Indexed OCR Text

Pages 1-20

مُحَاء المِقَاء
شَرَّحُ
مِشِكَاةِ المصابيح
لِلعَلَامَةِ المَحَدِّثَ
أَبِي الْحَسِنْ عُبَيَدِ اللَّهِنْ الْعَلَّمَةِ حَد عَبْدِ السَّلَام الْبُّارَ كَفُورِيّ
رَحْمَهُمَا اللهتعالى
تَقْيم نَفِيَة الشَّيخ
الدّكتور وَضِيّ اللّهِ بْ مُحَمَّدٌ عَبَّاسِ حَفِظَةُ الله
المدرّس بالسِّهِالَّمَ وَالأسْتَاذ المُشَارِك ◌َجَامِعَةٍ أُمّ لهُرى - بمكّةُ الَكرََّة
حقّقه وخرج أحاديثه
الشَّيَخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بِرْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنَ
غَفَّ اللّه لَه وَكَوَالدَّيْهِ
C
المُجَلَُّ الثّاني
كِتَابُ العِلمِ - كِتَابُ الطَّهَارَة - كِتَابُ الصَّلاَة
حَديث (١٩٨ - ٦٢٥)
مقدار القَبِ اللَّشر والتّوزيع

شُرْجَاء الْمَقارة
شَرَّحُ
مِشْكَاةِ المِصَاح
المُجَلَُّ الثَّاني

محمد سليمان أمين، ١٤٣٨ هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٦ -٨٧٦٧ - ٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج ٢)
١ - الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
دیوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٦-٨٧٦٧-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٢)
جَمْعُ الحقوق محفوظة لُحقّق والنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ ھ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَفُ وَتَصِميح وَإِخْرَاجُ
قَدَارُالْقَبِسَ الَشَرِوالتَوزِ
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com

مُرْعَاءُ الْقَاتِ
شِرَحُ
مِشَكَاةِ المِصَاح
لِلَعَلّامَةِ المُحدِّث
أَبَيْ الْحَسَنْ عُبَيْدِ اللهِبْنِ الْعَلَّمَةِ مُحَدَ عَبْدِ السَّلَامِ لَمُّارَكَفُورِيّ
رَعَهُمَا اللّه تَعَالى
تَقْدِيِم نَضِيَة الشّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللّهِ بَزْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ الله
المدرّس بالَْجِالحَمَ وَالأسْنَاذ المُشَارِ بَجَامِعَةٍ أُمّ الُرِى - بِمَّ الَكَرَة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُْلَيْمَانْ بَنْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنْ
غَفَ اللّه ◌َوَكَوَلَدَيْهِ
المُجَلَّدُ الثَّاني
كِتَابُ العِلمِ - كِتَابُ الطَّهَارَة - كِتَابُ الصَّلَاة
حَديث (١٩٨ - ٦٢٥)
قرار القَبِ النَّشْرِ وَالتَّوِيُ

مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
BED
٥
٢ - كِتَابُ الْعِلْم
(كِتَابُ الْعِلْم) أي : بيان ما يتعلق بالعلم من فضله وفضل تعلمه وتعليمه، وبيان
ما هو علم شرعًا، وبيان فرضه ونفله. وغير ذلك من متعلقات العلم، لا بيان ماهيتة
وحقيقته؛ لأن النظر في الماهيات ليس من فن الكتاب، وقدمه على سائر الكتب
التي بعده؛ لأن مدار تلك الكتب كلها على العلم، وإنما لم يقدم على كتاب
الإِيمان ومتعلقاته من القدر وعذاب البرزح والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله،
وضده من الكفر وغيره من الكبائر المخلة بالإيمان؛ لأن الإيمان أول واجب على
المكلف، أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها، وينبغي للطالب أن يطالع
(تذكرة السامع والمتكلم)) لابن جماعة، المتوفى سنة (٧٣٣) و((جامع بيان العلم))
لابن عبد البر، المتوفى سنة (٤٦٢) و((إحياء العلوم)) للغزالي، المتوفى سنة (٥٠٥)
وغير ذلك من كتب هذا الفن.
الفصل الأول
١٩٨ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((بَلِّغُوا
عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدَّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا
فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشّرْحُ
١٩٨- قوله: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) أي: ولو كانت آية قصيرة من القرآن،
والقرآن مبلغ عن رسول اللَّه ◌َّر؛ لأنه الجائي به من عند الله، ويفهم منه تبليغ
(١٩٨) البُخَارِي (٣٤٦١) فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالتِّرْمِذِي (٢٦٦٩) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.

٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث بالطريق الأولى، فإن القرآن مع انتشاره وكثرة حملته وتكفل الله بحفظه
لما أمرنا بتبليغه فالحديث أولى.
وقيل: المراد بالآية هنا الكلام المفيد، نحو من سكت نجا، أي: بلغوا عني
أحاديث ولو قليلة، وحرض على تبليغ الأحاديث دون القرآن؛ لأنه تعالى تكفل
بحفظه، ولأن الطبائع مائلة إلى تعلمه، أو هو داخل فيه؛ لأنه وَ ليّ بلغهما. وقوله:
((بَلِّغُوا)) مشعر باتصال سنده؛ لأن البلوغ انتهاء الشيء إلى غايته وبأدائه من غير
تغییر .
(وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بما وقع لهم من الأعاجيب وإن استحال مثلها في هذه
الأمة، كنزول النار من السماء لأكل القربان مما لا تعلمون كذبه، أي: مما لا
يخالف القرآن والحديث ولا يعارضهما. (وَلَا حَرَجَ) أي: لا ضيق عليكم بالتحديث
بقصصهم كحكاية قتل أنفسهم في توبتهم من عبادة العجل، أو تفصيل القصص
المذكورة في القرآن مما فيه عبرة. وأما النهي عن اشتغال بما جاء منهم، فمحمول
على كتب التوراة والعمل بالأحكام لنسخها، أو النهي كان في صدر الإسلام لعدم
تقرر الأحكام حينئذٍ فربما يعمل بما حدث عنهم من الأحكام، فلما تقررت الأحكام
الإسلامية لم يحصل ذلك المحذور. أو أن قوله: ((حَدِّثُوا)) أولًا صيغة أمر تقتضي
الوجوب، فأشار إلى عدمه وأن الأمر للإباحة بقوله: ((وَلَا حَرَجَ)) أي: في ترك
التحديث عنهم، فأباح لهم الحديث عنهم للاتعاظ، ورفع الحرج عنهم في تركه
بخلاف التحديث عنه وَّر، فإنهم مأمورون بالتبليغ عنه، فلهذا قال: بلغوا عني،
وقيل: معنى قوله: (لَاحَرَجَ)) أي: لا تضيق صدوركم بما تسمعونه منهم من
الأعاجيب، فإن ذلك وقع لهم کثیرًا.
وقيل: المراد جواز التحديث عنهم بأي صيغة وقعت من انقطاع أو بلاغ، أي:
ليس المقصود من قوله: ((لَا حَرَجَ)) إباحة الكذب في أخبارهم، ورفع الإثم عن نقل
الكذب عنهم، بل ترخيص في الحديث عنهم على البلاغ وإن لم يتحقق ذلك بنقل
الإسناد؛ لتعذره بطول المدة بخلاف الأحكام المحمدية، فإن الأصل فيها
التحديث بالاتصال.
(وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ) أي: نسب الكلام كاذبًا إليه سواء كان عليه أو له، وهو عام في

٧
كِتَابُ الْعِلْم
كل كذب مطلق في كل نوع منه من الأحكام وغيرها كالترغيب والترهيب، ولا
مفهوم لقوله: ((عَلَيَّ))؛ لأنه لا يتصور أن يكذب له؛ لأنه فعلَّ نهى عن مطلق الكذب
فلا حجة فيه لمن جوز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب. (مُتَعَمِّدًا) نصب
على الحال وليس حالًا مؤكدة؛ لأن الكذب قد يكون من غير تعمد، وفيه تنبيه على
عدم دخول النار فيه .
(فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي: فليتخذ لنفسه منزلًا في النار، يقال: تبوأ الدار إذا
اتخذها مسكنًا. والأمر بمعنى الخبر لما في حديث علي عند مسلم: «مَنْ يَكْذِبْ
عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ))، وعند ابن ماجه: ((الْكَذِبُ عَلَيَّ يُولِجُ النَّارَ)). وفي حديث ابن عمر
عند أحمَد: ((بُنِيَ لَهُ بَيْتُ فِي النَّارِ)). وتعبيره بصيغة الأمر للإهانة، ولذا قيل: الأمر
فيه للتهكم والتهديد إذ هو أبلغ في التشديد، والمعنى: هذا جزاؤه، وقد یعفی وقد
يتوب، والفرق بين الكذب عليه وسلّر والكذب على غيره أن الأول كبيرة بالاتفاق
بخلاف الثاني، ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو كذب على
غيره أن يكون مقرهما واحدًا، أو طول إقامتهما سواء، فقد دل هذا الحديث على
طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها؛ لأنه لم يجعل له منزلا غيره، إلا أن
الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) أي: مجموع الحديث في أخبار بني إسرائيل، وكذا أخرجه
أحمد، والترمذي، والنسائي، وأما قوله: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ... ))، إلخ. فقد
روي عن مائة من الصحابة على ما قال الحافظُ: أنه ورد عن ثلاثين نفسًا منهم
بأسانيد صحاح وحسان، وعن نحو من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو
من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة، مع أن فيها ما هو مطلق في ذم الكذب عليه من
غير تقييد بهذا الوعيد الخاص. ونقل النووي أنه جاء عن مائتين من الصحابة،
ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه أنه متواتر لفظًا ومعنى.

