاب الطهارة، وعن
أبي سعيد أخرجه الترمذي في الصلاة، وابن ماجه في الطهارة، وفيه: أبو سفيان
طريف السعدي، وهو ضعيف. وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن زيد، وابن
عباس، وغيرهما، ذكر أحاديثهم الحافظ في ((التلخيص))، والزيلعي في ((نصب
الراية)) .
١٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣١٤ - [١٤] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْهُ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
٣١٥ - [١٥] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا فَسَا
أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأُ، وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِ هِنَّ».
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرُْ
٣١٥- قوله: (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ) بفتح الطاء وسكون اللام وبالقاف، هو
علي بن طلق بن المنذر بن قيس الحنفي السحيمي اليمامي، صحابي، له ثلاثة
أحاديث، قاله الخزرجي. وقال الحافظ في ((التهذيب)): روى عن النبي وَّ في
الوضوء من الريح وغير ذلك، وعلي بن طلق هذا هو والد طلق بن علي.
(إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ) أي: خرج من دبره الريح بلا صوت يسمع، سواء تعمد خروجه
أو لم يتعمد. (فَلْيَتَوَضَّأَ) هذا لفظ الترمذيِّ، ورواه أبو داود بلفظ: ((إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ
فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصِرَفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ))، وقد ذكره المصنِّفُ بهذا اللفظ من
حديث طلق بن علي في باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة، ويأتي هناك بسط
الكلام في معناه، واللفظ المذكور هنا يدلّ على أن خروج الريح من الدبر ناقض
للوضوء. (وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ) أي: لا تجامعوهن. (فِي أَعْجَازِهِنَّ) جمع عجز بفتح
العين وضم الجيم، أي: أدبارهن. ووجه المناسبة بين الجملتين أنه لما ذكر الفساء
الذي يخرج من الدبر ويزيل الطهارة والتقرب إلى الله، ذكر ما هو أغلظ منه في
رفع الطهارة زجرًا وتشديدًا .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الرضاع من أبواب النكاح من طريقين، حَسَّنَ إحداهما ولم
يحكم على الطريق الأخرى بشيء. (وَأَبُو دَاوُدَ) في الطهارة والصلاة، وسكت
(٣١٤) قال التبريزي: ((رواه ابن ماجه عنه، وعن أبي سعيد)).
(٣١٥) أَبُو دَاوُد (٢٠٥) فِي الصَّلَاةِ، وَالتِّرْمِذِي (١١٦٤ و١١٦٦) فِي الرِّضَاعِ وَالنَّسَائِي فِي العَشْرِةِ
(الكبرى ٩٠٢٤) وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ، كلُّهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: حَسَنٌ.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
STONE *E
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٦٣
عنه، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٨٦)
والنسائي في ((السنن الكبرى))، والدار قطني.
واعلم: أنهم اختلفوا في أن هذا الحديث من رواية علي بن طلق، أو طلق بن
علي، أو علي بن أبي طالب، أو طلق بن يزيد، وأن علي بن طلق وطلق بن علي
رجلان من أصحاب النبي وَّ أو اسم لذات واحدة؟ والظاهر: أن علي بن طلق
وطلق بن علي رجلان، وأن هذا الحديث من رواية علي بن طلق، وليس من رواية
طلق بن علي، ولا علي بن أبي طالب، ولا طلق بن يزيد، ونبسط الكلام في ذلك
إن شاء اللَّه في باب: ما لا يجوز من العمل في الصلاة.
٣١٦ - [١٦] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّ النَّبِيِّ وَالَ: قَالَ: ((إِنَّمَا
الْعَيْنَانُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ)).
[رَوَاهُ الدَّرِامِيُّ] {حسن لغيره}
الشَّرْحُ
٣١٦- قوله: (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) قد تقدم ترجمة معاوية، وأما
والده أبو سفيان فهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي
القرشي، صحابي شهير، ولد قبل الفيل بعشر سنين، كان من أشراف قريش في
الجاهلية، وكان رئيس المشركين يوم أحد، ورئيس الأحزاب يوم الخندق، أسلم
زمن الفتح، ولقي النبي ◌َّ بالطريق قبل دخول مكة، وشهد حنينًا والطائف،
وأعطاه النبي وَّ من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية فيمن أعطاه من المؤلفة
قلوبهم، وفقئت عينه يوم الطائف، فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك، فأصاب عينه
حجر فعميت، له أحاديث وعند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي
حديث هرقل، توفي سنة (٣٢) وقيل: (٣٤).
(إِنَّمَا الْعَيْنَانُ) أي: اليقظة، وكَنَّى بالعين عن اليقطة؛ لأن النائم لا عين له تبصر.
(وِكَاءُ السَّهِ) بفتح السين وتخفيف الهاء، حلقة الدبر، أو هو من أسماء الدبر، وهو
(٣١٦) الدَّارِمِي (١/ ١٨٤) عَنْهُ فِيهِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
من الإست، وأصله سته كفرس، وجمعه أستاه، فحذفت الهاء وعوضت بالهمزة،
فإذا ردت هاؤه وحذفت تاؤه حذفت الهمزة نحو سه، والوکاء بكسر الواو والمد:
ما يشد به رأس القربة ونحوها، جعل اليقظة للإست كالوكاء للقربة، كما أن القربة
ما دامت مربوطة بالوكاء باختيار صاحبها كذلك الإست مادام محفوظًا بالعين،
أي: اليقظة باختيار الصاحب، والمعنى: أن اليقظة وكاء الدبر، أي: الحافظة لما
فيه من الخروج؛ لأنه ما دام مستيقظًا أحس بما يخرج منه، فإذا نام زال الضبط.
فإن قيل: النوم ليس بحدث وأنتم أوجبتم الوضوء باحتمال خروج ريح، والأصل
عدمه، فلا يجب الوضوء بالشك. قلنا: النائم غير متمكن يخرج منه الريح غالبًا،
فأقام الشارع هذا مقام اليقين، كما أقام شهادة الشاهدين التي تفيد الظن مقام اليقين
في شغل الذمة. (فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ) أي: جنسها. (اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ) أي: انحل.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو يعلى والطبراني في ((الكبير))، والدار قطني
والبيهقي كلهم من حديث أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، عن معاوية.
وأعلَّ بوجهين، أحدهما: الكلام في أبي بكر بن أبي مريم، فقد ضعفه أحمد وأبو
حاتم وأبو زرعة، وقال الهيثمي: هو ضعيف لاختلاطه. وقال الحافظُ: ضعيف،
وكان قد سرق بيته فاختلط. والثاني: أن مروان بن جناح رواه عن عطية بن قيس،
عن معاوية موقوفًا. هكذا رواه ابن عدي، وقال: مروان أثبت من أبي بكر بن أبي
مریم .
٣١٧ - [١٧] وَعَنْ عَلِيِّ رََِّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((وِكَاءُ السَّهِ
الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرُْ
٣١٧- قوله: (وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ) يعني: إذا تيقظ الإنسان أمسك ما في
بطنه، فإذا نام زال اختياره، واسترخت مفاصله، فلعله يخرج منه ما ينقض طهره،
(٣١٧) أَبُو دَاوُد (٢٠٣)، وَابن مَاجَهْ (٤٧٧) فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ، قُلْتُ: فِيهِ الوَضِينُ بْنُ عطاء، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
كِتَابُ الطُّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٦٥
وحديث علي هذا وحديث معاوية المتقدم يدلان على أن نقص الطهارة بالنوم ليس
لنفسه، بل لأنه مظنة خروج ما ينتقض الطهر به، ولذلك خص عنه نوم ممكن
المقعد من الأرض .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، وأخرجه أيضًا ابن ماجه، والدار قطني، وهو عند
الجميع من رواية بقية بن الوليد عن الوضين بن عطاء، وبقية صدوق، كثير
التدليس. والوضين قال الجوزجاني: واهٍ، وأنكر عليه هذا الحديث. وقال
الحافظُ: صدوق سيئ الحفظ، ووثقه عبد الرحمن بن إبراهيم وابن معين وأحمد،
وقال ابن عدي: لم أر بحديثهِ بأسًا، وقد حسن حديث علي هذا المنذري وابن
الصلاح والنووي. وقال أحمد: حديث علي أثبت من حديث معاوية. وقد ضعف
الحديثين أبو حاتم، وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)): في كلا الإسنادين ضعف.
٣١٨- [١٨] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَمُ مُحْيِي السُّنَّةِ تَخْتُ: هَذَا فِي غَيْرِ
الْقَاعِدِ؛ لِمَا صَحَّ عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَنْتَظِرُونَ
الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُّؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلَّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّ أَنَّهُ ذَكَرَفِيهِ: يَنَامُونَ بَدَلَ: يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ]
{صحيح}
الشَّرُْ
٣١٨- قوله: (هَذَا) أي: هذا الحكم. (هَذَا فِي غَيْرِ الْقَاعِدِ) من النائمين
يعني: هذا فيمن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه، فأما من نام قاعدًا ممكنًا مقعده
من الأرض، ثم استيقظ ومقعده ممكن كما كان، فلا يبطل وضوؤه، وهو قول
الشافعي في الجديد. (يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ) أي: صلاتها بالجماعة فينامون جالسين.
(حَتَّى تَخْفِقَ) أي: تميل وتتحرك. (رُءُوسُهُمْ) من النوم من الخفوق وهو
(٣١٨) أَبُو دَاوُد (٢٠٠) عَنْ أَنَسٍ فِي الطَّهَارَةِ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِم (١٢٥ / ٣٧٦) بِلَفْظِ: ((يَنَامُونَ، ثُمَّ
يُصَلُّونَ، وَلَا يَتَوَضَّئُونَ))، وَهُوَ لَفْظُ التِّرْمِذِي (٧٨).
١٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الاضطراب، وقيل: المعنى: حتى تسقط أذقانهم على صدورهم، وتخفق بفتح
التاء وكسر الفاء من ضرب. (ثُمَّ يُصَلَّونَ) بذلك الوضوء. (وَلَا يَتَوَضَُّونَ) وضوءًا
جدیدًا .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه أيضًا الشافعي
في ((الأم))، وأحمد، وصححه الدار قطني والنووي، وأصله في مسلم كما سيأتي.
(إِلَّا أَنَّهُ) أي: الترمذي. (ذَكَرَ فِيهِ) أي: في حديثه. (يَنَامُونَ) أي: قاعدين، ورواية
الترمذي هذه موافقة لرواية مسلم، وكأن المصنف ذهل عن رواية مسلم حيث لم
يتعرض لها. وحديث أنس هذا قد نزله أكثر الناس كالبغوي على نوم الجالس،
ودفع هذا التأويل بأن في رواية أنس عند البزار وأبي يعلى: ((يَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ)).
قال الهيثمي: رجالهما رجال الصحيح، لكن رواه أحمد بن حنبل عن يحيى
القطان بسنده، والترمذي عن بندار عنه بدون هذه الزيادة، وقيل: يحمل على النوم
الخفيف، فإن وضع الجنب لا يستلزم النوم الكثير المستغرق، وكذا الغطيط
والإيقاظ، فإنه قد يغط من هو في مبادئ نومه قبل استغراقه، وكذا الإيقاظ قد
يكون لمن هو في مبادئ النوم، فينبه لئلا يستغرقه. وبالجملة حديث أنس هذا يدلُّ
على أن يسير النوم لا ينقض الوضوء.