BCE
٨
esexx Xesr
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٩، ٢٠٠ - [٢، ٣] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَىَّ أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ
الْكَاذِبِینَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْجُ
١٩٩، ٢٠٠ - قوله: (وَعَنْ سَمُرَةَ) بفتح السين المهملة وضم الميم. (ابْنِ
جُنْدَبٍ) بضم الجيم والدال ويفتح، ابن هلال الفزاري، حليف الأنصار، صحابي
مشهور، كان من الحفاظ المكثرين عن رسول اللَّه ◌َله سكن البصرة، وكان زياد
يستخلفه عليها ستة أشهر وعلى الكوفة ستة أشهر، فلما مات زياد استخلفه على
البصرة فأقرَّه معاوية عليها عامًا أو نحوه، ثم عزله، وكان شديدًا على الحرورية،
فهم ومن قاربهم يطعنون عليه، وكان الحسن، وابن سيرين، وفضلاء أهل البصرة
يثنون عليه، وقال ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير.
وقال أيضًا: كان عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحب الإسلام وأهله، وكان
رسول اللَّه وَل يستعرض غلمان الأنصار في كل عام، فمر به غلام فأجازه في
البعث، وعرض عليه سمرة من بعده فرده، فقال سمرة: قد أجزت هذا ورددتني،
ولو صارعته لصرعته. قال: فدونكه، فصارعه فصرعه سمرة، فأجازه في البعث.
قال ابن عبد البر: مات بالبصرة في خلافة معاوية سنة (٥٨)، سقط في قدر مملوءة
ماء حارًّا، كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه، فسقط في القدر الحارة
فمات، فكان ذلك تصديقًا لقول رسول اللّه وَ ليل له ولأبي هريرة وثالث معهما
يعني: أبا محذورة: ((آخِرُكُمْ مَوْتًا فِي النَّارِ)). وقد جاء في سبب موته غير ما ذكر.
وقيل: مات سنة (٥٩) أو أول سنة (٦٠) بالكوفة، وقيل: بالبصرة، له مائة حديث
وثلاثة وعشرون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم
بأربعة، روى عنه جماعة.
(١٩٩)، (٢٠٠) مُسْلِم (٩/١)، وَابن مَاجَهْ (٣٩) عَنْ سَمُرَةَ، وَمُسْلِم (٩/١) عَنِ المُغِيرَةَ فِي خُطْبَةٍ
كِتَابِهِ .

٩
كِتَابُ الْعِلْم
(وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً) بن مسعود بن معتب الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد، أسلم
زمن الخندق، وشهد الحديبية وما بعدها، كان يقال له مغيرة الرأي، وشهد اليمامة
وفتوح الشام والقادسية. قال الشعبي والزهري: كان من دهاة العرب، وقال قبيصة
ابن جابر: صحبت المغيرة فلو أن مدينة لها سبعة أبواب لا يخرج من باب منها إلا
بالمكر لخرج من أبوابها كلها، كان عاقلاً أديبًا فطنًا لبيبًا داهيًا. قال ابن عبد البر:
ولاه عمر البصرة فلما شهد عليه عند عمر، عزله ثم ولاه الكوفة، وأقرَّه عثمان عليها
ثم عزله، ثم اعتزل الفتنة، ثم حضر الحكمين، ولاه معاوية الكوفة، مات سنة
(٥٠) على الصحيح. له مائة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا على تسعة، وانفرد
البخاري بحديث، ومسلم بحدیثین، روى عنه جماعة.
(مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ) أي: ولو بواحد. (يُرَى) بضم أوله من الإراءة أشهر من
فتحه من الرأي، وكلاهما بمعنى يظن، أو الثاني بمعنى يعلم، والمراد العلم
بالمعنى الأعم يقينيًا أو ظنيًا، وقيد بذلك لأنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه أو يظنه
كذبًا، وأما ما لا يعلمه أو لا يظنه كذلك فلا إثم عليه في روايته وإن ظنه غيره كذبًا أو
علمه. وقيل: الأقرب أن الحديث يدل مفهومًا على أن غير الظان لا يعد من جملة
الكاذبين عليه وَّر، وأما أنه لا يأثم فلا، فليتأمل.
(فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ) المشهور روايته بصيغة الجمع باعتبار كثرة النقلة، أي: فهو
واحد من جملة الواضعين للحديث، والمقصود أن الرواية مع العلم بوضع
الحديث كوضعه. قالوا: وهذا إذا لم يبين وضعه، وقد جاء بصيغة التثنية باعتبار
المفتري والناقل عنه، والمراد أن الراوي له يشارك الواضع في الإثم؛ لأنه يعينه
ويشاركه بسبب إشاعته، فهو كمن أعان ظالمًا على ظلمه. قال الطيبي: فهو
كقولهم: القلم أحد اللسانين، والجد أحد الأبوين. كأنه يشير إلى ترجيح التثنية
بكثرة وقوعها في أمثاله، فهو المتبادر إلى الأفهام.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في أول ((صحيحه))، وأخرجه أيضًا أحمد، وابن ماجه في السنة،
وأخرجه الترمذي عن المغيرة بن شعبة وحده، وفي الباب عن علي أخرج حديثه ابن
ماجه في السنة .

١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠١ - [٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ
خَيْرًا، يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرُْ
٢٠١ - قوله: (وَعَنْ مُعَاوِيَةً) أي: ابن أبي سفيان، وقد تقدم ترجمته. (مَنْ يُرِدْ
اللَّهُ بِهِ خَيْرًا) تنكيره للتكثير والتعظيم، أي خيرًا كثيرًا عظيمًا. (يُفَقَّهُ فِي الدِّينِ)
بتشديد القاف وسكون الهاء؛ لأن الموصول متضمن معنى الشرط، أي: يجعله
عالمًا بالشريعة. والفقه في الأصل الفهم، يقال: فقه الرجل - بالكسر - إذا فهم
وعلم، وفقه - بالضم - إذا صار فقيهًا عالمًا، وجعله العرف خاصًا بعلم الأحكام
الشرعية العملية، وحمله على أصل اللغة أولى ليشمل فهم كل علم من علوم
الدين، ويلائم تنكير (خَيْرًا))، والفقه في الدين الذي أريد بمن يعطه الخير، هو
العلم الذي يورث الخشية في القلب، ويظهر أثره في الجوارح، ويترتب عليه
الإنذار، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ الآية
[التوبة: ١٢٢].
(وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) أى للعلم. (وَاللَّهُ يُعْطِي) أي: الفهم في العلم، هو من باب
قصر القلب إن اعتقد السامع أنه معط لا قاسم، أي: ما أنا إلا قاسم لا معطٍ، ومن
قصر الإفراد إن اعتقد أنه قاسم ومعطٍ أيضًا، أي: لا شركة في الوصفين أي: بل أنا
قاسم فقط. ولما كان فقه الصحابة متفاوتًا لتفاوت الأفهام أعلم بقوله: ((إنما أنا
قاسم ... ))، إلخ. أن هذا التفاوت ليس مني، وإنما الذي هو مني القسمة بينكمٍ،
يعني: تبليغ الوحي إليكم من غير تخصيص بأحد، والتفاوت في أفهامهم من اللَّه
تعالى؛ لأنه هو المعطي، يعطي الناس على قدر ما تعلقت به إرادته في الأزل، لأن
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [الجمعة: ٤]. وقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث
فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمع آخر منهم أو ممن أتى بعدهم فيستنبط منه
مسائل كثيرة، وقيل: أراد به قسمة المال، لكن سياق الكلام يدل على الأول،
(٢٠١) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ مُعَاوِيَةَ؛ البُخَارِي (٣٦٤١) (٧١) فِي العِلْمِ، وَمُسْلِم (٩٨/ ١٠٣٧) فِي الزَّكَاةِ.

١١
كِتَابُ الْعِلْم
وظاهره يدل على الثاني؛ لأن القسمة حقيقة تكون في الأموال، ولذا أخرجه مسلم
في قسم الصدقات، والبخاري في الخمس أيضًا، ووجه المناسبة بما قبله أنه وَله
خص بعضهم بزيادة مال لمقتض، فتعرض بعض من خفي عليه المقتضى بأن هذه
قسمة فيها تخصيص لناس، فعرض وّله بأنه من أريد به الخير يفهم في أمور الدين،
لا يخفى عليه المقتضى، ولا يتعرض لما ليس على وفق خاطره، إذ الأمر كله للَّه،
وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يزيد وينقص، والنبي وقّ قاسم وليس بمعط،
حتى ينسب إليه الزيادة والنقصان. والحصر إضافي رد لمن توهم أنه المعطي،
والأظهر أنه لا منع من الجمع بين الوجهين.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد، وروي نحوه عن ابن عباس عند أحمد
والترمذي. وعن أبي هريرة عند ابن ماجه، وأبي يعلى، والطبراني، وعن ابن
مسعود عند البزار، والطبراني في ((الكبير))، وعن ابن عمر عند ابن أبي عاصم في
کتاب العلم.
٢٠٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((النَّاسُ مَعَادِنُ
كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا
فَقُهُوا».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْحُ
٢٠٢ - قوله: (النَّاسُ مَعَادِنُ) المعدن المستقر، من عدنت البلد إذا توطنته،
ومنه معدن لمستقر الجواهر، و((مَعَادِنُ)) خبر المبتدأ، ولا يصح حمله إلا بِأحد
وجهين: إما على التشبيه، كقولك زيد أسد. وحينئذٍ يكون. (كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ) بدلًا منه، أي: الناس كمعادن الذهب والفضة، وإما على أن المعادن
مجاز عن التفاوت، فالمعنى: أن الناس متفاوتون في النسب بالشرف والضعة،
مثل تفاوت المعادن في الذهب والفضة وما دونهما، يدل عليه قوله: عليه الصلاة
(٢٠٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم (١٩٩ / ٢٥٢٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الأَدَبِ، وَالْبُخَارِي (٣٤٩٣،
٣٤٩٦) فِي العِلْمِ.