٣١٩ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: (( إِنَّ الْوُضُوءَ
عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضَّطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْجُ
٣١٩- قوله: (إِنَّ الْوُضُوءَ) أي: وجوبه. (عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا) كذا في
جميع النسخ ((المشكاة) بلفظ: ((إِنَّ الْوُضُوءَ .. )) إلخ. وكذا وقع في ((المصابيح))،
ورواه الترمذي بلفظ: ((إِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا))، وأبو داود
(٣١٩) أَبُو دَاوُد (٢٠٢)، وَالتِّرْ مِذِي (٧٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَْتَهُ، فِي الطَّهَارَةِ، قُلْتُ: قال أَبُو دَاوُد: (هُوَ
حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِي وَقْفَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ .
١٦٧
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
بلفظ: ((إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا))، وفي كلتا الروايتين القصر على أنه لا
ينقض الوضوء إلا نوم المضطجع لا غير ولو استغرقه النوم، بخلاف اللفظ الذي
ذكره المصنف عن ((المصابيح)) فإنه لا يدل على القصر، فالجمع بين حديث ابن
عباس هذا على ما رواه الترمذي وأبو داود، وبين حديث أنس عند البزار وأبي يعلى
وغيرهما بلفظ : ((يَضَعُونَ جُنُوبَهُمْ)) إن ثبتت هذه الزيادة: أن حديث ابن عباس خرج
على الأغلب، فإن الأغلب على من أراد النوم الاضطجاع، فلا معارضة. وقال
الزرقاني: هذا ونحوه محمول عند مالك على ما إذا كان النوم ثقيلًا، انتهى.
(فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ) أي: فترت وضعفت ولانت. (مَفَاصِلُهُ) جمع
مفصل، وهو رؤوس العظام والعروق، يعني: أن الاضطجاع سبب لاسترخاء
المفاصل فلا يخلو عن خروج شيء من الريح عادة، أي: هو من عادة النائم
المضطجع، والثابت بالعادة كالمتيقن به.
واعلم: أنه اختلف الناس في انتقاض الوضوء بالنوم على أقوال ثمانية، ذكرها
النووي في (شرح مسلم))، وتبعه غيره، وهذه الأقوال ترجع إلى ثلاثة:
الأول: أن النوم ينقض الوضوء مطلقًا على كل حال قليله وكثيره.
والثاني: أنه لا ينقض مطلقًا.
والثالث: الفرق بين قليل النوم وكثيره، وهو قول فقهاء الأمصار، والصحابة
الكبار، والتابعين، وهو قول الأئمة الأربعة، وهذا هو الحق؛ فالنوم ليس بحدث،
أي: ليس بناقض للوضوء بنفسه، بل لأنه سبب لاسترخاء المفاصل الداعي
للخروج عادة. ثم اختلف هؤلاء في بيان قدر القليل والكثير، وتحديد النوم المعتبر
في نقض الوضوء، وتعيين المقدار الذي يكون سببًا لاسترخاء المفاصل، ولا يبقى
فيه الشعور والإحساس ويغلب فيه العقل، على أقوال كثيرة ليس هذا محل بسطها،
إن شئت الوقوف عليها فارجع إلى ((شرح مسلم)) للنووي، و((شرح الترمذي)) لابن
العربي، و((المغني)) لابن قدمة المقدسي.
والراجح عندي: أن النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك ناقض سواء كان
من المضطجع والمستلقي أو غيرهما، فالاستغراق والغلبة على العقل هو الملاك
عندي، فإذا حصل ذلك انتقض الوضوء على أي هيئة كان النائم، ولا يقصر الحكم
١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على هيئة الاضطجاع كما يدل عليه حديث ابن عباس، فإنه ضعيف، ولا ينتقض
الوضوء بنوم المضطجع إن كان النوم غير مستغرق.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) كلاهما من طريق يزيد بن عبد الرحمن أبي خالد
الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، ولم يحكم الترمذي عليه
بشيء من الصحة والضعف، إلا قوله: إن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة عن
ابن عباس قوله. ولم يذكر فيه أبا العالية، ولم يرفعه، وهو حديث ضعيف، ضعفه
الترمذي في ((العلل المفرد))، والبخاري وأحمد بن حنبل والدار قطني والمنذري
والبيهقي وأبو داود والبغوي وغيرهم.
قال أبو داود: قوله: ((الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا)) هو حديث منكر، لم يروه
إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة. وروى أوله جماعة عن ابن عباس، لم يذكروا
شيئًا من هذا، وقال - يعني: ابن عباس، أو الراوي عنه -: وكان النبي وَّل
محفوظًا. وقالت عائشة: قال النبي وَله: ((تَنَامُ عَيْنَاي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي)). وقال شعبة:
إنما سمع قتادة عن أبي العالية أربعة أحاديث، يعني: وليس منها حديث يزيد أبي
خالد الدالاني فيكون منقطعًا .
قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظامًا
له، فقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة ولم يعبأ بالحديث؟ وقال
البيهقي: تفرَّد بهذا الحديث على هذا الوجه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد
الدالاني.
قال الترمذيُّ - يعني: في ((العلل المفرد)) -: سألت البخاري عن هذا الحديث
فقال: هذا لا شيء. ورواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم
يذكر فيه أبا العالية، ولا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعًا من قتادة.