١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والسلام في حديث آخر: ((فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي)). أي: أصولها التي ينسبون
إليها ويتفاخرون بها، وإنما جعلت معادن لما فيها من الاستعدات المتفاوتة، فمنها
قابلة لفيض اللَّه تعالى على مراتب المعادن، ومنها غير قابلة له، أو شبههم
بالمعادن؛ لأنهم أوعية للشرف والعلوم والحكم، كما أن المعادن أوعية للجواهر
النفيسة والفلزات المنتفع به .
(خِيَارُهُمْ) جمع خير أو أريد به أفضل التفضيل، تقول في الواحد خير وأخير.
(فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَام) جملة مبنية، أي: من كان من خيار القبائل في
الجاهلية وكان يستعد لقبول المآثَر وجميل الصفات والتفوق في الأقران لكنه كان
في ظلمة الكفر والجهل مغمورًا مستورًا، كما يكون الذهب والفضة في المعدن
ممزوجًا مخلوطًا بالتراب، كان في الإسلام كذلك، وفاق بتلك الاستعدادات
والمآثر والصفات على أقرانه في الدين، وتنور بنور العلم والإيمان، وخلص في
سبكة المجاهدة في العبادة كما يسبك الذهب والفضة. (إِذَا فَقُهُوا) بكسر القاف،
أي: فهموا، وبالضم أي: صاروا فقهاء علماء بعلم الشريعة، والرواية بالضم وهو
المناسب هنا، وهذا القيد يفيد أن الإسلام يرفع اعتبار التفاوت المعتبر في
الجاهلية، فإن التفاوت في الإسلام بحسب الأحساب، أي: مكارم الأخلاق
ومحاسن الصفات، وفي الجاهلية بحسب الأنساب. ولا يعتبر هذا الثاني إلا
بالأول، فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب شرف النسب الأصلي،
فيجتمع شرف النسب والحسب، ففيه دليل على أن الوضيع العالم أرفع من
الشريف الجاهل، فالعلم والحكمة يرفعان كل من لم يرفع.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الفضائل، لكن ليس فيه(كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)) والظاهر من
كلام المصنف أن حديث أبي هريرة هذا من إفراد مسلم، وليس كذلك فإنه متفق
عليه، أخرجه البخاري في ترجمة يوسف من كتاب الأنبياء، وليس فيه أيضًا
(كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)»، نعم أخرجه أحمد بهذا اللفظ وزاد: «وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ
مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا اْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)).

١٣
كِتَابُ الْعِلْم
٢٠٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((لَا حَسَدَ إِلَّ
فِي اثْنَيْنِ: رَجُل آتَاهُ اللَّهُ مَالَّا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُل آتَاهُ اللَّهُ
أَمْتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقَّضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا)).
الشَّرْجُ
٢٠٣- قوله: (لَا حَسَدَ) هو تمنى زوال نعمة الغير سواء حصل له أم لا،
والمراد به الغبطة وهي: تمني الرجل حصول مثلها له من غير أن يتمنى زوالها عن
الغير، وأطلق الحسد عليه مجازًا، والدليل على ذلك ما زاد أبو هريرة في هذا
الحديث عند البخاري: (فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا
يَعْمَلُ)). فكأنه قال في حديث ابن مسعود هذا: لا غبطة أعظم أو أفضل أو محمودة
إلا في هذين الأمرين. وقال التُّورْبَشتى: الظاهر أن المراد بالحسد صدق الرغبة
وشدة الحرص، ولما كان هذان السببان هما الداعيين إلى الحسد كنى عنهما
بالحسد، انتهى. والمقصود أنه لا تنبغي الغبطة في الأمور الخسيسة، وإنما تنبغي
في الأمور الجليلة الدقيقة كالجود والعلم مع العمل. (إِلَّ فِي اثْنَيْنِ) أي: في شأن
اثنين، وفي بعض النسخ ((اثْنَتَيْنٍ)) بالتأنيث، أي: خصلتين اثنتين.
(رَجُلٌ) روى مجرورًا على البدل من (اثْنَيْنِ)) وهو أوثق الروايات، وعلى نسخة
((اثْنَتَيْنِ)) بالتأنيث، يقدر: خصلة رجل، وروي أيضًا (رَجُلٌ)) مرفوعًا على أنه مبتدأ.
( آتَاهُ اللَّهُ) بالمد أي أعطاه. (مَالًا) أي: مالًا كثيرًا. (فَسَلَّطَهُ) عبر بالتسليط لدلالته
على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ. (عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتحتين أي:
إهلاكه، يعني: إنفاقه، وعبر بذلك ليدل على أنه لا يبقى منه شيئًا، وكمله بقوله :
(فِي الْحَقِّ) أي: في الطاعات ليزيل عنه إيهام الإسراف المذموم كما يقال: لا سرف
في الخير.
(٢٠٣) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ البُخَارِي (٧٣) فِي العِلْمِ وَغَيْرِهِ، وَمُسْلِم (٢٦٨/ ٨١٦) فِي
الصَّلَاةِ، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٥٨٤٠)، وابن مَاجَهْ (٤٢٠٨).