وقال المنذري: قال أبو القاسم البغوي: يقال: إن قتادة لم يسمع هذا الحديث
من أبي العالية. وقال الدارقطني: تفرد به يزيد الدالاني عن قتادة ولا يصح. وذكر
ابن حبان أن يزيد الدالاني كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، يخالف الثقات في
الرواية حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معلولة أو مقلوبة، لا
يجوز الاحتجاج بها إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات؟! وذكر
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٦٩
أبو أحمد الكرابيسي الدالاني بهذا فقال: لا يتابع في بعض أحاديثه. وسئل أبو
حاتم الرازي عن الدالاني هذا، فقال: صدوق ثقة. وقال أحمد بن حنبل: يزيد لا
بأس به. وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس.
وقال البيهقي: فأما هذا الحديث فإنه أنكره على أبي خالد الدالاني جميع
الحفاظ، وأنكر سماعه من قتادة أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما. ولعل
الشافعي وقف على علة هذا الأثر حتى رجع عنه في الجدید، هذا آخر كلامه. ولو
فرض استقامة حال الدالاني، كان فيما تقدم من الانقطاع في إسناده ومخالفه
الثقات ما يعضد قول من ضعفه من الأئمة، انتهى كلام المنذري.
والحديث الذي أشار إليه أبو داود في كلامه أنه رواه جماعة عن ابن عباس، ولم
يذكروا فيه شيئًا مما انفرد به الدالاني هو ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن
عباس، قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ◌َّ من الليل ... وفيه: ثم
اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة فقام فصلى ولم
يتوضأ. وهذا هو الصحيح، وكون حديث يزيد أبي خالد الدالاني ضعيفًا هو
الراجح عندي، ولا ينجبر ضعفه بما له من الطرق والشواهد، وإن جنح إليه العلامة
الشوكاني، وعليك أن ترجع للوقوف على تفصيل الكلام في حديث ابن عباس هذا
إلى ((عون المعبود)) (ج١: ص ٨٠) و((التلخيص الحبير)).
٣٢٠ - [٢٠] وَعَنْ بُسْرَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَ: ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ
ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٣٢٠ - وقوله: (وَعَنْ بُسْرَةَ) بضمِّ الموحدة وسكون المهملة، ابنة صفوان بن
نوفل بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية، صحابية، لها سابقة وهجرة
(٣٢٠) أَبُو دَاوُد (١٨١)، التِّرْمِذِي (٨٢)، النَّسَائِي (١/ ١٠٠)، ابن مَاجَهْ (٤٧٩) مِنْهُ عَنْ بَسْرةَ بِنْتِ
صَفْوَانَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِي.
١٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قديمة، عاشت إلى ولاية معاوية، لها أحد عشر حديثًا، روى عنها عبد الله بن
عمرو بن العاص، وعروة، وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ولها صحبة،
ومروان، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن المسيب، قال مصعب:
وكانت من المبايعات، وكانت أخت عقبة بن أبي معيط لأمه.
(إِذَا مَسِنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ) أي: بيده من غير حائل لما سيأتي من حديث أبي هريرة.
(فَلْيَتَوَضَّأُ) أي: وضوءه للصلاة كما في حديث ابن عمر عند الدار قطني، وحديث
بسرة عند ابن حبان، والحديث فيه: أن مس الرجل ذكره بيده ناقض للوضوء،
والمراد: مسه من غير حائل ببطن الكف كان أو بظهره، وهو - أي: انتقاض
الوضوء بمس الذكر - قول جماعة من الصحابة والتابعين، ومن أئمة المذاهب
أحمد والشافعي، وهو المشهور من مذهب مالك، وكذلك مس المرأة فرجها،
لما روى أحمد والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا:
((أَيَّمَا رَجُلٌ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَأَيَّمَا امْرَأَةٌ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأُ)). قال الترمذي في
((العلل)) عن البخاري: هو عندي صحيح، وهو صريح في عدم الفرق بين الرجل
والمرأة.
(رَوَاهُ مَالِك ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا الشافعي في ((الأم))، وابن خزيمة وابن
حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي، وصححه أحمد والبخاري وابن معين
والترمذي، وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسین الترمذي وأقره، وصححه
أيضًا الدار قطني وابن خزيمة وابن حبان وابن السكن والحاكم والبيهقي وابن
عبد البر وأبو حامد بن الشرقي والحازمي والنووي والحافظ وآخرون، وضعفه
الطحاوى وحده، وهو مندفع كما سيأتي، ولم يثبت عن ابن معين تضعيفه، قاله
ابن الجوزى.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٧١
٣٢١ - [٢١] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِلّهِ عَنْ مَسِّ
الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ، قَالَ: ((وَهَلْ هُوَ إِلَّ بَضْعَةٌ مِنْهُ؟».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ] {صحيحٍ}
الشّرْحُ
٣٢١- قوله: (وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ) بن طلق بن عمرو، ويقال: ابن علي بن
المنذر بن قيس بن عمرو الحنفي السحيمي اليمامي، يُكنى أبا علي، وفد على
النبي ◌َّ، وعمل معه في بناء المسجد، وروى عنه، وله أربعة عشر حديثًا، روى
عنه ابنه قيس، وابنته خالدة، وعبد الله بن بدر، وعبد الرحمن بن علي شيبان.
(هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ؟) بفتح الموحدة، أي: قطعة لحم، وقد تكسر الباء أيضًا
في هذا المعنى كما في ((النهاية)) و((اللسان)). (مِنْهُ) أي: من الرجل، وفي بعض
النسخ: ((مِنْكَ)) وكذا وقع في رواية النسائي، يعني: فهو كمس بقية أعضائه فلا
ينتقض الوضوء بمسه .
والحديث: دليل على ما هو الأصل من عدم نقض مس الذكر للوضوء، وإليه
ذهبت الحنفية، وأجابوا عن حديث بسرة بأجوبة تزيد على عشرة، كلها واهية
مردودة، ذكر خمسة منها شيخنا في ((شرح الترمذي)) مع الرد عليها، وهاك بقيتها :
قالوا: حديث بسرة من رواية عروة، عن مروان، وهو مطعون في عدالته لفسقه،
أو عن حرسيه، وهو مجهول. وأجيب عنه بما قال عروة: كان مروان لا يتهم في
الحديث، وقد روى عنه سهل بن سعد الصحابي، واعتمد مالك على حديثه،
واحتجَّ به البخاري في ((صحيحه))، فهو من رجال ((الموطأ)) و((البخاري))، وقد أخذ
عروة منه هذا الحديث قبل أن يبدو منه ما بدا من الفسق والخلاف على ابن الزبير.
قال ابن حزم: لا نعلم لمروان شيئًا یجرح به قبل خروجه علی ابن الزبير، وعروة
(٣٢١) أَبُو دَاوُد (١٨٢)، التِّرْمِذِي (٨٥)، النَّسَائِي (١ / ١٠١)، ابن مَاجَهْ (٤٨٣) عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ
أَبِيهِ فِیهِ.
١٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
لم يلقه إلا قبل خروجه على أخيه، وأيضًا قد ثبت أن عروة سمعه من بسرة من غير
واسطة، كما جزم به ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم من أئمة الحديث.
وارجع للتفصيل إلى ((التلخيص)) (ج١: ٤٥) و((المستدرك)) للحاكم (ج١ :
ص١٣٧) وتعليق الترمذي للشيخ أحمد محمد شاكر، وعدم إخراج الشيخين
حديث بسرة في ((صحيحيهما)) لا يدل على أنه لم يثبت عندهما سماع عروة من
بسرة؛ فكم من حديث صحيح متصل على شرطهما لم يخرجاه في ((صحيحيهما))
ولم يرد ابن المديني على يحيى بن معين قوله في مناظرته: ثم لم يقنع ذلك عروة
حتى أتى بسرة فسألها وشافهته بالحديث. وأقرَّهُ علیه أحمد وصوبه، فدل ذلك على
أن سماع عروة من بسرة ثابت عند هؤلاء الأئمة الثلاثة، ولذا صحح أحمد وابن
معين حديث بسرة، وقالوا: حديث بسرة مضطرب الإسناد، فرواه بعضهم عن
عروة عن مروان عن بسرة، وبعضهم عن عروة عن بسرة، من غير واسطة مروان.
وفيه: أن هذا الاختلاف ليست علة يضعف بها الحديث؛ لأن الحديث سمعه
عروة أولًا من مروان عن بسرة، ثم أتى بسرة فشافهته بالحديث وسمعه منها من غير
واسطة، وكان الرواة يسمعونه منه ويرويه عنهم غيرهم، فتارة يجعلونه عن عروة
عن مروان عن بسرة، وتارة يجعلونه عن عروة عن بسرة، وهذا كما ترى ليس
باختلاف يقدحُ في صحة الحديث. وقالوا: إن هشام بن عروة الراوي له عن أبيه لم
يسمعه من أبيه كما تدلَّ عليه رواية الطبراني. وفيه: أن رواية أحمد والترمذي
والحاكم صريحة في أن هشامًا سمعه من أبيه، ثم لو صحت هذه العلة ما أثرت؛
لأن غير هشام من الثقات رواه سماعًا من عروة، وهو عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم، وأبوه أبو بكر، كما تدلَّ عليه رواية مالك وأحمد وابن
الجارود.
وقالوا: الحديث يُروى عن امرأة، والحكم متعلق بالرجال فكيف تختص
بروايته النساء؟ وفيه: أنه لم يختص النساء بروايته كما سيأتي.
وقالوا المسألة التي تعم بها البلوى: لا يعتبر فيها خبر واحد لا سيما مثل هذا
الخبر. وفيه: أن هذه القاعدة التي اخترعها الحنفية لردِّ الأحاديث الصحيحة
باطلة، قد أبطلها الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) (ص٤٩)، وابن حزم في ((الإحكام
١٧٣
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
في أصول الأحكام)) (ج٢: ص١٢، ٢٠)، وابن قدامة في ((جنة المناظر)) (ج١ :
ص٣٢٧)، فارجع إلى تلك الكتب، ولو سلمت هذه القاعدة فالحديث ليس من
أخبار الآحاد، بل هو أشهر من حديث الوضوء بالنبيذ، رواه سبعة عشر من
الصحابة .
وقالوا: على تسليم صحته لا حجة فيه؛ لأنه متروك الظاهر عند الكل إجماعًا؛
فإن المس لغة مطلق فما قيدوه من القيود بالشهوة، أو بباطن اليد، أو بعدم
الحائل، أونحو ذلك، تقييدات لإطلاق الحديث، وصريح في أنهم أيضًا لا يقولون
بالحديث. وفيه: أن المراد بالمس المسُّ باليد، سواء كان بباطنها أو بظاهرها لكن
من غير حائل، يدل على ذلك حديث أبي هريرة الآتي، والروايات يفسر بعضها
بعضًا، فقد قلنا بأحاديث الباب وعملنا بها، وأما القيود الأخرى مما ذكرها فقهاء
الشافعية وغيرهم، فلا نلتفت إليها؛ لأنها لا أثر لها في الأحاديث.