١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
(الْحِكْمَةَ) اختلفوا في تفسيرها، فقيل: القرآن لأن اللام للعهد وقيل: المراد بها
كل ما منع الجهل والقبيح، وقيل: الاتقان في الأمور، وقيل: حكمة الشرع،
وقيل: السنة، وقيل: الإصابة من غير النبوة. (يَقْضِي بِهَا) أي : يعمل بها ويحكم،
والمراد أنه لا ينبغي أن يتمنى كونه كذى نعمة إلا أن تكون تلك النعمة مقربة إلى
اللَّه. (وَيُعَلِّمُهَا) أي: غيره.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا النسائي، وابن ماجه، وفي الباب عن ابن عمر عند
الشيخين، وعن أبي هريرة عند البخاري والنسائي.
٢٠٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَليهِ: ((إِذَا مَاتَ
الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ،
أَوْ وَلَدٍ صَالِحِ يَدْعُو لَهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْحُ
٢٠٤ - قوله: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ) أي: أعماله بدليل الاستثناء،
والمراد فائدة عمله؛ لانقطاع عمله، يعني: لا يصل إليه أجر وثواب من شيء من
عمله. (إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ) أي: ثلاثة أشياء، فإن فائدتها لا تنقطع، قال السندهي: قوله:
((انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ)) أي: ثواب عمله، ولما كان هذا بمنزلة: انقطع الثواب من كل
أعماله، تعلق به قوله: ((إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ)) أي: ثلاثة أعمال. وقيل: بل الاستثناء متعلق
بالمفهوم، أي: ينقطع ابن آدم من كل عملٍ إلا من ثلاثة أعمال.
والحاصل: أن الاستثناء في الظاهر مشكل، وبأحد الوجهين المذكورين يندفع
الإشكال، انتهى. وقال الأبهري: ((مِنْ)) زائدة، والتنوين عوض عن الأعمال،
وقيل: بل الضمير في ((عَنْهُ)) زائد ومعناه: إذا مات الإنسان انقطع عن أعماله إلا من
ثلاثة أعمال. وقال الطيبي: الاستثناء متصل تقديره: ينقطع عنه ثواب أعماله من
(٢٠٤) مُسْلِم (١٤ / ١٦٣١) فِي الوَصَايَا، وَأَبُو دَاوُد (٢٨٨٠)، والتِّرْمِذِي (١٣٧٦)، والنَّسَائِي (٦/
٢٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

١٥
كِتَابُ الْعِلْم
كل شيء كالصلاة والزكاة، ولا ينقطع ثواب أعماله من هذه الثلاثة، يعني: أن
الإنسان إذا مات لا يكتب له بعده ثواب أعماله؛ لأنه جزاء العمل، وهو ينقطع
بموته إلا فعلًا دائم الخير مستمر النفع، مثل وقف أو تصنيف أو تعليم أو ولد
صالح، وجعل الولد الصالح من جنس العمل؛ لأنه هو السبب في وجوده وسبب
صلاحه بإرشاده إلى الهدى. وفائدة التقييد بالولد مع أن غيره لو دعا لنفعه،
تحريض للولد على الدعاء وأنه كالواجب عليه، انتهى مختصرًا.
(إِلَّ مِنْ صَدَقَةٍ ... ) إلخ. بدل من قوله: ((إِلَّا مِنْ ثَلاثَةٍ)) وفي التكرير مزيد تقرِير
واعتناء بشأنه، وفي رواية أبي داود والنسائي (مِنْ صَدَقَةٍ)) أي: بدون لفظ: ((إِلَّا))
وفي رواية الترمذي ((إِلَّ مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ)) أي: بغير لفظ: ((إِلَّا)) و((مِنْ)) الجارة،
فصدقة بالجر بدل من ثلاث (جَارِيَةٍ) أي: غير منقطعة كالوقف أو ما يديم للولي
إجراءها عنه، وإليه يميل ترجمة النسائي وأبي داود بلفظ: باب الصدقة عن الميت،
وفي ((الأزهار)): قال أكثرهم: هي الوقف وشبهه مما يدوم نفعه.
(أَوْ عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ) هو ما خلفه من تعليم أو تصنيف ورواية، وقال بعضهم: حمله
على التأليَّفَ أقوى؛ لأنه أطول مدة وأبقى على ممر الزمان، المراد به العلم
الشرعي .
(أَوْ وَلَدٍ صَالِحِ يَدْعُو لَهُ) قال ابن الملك: قيد الولد بالصالح؛ لأن الأجر لا
يحصل من غيرهً، وإنما ذكر دعاءه تحريضًا للولد على الدعاء لأبيه، حتى قيل:
للوالد ثواب من عمل الولد الصالح سواء دعا لأبيه أم لا. قال الشيخ ولي الدين :
إنما أجرى على هؤلاء الثلاثة الثواب بعد موتهم لوجود ثمرة أعمالهم بعد موتهم
كما كانت موجودة في حياتهم. وقال عياض: معنى الحديث أن عمل الميت
منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها من اكتسابه الولد وبثه العلم عند
من حمله عنه، أو إيداعه تأليفًا بقي بعده، وإيقافه هذه الصدقة. بقيت له أجورها ما
بقيت ووجدت، ولا تنافي بين هذا الحصر وبين قوله وَالَ: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ
أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا))؛ لأنه داخل في باب ((عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ)) فإن وضع السنن
وتأسيسها مِن باب التعليم المنتفعِ به، وكذا لا تنافي بينةً وبين قوله : ((كُلَّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ
عَلَى عَمَلِهِ إِلَّ المُرَابِطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))؛ لأن الحصر