وقالوا: اضطرب القائلون بانتقاض الوضوء في مصداق حديث بسرة على أقوال
كثيرة، وفروع مختلفة، تبلغ إلى قريب من أربعين، بسطها ابن العربي في ((شرح
الترمذي))، واختلافهم في مصداق الرواية الواحدة يورث الشبهة في الاحتجاج
بها؛ فإنه يدل على أنه لم يتحقق عندهم، ولم يتعين محمل الحديث، فلو صح
الحديث وثبت ترجحه على حديث طلق فمجمل أيضًا، لم يظهر مراده عند القائلين
به، ولا خلاف بين القائلين بعدم النقض. وفيه: أن معنى الحديث بيِّنٌ، ومصداقه
ظاهر، ومحمله متعين، لكن عند المنصف الذي يحب السنة وصاحبها، وأما
المتعسف الذي يتحيل لرد الأحاديث الصحيحة والسنن الثابتة، فهو يتشبث بمثل
هذه الأعذار الواهية الباطلة أبدًا، ولا عبرة عندنا باختلاف الشافعية والمالكية
وغيرهم في بيان معنى الحديث، والتفريع عليه بآرائهم وعقولهم. وبالجملة:
الحديث ليس بمجمل بل هو بين المعنى .
وقالوا: يحتمل أن يكون مس الذكر كناية عن الاستطابة بعد البول؛ لأنه غالبًا
يرادف خروج الحدث، فعبر به عنه، ومثل هذا من الكنايات كثير فيما يستقبح
التصريح بذكره. وفيه: أن هذا الاحتمال بعيد جدًّا، بل هو باطل، يرده حديث أبي
هريرة الذي ذكره المصنف، وأيضًا لم يخطر هذا الاحتمال ببال أحد من الصحابة
والتابعين وغيرهم من السلف، ولم يقل به أحد منهم، بل حمله جميعهم على ظاهر
معناه الذي يتبادر إليه الذهن.
١٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقالوا: هو مقيد بما إذا خرج منه شيء. وفيه: أنه لا دليل على هذا التقيد فهو
مردود على قائله وقالوا: مفعول المس محذوف، تركه استهجانًا بذكره،
والمعنى: من مس ذكره بفرج امرأته فليتوضأ؛ إقامة للداعي والسبب مقام المدعو
والمسبب، فإن التقاء الختانين داع إلى خروج شيء، ونفسه يتغيب عن البصر،
فأدير الأمر على المس احتياطًا وتيسيرًا. وفيه: أنه تحريف معنوي للحديث، يرده
حديث أبي هريرة الآتي بلفظ: ((أَفْضَى بِيَدِهِ)).
قال بعضهم: هو رواية بالمعنى على ما فهم الراوي من معنى حديث بسرة.
وفيه: أن دعوى كون رواية أبي هريرة هذه بالمعنى تمشية للمذهب يمجها العقل
والسمع، فإنه يرتفع بذلك الأمان والوثوق بالروايات، قال هذا البعض: ويمكن
أن يُأَوَّلَّ حديث أبي هريرة بأن المعنى: أوصل ذكره بيده إلى فرج امرأته، فإن
الإفضاء يستدعي مفعولًا، واليد ليست إلا آلة! وهذا كما ترى أضحوكة لا حاجة
إلى ردها؛ لأنها أظهر في تحريف الحديث من كل ما قالوا في تأويل حديث بسرة.
وقالوا: الأمر في حديث بسرة محمول على الاستحباب، قال بعضهم: هذا
يغنينا عن ارتكاب تكلف. وفيه: أن الأصل في الأمر الوجوب، وأيضًا يرده حديث
أبي هريرة عند أحمد بلفظ: ((مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ، فَقَدْ وَجَبَ
عَلَيْهِ الْوُضُوءُ))، ويرده أيضًا حديث عائشة عند الدار قطني: ((وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَمُسُّونَ
فُرُوجَهُمْ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ)) فإن دعاء الشر لا يكون إلا بترك واجب.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْ مِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) أي: بهذا اللفظ المذكور، وأخرجه أيضًا
أحمد والدارقطني وابن الجارود والبيهقي، وصححه عمرو بن علي الفلاس
وعلى بن المديني والطحاوي وابن حبان والطبراني وابن حزم، وضعفه الشافعي
وأبو حاتم وأبو زرعة والدار قطني والبيهقي وابن الجوزي. والراجح: أن حديث
طلق هذا لا ينحط عن مرتبة الحسن، وحديث بسرة أصح وأثبت وأرجح من
حديثه؛ لأن حديث طلق لم يحتج الشيخان بأحد من رواته، وحديث بسرة قد
احتجًّا بجميع رواته، وأرجح أيضًا لكثرة طرقه وصحتها، ولكثرة من صححه من
الأئمة كما تقدم، ولكثرة شواهده، فقد روى نحوه ثمانية عشر صحابيًّا، ومنهم
طلق بن على راوي حديث عدم النقض، ذكر تخريج أحاديثهم الحافظ في
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٧٥
((التلخيص)) (ج١: ص٤٦، ٤٥)؛ ولأن بسرة حدثت به في دار المهاجرين
والأنصار وهم متوافرون، ولم يدفعه أحد، بل علمنا أن بعضهم صار إليه،
ولرجحانه على حديث طلق وجوه أخرى لا تخفى على من له خبرة بوجوه
الترجيح، واطلاع على طرق حديث بسرة وحديث طلق.
(وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ) أي: بمعناه وهو: أنه سئل رسول وَّلَه عن مس الذكر،
فقال: (لَيْسَ فِيهِ وُضُوءٌ؛ إِنَّمَا هُوَ مِنَْكَ)).
٣٢٢ - [٢٢] وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِيِّ السُّنَّةِ رَخْتُهُ: هَذَا مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ بَعْدَ قُدُومٍ طَلْقٍ، وَقَدَ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَوْفَهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا أَفْضَى أَحَدُّكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ
فَلْيَتَوَضَّأْ».
[رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّرَاقُطْنِيُّ] {ضعيف}
الشّرْجُ
٣٢٢- قوله: (هَذَا) أي: ما رواه طلق بن علي. (مَنْسُوخٌ) وكذا ادعى النسخ
ابن حبان، والطبراني، وابن العربي، والحازمي، وآخرون. (لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ)
عام خيبر في السنة السابعة. (بَعْدَ قُدُوم طَلَّقٍ) من اليمن، وذلك في السنة الأولى
من الهجرة حينما كان النبي ◌ُّ يبني المسجد، فكان خبر أبي هريرة بعد خبر طلق
لسبع سنين. (إِذَا أَفْضَى) أي: أوصل. (أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ) الباء للتعدية. (لَيْسَ بَيْنَهُ
وَبَيْنَهَا) أي: بين ذكره وبين يده. (شَيْءٌ) أي: حائل من الثياب أو غيرها. (فَلْيَتَوَضَّأْ)
أي: وضوءه للصلاة.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّرَ اقُطْنِيُّ) وأخرجه أيضًا البزار كلهم من طريق يزيد بن
عبد الملك، وقد ضعفه أكثر الناس، ووثقه ابن سعد وابن معين في رواية،
وأخرجه أحمد وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم والبيهقي والطبراني في
((الصغير)) من طريق نافع بن أبي نعيم، وفيه: ((فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ)) بدل قوله:
(٣٢٢) الشَّافِعِي (١/ ١٩) رَوْثَتَهُ، بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَد (٢/ ٣٣٣)، وَابن مَاجَهْ نَحْوَهُ فِيهِ.
١٧٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*
99
((فَلْيَتَوَضَّأُ)). قال ابن حبان: هذا حديث صحيح سنده، عدول نقلته، وصححه
الحاكم وابن عبد البر، وقال ابن السكن: هو أجود ما روي في هذا الباب.
٣٢٣ - [٢٣] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بُسْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((لَيْسَ بَيْنَهُ
وَبَيْنَهَا شَيءٌ)).
{ضعيف}
الشَّرْخُ
٣٢٣- قوله: (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بُسْرَةَ) أي: وهي متأخرة الإسلام، وفيه: أن
الأمر بالعكس فإنها قديم هجرتها وصحبتها، كما قال الحازمي وغيره، ولو سلم
ذلك لم يكن دليلًا كتأخر إسلام أبي هريرة وصحبته على نسخ حديث طلق. قال
الشوكاني في ((النيل)): وأيدت دعوى النسخ بتأخر إسلام بسرة وتقدم إسلام طلق،
ولكن هذا غير دليل على النسخ عند المحققين من أئمة الأصول، انتهى. وقال ابن
حزم في ((المحلى)) (ج١: ص٢٣٩): هذا - أي حديث طلق - خبر صحيح، إلا
أنهم لا حجة لهم فيه لوجوه :
أحدها: أن هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من
مسِّ الفرج، هذا لا شك فيه، فإذا هو كذلك فحكمه منسوخ يقينًا حين أمر
رسول اللَّه ◌َ له بالوضوء من مسِّ الفرج، ولا يحل ترك ما تيقن أنه ناسخ، والأخذ
بما تيقن منه أنه منسوخ.
وثانيها: أن كلامه ◌ِالَُّ: ((هَلْ هُوَ إِلَّ بَضْعَةٌ مِنْكَ؟)) دليل بين على أنه كان قبل
الأمر بالوضوء منه؛ لأنه لو كان بعده لم يقل ظلَّل هذا الكلام، بل كان يبين أن
الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلاً، وأنه
كسائر الأعضاء، انتهى. وعندنا: القول بترجيح حديث بسرة أحسن من القول
بالنسخ والتضعيف، وقد تقدَّمت وجوه ترجيح حديثها على حديث طلق.
(٣٢٣) قال التبريزي: ((رواه النسائي عن بُسرة))
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
EN*
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
ME
١٧٧
٣٢٤ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ، ثُمَّ
يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِحَالٍ إِسْنَادُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَّا،
وَأَيْضًا إِسْنَادُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْهَا، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَإِبْرَاهِيمُ
التَّيْمِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةً
الشَّرْخُ
٣٢٤ - قوله: (وَلَا يَتَوَضَّأُ) فيه: دليل على أن القُبلة - وهي أقوى من اللمس
المجرد، ولا تخلو عادة من مس بشهوة - لا تنقض الوضوء، وهذا هو الأصل،
والحديث مقرر للأصل، وهو القول المعول عليه الراجح عندنا، ويدل عليه أيضًا
ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: كنتُ أنام بين يدي رسول اللّه وَه
ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي ... الحديث.
واعتذار الحافظ في ((الفتح)) عن حديثها هذا، بأنه يحتمل أنه بحائل، أو أنه
خاص به تكلّفْ ومخالفة للظاهر؛ لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، واحتمال
الحائل لا يفكر فيه إلا مقلد متعصب لإمامه. وما رواه النسائي عنها قالت: إن كان
رسول اللَّه وَ له ليصلي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن
يوتر مسني برجله. قال الحافظ في ((التلخيص)): إسناده صحيح. وقال الزيلعي في
((نصب الراية)): إسناده على شرط الصحيح. وما رواه مسلم والترمذي عنها:
قالت: فقدت رسول اللَّه ليه ليلة من الفراش فالتمسته، فوضعت يدي على باطن
قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان ... الحديث.
وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية))، وهذه الأحاديث
(٣٢٤) أَبُو دَاوُد (١٧٨)، والتِّرْمِذِي (٢٨٦)، والنَّسَائِي (١٠٤/١)، وابن مَاجَهْ (٥٠٢) فِي الطَّهَارَةِ عَنْ
عَائِشَةَ ﴿يَا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ، وَأَشَارَ أَبُو دَاوُد إِلَى ضَعْفِهِ، لَكِنْ لَهُ طَرِيقًا عَنْ عَائِشَةَ فِيهَا
انْقِطَاعٌ، وَرِجَالُها ثِقَاتٌ فتعتَضِدُ، وَقَدِ احْتِجُوا بِمِثْلِهِ؛ ويجَابُ عَنِ المَذَهِبِ بِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ.
١٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تدلُّ على أن المراد بالملامسة من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ
فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾ [المائدة: ٦] الجماع دون غيره من معاني اللمس، وبه فسر ابن عباس
وعلي ◌ّ، ورجحه ابن جرير في ((تفسيره)) حيث قال: هو أولى القولين في ذلك
بالصواب؛ لصحة الخبر عن رسول اللَّه وَ ل: أنه قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم
يتوضأ. وارجع لتفصيل الكلام في الآية إلى ((أحكام القرآن)) لأبي بكر الرازي
الجصاص .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢١، ٢٢) والدار قطني
(ص٥٠، ٥١) والطبراني في ((التفسير)) (ج ٥: ص ٦٧) وضعفه الثوري ويحيى
القطان وابن معين والبخاري والبيهقي والدار قطني، ومال أبو داود وابن عبد البر
إلى تصحيحه كما سيأتي.
(وقَالَ التِّرْمِذِي) بعد إخراجه من طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي
ثابت، عن عروة، عن عائشة. (لَا يَصِحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا) أي: من أهل الحديث، قاله
أبو الطيب السندي، والشيخ سراج أحمد السرهندي في شرحيهما ((جامع
الترمذي)). (بِحَالٍ) بالتنوين، وقوله: ((إِسْنَادُ عُرْوَةَ)) بالرفع على أنه فاعل لقوله: ((لَا
يَصِحُ))، وقوله: ((إِسْنَادُ إِبْرَاهِيمَ)) عطف على قوله: ((إِسْنَادُ عُرْوَةَ)) يعني: لا يصح
سند حديث عروة عن عائشة هذا؛ لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة،
وحبيب لم يسمع من عروة فهو منقطع، وكذا لا يصحُّ سند حديث إبراهيم التيمي
عن عائشة؛ لأنه أيضًا منقطع، إبراهيم لم يسمع عن عائشة بالاتفاق، وقيل: بترك
التنوين في ((حَالٍ)) على أنه مضاف إلى ((إِسْنَادُ عُرْوَةَ)) والباء للسببية، وفاعل ((لَا
يَصِحُ)) هو الضمير فيه، يرجع إلى ما يعود عليه الضمير المنصوب في قوله:
((رَوَاهُ))، وهو حديث عائشة، والمعنى: لا يصح حديث عائشة هذا لحال إسناده،
فإنه روي من طريقين: الأول: طريق حبيب، عن عروة، عن عائشة. والثاني:
طريق أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، وكلاهما منقطع، وهذا على أن
يكون المراد بعروة عروة بن الزبير، وإن كان المراد به عروة المزني فسبب عدم
صحته هي جهالة عروة المزني.
قال الترمذي في ((جامعه)) بعد إخراجه حديث عائشة، من طريق حبيب، عن
13
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
HION *
THEN
بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
١٧٩
THEN
عروة، عن عائشة، ما نصه: وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي وَّر في
هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل
یضعف هذا الحدیث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة، وقد روي
عن إبراهيم التيمي عن عائشة: أن النبي ◌َّ قَبَّلَهَا ولم يتوضأ. وهذا لا يصح أيضًا،
ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة، انتهى.
(إِسْنَادُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ) لم ينسب الترمذي عروة في حديثه، ونسبه أحمد وابن
ماجه في روايتهما، فقالا: عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير. وجزم
الثوري أنه عروة المزني، وهو مجهول، وبذلك ضعف الحديث، وتبعه وقلده في
ذلك يحيى بن سعيد القطان وابن معين والدار قطني والبيهقي وآخرون. ويظهر من
كلام الترمذي أنه مال إلى كونه عروة بن الزبير، وهو الصحيح عندنا، لرواية
أحمد وابن ماجه هذه؛ ولأن المطلق يحمل على ما هو المشهور المتعارف، وليس
هو إلا عروة بن الزبير، ولأن قول عروة: ((مَنْ هِيَ إِلا أَنْتِ))، في رواية أبي داود
والترمذي ظاهر في أنه ابن الزبير؛ لأن المزني لا يجسر أن يقول ذلك الكلام
لعائشة؛ ولأن هشامًا وافق حبيب بن أبي ثابت، فرواه عن أبيه عروة بن الزبير عن
عائشة، عند الدار قطني، وهذه قرينة ظاهرة على أنه ابن الزبير في رواية حبيب.
وأما سند أبي داود الذي قال فيه: عن عروة المزني، فإنه من رواية
عبد الرحمن بن مغراء عن ناس مجاهيل، وابن مغراء ليس بشيء في روايته عن
الأعمش، وأما ما حكاه أبو داود عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب بن أبي ثابت
إلا عن عروة المزني، يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء، فلم يسنده أبو
داود، وأيضًا قال الثوري هذا القول من غير دليل يؤيده، وقد خالفه أبو داود،
وأثبت صحة رواية حبيب عن عروة، حيث قال عقبه: وقد روى حمزة الزيات، عن
حبيب، عن عروة بن الزبير حديثًا صحيحًا. يشير بذلك إلى ما رواه الترمذي في
((الدعوات)) (ج٢: ص ٢٠٥) وقال: هذا حديث حسن غريب، وسمعت محمد بن
إسماعيل يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا، انتهى.
وهذا يدل أولًا على أن عروة في هذا الإسناد هو عروة بن الزبير، كما صرح
بذلك في رواية أحمد وابن ماجه، خلافًا لمن زعم أنه عروة المزني، وثانيًا: على
أنه يرى صحة رواية حبيب عن عروة، وأما قول البخاري: إن حبيبًا لم يسمع من