١٦
Bee
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في حديث أبي هريرة يدل على أن الثواب بانضمام الغير يجري، كأنه قيل: ينقطع
عمله المنضم إلى عمل الغير إلا عن ثلاث، والمرابطة ليست بداخلة فيها فلا يخل
بالحصر. وقيل: المرابطة داخلة في الصدقة الجارية؛ لأن القصد في المرابطة
نصرة المسلمين ودفع أعداء الدين، أو المجاهدة مع الكفار ودعوتهم إلى الإسلام
لينتفعوا به في الدارين، ونية المؤمن خير من عمله، فلا یبعد أن يدخل تحت جنس
الصدقة الجارية، كحفر البئر وبناء الرباط.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الوصايا، وأخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب المفرد))،
والترمذى في الأحكام، وأبو داود والنسائي كلاهما في الوصايا، وأخرج ابن ماجه
معناه عن أبي قتادة وأبي هريرة في السنة.
٢٠٥ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِن كُرْبَةً
مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَّ عَلَى
مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُّسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا
وَالْآَخِّرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا
يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ
بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ،
وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ
عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)).
[ رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٢٠٥- قوله: (كُرْبَةً) ولو حقيرة، وهي بضم الكاف، الشدة العظيمة التي
توقع صاحبها في الكرب، وهو غم يأخذ بالنفس، وتنفيس الكربة أن يخفف عنه
منها ويلطفها، والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيل عنه الكربة فتفرج عنه كربته
ويزول همه وغمه، يدل على هذا الفرق حديث كعب بن عجرة عند الطبراني، فإنه
(٢٠٥) مُسْلِمٍ (٣٨/ ٢٦٩٩) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالتِّرْ مِذِي (١٤٢٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَخَرَّجَ البُخَارِي
(٦٩٥١، ٢٤٤٢) المَعُونَةَ وَالسَّتْرَ وَالتَّنْفِيسَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَوَّلَهُ.

١٧
كِتَابُ الْعِلْم
EX
جمع فيه بينهما، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، وقيل: ((نَفَّسَ))
هاهنا بمعنى فرج، أي: رفع وأزال. قال الطيبي: كأنه فتح مداخل الأنفاس، فهو
مأخوذ من: أنت في نفس. أي: سعة، كأن من كان في كربة سد عنه مداخل
الأنفاس، فإذا فرج عنه فتحت، وهذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد
تكاثرت النصوص بهذا المعنى. (مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا) الفانية المنقضية، و((مِنْ))
تبعيضية أو ابتدائية. (نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً) أي: عظيمة. (مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي:
الباقية الدائمة، فلا يرد أنه تعالى قال: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:
١٦٠] فإنه أعم من أن يكون في الكمية أو الكيفية. (وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ) أي: سهل
على فقير، يعني: من كان له دين على فقير فسهل عليه بإمهال، أو بترك بعضه أو
كله. (يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) أي: في الدارين أو في أمورهما. (وَمَنْ سَتَرَ
مُسْلِمًا) أي: بثوب، أو بترك التعرض لكشف حاله بعد أن رآه يرتكب ذنبًا، لكن
الستر المندوب هو الستر على ذوي الهيئات ممن لا يعرف بالأذى والفساد، وأما
المعروف به، أو المتلبس بالمعصية بعد فيجب إنكارها ورفع الأمر إلى الولاة إن لم
يقدر على منعه. وأما جرح الرواة والشهود وأمناء الصدقات فواجب. (سَتَرَهُ اللَّهُ)
أي: عورته أو عيوبه، ويجوز إرادة ظاهره وإرادة ستر ذنبه جميعًا. (وَالآخِرَة)
يعني: ستره عن أهل الموقف، أو ترك المحاسبة عليه وترك ذكرها.
(وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) الواو للاستئناف، وهو تذييل للكلام السابق. (مَا كَانَ
الْعَبْدُ) أي: ما دام العبد مشغولًا. (فِي عَوْنِ أَخِيهِ) أي: المسلم بأي وجه كان بجلب
نفع أو دفع ضر. (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) حقيقيًا حسيًا وهو المشي بالأقدام إلى مجالس
العلماء أو معنويًا مثل حفظ العلم ومدارسته ومذاكرته ومطالعته وكتابته والتفهم
له، ونحو ذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم. (يَلْتَمِسُ) حال أو
صفة. (سَهَّلَ اللَّهُ بِهِ) أي: بذلك السلوك، والباء للسببية. (طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) أي:
يسهل له العلم الذي طلبه وسلك طريقه وييسره عليه، فإن العلم طريق يوصل إلى
الجنة، أو ييسراللَّه إذا قصد بطلبه وجه الله، الانتفاع به والعمل بمقتضاه، فيكون
سببًّا لهدايته ولدخول الجنة بذلك، وقد ييسراللَّه لطالب العلم علومًا أخر ينتفع
بها، وتكون موصلة له إلى الجنة، أو يسهل له طريق الجنة الحسي يوم القيامة وهو
الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع به .

١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ) هو شامل لجميع ما يبنى للَّه تقربًا إليه من المساجد
والمدارس والربط. (وَيَتَدَارَسُونَهُ) قيل: شامل لجميع ما يتعلق بالقرآن من التعلم
والتعليم والتفسير والاستكشاف عن دقائق معانيه. (السَّكِينَةُ) قيل في معنى السكينة
أشياء، المختار منها أنها شيء من مخلوقات الله - تعالى - فيه طمأنينة ورحمة
ومعه الملائكة، قاله النووي. (وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ) أي: علتهم وغطتهم وسترتهم .
(وَحَقَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ) أي: ملائكة الرحمة والبركة أحدقوا وأحاطوا بهم تعظيمًا
الصنيعهم، أو طافوا بهم وداروا حولهم إلى سماء الدنيا يستمعون القرآن
ودراستهم. (وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) أي: الملأ الأعلى والطبقة الأولى من
الملائكة، وذكره تعالى للمباهاة بهم. (وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ) بتشديد الطاء، من التبطئة
ضد التعجيل كالإبطاء، والباء للتعدية أي من أخره عن بلوغ درجة السعادة عمله
السيئ في الآخرة، أو تفريطه في العمل الصالح في الدنيا. (لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) من
الإسراع، أي: لم يقدمه نسبه، أي: لم ينفعه في الآخرة شرف نسبه، فإن العمل
الصالح هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل
العالية عند اللَّه لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات، فإن الله تعالى رتب الجزاء
على الأعمال لا على الأنساب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الذكر والتوبة. وأخرجه أيضًا الترمذي في الحدود، وفي البر
والصلة، وفي العلم، وفي أواخر القراءة مختصرًا ومطولًا، وأبو داود في الأدب
والعلم، والنسائي وابن ماجه في السنة، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم،
وقال: صحيح على شرطهما.

١٩
كِتَابُ الْعِلْم
٢٠٦ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى
عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأَتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَتَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: فَمَا
عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ
لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا
عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ،
وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِيٌّ،
فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ
عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأَتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا
عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلِ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ،
قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ به
عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ]
الشَّرْحُ
٢٠٦ - قوله: (يُقْضَى عَلَيْهِ) قيل: هو صفة للناس؛ لأنه نكرة في المعنى،
أي: يحاسب ويسئل من أفعاله، قيل: ويستفاد منه أنه أول المقضى عليهم لا
مطلقًا. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: ثلاثة. (رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ) على بناء المفعول أي قتل في
سبيل الله. (فَأَتِيَ بِهِ) أي: بالرجل للحساب. (فَعَرَّفَهُ) بالتشديد، أي: ذكره تعالى
(نِعْمَتَهُ) على صيغة المفرد هاهنا والباقيتان على صيغة الجمع، ولعل الفرق اعتبار
الإفراد في الأولى، والكثرة في الأخيرتين، كذا ذكره الطيبي. ولعل المراد بالكثرة
أصناف العلوم والأموال، وهذا التعريف للتبكيت وإلزام المنعم عليه ولذلك أتبعه
بقوله: (فَعَرَفَهَا) بالتخفيف أي فاعترف بها وتذكرها فكأنه من الهول والشدة نسيها
وذهل عنها. (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا) أي: في مقابلتها شكرًا لها. (قَالَ) أي: الرجل.
(قَاتَلْتُ فِيك) أي: جاهدت في جهتك خالصة لك، كذا ذكره الطيبي. أي: حاربت
(٢٠٦) مُسْلِم (١٥٢ / ١٩٠٥) فِي الجِهَادِ، وَالتِّرْمِذِي (٢٣٨٢)، والنَّسَائِي (٦ / ٣٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.